٠27برنامج الإسلام والحياة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام والحياة - الدرس : 08 - مقاييس التفوق التي ينبغي أن يعتمدها الإنسان


2002-05-27

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين
أعزائي المؤمنين، إخوتي المشاهدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
موضوع هذا اللقاء مقاييس التفوق التي ينبغي أن يعتمدها الإنسان، فالإنسان في التعاريف الدقيقة عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، يوجد فيه جانب إدراكي، وجانب انفعالي، وجانب مادي، والإنسان المتفوق هو الذي يربي هذه الجوانب، لا أن يربي جانباً، ويدع جانباً آخر، لذلك جاء تعريف العبادة متوافقاً مع تعريف حقيقة الإنسان، فالعبادة: طاعة طوعية، أي سلوك، أساسها معرفة يقينية، أي إدراك، تفضي إلى سعادة أبدية.
أيها الإخوة، العقل غذاؤه العلم، والعلم مادة أساسية في حياة الإنسان، إنها الحاجة العليا فيه، إنها الحاجة التي تؤكد إنسانيته، إنها الحاجة التي تسمو به، إنها الحاجة التي تسعده في الدنيا والآخرة، وقلب يحب، الإنسان عواطف، هذا الذي لا يشعر بحاجة إلى أن يحب، ولا أن يُحب ليس من بني البشر، الحب جزء أساسي من حياة الإنسان، وهذا الجسم أيضاً يحتاج إلى طعام وشراب، ننتقل إلى موضوع دقيق هو فطرة الإنسان.
فطرة الإنسان جبلته، خصائصه النفسية، هذا الجانب الذي أغفله العالم اليوم، العالم اليوم أي الحضارة الغربية اعتنت عناية لا حدود لها بالجانب المادي للإنسان، ثم غفلت جوانبه الأخرى، سمعت قصة أحد كبار المهندسين في العالم، بعد أن أنجز جسراً يعد ثاني جسر في العالم ألقى نفسه في البحر، وغرق، ذهبوا إلى غرفته في الفندق، فوجدوا ورقة كتب عليها: ذقت كل شيء في الحياة، فلم أجد لها طعماً، أردت أن أذوق طعم الموت، الإنسان حينما يعتني بجسمه فقط دون أن يعتني بروحه، دون أن يعتني بقلبه، دون أن يعتني بنفسه، فقد جَانَبَ الصواب، فالإنسان له فطرة، أي جبلّة، هذه الفطرة فطره الله عليها.
لو شرحنا هذه الفطرة: " يا داود، ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها "، فمن فطرة الإنسان أن تحب المحسن، ومن فطرة الإنسان أن تكره المسيء، من فطرة الإنسان أن تحب التفوق، أن تحب الأقوى، أن تحب الأجمل، أن تحب الأكثر، أن تحب الأعلى، هذا كله من فطرته، فالله عز وجل فطر الإنسان فطرةً تعينه على أن يعرف ربه، وأن يسعد بقربه، ولكن هذه الفطرة متوافقة توافقاً تاماً مع منهج الله، والدليل على ذلك قول الله عز وجل:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾
[ سورة الروم: الآية 30]
الإنسان فطر على معرفة الله وطاعته، وعلى السعادة بالقرب منه، فإذا لم يعرفه ضل سواء السبيل، إذا لم يطعه شقي في الدنيا والآخرة، إذا لم ينعم بقربه شقي بالبعد عنه.
إذاً أيها الإخوة، فطرة الإنسان تقتضي أن تعبد الله، لذلك حينما قال الله عز وجل:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

[ سورة الشمس ]

لا يمكن أن يكون معنى الآية أنه خلق فيها الفجور، لكن معنى الآية أن فطرة النفس العالية لمجرد أن تقع في خطأ تعذبه نفسه عذاباً ذاتياً، وهذا معنى الضمير، إن صح التعبير، أو معنى الشعور بالكآبة، أو معنى الشعور بالذنب، النفس تعذب صاحبها.
لذلك الإنسان حينما يؤدي واجبه، وحينما يطيع ربه، وحينما تضبطه قيم دينية واضحةٌ يسعد سعادة لا توصف، لذلك قالوا: في قلب المؤمن من السعادة ما لو وزعت على بلد لكفتهم، فالفطرة مجموعة خصائص للنفس، من هذه الخصائص كما ذكرت أن تحب الأعلى، الأقوى، الأجمل، أن تحب التفوق، أن تحب النجاح، والفلاح، أن تحب التوفيق في حياتك، هذا كله من فطرة الإنسان.
ولكن للإنسان فطرة وله طبع، الطبع يأخذ الجانب المادي في الإنسان، فالجسم يحب أن ينام، والجسم يحب أن يأكل، وأن يشرب، وأن يستمتع، فللجسم خصائص، وللنفس خصائص، الشيء الدقيق أن خصائص النفس متوافقة مع منهج الله، فالإنسان إذا صلى ترتاح نفسه، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ، فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( يَا بِلَالُ، أَقِمْ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا ))

[أبو داود، أحمد]

فإذا لم يصلِّ الإنسان عذبته نفسه، الإنسان إذا كان صادقاً ترتاح نفسه، فإذا كذب على الناس، ولو انتزع إعجابهم زوراً وباطلاً تعذبه نفسه، الإنسان خلق خلقاً كاملاً، وفطر فطرةً سليمة، فنفسه تعذبه، لذلك قالوا: الحق هو دائرة يمر عبرها أربعة خطوط، خط النقل الصحيح، وخط العقل الصريح، وخط الفطرة السليمة، وخط الواقع الموضوعي، فهذه النفس الإنسانية جبلت على حب من أحسن إليها، جبلت على حب التفوق، وحب النجاح، وحب الفلاح، وحب التوفيق في الأعمال، لذلك تبحث عن النجاح بمقاييس، هنا دخلنا في موضوع هذا اللقاء، ما المقاييس المنتزعة من حركة الحياة ؟
المقاييس التي اعتمدها الإنسان، والتي استنبطها من حركة الحياة مقياس المال، الناس يعظمون رب المال، مقياس القوة، الناس يعظمون القوي، مقياس الوسامة، الناس يعظمون الوسيم، مقياس الكبر والعلو، هذه كلها مقاييس مستنبطة من حركة الحياة، ولكن ما المقاييس التي اعتمدها الله في القرآن ؟ هنا المشكلة، أن تأتي مقاييس المؤمن في التفوق متوافقة مع مقاييس القرآن الكريم.
أيها الإخوة، مثلاً، عمير بن وهب مرةً كان مع صفوان بن أمية، فقال: والله، لولا أولاد أخشى عليهم العنت من بعدي، ولولا ديون ركبتني ما أطيق سدادها لذهبت، وقتلت محمداً، وأرحتكم منه، فانتهز صفوان هذه الفرصة، وقال: أما ديونك فهي علي بلغت ما بلغت، وأما أولادك فهم أولادي ما امتد بهم العمر، فاذهب لما أردت.
سقى عمير سيفه سماً، وجهز راحلته، وانطلق إلى المدينة تحت غطاء أن ابنه أسيرٌ عند المسلمين، فلما وصل المدينة رآه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: يا رسول الله، هذا عدو الله، جاء يريد شراً، فقيَّده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا عمر، أطلقه، فأطلقه، قال: ابتعد عنه يا عمر، فابتعد عنه، قال: ادن مني يا عمير، دنا منه، قال النبي عليه الصلاة و السلام: يا عمير، ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال: جئت أرجو فكاك هذا الأسير الذي في أيديكم، قال: فما بال هذه السيف التي على عاتقك ؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال عليه الصلاة والسلام: يا عمير، ألم تقل لصفوان في فناء الكعبة عند الحجر: لولا دين علي، و عيال عندي لخرجت، وقتلت محمداً، وأرحتكم منه، فتحمل عنك صفوان دينك وعيالك على أن تقتلني، واللهُ حائلٌ بيني وبينك، فذهل عمير، وقال: أشهد أنك رسول الله، لأن خبري مع صفوان لم يعلم به أحد، إلا أنا وهو والله، ثم شرح صدره للإسلام، وأسلم عمير، وأصبح من أصحاب رسول الله.
الإنسان يبحث عن السعادة، يبحث عن النجاة، يبحث عن التفوق، لكن رؤيته قد تكون غير صحيحة، فحينما يرى رؤية غير صحيحة تنحل مشكلته، ويقبل على ربه.
أحد زعماء غطفان كان في خيمة يعسكر بها ليحارب النبي عليه الصلاة والسلام في موقعة الخندق، جلس هذا البطل زعيم غطفان اسمه نعيم بن مسعود، قبل أن يسلم جلس في خيمته، وأجرى مع نفسه حواراً ذاتياً، قال: يا نعيم، ما الذي جاء بك إلى هنا ؟ جئت تقاتل هذا الرجل الطيب، هل سفك دماً ؟ هل انتهك عرضاً ؟ هل سلب مالاً ؟ أين عقلك يا نعيم ؟ أيليق بك أن تفعل هذا ؟ حوار ذاتي نقله نقلةً من شقاء أبدي إلى سعادة أبدية، فقال: انطلقت إلى رسول الله، فلما رآه النبي e قال: نعيم ؟ قال نعيم: جئت مسلماً، ولهذه القصة تتمة رائعة...
لقد أجرى الله على يديه النصر في معركة الخندق، لأنه دخل بين الفريقين، وأوقع بينهما، وضعف اتحادهما، وتفرقوا عن هذه المعركة بعد أن جاءتهم رياح قلبت قدورهم، واقتلعت خيامهم، وأطفأت نيرانهم.
فالإنسان يبحث عن الحقيقة، فإذا وجدها يسعد بها، فالإنسان فطرته تدعوه إلى طاعة الله، تدعوه إلى الإقبال عليه، تدعوه إلى أن يسعد بقربه، وجسمه يدعوه إلى النوم، يدعوه إلى إطلاق البصر، يدعوه إلى أخذ ما لا يملك، تناقض التكاليف مع طبع الإنسان هو ثمن الجنة، قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

[ سورة النازعات ]

أوضح هذه الحقيقة ببعض الأمثلة:
الإنسان يحب أن ينام، طبعه يدعوه إلى النوم، لكن التكليف يدعوه إلى أن يستيقظ، فحينما يعاكس هوى نفسه، ويستيقظ، ويصلي ترتاح نفسه، لأن النفس متوافقة مع منهج الله عز وجل، ولأن الطبع متناقض معه، من خلال هذا التناقض يكون ثمن الجنة.
أيها الإخوة الأحباب، ما مقاييس القرآن الكريم ؟ نحن من حركة الإنسان في الحياة يستنبط أن الجمال قيمة، وأن القوة قيمة، وأن الغنى قيمة، وأن العلو قيمة، ولكن الله عز وجل ما المقاييس التي اعتمدها ؟ الله عز وجل يقول:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 71]

طاعة الله عز وجل هي مقياس الفوز في القرآن الكريم، لذلك من أوتي القرآن مثلاً فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظمه الله، إذا كنت مطيعاً لله عز وجل، قائماً بأمره، منتهياً عما نهاك فأنت الفائز، وأنت المتفوق، وأنت الذي ينبغي أن تسعد في دنياك، هذا المقياس الأول:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 71]

مقياس آخر، قال تعالى:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: الآية 113]

أيها الإخوة الأحباب أيها، دققوا في قول الله تعالى:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[ سورة النساء: الآية 77]

﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

[ سورة القصص: الآية 60]

الله عز وجل يصف الحياة الدنيا أنها هينة، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو أنها تعدل عند الله ما سقى الكافر منها شربة ماء، لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه:

((الغنى والفقر بعد العرض على الله))

رجل من رجال التاريخ يصفه من حوله بأنه كان قصير القامة، أسمر اللون، ضيق المنكبين، مائل الذقن، ناتئ الوجنتين، غائر العينين، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضب غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيما غضب، معنى ذلك أن الرجل قيمته في عمله، قيمته في استقامته، قيمته في محبته للآخرين، قيمته في إنصافه، ما لم نعتمد مقاييس القرآن الكريم في التفوق فلن نفلح في حياتنا الدنيا، قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 71]

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[ سورة النساء: الآية 113]

لو دققنا في القرآن الكريم لوجدنا أن المقاييس التي اعتمدها تختلف عن المقاييس التي اعتمدها الناس، فالإنسان قد يقع في حيرة إن أخذ بمقاييس الناس، هذه مقاييس الناس للدنيا فقط، فإذا جاء الموت ألغيت كل هذه الإنجازات، كل شيء يضعه الإنسان في ثانية واحدة، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر

كل ابن أنثى و إن طالت سلامته          يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــور جنازة           فاعلمْ بأنـك بعدها محمـول

أيها الإخوة الأحباب، قارون كما يروي القرآن الكريم خرج على قومه في زينته:

﴿يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

[ سورة القصص: الآية 79]

هؤلاء الذين يريدون الحياة الدنيا اعتمدوا مقاييس الأرض، الغنى، القوة، الوسامة، العلو، لكن المؤمنين اعتمدوا مقاييس القرآن، قال تعالى:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

[ سورة القصص: الآية 80]

المشكلة أن تعتمد مقاييس القرآن كي تتفوق، فالمقياس الأول:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 71]

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[ سورة النساء: الآية 113]

لو أن طفلاً صغيراً قال لك: أنا معي مبلغ عظيم، كم تظن هذا المبلغ ؟ وإذا قال لك غني كبير: عندي مبلغ عظيم، فكلمة عظيم تتناسب مع القائل، فإذا كان خالق السماوات والأرض يقول:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 71]

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[ سورة النساء: الآية 113]

ثم إن الله عز وجل في آية أخرى يقول:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: الآية 132]

أي حجمك عند الله بحجم عملك، والعمل الصالح هو المقياس الوحيد الذي يحاط بالمؤمن، فضلاً عن مقياس العلم، مقياس العلم والعمل، المقياسان اللذان اعتمدهما القرآن الكريم في تقييم الناس.
أيها الإخوة الأحباب، هناك آية دقيقة جداً تقول:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 185]

زحزح فعل ثنائي مضعف، كقولك: زلزل، وعسعس، ودمدم، وقلقل، فالثنائي المضعف يعني التكرار، فزحزحة الإنسان عن النار يحتاج إلى جهد كبير.
وقد ورد في بعض الأحاديث:

(( أَلَا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ، ثَلَاثًا، أَلَا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ... ))

[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

تصور إنسانا يركب دراجة، يمشي بها على طريق مستوٍ، وصل إلى مفترق طريقين، طريق هابطة وطريق صاعدة، الطريق الهابطة مريحة لراكب الدراجة، والطريق معبدة، ولها أشجار، والطريق الصاعدة طريق صعبة على راكب الدراجة، وفيها حفر، وأكمات وغبار، لكن لوحة كتب عليها هذه الطريق الهابطة تنتهي بحفرة ما لها من قرار، فيها وحوش جائعة، والطريق الصاعدة تنتهي بقصر منيف، هو لمن وصل إليه.
هذا الجواب ألا يغير قرار الإنسان ؟ راكب الدراجة بحكم الواقع، وبحكم دراجته ينبغي أن يختار الطريق النازلة، لأنها مريحة، ولا يختار الطريق الصاعدة، لأنها متعبة، لكن حينما يقرأ هذا البيان يجب أن يتخذ قراراً آخر، يختار الطريق الصاعدة لما ينتظره من عطاء كبير، وهذا حال المؤمن، الإنسان حينما يلغي عقله، وحينما لا يطلب العلم بحكم طبيعته، وبحكم طبعه كما ذكرت قبل قليل يختار الدنيا، يختار الشهوات التي بين يديه، فحينما يقترب من الموت فيرى فداحة اختياره، وسوء اختياره، يندم ندماً لا حدود له، أما حينما يقرأ البيان، واستجاب إلى هذا البيان، وسلك الطريق الصاعدة وصل إلى هذا القصر المنيف.
لذلك:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 185]

أيها الإخوة الأحباب، النبي عليه الصلاة والسلام في معركة مؤتة عيّن قوادا ثلاثة، عين القائد الأول سيدنا زيد، والقائد الثاني سيدنا جعفر، والقائد الثالث سيدنا عبد الله بن رواحة، يبدو أن المعركة صعبة جداً، فالقائد الأول حمل الراية، وقاتل بها حتى قتل، ثم استشهد، أخذ الراية القائد الثاني سيدنا جعفر، وقاتل بها حتى قتل، ثم استشهد، فلما جاء دور عبد الله بن رواحة، وكان شاعراً تردد ثلاثين ثانية، قال:

 

يا نفس إلا تقتلي  تموتي          هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعلي فعلهما رضيت          و إن توليت فقد شــقيت

وأخذ الراية، فقاتل بها حتى قتل، النبي عليه الصلاة والسلام في المدينة حدث أصحابه عما جرى في مؤتة، فقال: أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم تابع حديثه فقال: ثم أخذ الراية أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم سكت النبي سكوت النبي حتى أقلق أصحابه الكرام على أخيهم عبد الله فقالوا: يا رسول الله ما فعل عبد الله ؟ ثم قال: ثم أخذ الراية أخوكم عبد الله، وقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه.
أيها الإخوة الأحباب، لأنه تردد ثلاثين ثانية، وقد أخذ الراية، وبذل روحه في سبيل الله، أرأيتم إلى قيمة الوقت أولاً، ورأيتم إلى أن هذا الفوز العظيم الذي يناله الإنسان حينما يعده الله بالجنة، قال: وأخذ الراية أخوكم عبد الله، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه.
فمقياس العلم، ومقياس العمل مقياسان أساسيان يعتمدهما القرآن الكريم في الترجيح بين البشر، لكن مقاييس أهل الدنيا لا علاقة لها بمقاييس القرآن.
أيها الإخوة، آية أخرى، يقول الله عز وجل:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)﴾

[ سورة الأعلى ]

تزكية النفس لعلها الهدف الأول من خلق الإنسان، لعلها الأمانة التي أوكله الله بها، قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 72]

الأمانة التي كلف الله الإنسان بحملها إنها نفسه التي بين جنبيه، كلفه أن يعرفها بربها، وكلفه أن يحملها على طاعته، وكلفه أن يحملها على التقرب إليه بالعمل الصالح، قال تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾

[ سورة الكهف: الآية 110]

فلذلك مقياس التفوق أن تزكي نفسك، أن تطهرها، أن يكون قلبك سليماً، فنحن عندما نقرأ القرآن يجب أن نقرأه، وأن نراه بكل جوارحنا، وكل مشاعرنا، وكل ذرة في ذرات أجسادنا، أنه كلام الله، وأن الله عز وجل حينما يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

[ سورة البقرة: الآية 104]

يجب أن تتذكر هذا العقد الإيماني بينك وبين الله، كأن الله عز وجل يقول: يا من آمنتم بوجودي، يا من آمنتم بوحدانيتي، يا من آمنتم بكمالي، يا من آمنتم بمحبتي، لكن افعلوا هذا، ولا تفعلوا هذا، فكأن بين المؤمن والله عقداً إيمانياً، وكأن الأمانة التي كلفه الله حملها هي نفسه التي بين جنبيه، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

[ سورة الشمس ]

الشقاء كل الشقاء في أن تبقي نفسك جاهلة، في أن تتفلت من طاعة الله، والسعادة كل السعادة في أن تحملها على طاعته.
أكاد أقول أيها الإخوة: الناس رجلان، لا ثالث لهما، رجل عرف الله سبحانه وتعالى، فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل آخر غفل عن الله، وتفلت من منهج الله، وأساء إلى خلق الله، فشقي في الدنيا والآخرة، لذلك الناس على اختلاف مللهم ونحلهم وانتماءاتهم وأعراقهم وأجناسهم لا يزيدون على رجلين، بر تقي كريم على الله، و فاجر شقي هيّن على الله:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: الآية 9 ]

لو عدنا إلى نقاط هذا اللقاء الطيب:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب: الآية 71]

خالق الكون يقول هذا فوز عظيم:

﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 185]

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة التوبة: الآية 105]

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[ سورة الأنعام: الآية 132]

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[ سورة المجادلة: الآية 11]

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

[ سورة الشمس ]

سيدنا إبراهيم عليه السلام قال:

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[ سورة البقرة: الآية 126]

قال الله عز وجل:

﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾

[ سورة البقرة: الآية 126]

أيها الإخوة الأحباب، البطولة أن تأتي مقاييس الفوز والنجاح عندك متطابقة مع مقاييس القرآن، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018