وضع داكن
25-06-2024
Logo
الخطبة : 0678 - وصية لقمان لابنه6 - عدم الكبر - البعد بين كواكب المجموعة الشمسية.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تلخيص لما سبق :

أيها الأخوة الكرام ، لازلنا في المنهج التربوي الذي ورد في وصية لقمان لابنه ، وقد ذكرت من قبل خطبة عن العقيدة وخطرها ، فالإنسان إذا صحت عقيدته صحّ عمله ، وإذا صحّ عمله سلم وسعد .
وذكرت خطبة عن العمل الصالح ، وفي رأس العمل الصالح برُّ الوالدين ، وذكرت أنه لابد من أن تتبع سبيل من أناب إلى الله ، لابد من الولاء والاتباع لأهل الحق ، ثم ذكرت ميزان العدل المطلق عند الله عز وجل ، قال تعالى:

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾

[سورة لقمان: 16]

ثم تحدثت عن الصلاة كأداة اتِّصال ، أداة تطهير ، أداة تنوير ، أداة إسعاد ، وانتقلت إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي الفريضة السادسة التي هي علة خيرية هذه الأمة ، ثم وصلت إلى الصبر وكيف أن الإيمان هو الصبر ، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .

الكبرياء على العباد :

هذه الخطبة هي الأخيرة في موضوع منهج لقمان الحكيم التربوي الذي ورد في وصيته : الكبرياء على العباد ، لأن الفقرة الأخيرة :

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة لقمان: 18]

هذا الموضوع الأخير الموضوع الأخلاقي . .
الكبرياء على العباد صفة ربّ العباد ، الذي خلق فسوَّى ، والذي قدَّر فهدى ، والذي إذا ظهر قهر ، وإذا تجلَّى طاشت لأنوار جلاله ألباب البشر . .

﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الجاثية: 36]

أما ذل العباد لربِّهم فبالحقِّ لا بالباطل ، وهو الخالق العظيم ، والرب الرحيم ، والمسيِّر الحكيم ، بديع السموات والأرض ، ذو الفضل العظيم ، ذو الجلال والإكرام ، ذو الطول والإنعام .

الكبر و المتكبر :


والمتكبِّر من بني البشر ، مبطل متطاول يزعم لنفسه ما ليس لها ، والكبر جملة من الخصال الخسيسة في طليعتها جحد الحق ، وتجاهل الواقع ، وسوء العشرة ، وتجاوز القدر ، وتحقير الفضل .
يقابل الغطرسة والكبر ، الذل والخنوع ، وقد يجهل الإنسان حقائق التوحيد ، أو يعتقد اعتقاداً فاسداً أساسه الشرك ، فيذل نفسه ، ويقبل الدنية في دينه ، لواحد من أمرين ، إما خوف أن يُصاب برزقه ، أو أن يُصاب بأجله ، مع أن الله جل جلاله قطع سلطان البشر عن الآجال والأرزاق جميعاً ، فليس لأحد إليهما سبيل ، وبيَّن الله في كتابه العزيز أن البشر لو اجتمعوا بأسرهم هم أذل من أن يمنعوا شيئاً أعطاه الله أو أن يعطوا شيئاً منعه الله ، قال تعالى:

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[سورة فاطر: 2]

وقال أيضاً :

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة يونس: 17]

هذا الذل ايها الأخوة ذل الشرك ، وذل الخوف ليس من التواضع في شيء ، وقد يقصِّر الإنسان في أداء واجبه ، أو يهمل عمله ، أو صنعته ، أو يسيء إلى الناس في تعامله معهم ، فيأتيه اللوم والتقريع فيتطامن ويستخذي ، هذا الذل ذل التقصير ، والإيمان والإساءة ليس من التواضع في شيء ، ذلة العبد لعبد باطلة لا ريب فيها ، فقد حرم الإسلام على المسلم أن يهون ، أو أن يُستذل ، أو أن يُستضعف ، قال تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 139]

((من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس مني))

[ الطبراني عن أبي ذر]

لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ، احتجْ إلى الرجل تكن أسيره ، استغن عنه تكن نظيره ، أحسن إليه تكن أميره . . شرف المؤمن قيامه بالليل ، وعزه استغناؤه عن الناس .

 

عزة الإسلام تكون باعتزاز المسلم بنفسه و بدينه و بربه :


اعتزاز المسلم بنفسه ، وبدينه ، وبربه هو عزة الإسلام ، عزة الإيمان وهو غير كبرياء الطغيان ، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لجهة ، أو أن يتضع في مكان ، أو أن يكون ذَنَباً لإنسان ، إنها ترفع عن مغريات الأرض ، ومزاعم الناس ، وأباطيل الحياة ، إنها انخفاض إلى خدمة المسلمين ، والتبسط معهم ، واحترام الحق الذي يجمعه بهم ، إنها إتيان البيوت من أبوابها، وطلب العظمة من أصدق سبلها ، قال تعالى :

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾

[سورة فاطر: 10]

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[سورة فاطر: 10]

اجعل لربك كل عــزك يستقر ويثبـت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
***

حق يقابله واجب ، وليس يُسمح للمرء أن يطالب بماله من حق حتى يؤدي ما عليه من واجب ، فإذا كُلفت بعمل فأديته على أصح وجوهه عندئذ لا سبيل لأحد عليك ، ولا يستطيع من فوقك ولا من دونك أن ينالك بلفظ جارح ، وتستطيع أن تحتفظ بعزة نفسك أمام كل الناس على اختلاف مراتبهم ، حين تسد الثغرات التي ينفذ منها إليك اللوم والتقريع ، إن ألد أعدائك يتهيبك ، قال تعالى :

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة يونس: 26]

وقال صلى الله عليه وسلم :

((إياك وما يُعتذر منه ))

[الحاكم في الرقاق من صحيحه من حديث أبي عامر العقدي]

الكبر و الذل و التواضع و العزة أربعة مفهومات أخلاقية متداخلة :

في هذه المقدمة اتضح الكبر والذل والتواضع والعزة ، أربعة مفهومات أخلاقية متداخلة ، الذلة شيء ، والعزة شيء ، والتواضع شيء ، والكبر شيء آخر ، ينبغي أن تكون متواضعاً وأن تكون عزيزاً ، ولا ينبغي أن تكون متغطرساً ولا أن تكون خانعاً ، إلى الآيات الكريمة قال تعالى :

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة لقمان: 18]

أي لا تُعرض بوجهك عن الناس ، إذا كلمتهم أو كلموك ، احتقاراً منك لهم ، واستكباراً عليهم ، ولكن ألن جانبك ، وابسط وجهك كما جاء في الحديث :

(( . . . لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلق أخاك بوجه طلق))

[مسلم عن أبي ذر]

طلاقة الوجه صدقة ، طلاقة الوجه تواضع ، طلاقة الوجه أخلاق .
يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إسبال الإزار مخيلة ، والمخيلة لا يحبها الله عز وجل ))

[الطبراني عن جابر ]

وقال بعض العلماء : ولا تصعر خدك للناس: أي لا تتكبر فتحتقر عباد الله ، وتعرض عنهم بوجهك .
لا تصعر خدك للناس : لا تتكلم وأنت معرض عنهم .
وقال بعض العلماء : التشدق بالكلام نوع من تصعير الخد للناس .
ولا تمش في الأرض مرحاً . .
المؤمن الكامل يفرح بعطاء الله ، يفرح إن قدَّر الله على يده عملاً صالحاً ، يفرح إن آتاه الله علماً ، قال تعالى :

﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة النساء: 18]

فهذا الذي يفرح بالدنيا هناك ضعف في عقله ، متاع الدنيا قليل ، الدنيا منقطعة ، تأتي ساعة تفقد كل شيء في ثانية واحدة ، لكنَّ الآخرة متصلة .
ولا تمش في الأرض مرحاً . . أي لا تمش مشي خيلاء ، متكبراً ، جباراً ، عنيداً ، لا تفعل ذلك فإن الله يبغضك ، ولهذا قال : إن الله لايحب كل مختال فخور . . المختال المُعجب في نفسه ، والفخور على غيره . . يقول أنا أكثر منك مالاً ، أنا أكثر منك جاهاً ، أنا أوسع منك ثراءً .

﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ﴾

[سورة الإسراء: 37]

ذُكر الكبر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشدد عليه فقال : " إن الله لا يحب كل مختال فخور "
سأله رجل إني لأغسل ثيابي ، فيعجبني بياضها ، ويعجبني شراك نعلي ، وعلاقة سوطي ، فهل هذا من الكبر؟ فقال :

((الكبر بطر الحق وغمص الناس))

[مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

أن ترد الحق ، ألا تقبل حكم الله ، ألا تقبل حكم رسول الله ، ألا تنصاع لحديث صحيح ، ألا تقبل سنة رسول الله ، هذا هو الكبر أن تستكبر عن طاعة الله ، أن تستكبر عن عبادته ، الكبر : بطر الحق وغمص الناس . .

غمص الناس : أن تحتقرهم ، أن تزدريهم وهم ليسوا كذلك ، أن تقلل من شأنهم وهم ليسوا كذلك ، أن تتهمهم في إيمانهم وهم ليسوا كذلك ، أن تتهمهم في نواياهم وهم ليسوا كذلك ، هذا هو الكبر ، بطر الحق وغمص الناس .
أما قوله تعالى: واقصد في مشيك : أي امش مشياً مقتصداً ليس بالبطيء المتثبط ، ولا السريع المفرط ، بل عدلاً وسطاً بين بين .
واغضض من صوتك : لا تبالغ في الكلام ، لا ترفع صوتك فيما لا فائدة منه ، لهذا قال الله عز وجل :

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴾

[سورة لقمان: 19]

(( إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

إن أنكر الأصوات لصوت الحمير .

الحكمة خير كثير و متاع الدنيا قليل :

أيها الأخوة الكرام ، دققوا في هاتين الآيتين :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[ سورة النساء : 77]

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[سورة البقرة: 269]

الحكمة عند الله خير كثير ، ومتاع الدنيا مهما كان كثيراً هو عند الله قليل ، لأنه زائل .
لا زلنا في جو هاتين الآيتين .

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :

(( دخلت المسجد فإذا معاذ بن جبل يبكي عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت ما يبكيك يا معاذ ، قال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن اليسير من الرياء شرك ، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الهدى ، ينجيهم الله عز وجل من كل فتنة مظلمة))

[الحاكم عن معاذ]

الأتقياء الأخفياء ، الذين إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حضروا لم يعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، ينجيهم الله عز وجل من كل فتنة مظلمة .

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره ))

[الحاكم عن أبي هريرة ]

لو قال : اللهم إني أسألك الجنة لأعطاه إياها ، ولم يعطه من الدنيا شيئاً .

بطولة الإنسان أن يكون متفوقاً في مقاييس الله :

للناس مقاييس ، وعند الله مقاييس ، البطولة أن تكون متفوقاً في مقاييس الله عز وجل . ولم يمنعها إياه لهوانه عليه ، ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء .

(( وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن من ملوك الجنة من هو أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه ، إن استأذن الأمراء لم يؤذن له ، وإذا خطب الناس لا ينكح ، وإذا قال لم ينصت إليه ، في صدره حوائج ، يتجلجل بها صدره ، لو أقسم على الله لأبره ، ولو قُسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم ))

[ تفسير ابن كثير فصل في الخمول والتواضع عن أبي هريرة ]

الخمول :

أيها الأخوة الكرام ، إن لم تكن مشهوراً ، إن لم تكن علماً ، إن لم تُسلط عليك الأضواء ، إن كنت خامل الذكر ، قد تكون عند الله علي القدر .
أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه ؟ قال : أو مثلي ؟ قال : نعم يا أخي خامل في الأرض علم في السماء .

((قال عليه الصلاة والسلام: أحب عباد الله إلى الله الغرباء ، قيل ومن الغرباء ؟ قال : الفارون بدينهم))

[ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمرو]

ما عليك أيها الأخ الكريم أن تكون مذموماً عند الناس محبوباً عند الله . .
ورد أن سيدنا موسى في المناجاة قال : يا رب لا تبق لي عدواً ، فخاطبه الله عز وجل - وكان نجي الله - أن يا موسى هذه ليس لي ـ لابد للإنسان من أعداء ، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 112]

قال بعض العارفين: " اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً "، وقال بعضهم الآخر: "اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك ، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك ، وعند الناس من أوسط خلقك ".

 

الشهرة :

هذا عن الخمول فماذا عن الشهرة ؟ هذا ضمن قوله تعالى :

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة لقمان: 18]

بحسب المرء من الشر إلا من عصم الله أن يُشار إليه بالأصابع في دينه ودنياه ، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ، فقيل للحسن إنه يشار إليك بالأصابع فما قولك ؟ سبط رسول الله قال : إنما المراد من يشار إليه في دينه ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال :" لا تبدأ لأن تشتهر ، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم ، واصمت تسلم ، تَسُر الأبرار ، وتغيظ الفجار "
ويقول إبراهيم بن الأدهم سلطان العارفين : " ما صدق الله من أحب الشهرة ، وما صدق الله عبد إلا سرَّه ألا يُشعر بمكانه ، ومن عرف مكانه عند الله ما ضره مقالة الناس فيه "
ومن أحب الله أحب ألا يُعرف عند الناس .
وقال بعضهم : " إياك وكثرة الأخلاء ، إن أحببت أن يسلم إليك دينك فأقلل من المعارف " ، شبكة العلاقات الواسعة جداً هذه تبعد عن الله عز وجل .
ومرةً يقول سليم بن حنظلة : بينما كنا حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدرة ، قال : هذا التجمع مذلة للتابع فتنة للمتبوع .
وعن ابن عون عن الحسن قال : " كانوا يكرهون من الثياب الجياد التي يُشتهر بها، ومن الثياب الرديئة التي يُحتقر فيها " .
بين ثوب مشهور ، وبين ثوب مهجور ، هذه هي السنة ، والفضيلة وسط بين طرفين .
وقال بعض العلماء : إن قوماً جعلوا الكبر في قلوبهم ، والتواضع في ثيابهم . . هناك أشخاص متكبرون ، مظهرهم فيه تواضع ، الغلاف غلاف تواضع لكن الحقيقة فيه كبر .
ويروى عن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام أنه قال لبني إسرائيل : ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان ، وقلوبكم قلوب الذئاب ، البسوا ثياب الملوك ، وألينوا قلوبكم بالخشية . وهذا الموضوع الثاني موضوع الشهرة ضمن قوله تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾

[سورة لقمان: 18]

حسن الخلق :

بقي حسن الخلق ؛ كان عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس خلقاً ،

(( أَيُّ المؤمنين أفضل؟ قال: أَحْسَنُهُم خُلُقا))

[ أخرجه زيادات رزين عن أنس بن مالك]

و :

(( إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة ، وشرف المنازل ، وإنه لضعيف العبادة ، وإنه ليبلغ بسوء خلقه درك جهنم وهو عابد ))

[ ابن كثير عن أنس]

حسن الخلق هو الإيمان ، من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة .

(( إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار))

[المستدرك على الصحيحين كتاب الإيمان عن عائشة]

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه ، سئل عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس النار ، فقال : الأجوفان ؛ الفم والفرج ))

[أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه]

الفم : المال ، تشتري به الطعام النفيس ، والفرج : الشهوة الجنسية ، من هنا يؤخذ الناس ، من هنا يسقطون ، من هنا يهانون ، ومن هنا يحاسبون ، من هنا تُنشر تقاريرهم في أحدث وسائل النشر ، ألفا صفحة نُشرت فيها فضائح ، وفيها مخاز لا يعلمها إلا الله ، من طريق الفم والفرج يسقط الإنسان ، ويُحتقر بين الناس .

(( وسئل عليه الصلاة والسلام : ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال : حسن الخلق))

[المستدرك على الصحيحين عن أسامة بن شريك]

وقيل :

(( مَا مِنْ شَيءٍ أثْقَلُ في المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُق ))

[ رواه الترمذي عن أبي الدرداء ]

و :

(( إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً ))

[ صحيح عن عبد الله بن عمرو]

و :

((إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَيُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ كَمَا يُعْطِي الْمُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَغْدُو عَلَيْهِ وَ يَرُوحُ ))

[ ابن كثير عن الحسن بن علي]

و :

(( إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا، أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني منزلا في الجنة مساويكم أخلاقا، الثرثارون المتشدقون المتفيهقون))

[ ابن كثير عن أبي ثعلبة]

و :

(( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون))

[رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]

أيها الأخوة الكرام : ما حسَّن الله خُلق رجل وخلقه ودخل النار ، ما دام الله عز وجل قد شرف هذا الإنسان وحسن خلقه إذاً مصيره إلى الجنة .

الكبر :


خصلتان لا تجتمعان في المؤمن البخل وسوء الخلق ، وما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق ، لأن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر .

((وعن رجل من قريش قال : قال عليه الصلاة السلام : ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق ، إن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد ، وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل ))

[تفسير ابن كثير عن أبي سعيد مرفوعا]

مثل طريف قد يأتيك ضيوف كثيرون ، ليس عندك شيء تقدمه إليهم : عندك كيلو لبن ، يمكن أن تضيف إلى هذا اللبن خمسة كيلو ماء وتجعله شراباً سائغاً وتقدمه لهم ، أما هذا اللبن لو أضفت إليه نقطة نفط لأفسدته ، ولألقيته وضحيت فيه ، لماذا ؟ لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عز وجل .
لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، نهايته إلى الجنة ، ومن كان في قلبه مثقال ذرة من كبر أكبه الله على وجهه في النار ، ولا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتب عند الله من الجبارين ، فيصيبه ما أصابهم من العذاب .
وما دخل قلب شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدر ذلك ، كلما ازداد الكبر ضعف العقل .
وقال بعض العلماء : ليس السجود كبر ، ولا مع التوحيد نفاق .
ومن جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه .
الكبر وحسن الخلق ، والشهرة والخمول ، موضوعات أربعة ضمن قوله تعالى:

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[سورة لقمان: 18]

أيها الأخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت ، قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلُقِ العظيم ، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .

البعد بين كواكب المجموعة الشمسية :


مجرة درب التبانة
من الحقائق المقطوع بها؛ أن في الكون مائة ألف مليون مجرة إلى الآن، هذا المنظور الحالي، مجرتنا درب التبانة إحدى هذه المجرات، وهي مجرة متوسطة، فيها مائة ألف بليون نجم وكوكب، طولها مائة ألف سنة ضوئية، عرضها خمس وعشرون ألف سنة ضوئية، القمر بعده عنا ثانية ضوئية واحدة, الشمس ثماني دقائق, المجموعة الشمسية ثلاث عشرة ساعة، أما هذه المجرة درب التبانة طولها مائة ألف سنة ضوئية، عرضها خمس وعشرون ألف سنة ضوئية، الضوء ماذا يقطع في السنة؟ يقطع عشر مليون مليون كيلو متر، يعني ثلاثة عشر صفر.
الآن المجموعة الشمسية التي نحن فيها، طولها ثلاثة عشر ساعة ضوئية، لاحظ فلكي ألماني؛ أن المسافات مسافات الكواكب في المجموعة الشمسية تخضع بتتابع رياضي عجيب!
المجموعة الشمسية
نشر ورقة كتب عليها صفر، ثلاثة، ستة، ضعف ثلاثة، اثنا عشر, أربع وعشرون، ثمانية وأربعون، ستة وتسعون، مائة واثنان وتسعون كل رقم ضعف الذي قبله، وأعطى عطارد أول رقم صفر، والزهرة ثلاثة، والأرض ستة، والمريخ اثنا عشر, وتوقف هنا، ثم أضاف رقم أربعة إلى كل هذه الأرقام، ثم قسمها على عشرة، فإذا الناتج هو بعد كل كوكب عن الشمس، هذا القانون ظهر في القرن التاسع عشر, وقام حوله ضجة كبيرة, وعليه مأخذان، رقم أربع وعشرون غير موجود، لا يوجد نجم بهذا المكان، ورقم مائة واثنان وتسعون ليس هناك نجم بهذا المكان، واتهم هذا القانون بأنه غير صحيح، ثم اكتُشف في الرقم أربع وعشرين هناك مجموعة كويكبات، وفي موقع مائة واثنين وتسعين هناك كوكب أورانوس، فهذه المجموعة الشمسية تخضع لقانون دقيق جداً، يعني كل نجم رتبه بسلسلة هندسية أو حسابية، وأضاف رقم أربعة، وقسم على اثني عشر، الناتج بعد كل كوكب عن الشمس، كان يوجد فراغان الأربع وعشرين، والمائة واثنين وتسعين، ثم اكتشف الكويكبات في المكان الأول، وأورانوس في المكان الآخر.
هذا الكون الذي تبدو فيه عظمة الله عز وجل ، هذا الكون الذي هو تجسيد لأسماء الله الحسنى ، هذا الكون الذي هو مظهر لعظمة الله عز وجل ، قال تعالى:

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة يونس: 101]

وحذرنا من أن نمر على هذه الآيات ونحن عنها غافلون .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك.
اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور