الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه، ومَن تبعه إلى يوم الدين.
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرِجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
1 – تطرُّف التفلُّت وتطرُّف التشدُّد:
أيُّها الإخوة الكرام: شاع مصطلحٌ في السنوات الأخيرة عَقِب التطرُّف الديني، والحقيقة أيُّها الإخوة أنَّ هناك مَرَضين خطيرين، تطرُّف إباحيةٍ وتطرُّف تشدُّدٍ، وكلا التطرُّفين بعيدان عن حقيقة الدين، تطرُّف تفلُّت وتطرُّف تشدُّد، لذلك ظهر بشكلٍ أو بآخر مصطلحٌ ثالثٌ هو الإسلام الوسطي.
2 – الإسلام واحد ليس فيه إسلام وسط وإسلام متطرِّف:
والحقيقة أنَّ حول هذا المُصطلح كلامٌ كثير، ليس هناك إسلامٌ وسطي، لأنَّ الإسلام هو الإسلام، الإسلام دين الله، الإسلام توقيفي:
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)﴾
3 – الإسلام دين الله خالق البشر:
الإكمال نوعي والإتمام عددي، فعدد القضايا التي عالجها الدين تامٌ عدداً، وطريقة المعالجة كاملةٌ نوعاً، لأنَّ الإسلام ليس منتجاً بشرياً، إنما هو وحيٌ من السماء، إذاً: هو لا يخضع لا للتطوير، ولا للتعديل، ولا للإضافة، ولا للتحديث، كل ما يطرأ على صنع البشر يحتمِل التحديث والتطوير، والحذف والزيادة، وما شاكل ذلك، أمّا دين الله عزَّ وجل فهو من عند الخالق العظيم، من عند الخالق الذي تنزَّهت صفاته عن كل نقصٍ.
ولكن اضطر المسلمون إلى استخدام هذا المصطلح، عَقِب تطرُّفٍ تفلُّتي وتطرُّفٍ تشدُّدي، وكنت في الأسبوع الماضي في ملتقىً دولي حول الوسطية، ومما قلت في هذا اللقاء:
حقائق مهمة:
الحقيقة الأولى: الجمعُ بين المصادر الدينية والمصادر الدنيوية:
الحقيقة الأولى أيُّها الإخوة: لا بُدَّ من أن نجمع بين مصادر المعرفة الدينية والدنيوية، لأنَّ العِلم بخلق الله أصلٌ في صلاح الدنيا، وصلاح الدنيا سبب قوة المسلمين، فإذا قال الله عزَّ وجل:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾
أن نعرِف العلوم، أن نتفوَّق بها، أن نستخدمها كوسيلةٍ لقوتنا هذا جزءٌ من ديننا، فلذلك لا يكفي أن نبحث في شؤون الدين وحده، يجب أن نتفوَّق في العلوم العصرية لأنها مصدر قوتنا.
لذلك قالوا: هناك عِلمٌ بخلقه، هذا اختصاص الجامعات في الأرض، وهناك عِلمٌ بأمره، هذا اختصاص كليَّات الشريعة في الأرض، وهناك عِلمٌ به، وهذا هو المُنجّي، والذي قال عنه الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: "حيثما وردت كلمة العِلم به في القرآن الكريم فتعني العِلم به"، فالعِلم في خلق الله عزَّ وجل أصلٌ في صلاح الدنيا، والعِلم بأمره أصلٌ في العبادة، لكن العِلم به أصل الدين، أن تعرفه.
وقد ذكر ابن القيِّم في طريق الهجرتين هذا الأثر: "ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كل شيء، والله أحب إليك من كل شيء" .
إتقان العلوم المادية قوةٌ للمسلمين وجزءٌ من الدين:
فحينما يفهم المُسلم أنَّ إتقان عِلمٍ ما، أنَّ إتقان خبرةٍ ما، أنَّ إتقان حِرفةٍ ما، أن تطوير صناعةٍ ما، أن تلبية حاجات المُسلمين فيما هُم في أمسّ الحاجة إليه، من أجل أن نستغني عن الآخر، وعن بضاعة الآخر، وعن هيمنة الآخر، وعن تحكُّم الآخر، فهذا عملٌ إسلاميٌ عظيم، عندئذٍ نكون قد فهمنا الإسلام فهماً وسطياً.
هناك كتاب الله المسطور القرآن، وهناك كتاب الله المنظور وهو الكون، فتتبُّع قوانين الكون، ومعرفة أسرار الكون، واستغلال هذه القوانين لصالح المسلمين، أن تزداد قوة المسلمين بهذه المعرفة، هذا جزءٌ من دينهم، لقوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) .
من أجل أن نُعمِّر محرك طائرة واحد، نحتاج إلى خمسة ملايين دولار، أربعة محركات بعشرين مليون، يعني مليار ليرة، المليار ليرة كم طنّاً تساوي من القمح؟ نبيعهم معظم ما نملِك من موادٍ أولية، ونأخُذ بعض تِقنيتهم وبعض خبرتهم، فلا بُدَّ من أن يقوى المسلمون بإتقان علوم العصر، هذا جزءٌ من دينهم، وقد قيل: "من تعلَّم لغة قومٍ أمِنَ مكرهم" ومن تعلَّم صناعةً أساسيةً في حياتنا خرَج من سيطرتهم.
هذه الحقيقة الأولى، لا بُدَّ من أن نقرأ في كتاب الله المنظور، ولا بُدَّ من أن نقرأ في كتاب الله المسطور، المسطور هو القرآن، والمنظور هو الكون.
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ(4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
أؤكِّد لكم أيُّها الإخوة: وهذا من أعماق الأعماق: لا ينجح داعيةٌ على وجه الأرض الآن، إن لم يستوعب ثقافة العصر، إن لم يفهم مراكز القوة فيه، إن لم يطَّلِع على ما يجري عند الآخر، هذا من قوة الإنسان في هذا العصر، لذلك الجهاد البنائي أساسه التمكين من ثقافة العصر.
الطالب الذي يدرُس الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، يُتقنها، ماذا أقول لكم؟ في الخُطبة التالية أُبيِّن لكم تأكيداً لهذه الحقيقة.
الحقيقة الثانية: توافق النقل مع العقل:
أيُّها الإخوة: نحن حينما نقدِّس النص التشريعي، النص القرآني، النص النبوي الصحيح طبعاً، هذا لا يعني أن نحتقر العقل، العقل أصلٌ في الدين أيضاً، ومستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن يتناقض النقل مع العقل، لأنَّ النقل من عند الله، والعقل مقياسٌ أودعه الله فينا، بل إنَّ بعض الأئمة الكرام أكدَّ في كتابٍ دقيقٍ حتمية توافق النقل مع العقل، وأعظم ما في هذا الدين العظيم، أنَّ الدين يتوافق مع العقل مئةً بالمئة، بل ما من حقيقةٍ علميةٍ صارخة يمكن أن يكون في القرآن الكريم ما يُناقضها، مستحيل، لكننا نُثني على العِلم إذا وافق القرآن الكريم، ولا يليق بنا أن نُثني على القرآن إذا وافق العِلم، القرآن وحيُ السماء، القرآن هو الأصل، والنقل هو الأصل، والعقل لفهم النقل، والعقل للتأكُّد من صحة النقل، إذاً: تطرُّفٌ عند بعض المسلمين يُقدِّس النص ويحتقر العقل، العقل لا يُحتقَر، لأنَّ الآيات التي تُشير إليه مع فنون العِلم، والتذكُّر، والتفكُّر، والمُحاكمة، تقترب من ألف آية:
﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾
﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾
﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155)﴾
إذاً: من خصائص الوسطية ـ إن صحَّ التعبير ـ في الإسلام أننا كما نقدِّس النص الشرعي ونحتفي به، يجب أن نحترم العقل.
ماذا لو وجِدَ تعارض بين العقل والنقل؟
ويجب أن نعتقد أنه لا يمكن للعقل أن يُناقِض النقل إلا في حالتين:
هاتان الحالتان هُما: عدم حَدّية أحدهما، يعني فهمٌ خاطئٌ لآيةٍ كريمة، أو فهمٌ خاطئٌ لحديثٍ شريف، أو نظريةٌ لم تثبُت بعد.
ويتناقض النقل مع العقل إذا كان النقل غير صحيح، أو أوِّل تأويلاً غير صحيح، ويتناقض النقل مع العقل إذا كان العقل غير صريح، كان عقلاً تبريرياً.
الحقيقة الثالثة: الاتِّباعُ في الدين والابتداع في الدنيا:
أيُّها الإخوة الكرام: هناك حقيقةٌ دقيقةٌ يمكن أن تكون إحدى خصائص الوسطية في الإسلام، أنَّ المُسلم عليه أن يُقلِّد في دينه وأن يَبتدع في دنياه، يجب أن نطوِّر حياتنا، يجب أن نطوِّر معيشتنا، وسُبل رزقنا، أن نحلَّ مشكلات شبابنا، ألّا ندع مشكلةً تُعيق تقدّمنا، هذا تطويرٌ وتحديث من أجل قوَّتنا، أمّا الدين لا يُطوَّر، الدين لا يُضاف عليه ولا يُحذف منه، الدين توقيفي، فكيف بالمسلمين إذا قلَّدوا في حياتهم، ولم يخترعوا، ولم يُطوروا صناعتهم، لم يستخرجوا ثرواتهم، لم يستصلحوا أراضيهم، لم يُنشئوا السدود، لم يُطوروا الزراعات، لم يُطوروا الصناعات، قلَّدوا في دنياهم، وارتضوا أن يكونوا مستوردين من الطراز الأول، وطوروا في دينهم، أضافوا على الدين ما ليس منه، وحذفوا منه ما ينبغي أن يُعلَم بالضرورة.
أكبر خطرٍ أن نُطوِّر في الدين وأن نقلِّد في الدنيا، وأفضل ميزةٍ للأُمة أن تُطوِّر في دنياها وأن تُقلِّد في دينها، لأنَّ الدين كما قلت قبل قليل: توقيفيٌ لا يحتمل الزيادة ولا النُقصان.
أيُّها الإخوة: كما ورد في الحديث الصحيح:
(( أمَّا بعدُ فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ اللهِ وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وشرَّ الأمورِ محدثاتُها وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ ))
[ أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه ]
هذا في شؤون الدين، في شؤون العقائد والعبادات، أمّا في شؤون الدنيا فيجب أن نُطوِّرها، يجب أن نحُلَّ قضية السكن، يجب أن نحُلَّ قضية الطاقة، يجب أن نحُلَّ قضية الإسكان، يجب أن نُلبّي حاجات الشباب، يجب أن نُطوِّر في دنيانا، وأن نُقلِّد في ديننا، والطامة الكبرى أن نُقلِّد في دنيانا وأن نبتدع في ديننا.
الحقيقة الرابعة: لا بُدَّ من تلازمٍ وتوافقٍ بين الظاهر والباطن:
أيُّها الإخوة الكرام: لا بُدَّ من تلازمٍ وتوافقٍ بين الظاهر والباطن، قال تعالى:
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2)﴾
الأمر موجَّهٌ إلى الجوارح، (فَاعْبُدِ اللَّهَ) يعني: صلِّ، (فَاعْبُدِ اللَّهَ) صُم، (فَاعْبُدِ اللَّهَ) حُجَّ بيت الله الحرام، (فَاعْبُدِ اللَّهَ) أدِّ زكاة مالك، (فَاعْبُدِ اللَّهَ) كُن صادقاً، (فَاعْبُدِ اللَّهَ) كُن أميناً، (فَاعْبُدِ اللَّهَ) كُن عفيفاً، (فَاعْبُدِ اللَّهَ) مُخلِصاً.
أمّا عبادة القلب الإخلاص، عَظَمة المؤمن أنك لا ترى فرقاً بين ظاهره وباطنه، ولا بين علانيته وسريرته، ولا بين خلوته وجلوته، ولا بين ما يقول وما يعتقد، يقول ما يعتقد، ويعتقد بما يقول، وسريرته كعلانيته، وخلوته كجلوته، وسره كظاهره، هذا هو التوافق.
أعظم ما عند الأنبياء هؤلاء قِممُ البشر الذين غيَّروا تاريخ البشر، الذين غيَّروا بيئات البشر، هؤلاء لا تجِد مسافةً إطلاقاً بين أقوالهم وأفعالهم، ما أَمَر النبيُّ بأمرٍ إلا كان أسبَق الناس إليه، ولا نهى عن شيءٍ إلا كان أبعد الناس عنه، هذه المسافة المعدومة بين الأقوال والأعمال هي سرُّ قوة الإنسان.
التقيت بداعيةٍ كبيرٍ في مصر قبل عشر سنواتٍ تقريباً، وقد توفي إلى رحمة الله، ففي نهاية اللقاء سألته أن يُقدِّم نصيحةً للدُعاة إلى الله، وكنت أظنُّ أنه سيتكلم ساعةً أو أكثر، فإذا هي جملةٌ واحدة ما زاد عليها كلمة قال: "ليحذَر الدُعاة أن يراهم المدعوون بخلاف ما يدعونهم إليه" .
أكبر قوةٍ تملكها أن تفعل ما تقول وأن تقول ما تفعل فقط، هذا الدرس يحتاجه الأب، والأُم، والمُعلِّم، ورئيس الدائرة، وكل مَن يحتل منصباً قيادياً، إيّاك أن يراك الذين حولك في حالةٍ تتكلم عكسها، أو تدعو إلى غيرها، هذا نُسمّيه التلازم بين الظاهر والباطن، قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: "الأعمال صورٌ قائمة، أرواحها وجود سرِّ الإخلاص فيها" .
الحقيقة الخامسة: مراعاة مقاصد الشريعة:
شيءٌ آخر: ينبغي أن نُراعي مقاصد الشريعة، أضع بين أيديكم حالةً صارخة: قبل وقتٍ طويل كان الحُجَّاج في مِنى يذبحون الأضاحي، بإحصاءٍ قريبٍ من الصِحة، حوالي مليون رأس غنم يُذبَح في الأرض ويترَك فيها، هل تتصور أنَّ شرعاً إلهيَّاً يأمُركَ أن تذبح مليون رأس غنم، في جوٍ تزيد الحرارة فيه عن خمسين درجة، ويُترَك في العراء؟!
حدَّثني أخٌ يسكن في مِنى قال: والله روائح الجيف تستمر أشهُراً عديدة، هل هذه هي الشريعة؟! مستحيل أن يكون هذا شرع الله، هذا الهديِّ يجب أن يصل إلى أصحابه المُحتاجين، هذه هي الشريعة، أمّا أن تُذبَح وتترَك الذبيحة في العراء حتى تتفسَّخ بعد حين، ليس هذا من شرع الله عزَّ وجل، فلذلك الآن والحمد لله، كل هذه الذبائح تُبرَّد وتُشحَن إلى بلادٍ فقيرة، ليأكلها الجياع في العالم، هذا هو الشرع، مُراعاة مقاصد الشرع الحنيف.
إذا فهمت مقاصد الشريعة، اتجه الفقيه اتجاهاً صحيحاً عند البحث في الفقه، وعند الاجتهاد، وإذا فهمت مقاصد الشريعة اتجه المفتي اتجاهاً صحيحاً عند الإفتاء، وإذا فهم الإنسان مقاصد الشريعة، اتجه الباحث اتجاهاً صحيحاً عند إبداء الرأي، فالذي لا يُحسِن ضبط الكُليَّات لا يُحسِن فهم ومعالجة الجُزئيات، يجب أن نذكُر دائماً مقاصد الشريعة.
أحياناً حينما نُغفِل المقاصد نغرق في الجُزئيات، فإذا بالجُزئيات تتناقض مع مقاصد الشريعة، لذلك هناك كلمةٌ لا أرتوي من تردادها لعالمٍ جليلٍ يقول: "الشريعة عدلٌ كلها ـ مقاصد الشريعة العدل بين الناس ـ رحمةٌ كلها، مصالحٌ كلها، حكمةٌ كلها، فأيُّ قضيةٍ خرَجت من العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى القسوة، ومن المصلحة إلى المفسدة، ومن الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أُدخِلَت عليها بألف تأويلٍ وتأويل" ، هذه عَظَمة منهج الله عزَّ وجل.
الحقيقة السادسة: التأدُّب مع قوانين الله:
أيُّها الإخوة: وأنا أرى وأكدت هذا كثيراً في أكثر من خطابٍ: لا تكون مُسلماً إلا إذا احترمت قوانين الله عزَّ وجل، دعكَ من الشريعة، إذا احترمت قوانين الله في صحتك تكون عبداً لله، حذَّرك الطبيب مثلاً من تناول الملح في الطعام لارتفاع ضغطٍ عندك، أن تقول: سمِّ بالله وكُل ولا تعبأ بكلام الأطباء، أنت بهذا لا تتأدب مع منهج الله، الله عزَّ وجل لن يخرِق من أجلك القوانين، هذه القوانين من خَلْق الله عزَّ وجل، فمن علامة عبوديتك لله التأدُّب مع هذه القوانين، تأكُل الفاكهة من دون أن تغسلها وتقول: سمِّ بالله، ولا يضرُّ مع اسمه شيء، هذا كلامٌ غير صحيح:
(( مَن أَكَلَ الطِّينَ، فَكَأنَّما أعانَ علَى قَتلِ نفسِهِ ))
[ أخرجه الطبراني والبيهقي ]
هناك قوانين، قلت قبل قليل: دعكَ من المنهج الإلهي، أنت الآن مع الطعام والشراب، مع صحة الجسد، مع قوانين الكون، مع قوانين الفيزياء والكيمياء، والرياضيات والفَلَك، إيَّاك أن تتصوَّر أنها تُخرَق لكَ، فمن علامات عبوديتك لله الخضوع لها والتأدُّب معها.
