وضع داكن
25-09-2023
Logo
سورة التوبة : 70 - تفسير الآيات 128 - 129، اختار الله الأنبياء من صفوة البشر، وعلى الإنسان أن يؤدي الذي عليه ويترك لله الذي له
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. 


النبي بشر خصائصه كخصائصنا لكنه انتصر على بشريته فكان سيد البشر :


أيها الإخوة الكرام، مع الدرس السبعين والأخير من سورة التوبة، ومع الآية الثامنة والعشرين بعد المئة وما بعدها، وهي قوله تعالى: 

﴿  لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128) ﴾

[ سورة التوبة  ]

والتي بعدها: 

﴿  فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(129)﴾

[ سورة التوبة  ]

أيها الإخوة، هناك حقائق لابد من أن أبدأ بها، كي تلقي ضوءاً على هذه الآيات.

أولاً: لولا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر، إنه يخاف كما نخاف، ويشتهي كما نشتهي، لولا أنه بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، وانتصر على بشريته، لما كان سيد البشر. 

﴿ قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا(110) ﴾

[  سورة الكهف  ]

لأنه بهذه الطريقة تقوم الحجة علينا، النبي -عليه الصلاة والسلام- بشر خصائصه كخصائصنا، أحواله كأحوالنا، لكنه انتصر على بشريته وسما إلى ربه فكان سيد البشر، في بعض الأحاديث: 

(( لقد أُخِفتُ في اللهِ وما يخاف أحدٌ ، ولقد أُوذيتُ في اللهِ وما يُؤذَى أحدٌ ، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يومٍ وليلةٍ ؛ ومالي ولبلالٍ طعامٌ يأكله ذو كَبِدٍ ، إلا شيءٌ يُواريه إِبِطُ بلالٍ . ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

أثناء القطيعة، فلولا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر (لقد أُخِفتُ في اللهِ وما يخاف أحدٌ  وأُوذِيت في الله ما لم يُؤذَ أحد، ولقد أتى عليَّ ثلاثون من يوم وليلة، ومالي ولبلال طعامٌ إِلا شيء يُواريه إِبطُ بلال) .


حرص النبي على هداية البشر :


﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ هناك ملمح دقيق في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ أي هو حريص على هداية الخلق: 

﴿  أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)  ﴾

[  سورة الشرح ]

حينما جاءتك الرسالة، ورأيت أنه معك منهج الله، ولعلك بهذا المنهج تنقل الناس من الظلمات إلى النور، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- بشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، إذاً هو سيد البشر.

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ هو بشر، وفضلاً عن ذلك هو من هذه الأمة، وفضلاً عن ذلك هو من قريش، تعرفون أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، تعرفون ماضيه، تعرفون أخلاقه، تعرفون أنه صادق أمين، فهل يعقل أن يكون مؤتمَناً عندكم ولا يكون مؤتمناً على وحي السماء؟ إذاً هذه الآية:  ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾


للنبي الكريم خصوصية جعلته مصدقاً في قومه :


إخوتنا الكرام، الله -عز وجل- قال: 

﴿  وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً(94)﴾

[  سورة الإسراء ]

وهذا الأصل أن يكون منكم، من بني البشر، من خصائصكم. 

﴿  قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً(95)﴾

[  سورة الإسراء ]

إذا الدعوة للملائكة الرسول ملَك، الدعوة للبشر الرسول بشر.

إذاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أولاً: من بني البشر، وتجري عليه كل خصائص البشر، وثانياً: من الأمة العربية، بلغتكم، ومن بلدتكم، من مكة، ومن قريش، أي هناك خصوصيات كثيرة جداً جاءت عند النبي الكريم لتكون مصداقيته عالية عند قومه.

أيها الإخوة، إذاً: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ .

إذاً ينبغي أن نعلم علم اليقين أن هناك خصوصية لهذا النبي الكريم جعلته مُصدَّقاً في قومه.


الله عز وجل اختار أنبياءه من صفوة البشر ليبلغوا رسالته :


لكن هناك نقطة دقيقة جداً، هذه النقطة أن الله -سبحانه وتعالى- حينما جعل الفقراء والضعفاء يؤمنون به، ولو بادر إلى الإيمان به الأقوياء، والأغنياء، والأساطين، الأمر كان فيه مشكلة، أما جعل الفقراء وبعد الفقراء سار إليه الأقوياء.

