بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة يونس - تفسير الآية 105 ، التوحيد


1994-10-02

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد:
ففي القرآن الكريم آية، وهي قوله تعالى:

﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾

( سورة هود: 1 )

من معان الإحكام أن الآيات مترابطة فيما بينها، ومن حِكم القرآن الكريم، أن نهايات السور، تلخص السورة بأكملها.
البقرة مثلاً:

﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾

آل عمران أواخرها تلخيص للسورة بأكملها.
واليوم نقرأ الآيات التي ختمت بها سورة يونس عليه وعلى نبينا أفضل السلام يقول الله عز وجل في الآية الخامسة بعد المائة من سورة يونس:

﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105)﴾

هذه الآية، وردت في صيغتين أخريين.

﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

أيام الإنسان يقبل على الشيء لا بكليته، ببعض اهتمامه ببعض وقته، ببعض شوقه ببعض شغفه، لكن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

يعني أجعل كل وجهتك، معنى أقم أعلى درجات النشاط وأنت واقف.
أحياناً لاحظت مرة أشخاص يتناقشون فلما احتد النقاش وقف أحدهم، الوقوف دليل الجاهزية القسوة، الجاهزية العليا، يعني يجب أن تقبل على الدين بكليتك، بكل طاقاتك، بكل فكرك، بكل وقتك بكل اهتمامك، بكل إمكاناتك، بكل خبرتك، بكل مالك.

﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾

لاحظ إنسان يفحص ضغطه، ومعه ارتفاع بالضغط، وبعد تناول الحبوب، هو حينما يضغط على معصمه يلاحظ الإبرة، كيف أن عيونه معقودة بالإبرة، لا يحيد عنها، معقول أثناء قياس الضغط يتشاغل عن الساعة، ينظر لابنه، غير معقول من شدة اهتمامه تنعقد عينيه على المؤشر ليطمئن على صحته.
فهذه:

﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾

يعني أعلى درجة بالجاهزية، أعلى درجة بالاهتمام الصدق بالإقبال.

﴿أَقِمْ وَجْهَكَ﴾

في إنسان يعطي الدين درجة خامسة، يعني إذا كان ما في عنده شيء، ما في عنده لا سهرة، ولا لقاء، ولا عزيمة، بقلك نحضر مجلس علم نتسلى، والله في درس حلو يا أخي، واضع على الهامش احتياط، أهم شئ حياته، تجارته كسبه للمال، أيام يعني إذا في عنده وقت فارغ يحضر مجلس علم يتسلى به، هذا زبون شتوي، بالصيف الناس ينفردوا بالشتاء يجتمعوا بالمساجد، هؤلاء زبائن شتويين، بالصيف سارح، بالشتاء ينضب بهذا الجامع، ما عنده شي لأنه، سهرة طويلة، لليل طويل.
أما المؤمن الصادق، مبرمج حياته على الدين، الدين هو الأصل، وما تبقى من وقت يمضيه في نشاطات أخرى، بالعكس ليس الأصل عمله، الأصل لقاءاته، متعته سهراته، ندواته، أدواره ولائمه، ما تبقى بقلك للدين، يعني سجادة عتيقة أعطوها للجامع ثريا موديل قديم، ابعثوها على الجامع، ليس هذا القصد، القصد أن تقيم وجهك للدين حنيفا، معنى حنيفاً، مائلاً إليه، معرضاً عمن سواه الأحنف المائل، يعني الطاعة من دون محبة ليست عبادة.
العبادة: طاعة طوعيه ممزوجة بمحبة قلبية، لو أحببت ولم تطع فلست عابداً هذه زعبرة، وإذا أطعت ولم تحب فلست عابداً، لا تكون عبداً لله إلا إذا أطعته مائلاً إليه بالمحبة، الحب نصف الدين ونصفه الثاني سلوك، سلوك من دون محبة ليس عبادة، محبة من دون سلوك زعبره.

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك العمل في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب يطيع
***

هي معنى، وأن:

﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

يعني المؤمن قوي بإيمانه ولا تكونن من المشركين، إياك أن تشرك نفسك، وما سوى الله مع الله.

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾

يعني إذا لك معاملة بدائرة، ثلاث طوابق، وكل طابق والغرفة فيها خمس موظفين، أما الذي يعطيك الموافقة بالأخضر هو المدير العام، من الغباء أن تتجه إلى موظف وتبذل ماء وجهك أمامه ما له شغل، ليس بإمكانه أن يوافق على ذهابك، أو سفرك، شوف الإنسان كيف بتعامل بالمنطق بالدنيا، هي دائرة ثلاث طوابق، فيها مائتين موظف، بآخر طابق في المدير العام، هو وحده الذي يعطيك الموافقة على السفر، فأنت حينما تعرف أن ما في غير واحد يوافق لا تتجه إلى إنسان آخر، ولا تترجى أحد، تقيم علاقة مع هذا المدير العام، كي تأخذ الموافقة، هذا التوحيد.
أنت إذا علمت أن كائناً من كان أن لا يستطيع أن ينفعك ولا يضرك، حينما توقن أن الأمر بيد الله، تقطع علاقتك مع الآخرين طبعاً أنت لطيف ومجامل، لكن لا تشرك، لا تعلق الآمال على إنسان لا ترى أن زيد ينفعك أو يضرك، ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، هذا كلام خالق الكون من دون الله، أعظم إنسان في الأرض دون الله، ملك من دون الله، أمير من دون الله، غني من دون الله.
من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، راح ثلثين دينه، إذا جلست إلى غني وتمسكنت قدامه، لعله يرق قلبه عليك يعطيك، وين دينك صفي، أنت عبد لله، والله بحبك ما بحبه، اطلب من الله، خليك عزيز النفس، ارفع رأسك، من جلس إلى غني فتضعضع له، تمسكن، تذلل، ذهب ثلثا دينه.

 

ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير

***

شرف المؤمن، قيامه في الليل، وعزه استغنائه عن الناس ألهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، يا رب ليس لي إلا أنت، هذا التوحيد، مرغ وجهك بأعتاب الله، إلى الله تذلل فقط، قد ما بتقدر إلى الله تذلل، أما لعبد الله خليك رافع رأسك.
واحد مشى في الطريق هكذا، فاعلاه عمر بالدرة، قال له ارفع رأسك متى موت علينا ديننا، ارفع رأسك.
فالمؤمن عزيز النفس، لا بنافق، لا بداهن، لا بجامل، ما له مصلحة، لأن علاقته مع الله فقط، اعمل لوجهٍ واحدٍ، يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها.
واحد، قال له وحدوه، إذا كان واحد نايم وحد، يعني لا تتبعثر، المؤمن موحد، الكافر مبعثر، بدو يرضي الناس كلهم والناس متفاوتون في أهوائهم، وفي طلباتهم، بيرضي زيد، بيغضب عبيد، يرضي فلان، يغضب علان، شغلة بتحير، أنت كلهن حطهن وراء ظهرك وارضي الله عز وجل.

فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبين وبين العالمين خراب
إذا صح منك الوصف فالكل هينٌ وكل الذي فوق التراب تراب
***

هذا التوحيد.
لك إله ما سلمك لأحد، إذا كان سلمك لأحد لا يستحق العبادة قال لك:

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

( سورة هود: 223 )

مالك غيري يعني.
ولما الإنسان بموت أول ليلة، ورد بالأثر يقول الله عز وجل:

((عبدي رجعوا وتركوك ))

راحوا يأكلوا أوزي، حطوه بالتراب راحوا يأكلوا أوزي.

(( رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقى لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت.))

يعني مؤمن له صلة بالله، له مناجاة، له التجاء، له دعاء له استغفار، عامرة بينه وبين الله عز وجل، هذا التوحيد، بتلاقي إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يد الله لغير الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فتقي الله، ثلاث أشياء، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله.
أنا مرة قلت لكم، الحسن البصري هذا التابعي الجليل، أدى أمانة العلم وبين أشياء، هذه الأشياء لما بينها، أغضبت الحجاج وكان الحجاج كما تعلمون طاغية، وقتل الرجل عنده أهون من قتل ذبابة، فلما سمع مقالة الحسن البصري خاطب من حوله، يا جبناء والله لأسقيناكم من دمه، رأساً طلب السياف، ومد النطع ليقتل الحسن البصري، وقال لصاحب الشرطة ائتني به، فلما دخل الحسن البصري حرك شفتيه، طبعاً رأى السياف جاهز، والقماش ممدود تبع القتل تكلم بكلمات فيما بينه وبين الله، فلما دخل على الحجاج، وقف الحجاج واستقبله وقال: أهلاً بأبي سعيد، وما زال يقربه، ويقربه حتى وضعه على سريره، وسأله عن صحته، وسأله بعض الأسئلة وعطره وقال: يا أبا سعيد أنت سيد العلماء، وقام وشيعه إلى باب القصر، أما الذي صعق هو السياف، الذي جيء به ليقطع رأسه، والذي صعق الحاجب، تبعه الحاجب، قال له: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لغير ما فعل بك، شو القصة، جيء بك للقتل، الذي فعل لك أنك قد أكرمت فما الذي قلته وأنت داخل ؟ قال قلت له: يا ولي نعمتي، ويا ملاذي عند كربتي أجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، ما الذي حصل ؟ قلوب العباد بيد الله، يقلبها كيف يشاء.
إذا أنت كنت مع الله عز وجل، أكبر أعدائك الله يلين له قلبه بتلاقي صار يخدمك.
أخوانا الكرام: اسمعوا هذه الكلمة الدقيقة، إذا الله رضي عنك يخدمك عدوك وإذا الله غضب، تهينك زوجتك يلي هي أنت سيد نعمتها، ابنك يضربك، إذا الله غضب، إذا أحبك الله ألقى حبك في قلوب الخلق، وإذا أبغضك الله ألقى بغضك في قلوب الخلق.
فالتوحيد، وين التوحيد.

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106)﴾

يعني إذا اتجهت لإنسان ضعيف مثل حكايتك عملية فيها حمق ترجيت واحد أفقر منك، أضعف منك، غني بس ما بحبك، أما الله عز وجل معك أينما كنت، اطلبني تجدني.

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

( سورة الزمر: 53 )

ابن آدم اطلبني تجدني فإذا تجدني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء، من هو الأحمق ؟ الذي يتجه لغير الله، يعلق عليه الآمال.

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106)﴾

ظلمت نفسك، ضيعت وقتك، وضيعت حياتك وخسرت نفسك.
اسمعوا الآن:

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾

( سورة الأنعام: 17)

﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ﴾

( سورة يونس: 107)

بربكم، هاتان الآيتان، آلا تكفي الإنسان.

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)﴾

في هذه الآية إعجاز.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾

﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾

في فرق بينهما، الخير مراد من الله، أما الضر ليس مراداً.
لما الأب يفتح بطن ابنه، لاستئصال الزائدة، يتمنى الأب أن يفتح بطن ابنه ؟ بس مضطر يساويها، لأنه في آلام شديدة، وفي أخطار، أما لما الأب يأخذ بيت لأبنه يزوجه، هذا ضمن مراده، الأب نفسه يفتح بطن ابنه يقيم له الزائدة، يخدره بشق البطن، يطلع هذا الدم يقيم الزائدة، بعمل له ضماد، عمل مزعج، في دماء، الأب يفعل ذلك برحمته، لكن لما يأخذ له بيت ويزوجه ويعمل له عرس يفرح فيه هي مراد فالأب يفعل هذا، ويفعل هذا، بس الإكرام ضمن مراده، أما المعالجة ليست من مراده، لكنه من حكمته.

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾

ما قال وإن يمسسك بخير، قال:

﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾

معنى ذلك أن الخير مراد، وأن الضر ليس مراداً، لكنه لابد منه من أجل سلامة الإنسان ودينه.
هاتان آيتا التوحيد.

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾

لو أن الأمة اجتمعت، الأمة كله خمسة آلاف مليون، على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك، إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك هذا التوحيد.
إذاً:

﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾

إذا وقع الأمر المزعج لا يزيله إلا الله، إذاً ما في إلا الله.

والحمد لله رب العالمين

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمن ولا تهنا وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018