مثلاً: الابن مريض، ماذا يأمُرك الدين؟ أن تأخذه إلى أمهر طبيبٍ، وأن تشتري الدواء الجيد، وأن تُعطيه الدواء في أوقاته، وبعد ذلك تقول: يا ربّي أنت الشافي، وبعد ذلك تقول: يا ربّي أنت المُعافي.
أن تُراجع مركبتك مُراجعةً تامَّة قبل السفر، المكابح، الميزان، الأشرطة، الزيت، تُراجعها مراجعةً كاملة، وتقول من أعماق أعماقك: يا ربّي أنت المُسلِّم، يا ربّي أنت الحافظ، أن تأخُذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا هو الدين.
الغربيون أيُّها الإخوة أخذوا بالأسباب واعتمدوا عليها، وألّهوها، واستغنوا بها عن الله عزَّ وجل، فأشركوا، ووقعوا في الشِرك، والشرقيون بسذاجةٍ حمقاء لم يأخذوا بها، يتوكلون، بل يتواكلون، لا يفعلون شيئاً، يقولون: كل شيء ترتيب سيدك، الله هو المُعطي، هو المانع، هو المُقدِّر، يا ربّي عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، يا ربّي دمِّرهُم، يا ربّي أهلِكهُم، والله لا يُهلكهُم ولم يُدمِّرهُم! لأنهم أخذوا بالأسباب، هذه الدنيا بالأسباب، أي إنسانٍ أخذ بالأسباب تملَّكَها.
من هُنا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنَّ الله ينصر الأُمة الكافرة العادلة على الأُمة المُسلمة الظالمة" ، ومن هُنا يقول أيضاً: "الدنيا تصلُح بالعدل والكُفرِ ولا تصلُح بالإيمان والظلم" .
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)﴾
نظام الدنيا نظامٌ آخر، بل إن بعض العلماء يفهم الآية الكريمة:
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)﴾
الصالحون لإدارتها، الصالحون لإعمارها، هؤلاء الذين حلّوا مشكلات الناس، أعطوا الإنسان حقَّه، أعطوه كرامته، هؤلاء هُم يتولون الأمور في الدنيا، هذه حقيقةٌ مؤلمة، تقول لي: مسلم وأنت تظلم زوجتك؟! تُصلّي خمسة أوقات ولا تؤدّي الحقوق؟! ما قيمة إسلامك؟ وقد قال بعض السلف: "ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةٍ بعد الإسلام" .
(( لأن أمشي مع أخٍ لي في حاجةٍ أحبُّ إليَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ شهرًا يعني المسجدَ الحرامَ ))
من لوازم الوسطية: الوعي بسُنَن الله في الخلق والكون:
لذلك أيُّها الإخوة: من تعريفات الوسطية، الوعي بسُنَن الله في الخلق والكون.
مرَّ سيدنا عُمر برجُلٍ معه جملٌ أجرب، قال له: " يا أخا العرب ما تفعل به؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال له: هلّا جعلت مع الدُعاء قطراناً؟" .
هل من المعقول لإنسانٍ يركب مركبته، وانطفأ محركها فجأةً، ماذا يفعل؟ خرج من المركبة وقال: يا ربّ لا إله غيرك، يا ربّ أصلحها، لن تسير السيارة! افتح غطاء المحرك وابحث عن الخطأ، فكِّر تفكيراً علمياً، الله موجود، الله عزَّ وجل يُصلحها إذا بحثت عن السبب وحللته، الله يُعطي بسبب ويأخُذ بسبب، الله يُلهمك موضع الخطأ، افتح الغطاء وانظُر أين الخطأ، وأصلحه حتى تسير.
أمّا لا أتحرك، ولا أُفكِّر، ولا أبحث، ولا آخُذ بالأسباب، وأقول: يا ربّ لا إله غيرك، عليك بهم فإنهم لا يُعجزونك، اللهم دمِّرهم، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، لكن مهما دعوت لا يُدمرهم الله، بل يزدادون قوةً، لأننا نمشي في طريقٍ غلط، نمشي في طريقٍ مسدود، نحن متواكلون، قدِّم شيئاً ثميناً لأُمتك وانتظر نصر الله لك، نصر الله له ثمن، وثمنٌ باهظ، مهما دعوت، مهما رفعت صوتك، القرار الإلهي واضح:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)﴾
كما فعل صلاح الدين، أزال كل المُنكرات، وعلَّم الجيل الصاعد، فتغلَّب على سبعةٍ وعشرين جيشاً أوروبياً، فتحُ القدس مفخرةٌ من مفاخر صلاح الدين، كيف فتحها؟ هل فتحها بالدُعاء؟ لا والله، فتحها بالعمل، فتحها بإزالة المُنكرات، فتحها بتعليم الشباب، فتحها بالعِلم، وبعدئذٍ جاءت معونة الله.
إخوانّا الكرام: من رحمة الله بنا أنَّ الله ما كلفنا أن نُعِدَّ لأعدائنا القوة المقابلة، مستحيل، فرقٌ كبيرٌ جداً، لكنه كلَّفنا أن نُعِدَّ القوة المُتاحة وهو يتولى الباقي، كلَّفنا أن نُعدَّ القوة المُتاحة فقط، والدليل:
(وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) فقط، هذا الذي تستطيعه افعله وقدِّمه، مَن منّا لا يستطيع أن يكون صادقاً في عمله وأميناً؟ من منّا لا يستطيع أن ينفع المسلمين من خلال حِرفته؟
إذا كل إنسانٍ مثلاً الموظف لبَّى المواطن، وما أجَّله وقال له: تعال غداً، وبعد غدٍ، وما ابتزَّ ماله، والطبيب إذا لم يُكلِّف المريض إلا بالقدر المقبول علمياً، كذلك المهندس، والمُدرِّس علّم الطلاب تعليماً جيداً، فلا يُجري لهم مذاكرةً فوق مستواهم فيأخذون الأصفار، وبعدئذٍ يدعوهم إلى دروسٍ خاصة! مَن منّا لا يستطيع أن يخدِم أُمته؟ ضمن حِرفتك، ضمن عملك، ضمن اختصاصك، ذلك بالإمكان، فإذا فعلنا هذا نصرْنا الله، عندئذٍ ننتظر نصره.
الحقيقة السابعة: الارتباط بالأصل والاتصال بالعصر:
أيُّها الإخوة الكرام: مِن الذي قيل في هذا اللقاء الدولي، ينبغي أن نرتبط بالأصل وأن نتصل بالعصر، أن تبتعد عن طبيعة العصر، ألّا تعبأ بوسائل النشر الحديثة، يقول أحدُهم: في الجامع ألف شخصٍ يسمعون الخُطبة، ويمكن أن يسمعها الآن عشرون مليوناً بوسائل العصر الحديثة، يمكن أن تصل إلى عشرين مليوناً، يمكن أن يصل الدرس إلى ثمانين مليون إنسان، والدرس هو هُو، هذه المنجزات العصرية ينبغي أن تُؤَسلَم، أن يستخدمها المسلمون لقوة هذا الدين.
صدِّقوا أيُّها الإخوة: جاءتنا رسالةٌ من سيبيريا، يُتابعون موقع الإنترنت المعلوماتي، ومن أطراف الدنيا، من كندا، مرةً من ألاسكا جاءتنا رسالة، من جنوب إفريقيا، من إفريقيا، ومن أستراليا، الآن هناك وسائلٌ ذات انتشارٍ واسعٍ جداً، هذه ينبغي أن نستغلها لقوة هذا الدين.
الحقيقة الثامنة: ثبات الأهداف ومرونة الوسائل:
أيُّها الإخوة: مشكلتنا بين الثبات الجامد والمرونة الماحقة، فنحن إمّا في ثباتٍ جامدٍ وإمّا في مرونةٍ ماحقة، والحقيقة ثباتٌ في الأهداف ومُرونةٌ في الوسائل، الآن لو فرضنا أنَّ هناك توجيهاً نبوياً قديماً، أن تُقدِّم الغذاء، أعطِ إنساناً يسكن في حيٍ شعبيٍ فقيرٍ جداً، مساحة بيته خمسون متراً، وهو تحت الأرض واتجاهه شمالي، أعطِهِ كيس قمحٍ كصدقة، هذا بلاءٌ، أين يغسله؟ أين يطحنه؟ أين يخبزه؟ الإنسان المُقيم في مدينةٍ أعطِهِ مالاً، أمّا المُقيم في قريةٍ فالتنور جاهز، والمطحنة جاهزة، أعطِهِ كيس قمحٍ لا مانع، فالمسألة تحتاج إلى مرونةٍ، عليك أن تؤدّي زكاة مالك، هناك مكانٌ من صالح الفقير أن تُعطيه مالاً، وفي مكانٍ آخر لصالح الفقير أن تُعطيه قوتاً، الهدف أداء الزكاة، أمّا المرونة فبحسب صالح الفقير.
الحقيقة التاسعة: قوّةُ المضمون وجمالُ العرض:
شيءٌ آخر: قد يذهب الإنسان إلى بلاد الآخرين، هذه البلاد فيها أناقة، ونظافة، وجمال، ونظام، ثم يأتي إلى بلاد المسلمين فلا يرى هذا الجمال، فما الذي يمنع أن نكون مع عمق الموضوع، مع سلامة المنهج؟ أن يكون مظهرنا مقبولاً جميلاً أنيقاً؟ فالجمال حاجةٌ أساسيةٌ في الإنسان، والجمال لا يحتاج إلى مالٍ إطلاقاً، الجمال يحتاج إلى ذوق فقط، فقد ترى بيتاً فيه لمساتٌ جمالية، فيه ألوانٌ متناسبة، مَن الذي قال: إنَّ الجمال والأناقة من نصيب الكفَّار؟ مَن قال هذا الكلام؟ هذا من أساسيات المسلمين.
(( إِنَّكُم قادِمونَ على إخوانِكُمْ، فأصْلِحُوا رحالَكم، وأصلِحُوا لباسَكُم، حتى تكونُوا كأنَّكُم شامَةٌ في الناسِ، فإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ ولا التَّفَحُّشَ ))
[ أخرجه أبو داود والحاكم ]
لماذا صيدلية المُسلم مُهملة، والغُبار على الأدوية، وأحياناً يبحث عن الدواء ربع ساعة؟ لماذا إذا دخلت صيدليةٍ أُخرى تجد كل دواءٍ في مكانه؟ والبلور يلمع لماذا؟ أنا أُريد مع قوة المضمون جمال العرض، مع عمق الأخلاق جمال المظهر، لذلك: (فأصْلِحُوا رحالَكم، وأصلِحُوا لباسَكُم، حتى تكونُوا كأنَّكُم شامَةٌ في الناسِ) .
حينما أهملنا بلادنا، أهملنا مرافقها، هرب أولادنا إلى الغرب واستقروا هناك، ألا يؤلمك أنَّ سبعة عشر ألف خارج سورية، بدتيرويت فقط خمسة آلاف طبيبٍ مُقيم، هؤلاء من حقِّ سورية، من حقَّ بلادنا، هؤلاء نما لحم كتفهم من خير هذا البلد، فينبغي أن يعودوا إليه.
القضية أيُّها الإخوة: يجب أن نُجمِّل حياتنا، وهذا من وسطية الإسلام، يجب أن نجذب الناس إلى بلادنا، إلى مرافقنا، إلى جامعاتنا، إلى مدارسنا.
الشيء الذي يلفِت النظر هناك أينما ذهبت النظافة عجيبة! والنظام عجيب! والأناقة عجيبة! والترتيب عجيب! والأمر لا يكلف إلا تفكيراً وذوقاً فقط، لذلك مما قيل في هذا اللقاء الدولي: لا بُدَّ من قوة المضمون مع جمال العرض.