إذاً: دعوته دعوة لبني البشر، الشيء الدقيق: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ ﴾ لماذا الله ما قال؟ لقد أرسلت إليكم، ﴿جَاءَكُمْ﴾ النقطة الدقيقة أن النبي الكريم لمجرد أن جاءته الرسالة بادر من تلقاء نفسه لنشر هذا الدين، الأنبياء اختارهم الله على علم، والدليل: 

﴿  إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)﴾

[  سورة آل عمران ]

هناك جدل طويل بين أن النبوة كسْبٌ أم اختيار، النبوة الله اختار أنبياءه ليبلغوا الرسالة لا شك، لكن كيف اختارهم؟ اختارهم من صفوة البشر، هناك شيء بالنبوة كسبي، وشيء وهبي، شيء وهبي أن الله اصطفاهم ليكونوا أنبياء، لِمَ اصطفاهم ولم يصطفِ غيرهم؟. 

﴿  وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ(32) ﴾

[  سورة الدخان  ]

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ أنت أردت أن تعطي طالباً مكافأة كبيرة جداً، تختار مَن مِنَ الطلاب؟ الأول، المتفوق، فهذه الهدية ليست من صنع الطالب، جاءته مكافأة، هي وهبية الجائزة، لكن لماذا أعطيت لهذا الطالب؟ لأنه مجتهد.

فللنبوة جانب وهبي الأصل، لماذا اختار الله هذا الإنسان ليكون نبياً؟ اختاره على علم، اختاره لتفوقه، لمحبته. إذاً هذا الإشكال الأول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من هذه الأمة، يتكلم بلغتكم، وقد نشأ بينكم، وتعرفون صدقه، وعفافه، ونسبه، ولا أقل من أن أروي موقف النجاشي من سيدنا جعفر لما النجاشي سأل سيدنا جعفر عن هذا الدين، وعن نبي المسلمين: 

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ))

[ أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف (نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه) وكأن هذه الصفات الثلاثة أركان الأخلاق، بالتعامل المادي أمين، بالتعامل العاطفي عفيف، من حيث النسب نسبه من أعلى مستوى. 

(نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه) إن حدث فهو صادق، إن عاملته بالدرهم والدينار فهو أمين، إن استُثيرت شهوته فهو عفيف، وفضلاً عن ذلك النسب.


لا قيمة للنسب من دون إيمان :


لكن موضوع النسب يحتاج إلى وقفة متأنية، إذا قلنا: أبو لهب عم النبي، أي أقرب إنسان للنبي أبو لهب، قال تعالى: 

﴿  تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1)  ﴾

[  سورة المسد ]

فالنسب لا معنى له، ولا قيمة له إلا مع الإيمان، فإذا كان صاحب النسب مؤمناً جاء النسب تاجاً له، النسب يعد تاجاً للمؤمن بعد إيمانه، أما من دون إيمان. 

﴿  تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ(1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ(2)﴾

[  سورة المسد ]

الآن يقابلها: 

(( سلمان منا أهل البيت ))

[ أخرجه الحاكم عن مصعب بن عبد الله الزبيري وهو ضعيف ]

منا؟ سلمان فارسي.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)﴾

[  سورة الحجرات  ]

إذاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من هذه الأمة العربية.


الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :


بالمناسبة الله -عز وجل- حينما قال: 

﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110)﴾

[   سورة آل عمران ]  

هذا كلام خالق الأكوان، ﴿كُنْتُمْ﴾ قال علماء اللغة: معنى كنتم هنا أي أصبحتم، أصبحتم بهذه الرسالة ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، لقد اختار الله هذه الأمة لتكون وسطاً، أي وسطاء بينه وبين خلقه، لكن الأمة العربية الآن لعلها غفلت عن هذه المهمة التي شرّفها الله بها، أن تكون هذه الأمة وسيطاً بين الله وبين عباده، ﴿كُنْتُمْ﴾ أي أصبحتم، بهذه الرسالة ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، ما علة هذه الخيرية؟ قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ دقق لو تصورنا الآن أن الأمة العربية تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقدت خيرتها، وأصبحت أمة كأية أمة خلقها الله، لا شأن لها عند الله، هناك آية تشير إلى هذا؟ 

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(18) ﴾

[   سورة المائدة ]

تبدل القيم في الزمن الحاضر :


هذه الأمة لمجرد أن تتخلى عن رسالتها وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبحت أمةً كأية أمة خلقها الله، لا شأن لها عند الله، لكن خيريتها بالأمر بالمعروف، من هنا قال النبي الكريم: 

(( كيف بكمْ أيُّها النَّاسُ إذا طَغى نِساؤُكم، وفسَقَ فِتيانُكم؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا لَكائنٌ؟ قال: نعمْ، وأشَدُّ منه، كيف بكم إذا تَركتُمُ الأمْرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هذا لَكائنٌ؟ قال: نعمْ، وأشَدُّ منه، كيف بكم إذا رأيتُمُ المُنكَرَ مَعروفًا والمعروفَ مُنكَرًا؟ ))

[ الطبراني في الأوسط وفيه ضعف ]

هذا تبدل قيم، أنا كنت أروي للطلاب أهجا بيت قالته العرب، ودخل شاعره في عهد سيدنا عمر السجن لهذا البيت، ما هذا البيت؟ قال:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

[ الحطيئة ]

هذا البيت الذي يعد أهجا بيت قالته العرب هو في الحقيقة شعار معظم الناس اليوم.

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

[ * * * ]

إذاً: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فإذا كفت الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبحت أمة كأية أمة خلقها الله.


من طبق سنة النبي في حياته فهو في مأمن من عذاب الله :


هناك دليل آخر و هو قوله تعالى: 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(33) ﴾

[  سورة الأنفال  ]

طبعاً الآية في عهد النبي لها معنى واضح، ما دام النبي بين ظهرانيهم فهم في مأمن من عذاب الله، لكن ما معنى الآية بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى؟ هنا الشاهد، قال العلماء: ما دامت سنة النبي مطبقة في حياتهم، في حركاتهم، وسكناتهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في علاقتهم الاجتماعية، ما دامت سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- مطبقة في حياتهم فهم في مأمن من عذاب الله، ضمانة، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تُعذَّب الأمة الإسلامية وهم يطبقون منهج رسول الله.

﴿وَمَا كَانَ﴾ هذه "ما كان" نفي الشأن، أشد أنواع النفي في اللغة صيغة "ما كان"، قال بعضهم: هناك نفي الحدث، ونفي الشأن، تسأل إنساناً هل أنت جائع؟ يقول لك: لا، قل لإنسان محترم جداً: هل أنت سارق؟ لا يكفي أن يقول لا، يقول: ما كان لي أن أسرق، هذا مستحيل وألف مستحيل، لا أقر، ولا أرضى، ولا أسكت، ولا، ولا، ولا، ممكن أن تنفي بهذه الصيغة اثني عشر فعلاً: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أمة تطبق منهج النبي تُعذَّب؟ مستحيل.


على الإنسان أن يطمئن لوعد الله عز وجل :


مرة النبي -عليه الصلاة والسلام- أردف معاذ بن جبل خلفه على الدابة، قال له يا معاذ: 

(( ما حقُّ الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فسكت النبي قليلاً- وجاء السؤال الثاني- ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: - والله هذا الكلام أقوله لكم وفيه أكبر طمأنينة للمؤمن- حقُّ العباد على الله ألا يعذِّبهم ))

[ أخرجه البخاري عن معاذ بن جبل ]

يجب أن تكون مطمئناً لوعد الله، هذا يؤكده قوله تعالى: 

﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(51)﴾

[   سورة التوبة  ]

مرة سيدنا أبو ذر قيل له: احترق محلك، قال: ما كان الله ليفعل، يا أخي احترق، قال لهم: ما كان الله ليفعل، فلما ذهبوا إلى الدكان وجدوا دكان جاره وليس دكانه.

أنا أتمنى أن يكون عند المؤمن ثقة بوعد الله -عز وجل-، وعدك بالتوفيق، لذلك أنا أقول دائماً: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا ربي ماذا فقد من وجدك؟ و ماذا وجد من فقدك؟ 


معية الله لها ثمن و هو التفكر في خلق السموات والأرض :


إذا كان الله معك ليس على وجه الأرض جهة تستطيع أن تنال منك، الله معك، لكن هذه المعية لها ثمن. 

﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12) ﴾

[   سورة المائدة  ]

من هنا في الأثر القدسي: 

((  ليس كل مصلٍّ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ))

[ أورده البخاري في التاريخ الكبير وهو ضعيف ]

أي فكر في خلق السموات والأرض، عرف عظمة الله.


على الإنسان أن يؤمن بالله الإيمان العظيم :


دقق في هذه الآية: 

﴿  إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ(34)  ﴾

[  سورة الحاقة ]

إبليس آمن بالله، الدليل: 

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) ﴾

[  سورة ص  ]

قال له: 

﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ(76) ﴾

[ سورة ص ]

آمن بالله خالقاً، رباً، و ﴿فبِعِزَّتِكَ﴾ عزيزاً. 

﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) ﴾

[  سورة الأعراف ]

آمن بالآخرة، ومع ذلك هو إبليس اللعين، لكن إبليس ما آمن بالله العظيم، لهذا يقول الله عز وجل: 

﴿  مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً(13)  ﴾

[  سورة نوح ]

يجب أن تؤمن بالله العظيم. 


النبي بأعلى درجة من الكمال فهو نبراس للناس و قدوة :


إذاً الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ يوجد قراءة "من أنفَسِكم"، قراءة تغني المعنى أحياناً، بأعلى درجة من الكمال، لكن الذي يقول: إن الكون خُلق من أجل محمد، هذه شطحة، لكني أقول: إن الكون خُلق ليكون الناس فيه على شاكلة محمد، خُلق البشر ليكونوا على شاكلة محمد، ليكون هو نبراساً لهم وقدوة. 

﴿  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً(21)﴾  

[  سورة الأحزاب ]

إذاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾ لماذا لم يقل أرسلته إليكم؟ النبوة وهبية، وكسبية، لولا أنه تفوق في معرفة الله، تفوق في طاعته، تفوق في محبته، لما استحق هذه الرسالة، بهذا المعنى. 


منهج الله جاء لخير الناس و سعادتهم و سلامتهم :


لذلك الشيء الذي يلفت النظر أن السيدة خديجة لما جاءها النبي وقد جاءه الوحي- أنا الآن أعجب لم ينزل في القرآن الكريم آية- أول ما جاءه الوحي:

﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) ﴾

[   سورة العلق ]

قالت له: 

(( فوالله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم، وتَصْدُق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتَكسِب المعدوم. وتَقْرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق ))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]

كيف ربطت هذه المرأة بين الرسالة بين الكمال الذي هو فيه؟ ( فوالله لا يُخزيك الله أبداً) الآن لم ينزل قرآن بعد، وليس هناك نصوص نبوية. (وتحمل الكَلّ، وتَكسِب المعدوم. وتَقْرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق)

إذاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي إذا كان هذا المنهج يتعبكم فهذا شيء يؤلمه، جاء لخيركم، جاء لسعادتكم، جاء لسلامتكم.


طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب :


لكن الله -عز وجل- قال: 

﴿  وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21)﴾

[  سورة السجدة ]

إخواننا الكرام، الأب العالم أحياناً يشتد على ابنه المقصر، هذه الشدة لصالحه، وأنا أقول دائماً: كل شِدةٍ وراءها شَدةٌ إلى الله، وكل محنةٍ وراءها منحة من الله، فإذا قسا الأب على ابنه وصار طبيباً، أو ذا منصب رفيع، وعاش حياةً سعيدة في تألق، هذا عاد الخير عليه.

إذاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ أي يؤلمه أن تتوهموا أن هذا الشرع فيه مشقة، لا، لكن أنت مخلوق للجنة، والجنة تحتاج إلى جهد، وأي شيء بلا ثمن مستحيل.

أنا أقول دائماً وهذه الكلمة أذكرها كثيراً: حتى يضع إنسان حرف د. قبل اسمه، فقط د. يعني دكتور، أي معه شهادة ابتدائية، وشهادة إعدادية، وشهادة ثانوية، ولسانس، أو بكالوريوس، ودبلوم عامة، ودبلوم خاصة، وماجستير، ودكتوراه، أي درس ثلاثاً و ثلاثين سنة حتى يكتب د. 

وأنت مؤمن أنت وعدك الله بجنة عرضها السموات والأرض تريدها بلا جهد؟ لذلك طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، أنت تستطيع أن تقدم لجامعة كبيرة عريقة طلباً أنه يرجى منحي دكتوراه ولا يوجد معك ابتدائية أُمي، ممكن؟ لا يوجد شيء بلا ثمن.


العاقل من أعدّ للساعة عدتها :


لذلك هنا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ومن أنفَسِكم، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي هو يرضى لكم السعادة، لكن السعادة لها ثمن، أنت في دار عمل.

لو أن طالباً في أثناء العام الدراسي كان همه مقعد على النافذة، ومعه شطائر يأكل ما يشاء أثناء الدرس، وموالح، ومشروبات، وعصائر، وشاي، وقهوة، ولم ينتبه للدرس إطلاقاً، شأنه كشأن الناس الآن، يعيش للدنيا فقط، نسي أن هناك جنة عرضها السموات والأرض، نسي اليوم الآخر.

لذلك مرة شيعت أحد الإخوة الكرام، توفاه الله، لما وضعوه في القبر، ووضعوا الحجر الكبير فوق فتحة القبر، ثم أهالوا التراب، والله الذي لا إله إلا هو ما وجدت على ظهر الأرض إنساناً أعقل ولا أذكى ممن يعمل لهذه الساعة، من قصر، من بيت أربعمئة متر، إلى قبر، من زوجة، أولاد، أصهار، كنائن، ولائم، سفريات، رحلات، ودعوات، إلى القبر، ماذا في القبر؟ لذلك قال تعالى هو: 

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2) ﴾

[   سورة الملك  ]

بدأ بالموت لماذا؟ لأن الإنسان حينما يولد أمامه خيارات لا تعد ولا تحصى، أما إذا جاءته المنية فأمام خيارين لا ثالث لهما. 

((  فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار  ))

[ أخرجه البيهقي في الشعب من حديث الحسن وفيه انقطاع ]


المصائب التي تصيب البشر هي ردع من الله ليعودوا إلى الطريق الصحيح :


﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ يؤلمه أن تتوهموا أن هذا الشرع فيه قيد عليكم، لا، هذا قيد رحمة.

دقق، هذا المثل أنا وضعته: لو أن طالباً قال لأبيه: أريد ألا أدرس، قال له: كما تشاء، ثاني يوم لا يوجد وظائف، ولا مدرسة، ولا دوام، نام للظهر، راح على السينما، اعتقد أنه أسعد طالب بالأرض، لا يوجد عنده واجب إطلاقاً، أما عندما كبر لا وظيفة، ولا تجارة، ولا زواج، ولا شيء، حقد على أبيه، قال له: يا أبتِ لما قلت لك لا أريد أن أدرس لِمَ لم تضربنِي؟ الآن دقق بالآية:

﴿ وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(47)﴾

[   سورة القصص ]

فهذه المصائب التي تصيب البشر لولا أن الله أراد منها أن تكون رادعاً، وباعثاً، ودافعاً لنا الإنسان يوم القيامة يعتب على الله إن لم تكن هذه المصائب: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .


التراحم فيما بين الناس هو رحمة الله :


﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ لذلك قالوا: أرحم الخلق بالخلق هو رسول الله، أرحم الخلق بالخلق، وأنا أذكر قصة رمزية أن أحد الأنبياء مشى في الطريق، رأى أماً تضع رغيفاً في التنور، وتأخذ ابنها تضمه وتشمه، فقال: يا ربي! ما هذه الرحمة؟ فالله أخبره أن هذه رحمتي، أودعتها في قلب أمه وسأنزعها، فلما نزع الله الرحمة من قلب أمه بكى فألقته في التنور، فالتراحم فيما بين الناس هي رحمة الله، رحمة الله أودعها في قلب الأمهات والآباء، لذلك الآية الكريمة: 

﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي(39) ﴾

[   سورة طه  ]

أنا أقول: محبة الأب والأم لابنهما هي محبة الله له جعلها في قلب الأم والأب.

أيها الإخوة، هذه الأمة كانت رعاة للغنم، بفضل هذه الرسالة أصبحت قادة للأمم، من رعاة الغنم إلى قادة للأمم.

أيها الإخوة الكرام، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .


قانون الالتفاف و الانفضاض :


الآن دققوا قال تعالى: 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(159) ﴾

[   سورة آل عمران ]

هذه الباء باء السبب، أي يا محمد بسبب رحمة اشتققتها من الله من خلال اتصالك بنا، يا محمد هذه الرحمة التي في قلبك، والتي اشتققتها منا بسبب اتصالك بنا، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك، الآن ولو كنت منقطعاً عنا، لامتلأ قلبك قسوة، وهذه القسوة تنعكس على التعامل مع الناس غلظة وشدة، عندئذٍ ينفض الناس من حولك، وكأن هذه الآية قانون الالتفاف والانفضاض، يحتاجها الأب، تحتاجها الأم، يحتاجها المعلم، يحتاجها المرشد، أي إنسان على وجه الأرض يحتل منصباً قيادياً يحتاج هذه الآية: 

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾

إذاً: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .


الهدى قرار ذاتي لابد للإنسان من أن يأخذه :


لذلك قال النبي الكريم: 

(( إنما مَثَلي ومَثَل النَّاسِ، كمثل رجلٍ استوقَدَ ناراً، فلمَّا أضَاءتْ ما حَوْلَهُ، جعَلَ الفَراشُ وهذي الدوابُّ، الَّتي تقع في النَّار، تَقَع فيها، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ ويَغْلِبْنَهُ، فَيَتَقَحَّمْنَ فيها فأنا آخِذُ بِحُجَزِكُم عن النَّار، وأنتُم تَقَحَّمُونَ فيها ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

هذا بالضبط الواقع، النبي الكريم برؤيته وعلو مقامه هدفه الأول أن ينجي أمته من النار، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: 

﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ(48) ﴾

[   سورة الشورى  ]

ما أنت عليهم بحفيظ. 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107) ﴾

[   سورة الأنعام ]

﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(272) ﴾

[   سورة البقرة  ]

هذا الهدى قرار ذاتي لابد من أن يأخذه الإنسان. 


على الإنسان أن يؤدي ما عليه و يطلب من الله الذي له :


﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أديت الذي عليك، اطلب من الله الذي لك، لذلك لا يستطيع لا نبي، ولا رسول، ولا داعية كبير أن ينقل الهدى إلى الناس، فالناس مخيرون، هذا الإنسان يقبل أو لا يقبل، والدليل دقق:

﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ (52) ﴾

[  سورة الشورى ]

هذه آية، الثانية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ عجيب! ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ثم هناك آية أخرى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ معنى ذلك الهدى قرار ذاتي إذا اتخذه الإنسان كل شيء في الأرض وفي الكون يدله على الله، أما إن لم يتخذ هذا القرار، لو كان هناك قاعدة فضائية يرى المجرات بعينه من خلال التلسكوبات، لو كان على مجهر إلكتروني يرى الخلية، لو كان في أكبر مركز علمي، يرى كل شيء، هذه الأشياء لا تقدم ولا تؤخر، الهدى لابد من أن تتخذ قراراً ذاتياً لطلب الحقيقة، عندئذٍ كل شيء يدلك على الله. 

﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ مرة فيما أذكر أحد خلفاء بني أمية ولعله آخر خليفة صعد المنبر ليخطب قبل صلاة العيد، بخلاف السنة، يبدو أنه لم يكن محبوباً فكان الناس إذا صلوا العيد انصرفوا إلى بيوتهم، صعد المنبر ليخطب قبل الصلاة، هكذا قرأت القصة، أحد الجالسين أمسكه من ثوبه- للخليفة- قال له: هذا ما فعله النبي الكريم، لكنه لم يعبأ به وتابع الصعود وخطب، قال أحد الحاضرين: أما هذا فقد أدى الذي عليه.

أنا أقول دائماً: أدِّ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك، أدِّ الذي عليك من طاعة واطلب من الله الذي لك. 

﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أنا أديت الذي علي، أحياناً أنا أقول لإنسان يستنصحني في علاقته بأبيه، قد يكون أبوه قاسياً جداً، أقول له: أدِّ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك.


من لم يؤمن بالله العظيم فالطريق إلى الله ليس سالكاً :


﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ .

﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ما لم تؤمن بالله العظيم فالطريق إلى الله ليس سالكاً، ما لم تؤمن بالله العظيم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ أنت إذا تفكرت في خالق السموات والأرض آمنت بالله العظيم.

من بعض المعلومات البسيطة: بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب عدا الشمس أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربع وعشرين، بالسنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، بأربع سنوات ضرب أربع، ابنك الصغير بدقائق على آلة حاسبة يحسب لك كم تبتعد الأرض عن أقرب نجم ملتهب لها عدا الشمس، أربع سنوات ضوئية، الآن لو أن هناك مركبة في الأرض، يمكن أن تصل لهذا الكوكب سرعتها كسيارة عادية، مئة، تحتاج إلى خمسين مليون عاماً كي تصل إليها، خمسون مليون عاماً كي تقطع أربع سنوات ضوئية.

إخواننا الكرام نجم القطب يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، المرأة المسلسلة المجرة تبعد عنا مليوني سنة ضوئية، أحدث مجرة اكتشفت حديثاً تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، اقرأ قوله تعالى: 

﴿  فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ(76)  ﴾

[  سورة الواقعة ]

لذلك:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28)﴾

[   سورة فاطر ]

إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا أذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل. طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.

هذا هو الدرس الأخير في سورة التوبة وأرجو لإخوتي المشاهدين التوفيق والنجاح، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور