وضع داكن
29-02-2024
Logo
محفوظات - موضوعات لغير الدكتور - قناة الجزيرة – الشريعة والحياة في رمضان - الشيخ أحمد حسن فرحات : 06 - أوجه إعجاز القرآن ومناهج تفسيره .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

مقدمة :

المذيع :
  مشاهدينا الكرام السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، وأهلاً بكم في حلقةٍ جديدة من برنامج : "الشريعة والحياة في رمضان" .
 يقول الله عز وجل في كتابه الكريم :

{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)}

[سورة الإسراء]

 ذلك هو كتاب الله المعجز ، أعجز البلغاء ، وأخرس الأعداء ، تكالب عليه المشككون ، فذلّوا وخسروا ، وأقبل عليه الطائعون فنهلوا وسعدوا ، في هذه الحلقة نعيش مع كتاب الله ، وآياته البينات الباهرات ، نتلمّس بعض ملامح الإعجاز فيه ، ويسعدنا أن يكون ضيف الشريعة والحياة في رمضان هذا اليوم فضيلة الأُستاذ الدكتور أحمد حسن فرحات ، أُستاذ التفسير وعلوم القرآن .
 نرحب بفضيلة الدكتور أحمد حسن فرحات ، أُستاذ التفسير وعلوم القرآن ، مرحباً بك فضيلة الدكتور ، حدثنا عن أوجه الإعجاز في القرآن الكريم ، كتاب الله عز وجل ، الإعجاز البياني ، البلاغي ، الإعجاز المتعلق بالمعاني ، الإعجاز المتعلق بنص القرآن الكريم ، ورسمه ولفظه .

إعجاز القرآن في ألفاظه ومعانيه ورسمه :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
 كلمة الإعجاز مأخوذة من الفعل عجز يعجز ، أو أَعجز يُعجِز ، من حيث اللغة العربية ، ولم ترد الكلمة هذه كإعجاز للقرآن ، لم ترد في القرآن الكريم ؛ وإنما وردت كلمات أخرى كالآية ، والبينة ، والبرهان ، وما إلى ذلك من الكلمات ، وموضوع إعجاز القرآن موضوع قديم جداً ، الحديث فيه أخذ مناح مختلفة ومتعددة ، لكن المتفق عليه عند القدماء أن الإعجاز هو في الناحية البيانية ؛ لأنّ العرب كانوا مشهورين بالبلاغة والشعر والأدب وما إلى ذلك ، فكانت معجزة القرآن من جنس ما يعرفون ، ولهذا اعتُبِر الإعجاز البياني هو الإعجاز الذي يكون عليه التركيز في تلك الفترة السابقة ، ولكن الآن في العصر الحديث يتحدث الناس عن أنواع أخرى من الإعجاز ، يقول مثلاً : إعجاز علمي ؛ أو إعجاز عددي ، وما إلى ذلك ، أو إعجاز نفسي ، أو غير ذلك من أنواع الإعجاز ، والحقيقة أن مناحي الإعجاز تتعدد كثيراً ، ابن تيمية رحمه الله قال : إن القرآن معجزٌ في كل شيء ، في ألفاظه ، وفي معانيه ، وفي رسمه ، وفي كل ما يتصل به ، وكذلك الراغب الأصفهاني أيضاً له بعض الإشارات إلى هذا ، وكذلك العلّامة بديع الزمان النورسي يقول : أوجه الإعجاز وصل بها إلى أربعين نوعاً.
المذيع :
 فضيلة الدكتور نستمع إلى المتحدثين في كتاب الله الذين يتعرضون له بالشرح والتفسير ، فنجد مقارباتٍ عديدة ، نجد أحدهم قد اتخذ الجانب اللغوي مدخلاً لتفسير القرآن وفهمه، بعضهم يذهب إلى جانب الإعجاز العلمي ، بعضهم يذهب إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ، وبعضهم يذهب إلى الأحكام المختلفة التي يسوقها القرآن الكريم ، أسباب النزول وجوانب متعددة يقاربها المتحدثون والمفسرون في كلام الله ، هل يمكن أن نصنف هذه التفاسير المختلفة ؟ هل هناك أنواع مختلفة من التفاسير ؟

اتجاهات التفسير قديماً وحديثاً :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 الحقيقة أنا كتبت في كتابي في علوم القرآن ، ذكرت اتجاهات التفسير قديماً وحديثاً، فقلت : هناك اتجاه يغلب عليه طابع الرواية مثلاً كتفسير الطبري ، جزء منه كبير يعتمد على الرواية ، وكذلك ابن كثير ، وكذلك الدرّ المنثور للسيوطي ، وهناك تفاسير يغلب عليها طابع الفقه والأحكام مثل تفسير القرطبي ، وهناك مثلاً تفاسير يغلب عليها طابع البلاغة مثل تفسير الزمخشري ، وهكذا كل عالم من العلماء تصدّى لتفسير القرآن ، فإنه حسب اختصاصه هو ، يهتم اهتماماً أكبر بالنص القرآني من حيث الاختصاص الذي هو ينتمي إليه ، فهذا أمر موجود، وعلى اتساع الساحة الإسلامية من القديم إلى الحديث أيضاً كل تفسير له مزيّة تختلف عن التفسير الآخر ، ولابد للإنسان أن يستفيد من كل هذه التفاسير إذا كان متخصصاً ويريد أن يصل إلى نتائج ، وطبعاً المستويات البشرية تختلف في هذا ، فبعض التفاسير قد تكون أيسر من غيرها ، وبعض التفاسير قد تكون أعمق وأبعد ، تختلف الأمور بحسب مستوى القارئ الذي يريد أن يقرأ ، ولكن معظم التفاسير القديمة تنهج نهجاً تحليلياً ، بمعنى أنها تأتي إلى الآية ، تتحدث عن المعاني والمفردات ، تتحدث عن الصيغ الصرفية ، تتحدث عن الإعراب ، تتحدث عن القراءات ، وهذا كله يسمى بالتفسير التحليلي .
 لكن في العصر الحديث هناك نوعٌ آخر يسمى بالتفسير الموضوعي ، وهذا التفسير الموضوعي ينظر للآية نظرة شمولية ، بمعنى تختلف عن النظرة التحليلية التي كانت في السابق، وإن كان لابد لهذا المفسر الموضوعي أن يكون قد اطلع أيضاً سابقاً على التفسير التحليلي ، وعرف كل ما يتصف به ، لكنه عندما يقدم هذا التفسير للآخرين لا يدخل في هذه الجزئيات إلا إذا كان ذلك ضرورياً ، ويبقى يتحدث في الناحية الموضوعية .

أقسام التفسير الموضوعي :

 والتفسير الموضوعي ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، هناك نوعٌ منه يتصف بالموضوع القرآني ، كأن نقول مثلاً : آيات الصلاة ، نجمعها كلها ونتحدث عنها بحسب الآيات التي جاءت في القرآن الكريم ، أو نأخذ مثلاً موضوع الإنفاق في القرآن الكريم ، أو غيرها من الموضوعات الأخرى ، فهذا النوع نسميه : موضوع قرآني .
 النوع الثاني أن نجعل من السورة الواحدة وحدة موضوعية كاملة .
 والنوع الثالث أن نأخذ مصطلحاً قرآنياً ونتحدث عنه من خلال وروده في القرآن كاملاً ، لو أخذنا كلمة الأمة ، أو كلمة الخلافة وغيرها من الكلمات ، نتتبعها في جميع الآيات التي وردت فيها ، ونتحدث فيها كأنها موضوع قرآني مستقل ، هذا نوعٌ آخر من التفسير الموضوعي .
المذيع :
 ما منهجكم أنتم فضيلة الدكتور ، إذا قارنا بين المناهج القديمة والمنهج الذي تذهبون إليه ؟

ضرورة الحديث عن القرآن كلِّه باعتباره منظومة متكاملة :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 المنهج القديم المنهج التحليلي ترك بعض السلبيات ، هو أفاد في جوانب كثيرة ، ولكن فيه شيء من القصور ، وهذا القصور يظهر كثيراً في أن السابقين عندما يتحدثون عن آية، أو يتحدثون عن جزء من آية ، يكون نظرهم محدوداً في هذه الجزئية ، ولا يتوسعون في النظر إلى الآية من أولها إلى آخرها ، أو يتحدثون عما سبقها وعما لحق بها ، فهذه كلّها جعلت هناك قصوراً في أداء هذا النوع من التفسير الذي يسمى بالتفسير التحليلي ، وهو عبارة عن تحليل للمركب ، عبد الحميد الفراهي الهندي صاحب التفسير الذي يسميه : نظام القرآن وتأويل الفرقان بالفرقان ، هو يعتمد على النظام ، النظام عنده وحدة كاملة ، القرآن كلُّه في نظره وحدةٌ متكاملة من أوله إلى آخره ، تكلّم العلماء سابقاً عن المناسبات بين الآيات والسور ، أو بين الآيات فقط ، أو بين السور فيما بينها ، هذا النوع من المناسبات شيء جيد وممتاز ، لكن الحديث عن نظام القرآن لم يقل عنه عند السابقين ، إذاً هو تجاوز فكرة المناسبات التي هي الروابط بين الآيات المتجاورة وبين السوَر المتجاورة إلى الحديث عن القرآن كلِّه باعتباره منظومة متكاملة ، ولا شك بأن هذا الأمر يعتبر جيد جداً ومفيد ، ويتجاوز أيضاً القصور الذي كان في المنهجية السابقة ، لو أخذنا مثالاً قوله تعالى :

{فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5)}

[سورة الماعون]

 كان هناك مجلس يجتمع فيه الحسن البصري مع أبي العالية ، يتحدثون في القرآن وما يتصل به ، فسأل أحد الحاضرين أبا العالية ، قال له : يا أبا العالية ما هذا السهو المشار إليه في هذه الآية ؟ قال : الذي ينصرف عن الصلاة ولا يعلم هل صلّى ثلاثاً أم أربعاً ؟ فقال له الحسن البصري :ليس الأمر كذلك ، إنما الذين نسوا وقتها وفاتتهم الصلاة ، هكذا وطبعاً يستدل بكلمته بحرف عن ، (عَن صَلَاتِهِمْ) ، بمعنى كأنهم تجاوزوا وقت الصلاة ، لكن عندما ننظر في الآية نفسها الوعد للمصلين ليس للذين تركوا الصلاة ، (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ) ، هم متلبسون في الصلاة ، ولكنهم سهوا عن حقيقة الصلاة ، سهوا عن الخشوع فيها ؛ لأنّ الخشوع هو روح الصلاة ، فالصلاة بلا خشوع لا تعطي ثمارها ، ولذلك قال:

{الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)}

[سورة الماعون]

 وقال إذا نظرنا لأول السورة:

{أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)}

[سورة الماعون]

 إذاً مثل هذه الصلاة ، أول السورة وآخر السورة يشير إلى أنها لم تحقق الغرض منها، وهي صلاة المنافقين ، ولذلك قال : (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7))، هذه نماذج ، وعندنا نماذج كثيرة في هذا الموضوع ، وكلّها نتيجة عدم مراعاة سياق الكلام ، وعدم الانتباه إلى هذا ، فهذا الخطأ هنا يعني معظم أخطاء المفسرين تأتي بهذه الطريقة ، حتى بالإعراب نفس الشيء .
المذيع :
 فضيلة الدكتور حتى أتأكد أني أتابعك بشكلٍ سليم ، حتى أكون قد أحسنت الفهم عن حضرتكم ، تريدون أن تقولوا إنَّ المناهج الحديثة تُعنى بترتيب الآية داخل السورة ، والنظر إليها كوحدة كلّية ، أو السورة كوحدة متكاملة الأركان ، لا ينظر إلى كل آية منفصلة عن الآيات الأخرى ، كمن فسّر سورة القصص بأنها تبدأ بالحديث عن الاستبداد السياسي في قصة فرعون ، وتختتم بالحديث عن الاستبداد الاقتصادي في قصة قارون الذي بغى على قومه مثلاً....

اكتشاف محور السورة الأساسي :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 الآن عندما نأخذ بعض التفاسير مثل تفسير الفراهي في ظلال القرآن ، نجد أنه يقدم مقدمة للسورة يتحدث فيها عن موضوعات السورة الأساسية ، ويربط بينها ، وبالتالي هذا يساعد على تَصوّر الموضوع ، لأننا نحن إذا اكتشفنا محور السورة الأساسي ، أو ما يسميه الفراهي عامود السورة ، نجد أن الآيات كلها أصبحت مرتبطة بالمحور ، مرتبطة بالعامود ، فلسنا متكلّفين أن نربط بين الآية والآية ، كما كان الأمر عند بعض الذين تكلّفوا في المناسبات ، فالقضية أصبحت تحصيل حاصل ، عندما نكتشف العامود الذي يجمع السورة كلها ، وحدة السورة أصبحت كاملة .
المذيع :
 فضيلة الدكتور إذا تطرّفنا إلى مسألة الأمثلة في القرآن الكريم ، يشيع في القرآن الكريم ضرب الأمثلة ، تقريباً للمعنى وتوضيحاً له :

{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)}

[سورة الجمعة]

{مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)}

[سورة البقرة]

{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)}

[سورة العنكبوت]

 إلى آخر هذا النوع من التعبير القرآني الذي يقرّب المعنى ويوضحه ، حدثنا عن ضرب الأمثلة في القرآن الكريم ؟

ضرب الأمثلة في القرآن الكريم :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 الأمثلة طبعاً في القرآن كثيرة جداً ، وتعتبر كأنها نوع أيضاً من الإعجاز القرآني ، عندما نأخذ مثلاً سورة التين والزيتون يقول تعالى :

{وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)}

[سورة التين]

 هنا سنتطرف إلى موضوع القسم ، ثم نأتي إلى المثال ، (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1))، يقسم الله بالتين والزيتون ، كثير من العلماء ذهبوا يتحدثون عن عظمة التين والزيتون ، وعمّا فيه من فوائد ومنافع ، لكن الأمر هنا ليس يراد به هذا الشيء الذي ذهبوا إليه ، نأخذ الكلام كما قلنا مترابطاً مع بعضه ، فيه تناسب ، هنا أقسم بالتين والزيتون ، وبطور سنين ، وبالبلد الأمين ، ما هو الشيء المشترك بين هذه الأشياء ؟ هذا هو الشيء الذي يجب أن نبحث عنه .
 من عادة العرب أن تسمي الأماكن بما ينبت فيها ، فالجبل الذي ينبت فيه التين والزيتون ، يقال له : جبل التين ، ويقال له : جبل الزيتون ، وهكذا ، إذاً التين والزيتون هنا جبلان في بيت المقدس ، مكان نزول الوحي على عيسى عليه السلام .
 طور سنين الجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السلام ، البلد الأمين مكة التي نزل فيها القرآن ، إذاً القسم هنا بأماكن نزول الوحي ، ما هو جواب القسم ؟ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4))، لماذا خُلِق الإنسان في أحسن تقويم ؟ لكي يفهم هذا الوحي الذي أنزله الله إليه ، إذاً هو يكون إنساناً بمقدار ما يفهم من هذا الوحي ، فإنسانيته مبنية على هذا ، وهذا ما أشار إليه في سورة الرحمن :

{الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5)}

[سورة الرحمن]

 قدّم تعليم القرآن على خلق الإنسان لماذا ؟ ليُظهر أن الغاية من خلق الإنسان أن يتعلم القرآن ، وأنه يكون إنساناً بمقدار ما يفهم من القرآن ، وبمقدار ما يحسن من البيان ، هذا ما يقوله الراغب الأصفهاني في هذا الموضوع .
 إذاً: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5))
 إذا لم ينفذ هذا الشيء الذي خلق لأجله فإنه يرتد إلى أسفل السافلين ، لدينا أمثلة الآن عن أسفل السافلين ، يقول الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل : (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) ، إذا حمّلنا على حمار كتباً لا يمكن أن يصبح عالماً، ولا يعمل بما في هذه الكتب ، فالتوراة نزلت على بني إسرائيل ليعلموها ويعملوا بها ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك ، وهذا الكلام يوجهه القرآن لنا نحن ، لماذا ضرب لنا هذا المثل ؟ حتى لا نكون نحن مثلهم في موقفنا من القرآن ، (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، فإياكم أيها المسلمون أن تطبقوا هذا الذي فعله بنو إسرائيل ، هذا مثالٌ للذي ينقلب إلى أسفل السافلين .
 مثال آخر:

{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)}

[سورة الأعراف]

 هذا أسفل السافلين ، وذاك أسفل السافلين ، فهذه الأمثلة تأتي حقيقةً للتوضيح ، وللبيان ، وكذلك نقول مثلاً : هؤلاء الذين يعبدون الأصنام ، (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41))
 هؤلاء الذين يدعون الأصنام ، يدعون هذه الأشياء من دون الله ، لكي يستعينوا بها مثلهم في ذلك كمثل العنكبوت ، العنكبوت إذا داهمها عدو تريد أن تحتمي ببيتها ، وبيت العنكبوت هو أضعف البيوت ، وهو غير قادر على حمايتها ، وكذلك هذه الآلهة المزيفة غير قادرة على حماية الذين يستعينون بها ، ويطلبونها ، هذه بعض الأمثلة .
المذيع :
 فضيلة الدكتور أحياناً يقف التالي لكتاب الله عز وجل عند بعض الآيات التي يجد مشكلة في إعرابها ، كقوله سبحانه وتعالى :

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)}

[سورة المائدة]

 عطف الصابئون على ما يفترض أنه اسم إنَّ وهو منصوب ، كقوله تعالى :

{وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10)}

[سورة المنافقين]

 وإذا تتبعنا مشكلة الإعراب في القرآن الكريم سنجد أمثلة أكثر من هذا ، هل من كلمة فصل في هذا تريح الأذهان ؟

أمثلة عن الإعراب في القرآن الكريم :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 طبعاً ، هذا الموضوع أنا كتبت بعض ما كتبت ، تأويل ثلاث آيات متشابهات ، والتي هي آية الصابئين ، التي هي آية البقرة :

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62))}

[سورة البقرة]

 والآية الثانية آية المائدة :

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)}

[سورة المائدة]

 وآية الحج :

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)}

[سورة الحج]

 أضاف إليها والمجوس والذين أشركوا ، العلماء أخذوا هذا الآيات وعالجوها ، كل واحدة مستقلة ، ولذلك لم يصلوا إلى النتائج الحاسمة في الموضوع ، عندما درسنا هذه الآيات مع بعض كوحدة متكاملة رأينا أنه لا يوجد تشابه ولا يوجد اختلاف فانتهينا إلى ما يلي : آية البقرة نزلت حينما جاء سلمان الفارسي إلى المدينة المنورة ، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله أنا خرجت من بلاد فارس باحثاً عن الدين الحق ، فنزلت مع الرهبّان ، وعشت معهم ، وكانوا يبشرون بك ، ولو أدركوك لآمنوا بك ، ما مصيرهم عند الله ؟ فنزلت آية البقرة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62))، هذه لم تذكر في بقية الآيات ؛ لأنّ السؤال كان عن المصير ، ما مصيرهم عند الله ؟ (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62))

هذه الآية تعتبر في الذين كانوا قبل البعثة ، وكانوا يبشرون بالنبي ، ولو أدركوه لآمنوا به ، فهؤلاء يعتبرون مؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62))

أما آية المائدة فهنا الصابئون لماذا جاءت هكذا مستقلة بالواو ، وما قبلها المفروض أن تكون اسم إنَّ كما جاءت في سورة البقرة ، لكن هنا قال : والصابئون ، انظر لأقوال المعربين، ثمانية أقوال أو عشرة أقوال ، وأرجحها قول سيبويه ، ماذا قال سيبويه ؟ قال : الصابئون مقدمة من تأخير ، بمعنى جاءت مقدمة وحقها أن تكون في آخر الآية ، كيف تقدرها؟ قال : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالصَّابِئُونَ كذلك).
 وأكثر المفسرين يرجح قول سيبويه في هذا .
 الحقيقة أنا عندما نظرت في الآية هذه ، وما قبلها في الآيات ، وما بعدها من الآيات ، فاليهود والنصارى الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا به ، بينما في آية البقرة الذين كانوا يبشرون به قبل مجيئه ، ولو أدركوه لآمنوا به ، إذاً جاءت آية المائدة مختلفة ، لماذا مختلفة ؟ لأنها في هؤلاء أصحاب الطوائف بعد البعثة النبوية ، لم يعد يُقبل من الناس إلا الإسلام ، وجاء الصابئون لكي تؤكد هذه الحقيقة ، كيف تُؤكدها ؟ نقول : خبر إن هنا محذوف يفسره المذكور ، تقدير الكلام : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ثم قال : (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
 إذاً هذه الواو جاءت هنا نعتبرها من إعجاز القرآن الكريم ، لأنه لولا هذه الواو لما كان هناك فرق بين هذه الطوائف ، وكانت كلها عند الله في الجنة ، بينما القرآن يقول :

{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)}

[سورة آل عمران]

 ويقول:

{إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)}

[سورة آل عمران]

 وبعد مجيء النبي لم يعد يقبل إلا الإسلام من الناس جميعاً ، ويقول النبي عليه السلام:

((و الذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ ، لا يهودِيٌّ ، و لا نصرانِيٌّ ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به ، إلَّا كان من أصحابِ النارِ))

[أخرجه مسلم]

 فالإسلام يعتبر ناسخاً لما قبله ، ناسخاً بالشرائع ، لكن من حيث العقائد ، العقائد كلها في الأصل عند جميع الأنبياء واحدة ، ولكن حصل تحريف وتغيير في الكتب السابقة ، ولذلك كان القرآن هو المهيمن على جميع الكتب السابقة :

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)}

[سورة المائدة]

 مهيمن بمعنى أن الكلمة الأخيرة تكون لهذا الكتاب ، إذا خالفته الكتب السابقة نتيجة التحريف والتغيير والتبديل الذي حصل فيها ، إذاً هذه الواو أصبح هناك عطف جمل وليس مفردات ، الجملة الأولى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، والجملة الثانية : (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) .
 لماذا جاءت الصابئون بعد الذين هادوا والنصارى ؟ الذين هادوا لا يظهر عليها الرفع ، النصارى لا يظهر عليها الرفع ، فجاءت الصابئون بالواو؛ لأنّها تبين أن ما قبلها مرفوع، وما بعدها مرفوع ، وهذا الذي جعلنا نؤكد بأن هناك جملتين وليست جملة واحدة .
المذيع :
 بارك الله فيكم فضيلة الدكتور ، سنستكمل هذا الحوار ، ولكن بعد فاصلٍ قصير .
 أهلاً بكم من جديد مشاهدينا الكرام في هذه الحلقة من الشريعة والحياة ، ونجدد الترحيب بضيفنا فضيلة الدكتور أحمد حسن فرحات أُستاذ التفسير وعلوم القرآن ، مرحباً بكم من جديد فضيلة الدكتور ، هناك تساؤل للقارئ : كتاب الله عز وجل حينما يقف عند اسم شيء ، أو ملك ، أو فاكهة ، أو مكان بعينه ، ترد هذه الأسماء أحياناً في القرآن الكريم ، فلا يُفهَم إذا كان هذا الأسلوب لغرض رفع قيمة المذكور ، أو للحط من ذكره ، مثلاً إبليس ورد ذكره في القرآن بهذا الاسم ، وورد كذلك أسماء الأنبياء ، ثم إذا تتبعنا الأسماء في القرآن الكريم نجدها محدودة للغاية، زيد بن حارثة ، وأبو لهب بكنيته ، وقارون ، ومريم ، وبعد ذلك تقريباً الأنبياء فقط ، وليس هناك ذكر لأسماء أخرى ، ما الخيط الناظم أو القاعدة المنظمة لمسألة ذكر الأسماء في القرآن الكريم ؟

القاعدة المنظمة لمسألة ذكر الأسماء في القرآن الكريم :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 الحقيقة القرآن الكريم وخاصةً في مجال القصص يركز على المغزى الأساسي من القصة ، أما ما يرافقها حتى من الأشخاص ، أو من الأماكن ، أو الفترة الزمنية ، فكل هذا يهمله حتى يجعل القارئ يتوجه مباشرةً إلى الهدف الأساسي الذي جاء الكلام لأجله ، حتى لا ينشغل به عن غيره ، لكن يوجد بعض الأماكن أو بعض الأشياء تُذكر لما فيها من آيات دالّة ، ولما فيها من فوائد ، عند التأمّل فيها تظهر لنا فيها فوائد معينة ، هناك أشخاص مثلاً قد تذكر لتكون نماذج بشرية ؛ لأنّها تتكرر باستمرار في كل زمانٍ وفي كل مكان ، فهذه النماذج الإنسانية تكلّم عنها السيد قطب رحمه الله ، تحدث عن النماذج الإنسانية ، ولمّا كانت هذه النماذج الإنسانية تتكرر باستمرار ، لم تذكر في بعض الأحيان ، وقد ذكرت في بعض الأحيان الأخرى لأن لها هدفاً آخر ، غير بقية الأسماء الأخرى ، فهذه قضية ذكر الأسماء والأماكن لها فوائد ، لها فوائد إذا ذُكرت ، ولها فوائد إذا أُهملت ولم تذكر ، بكلا الحالتين الأمر مطلوب.
المذيع :
 فضيلة الشيخ إذا عدنا إلى مسألة القسم في القرآن الكريم تطرقنا لهذه النقطة ، ولم نقف عندها كثيراً ، أساليب القسم في القرآن الكريم كثيرة ، أحياناً يأتي :

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)}

[سورة الواقعة]

{لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)}

[سورة القيامة]

 وأحياناً يأتي القسم بواو القسم : (والتين والزيتون) :

{وَالْعَصْرِ (1)}

[سورة العصر]

أساليب القسم مختلفة ، حدثنا عن هذا الموضوع ..

 القسم في القرآن الكريم :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 طبعاً القسم في القرآن الكريم جاء مختلفاً نوعاً ما عما عرفه العرب في أقسامهم ، في شعرهم وفي غير الشعر ، الأقسام السابقة تكون عادةً بأشياء معظّمة ، ولذلك عندما نقول إن المسلم لا يجوز له أن يقسم إلا بالله ؛ لأنّه لا يجوز له أن يعظّم إلا الله ، ولهذا نقول حسب ما ورد في الحديث الشريف :

((من حلف بغيرِ اللهِ فقد أشركَ))

[مجموع فتاوى ابن باز]

 فانطبع عند كثيرٍ من الناس أن القسم ينبغي أن يكون بمعظّم ، ولذلك لمّا وردت هذه الأقسام في هذه السور بعض المفسرين يقدّر محذوفاً ، مثلاً:

{وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1)}

[سورة الذاريات]

 يقول: وربِّ الذاريات ، مثلاً :

{وَالضُّحَىٰ (1)}

[سورة الضحى]

 يقول : وربِّ الضحى ، يضع فكرة القسم بمعظّم حتى يكون بالله عز وجل ، ولكن الحقيقة العلّامة عبد الحميد الفراهي الهندي له كتاب اسمه : إمعان في أقسام القرآن ، وقبله هناك كتاب أيضاً أقسام القرآن لابن القيّم الجوزية ، وابن القيّم كتب كلاماً جيداً ، لكن الحقيقة ما أشار إليه عبد الحميد الفراهي يعتبر سبقاً كبيراً جداً حيث ذهب إلى فكرة القسم الاستدلالي ، والقسم الاستدلالي عنده يجب أن يكون في المُقسم به دليلاً على المُقسم عليه ، وطبعاً كان معظم هذا النوع من القسم في الآيات المكيّة أو في السور المكيّة ، في أوائل هذه السور ، لماذا ؟ إذا قلنا القسم يفيد التوكيد فقط ، فمعظم المكيّين كانوا منكرين ، والمنكر لا يفيد معه القسم ، المنكر يحتاج إلى دليل ، ولكن المؤمن أيضاً لا يحتاج إلى دليل لأنه مؤمن ، إذاً لماذا جاء القسم في أوائل السور المكيّة ؟ القسم هو شهادة وهو استدلال ، من أين جاء بكلمة شهادة ، قال مثلاً :

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)

[سورة النور]

 أربع شهادات بمعنى أربعة أيمان ، إذاً اليمين شهادة ، ولذلك نقول البينة على المدعي أي الشهادة ، واليمين على من أنكر ، إذاً اليمين شهادة حيث لا شهادة ، والقسم هنا كونه شهادة يفيد أيضاً أن فيه دليلاً ، كيف نجد هذا الدليل ؟ هذا الدليل نجده من خلال التأمل في الأشياء التي أقسم الله بها ، لو أخذنا على سبيل المثال سورة العاديات :

{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)}

[سورة العاديات]

 هذا جواب القسم ، يقسم بالعاديات ، ما هي العاديات ؟ الخيل التي تعدو مسرعة ، والضبح ما هو ؟ صوت النفس ؛ لأنها إذا أسرعت يُسمع لنفسها صوتٌ ، هذا الصوت اسمه نفس ، كأنه قال : والعاديات تُضبح ضبحاً نتيجة سرعة السير ، وأيضاً : (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2)) ، من كثرة سرعتها فإنها أيضاً إذا سنابكها في الأرض انطلقت الشرارة من سنابك الخيل ، وهذا يدل على الجد والسرعة ؛ لأنها إذا كانت تمشي بشكل بطيء لا يحصل هذا ، (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3)) ، تغير على العدو في الصباح الباكر ، وهذا معناه أنها كانت تمشي في الليل فترة طويلة ، حتى وصلت إلى العدو في الصباح الباكر ، (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4))، أثرنا بهذا العدو الغبار المتصاعد ، (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5)) ، فأصبحت في وسط الجموع ، (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)) ، ما علاقة هذا الجواب بهذا المُقسم به ؟ كأن الله يقول لنا : انظروا إلى هذا الخيل التي سخرتها لكم ، والتي تطعمونها شيئاً من الطعام ، فتستجيب لكم ، وتخرج في الليل بجد ونشاط ، ويظهر هذا الجد والنشاط والسرعة في صوت نفسها ، وفي الشرر المتطاير من سنابكها للبعيد ، وفي الغبار المتصاعد للأبعد ، حتى تصل إلى العدو في الصباح الباكر ، وتصبح بعد ذلك في وسط الجموع ، هي في طاعتكم تستجيب لكم هذه الاستجابة ، أين سلوك الإنسان من سلوك هذا الخيل ؟ أين سلوك الإنسان مع ربه من سلوك هذه الخيل مع صاحبها ؟ (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)) ، جاحدٌ لنعمة ربه ، (وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ(7)) ، كما أن هذه الخيل بسلوكها شهدت على جديتها ، والإنسان بسلوكه شاهد على أنه كفورٌ لنعمة ربه ، (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)) وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ(7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8)) ، من أجل حب البخيل للمال ، شديد هنا بمعنى بخيل لا يعطي ، (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ(8) لَشَدِيدٌ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ(11)) إذا كان خبيراً فسيجازيهم على حسب خبرته بما فعلوا ، لاحظ هنا كيفية الارتباط بين المُقسم به وبين جواب القسم ، عندما نتأمل في هذه الأقسام كلها نصل إلى هذه النتائج ، هذا كله ليس موجوداً في كتب السابقين ، لا نراه في كتب السابقين ، إذاً هذه تدل على إعجاز في القرآن أيضاً ، وأن هذا القرآن مفتوح إلى الأبد .
المذيع :
 نعم فضيلة الدكتور ، هذه نقطة تحديداً تستحق أن نقف عندها ، مسألة أن القرآن الكريم كتابٌ مفتوح ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ما الحكمة في أن آيات القرآن الكريم جاءت حمّالةً لكثيرٍ من أوجه المعاني في هذه السورة ، مثلاً تأتي المعاني دقيقة وواضحة .

الحكمة في أن آيات القرآن الكريم حمّالة لكثير من المعاني :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 نعم هذه فكرة حمّال أوجه تحتمل معان متعددة ، قديماً قالوا : لا يفقه الإنسان كل الفقه حتى يرى للقرآن أوجهاً متعددة ، لكن في بعض الأحيان عندما يُقطع الكلام من سياقه يحتمل أوجه متعددة ، فإذا وضع الكلام في سياقه اتجه إلى جهةٍ محددة ، ممكن أن نضرب بعض الأمثلة على هذا ، مثلاً :

{وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)}

[سورة القصص]

 كلمة الشهيد هنا قالوا بمعنى النبي ، لماذا ؟ لأن هناك آية أخرى تقول :

{فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)}

[سورة النساء]

 لكن هنا في هذا السياق الأمر لن يحتمل هذا ، لماذا لا يحتمل وإن كان هذا الكلام قاله الطبري وقاله مفسرون آخرون من بعد الطبري ؟ يقولون : (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا) ، النزع هو الأخذ بعنف وبقوة ، وهذا لا يتناسب مع مقام الأنبياء ، (فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) ، هذا لا يصح أيضاً ، كيف سيصح ؟ إذا قلنا : هذا الخطاب للأمم وليس للشهداء ، (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) ، ولكن الأمم فيها مؤمن وفيها كافر ، هل يجوز أن يقال للمؤمن هاتوا برهانكم ؟! هذا كلُّه تكلّف ، إذاً ما معنى الشهيد هنا ؟ نأتي إلى سورة البقرة :

{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23)}

[سورة البقرة]

 زعماؤكم ، فقراؤكم ، شعراؤكم ، بلغاؤكم ، لو أخذنا الشهيد بهذا المعنى ، (وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا أعتاهم فَقُلْنَا لهؤلاء العتاة هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) ، هذا المعنى ينسجم ، يبقى هذا استنباط ، هل هناك آية أخرى تؤكد هذا المعنى؟

{ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا (69)}

[سورة مريم]

 هذه الآية تفسر تلك الآية ، النزع مستعمل هنا ، مستعمل هناك ، بدل الأمة هناك الشيعة هنا ، فُسر الشهيد هناك بأنه أشد على الرحمن عتياً ، أصبح عندنا يقين هنا بأن هذا هو المراد بهذه الآية ، وليس المعنى الآخر الذي ذكروه ، والذي تكلّفوا فيه ، إذاً عندما نضع الآية في سياقها نستطيع أن نصل إلى المراد المطلوب ، وكثيرٌ من أخطاء المفسرين نتيجة عدم مراعاة سياق الكلام .
المذيع :
 فضيلة الدكتور إذا أردنا أن نختم هذه الحلقة بكلمة موجزة تلخص المادة الكثيفة التي وردت في ثنايا إجاباتكم ، ماذا نقول ؟

القرآن الكريم نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه :

الدكتور أحمد حسن فرحات :
 نقول : القرآن الكريم نزل بلسانٍ عربيٍّ مبين ، ونزل القرآن ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، ولم ينزل القرآن ليختلف الناس فيه ، ولذلك ينعي القرآن على الأمم السابقة وعلى اليهود والنصارى اختلافهم ، ويقول لنا :

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)}

[سورة آل عمران]

 نحن قد نهينا عن التفرّق والاختلاف ، لكن نجد أن هذه الأمة صارت فيها الاختلافات في كل مكان ، ونتيجة عدم مراعاة سياق الكلام ، أصبح الكلام أحياناً يحتمل أوجه غير مرادة ، هناك أوجه أحياناً قد تكون مرادة ، وفي هذه الحالة يكون هذا مقبولاً ، عندما أقول مثلاً :

{لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)}

[سورة الواقعة]

 الفقهاء وجدوا فيها أنه لا يجوز الاقتراب من القرآن إلا مع الطهارة ، لكن الآية في الملائكة وليست في البشر ، الآية التي قبلها :

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)}

[سورة الواقعة]

 الحديث إذاً عن القرآن الكريم في مواقع النجوم ، في اللوح المحفوظ ، قبل أن ينزل إلى الأرض ، لذلك قال بعد ذلك :

{تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43)}

[سورة الحاقة]

 ولماذا قال : (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ(43)) ؟ لكي ينفي ما قاله الآخرون :

{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212)}

[سورة الشعراء]

 إذاً الآية تتكلم عن الملائكة بدليل : (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79))، فالملائكة مطهرون خلقةً ، ولو كان المراد بالناس لقال : المتطهرون ، كما قال :

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)}

[سورة البقرة]

 لكن ابن تيمية لاحظ المعاني الأخرى التي سنذكرها الآن ، والتي قد تكون مقبولة ، ابن تيمية يقول : إذا كان القرآن في مواقع النجوم لا يصل إليه إلا الملائكة المطهرون ، فيفهم بدلالة الإشارة ، كذلك ينبغي أن يكون في الأرض ، ألا يقترب منه إلا المتطهرون من الناس ، هذا معنى مقبول إشارةً ، ولكن معنى العبارة أقوى من الإشارة ، الراغب الأصفهاني يقول بمعنى إشاري آخر ، يقول : لا يمسه إلا المطهرون ، لا يصل إلى حقيقة معانيه إلا من طهرت قلوبهم، هذا أيضاً معنى إشاري ، وهذا أيضاً مقبول ، لا يتعارض مع المعنى الأول ، إذاً مثل هذه المعاني مقبولة ، متعددة ومقبولة على تعددها ، لكن في بعض الأحيان تكون المعاني غير صحيحة ، لأنها لا تكون بمعنى سياق الكلام ، وقد يكون هناك ترجيح بعضها على بعض ، وإذا كانت غير قابلة للترجيح تكون غير مقبولة ، بدليل :

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)}

[سورة النساء]

 عندما نرى اختلافاً كثيراً في الآيات معنى ذلك أن هذه المعاني ليست من عند الله ، فعلينا أن نبحث عن المعنى من عند الله بالطريقة الصحيحة .

خاتمة وتوديع :

المذيع :
 بارك الله فيك فضيلة الدكتور أحمد حسن فرحات أُستاذ التفسير وعلوم القرآن على هذه المشاركة الطيبة ، في الختام مشاهدينا الكرام يقول الله عز وجل :

{وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)}

[سورة البقرة]

 كتاب الله ومنهاجه إلى الناس كافة ، من أعرض عنه خاب مسعاه ، ومن استمسك به كفاه وهداه ، اللهم اجعلنا ممن يتلونه حق تلاوته ، ويعملون بما جاء فيه .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إخفاء الصور