يعني هذا الكأس يبدو أنه غالي الثمن، إذا فيه مياهٌ آسنة هل تشربه؟ مع أنَّ الكأس نفيسٌ جداً، لا تشربه، لو أنَّ الأمر بالعكس، أغلى شراب مع وعاءٍ فيه صدأ هل تشربه؟ ينبغي أن تُقدِّم لنا أجمل شرابٍ في أجمل كأسٍ، لذلك قالوا: الطرف الآخر يُسوِّق أسوأ بضاعةٍ بأحلى طريقة، والمُسلمون يُسوِّقون أعظم شيءٍ في الحياة بأسوأ طريقة، الطرف الآخر يعملون في الظلام، ونحن نائمون في ضوء الشمس، كل مُسلمٍ، طالبٍ، مُدرِّسٍ، صاحبُ محلٍ تجاري، اجعل من النظام والجمال والأناقة جزءاً من حياتك، حتى يُشار إليك بالبَنان، هذا مُسلمٌ نظيف.
شابان سوريان في لندن لهم صديق بريطاني، كلما اقترب منهم تكلموا الإنكليزية، فلفتوا نظره، سألهم فقالوا: نبينا عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دونَ الثالثِ إلا بإذنِه فإنَّ ذلك يُحزنُه ))
فأسلَم وقال عبارةً مشهورةً: "نبيكم حضاري" أنت كُن حضارياً بلباسك، بأناقتك، في بيتك.
أقول مرةً عاشرة: الأناقة والجمال والترتيب لا يحتاج إلى مالٍ، يحتاج إلى فكرٍ وذوقٍ فقط.
الحقيقة العاشرة: الإنصاف والموضوعية:
شيءٌ آخر: من عادة المسلمين أنهم إذا غضبوا على جهةٍ جعلوها في الوحل، وإذا رضوا عن جهةٍ قدَّسوها إلى الأوج، هذا خطأ، كُن موضوعياً في أحكامك، الإمام الشافعي يقول: "أنا على حقّ، وقد أكون مُخطئاً، وخصمي على باطل، وقد يكون مُصيباً" ، كُن معتدلاً، لا تُصدِر أحكاماً قطعيةً مبالغاً بها، تواضع للآخر، الآخر يجب أن تكسبه إلى جانبك، الآخر يحتاج إلى تواضع، الدليل أنَّ الله عزَّ وجل علَّمنا في القرآن الكريم، أثناء الحوار مع الطرف الآخر قال:
﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (24)﴾
الحقُّ كرةٌ، فإمّا أنها عندنا أو عندكم، نتناقش، هناك تواضع.
﴿ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)﴾
هل هناك من تواضعٍ بعد هذا التواضع؟ هكذا عُلِّمنا.
الحقيقة الحادية عشرة: أنزلوا الناس منازلهم:
أيُّها الإخوة الكرام: ينبغي أن نُنزِل الناس منازلهم، بربِّكم النجاشي ماذا فعل مع المسلمين؟ هل أقام شرع الله كله في بلاده؟ لا والله ما أقامه، إلا أنه حَمى المُسلمين المُهاجرين، فلمّا جاء وفده إلى المدينة ماذا فعل معهم النبي عليه الصلاة والسلام؟ أصرَّ على خدمة الوفد بنفسه، أمّا الآن إذا الطرف الآخر ما طبَّق الدين مئةً بالمئة فهو كافر! مهلاً أيُّها الأخ.
لذلك يجب أن نُنزِل الناس منازلهم، بربِّكم قيصَر الروم هل كان عظيماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أجيبوني، ليس عظيماً، فكيف أرسل له رسالةً قال فيها: "من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم"؟ هذا لقبه يا أخي، فإذا نادى إنسانٌ إنساناً بلقبه يقوم عليه النكير! هذا لقبه، والنبي فعل هذا، "من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم" .
الحقيقة الثانية عشرة: الرحمة والعدل والإحسان:
كأن الغِلظة والقسوة والتكفير هو ورعٌ وقربةٌ من الله، لا، اسمع القرآن، مَن هو أكفر كُفَّار الأرض؟ فرعون، لماذا؟ لأنه قال:
﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)﴾
وقال:
﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾
اسمع القرآن الكريم:
﴿ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)﴾
أحد أصحاب سيدنا عُمر شرب الخمر وسافر إلى الشام، أرسل له رسالةً قال فيها: << أحمَدُ الله إليك، غافر الذنب، قابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول>> ، تروي الروايات أنَّ هذا الصاحب قرأ الرسالة وبكى، وتاب من خطئه، فقال عُمر: "هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضلّ، كونوا عوناً له على الشيطان، ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه" .
تحتاج إلى رقّةٍ، أمامك إنسان، تقول له: مَن أنت؟! كُن لطيفاً، كُن مهذباً، كُن رحيماً، تكلم بالتي هي أحسن.
والله كنت في فندقٍ، ويبدو أنه فيه برانس كلما نزل نزيلٌ يأخذها معه، فكتبوا رسالةً رقيقةً جداً، كتبوا فيها: "إن نجاح البرانس في فندقنا نجاحاً باهراً، بدليل أنَّ معظم النُزلاء يأخذونها معهم، وهذا الأمر دعايةٌ لفندقنا، ولكن نتمنّى عليكم أن تُبقوها في الفندق"، هو يُخاطِب السارقين، بأي لغةٍ خاطبهم؟ نجاح البرانس في فندقنا نجاحٌ باهرٌ، السبب أنَّ مُعظم النُزلاء يأخذونها معهم، وهذا عملٌ يُشهِر فندقنا، ولكن نتمنّى عليكم أن تبقوها في الفندق.
هذا أسلوبٌ من أساليب وعظ إنسانٍ يسرق، فكلما كان المُسلم لطيفاً رقيقاً واختار عباراته، دقق: قال تعالى:
﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)﴾
هناك فرقٌ، أنت تُلقي محاضرةً بالموعظة الحسنة، أمّا بالحوار فهناك موضوع كرامة، موضوع مُشادة، قال: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .
إذا كان هناك ألف عبارةٍ حسنة، فينبغي أن تختار من الألف أحسَن كلمة، هكذا هو خُلقُ المُسلم.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾
تقييم الإنسان ما له وما عليه، النبي عليه الصلاة والسلام التقى بأسيرٍ، ما معنى أسير؟ أي جاء ليقتله فأُلقي القبض عليه، مَن هو هذا الأسير؟ زوج ابنته أبو العاص، ماذا قال له النبي؟ أنت، لو كان رجُلاً آخر لقال له: جئت لتقتلني، أنت عدوٌ كافر، إنما قال: "أمّا هذا فما ذممناه صهراً"، كان صهراً ممتازاً، ما ذكَّره أنه كان مع المشركين في قتاله، ذكر فضائله، قال: أمّا هذا ما ذممناه صهراً.
إنسانٌ ارتكب الخيانة العُظمى، أرسل رسالةً إلى قريش، أن "خذوا حِذركم، إنَّ محمداً سيغزوكم"، الله عزَّ وجل عن طريق الوحي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأرسل رجُلان إلى المرأة التي في شعرها هذه الرسالة، فأُخِذَت منها، قُرأت فإذا فيها: "من حاطب بن بلتعة إلى قريش، إن محمداً سيغزوكم، فخذوا حذركم"، هذه بمقياس الأرض شرقاً وغرباً، قديماً وحديثاً، خيانةٌ عُظمى يستوجب صاحبها القتل.
(( بَعَثَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنا والزُّبَيرَ والمِقدادَ، فقال: انطَلِقوا حتَّى تَأتوا رَوضةَ خاخٍ، فإنَّ بها ظَعينةً معها كِتابٌ، فخُذوا منها، قال: فانطَلَقنا تَعادى بنا خَيلُنا حتَّى أتَينا الرَّوضةَ، فإذا نَحنُ بالظَّعينةِ، قُلنا لَها: أخرِجي الكِتابَ، قالت: ما مَعي كِتابٌ، فقُلنا: لَتُخرِجِنَّ الكِتابَ، أو لَنُلقيَنَّ الثِّيابَ، قال: فأخرَجَتْه مِن عِقاصِها، فأتَينا به رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا فيه: مِن حاطِبِ بنِ أبي بَلتَعةَ، إلى ناسٍ بمَكَّةَ مِنَ المُشرِكينَ، يُخبِرُهم ببَعضِ أمرِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حاطِبُ، ما هذا؟! قال: يا رَسولَ اللهِ، لا تَعجَلْ عليَّ، إنِّي كُنتُ امرَأً مُلصَقًا في قُرَيشٍ -يقولُ: كُنتُ حَليفًا، ولَم أكُنْ مِن أنفُسِها- وكان مَن معكَ مِنَ المُهاجِرينَ مَن لهم قَراباتٌ يَحمونَ أهليهم وأموالَهم، فأحبَبتُ -إذ فاتَني ذلك مِنَ النَّسَبِ فيهم- أن أتَّخِذَ عِندَهم يَدًا يَحمونَ قَرابَتي، ولَم أفعَلْه ارتِدادًا عن ديني، ولا رِضًا بالكُفرِ بَعدَ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أما إنَّه قد صَدَقَكُم، فقال عُمَرُ: يا رَسولَ اللهِ، دَعني أضرِبْ عُنُقَ هذا المُنافِقِ، فقال: إنَّه قد شَهِدَ بَدرًا، وما يُدريكَ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ على مَن شَهِدَ بَدرًا، فقال: اعمَلوا ما شِئتُم، فقد غَفَرتُ لكم، فأنزَلَ اللهُ السُّورةَ: {يا أيُّها الذينَ آمَنوا لا تَتَّخِذوا عَدوِّي وعَدوَّكُم أولياءَ تُلقونَ إليهم بالمَودَّةِ وقد كَفَروا بما جاءَكُم مِنَ الحَقِّ} إلى قَولِه: {فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبيلِ} [الممتحنة: 1] ))
ما نسي له أنه شهد بدراً (فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا حاطِبُ، ما هذا؟! قال: يا رَسولَ اللهِ، لا تَعجَلْ عليَّ، إنِّي كُنتُ امرَأً مُلصَقًا في قُرَيشٍ - يقولُ: كُنتُ حَليفًا، ولَم أكُنْ مِن أنفُسِها- وكان مَن معكَ مِنَ المُهاجِرينَ مَن لهم قَراباتٌ يَحمونَ أهليهم وأموالَهم، فأحبَبتُ - إذ فاتَني ذلك مِنَ النَّسَبِ فيهم- أن أتَّخِذَ عِندَهم يَدًا يَحمونَ قَرابَتي، ولَم أفعَلْه ارتِدادًا عن ديني، ولا رِضًا بالكُفرِ بَعدَ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أما إنَّه قد صَدَقَكُم) الدين كله مبادئٌ وقيَم، الدين كله رحمة، هذا لو أنه قُطِعت رأسه فما مِن مشكلةٍ أبداً.
أنا عندما سافرت دخلت إلى مُجمَّعٍ، قالوا: احكِ لنا قصة اسم "الستير"، أول ما دخلت، يوجد بأسماء الله الحُسنى اسم "الستير"، وأنا سابقاً تحدَّثت عن قصةٍ، القصة هي: أنَّ جامع الورد في السنجقدار له خطيبٌ رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، قال النبي له: قُل لجارك فٌلان إنه رفيقي في الجنَّة، وجاره فُلانٌ بقّال وهو خطيب مسجدٍ، فتأثر، كان يتوقع أن تكون البُشرى له، طرق باب جاره، قال له: لك عندي بِشارةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربَّك؟ لكن الرجُل امتنع، وبعد إلحاحٍ شديد قال له: تزوجت امرأةً، ومضى على زواجي منها خمسة أشهرٍ، وهي كانت في الشهر التاسع، فالحمل ليس منه، وهذه معصيةٌ كبيرةٌ ارتكبَتَها، قال له: بإمكاني أن أسحقها، بإمكاني أن أفضحها، بإمكاني أن أُطلِّقها، والناس معي، والقانون معي، والشرع معي، والدنيا كلها معي، لكنني أردت أن أجعلها تتوب على يدي، جاء لها بقابلةٍ وولَّدتها، وبعد أن أذَّن الفجر حَمَل الوليد تحت عباءته، وانتظر حتى بدأ الإمام بصلاة الفرض، فدخل ووضع الوليد وراء الباب وصلّى، فلمّا انتهت الصلاة بكى الوليد، فتحلَّق المُصلّون حوله، وهو تأخر حتى تجمَّع الجميع حول الوليد، ثم اقترب منهم، قال: ما القصة؟ قالوا: تعال انظُر، إنه طفلٌ، قال: أنا أكفله، أعطوني إياه، أخذه عند أهل الحي على أنه لقيط، ودفعه إلى أٌمه.
هذا إحسانٌ وفيه عدل، ونحن بكل خُطبةٍ نقول عندما ننتهي: إنَّ الله يأمُر بالعدل والإحسان، فكما أنك مأمورٌ بالعدل أنت مأمورٌ أيضاً بالإحسان، فنحن بحاجةٍ إلى رحمةٍ، إلى وضوحٍ، إلى انسجام الظاهر مع الباطن، هذا بعض ما قيل وقلت في هذا اللقاء العالمي حول الوسطية في الإسلام.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المُستغفرين، أستغفر الله.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين.
لِمَ لا تكون أيُّها المُسلم متفوقاً؟
أيُّها الإخوة الكرام: أختٌ فاضلة طبيبة مُلتزمة، أسأل الله لها التوفيق والسَداد، أرسلت لي البارحة رسالةً بالبريد الإلكتروني عن قصة مُخترعٍ، لكنني وجدتها متصلة بموضوع خُطبتي اتصالاً شديداً.
رجُلٌ مُسلمٌ معه شهادةٌ من أمريكا، ويعمل في موقعٍ معلوماتي، وكان يتحاور مع صديقه كثيراً في شأن العمل، لكن المدير العام لم يرُق له هذا الحديث، فمنعهم من أن يتحادثوا فيما بينهم، فكَّر في أن يخترع طريقةً في البريد الإلكتروني، لكن هذه الطريقة يجب أن تكون مجانية، وأن تكون فردية، وألّا يطَّلِع عليها أحد، وأن يُستخدَم في أي مكانٍ في العالم، فاخترع ما يُسمّى بالبريد الساخن "هوت ميل".
هذا الاختراع جعل خلال سنتين يشتريه عشرة ملايين إنسان، الشركة العملاقة مايكروسوفت الذي رئيسها "بيل غيتس" أغنى أغنياء العالَم، عرَضَ عليه خمسين مليون دولاراً، فطلب خمسمائة، المفاوضة بقيَت سنتين حتى اشتُريَ منه بأربعمائة مليون دولاراً، عاد إلى بلاده المُسلمة، وأنفق ثلاثمائة مليون على التعليم الشرعي.
هذا هو المُسلم المُتفوُّق، اكتشف هذا الاختراع وسجَّله، وامتلكه، وباعه بأربعمائة مليون، الآن رصيده مئة مليون، أربعمائة مليون ساعد بها أهل بلده الفقراء، أسَّس معاهد ومستشفيات ومياتم، وهناك حديثٌ طويل لا يعنينا كثيراً، لكن الذي يعنينا لِمَ لا تكون متفوُّقاً؟ لِمَ لا تجعل من قدرتك المالية أو العلمية في خدمة المُسلمين؟ هل ثلاثمائة مليون دولار قليل؟ يستخدمها في مستشفياتٍ، في مستوصفاتٍ، في مياتمٍ، في معاهٍد، في إطعام الفقراء، في تأمين عملٍ للشباب.
الآن الخبر الدقيق أنَّ رصيده مئةُ مليونٍ فقط، الثلاثمئة مليون أنفقها في خدمة المُسلمين، فأنت حينما تُفكِّر أن تُقدِّم شيئاً للأُمة، حينما تُفكِّر أن تكون شيئاً عظيماً، أن تكون شيئاً مرموقاً، لعلَّ الله سبحانه وتعالى يُجري على يديك خدمة المُسلمين.
أُمّتكُم بحاجةٍ إلى الشباب، ريح الجنَّة في الشباب، لذلك أنا أحثُّكم دائماً على أن تُقدِّموا شيئاً، على أن تكون شيئاً مذكوراً.
قلتُ مرةً في درسٍ: مَن يذكُر لي اسم تاجرٍ دمشقيٍ عاش سنة ألفٍ وثمانمئةٍ وثلاثةٍ وتسعين؟ وله علامةٌ تامَّة، كان عندي أربعون طالباً تقريباً، ما عرف أحداً منهم الجواب، قلت لهم: وأنا لا أعرفه معكم، لكن مَن منّا لا يذكُر سيدنا عُمر؟ سيدنا صلاح الدين؟ سيدنا خالد؟ هؤلاء العِظام على كل لسانٍ، فلِمَ لا تكون واحداً منهم؟ لِمَ لا تكون شيئاً مذكوراً في المجتمع؟ لِمَ ترضى أن تكون رقماً بسيطاً، واحداً من الناس؟ الله أعطانا قُدراتٍ بالتساوي.
الآن أحدثُ نظريةٍ في القُدرات، هناك قدراتٌ كامنة، إمّا أن تفجّرها أنت، أو لا تفجّرها، لكن ليس هناك تفاوت، فإذا كان كل طموح الإنسان أن يشتري بيتاً، إذاً ذكاءه يصبح محدوداً حسب طموحه، هو يحتاج إلى ذكاءٍ بمستوى طموحه، كل طموحه بحياته، أن يأخُذ بيتاً بمساحة خمسون متراً فقط، وهناك إنسانٌ حاملٌ همّ الأُمة، الذي يحمِل همَّ الأُمة يُعطى قُدراتٍ تتناسب مع الهمّ، كلما كبَّرت همَّك النبيل، يأتيك من الله قُدراتٍ تساوي هذا الهمّ، وكلما قُلت: يا ربّ أَجرِ الخير على يدي، يا ربّ اجعلني في خدمة المسلمين، اجعلني أن أُخفِّف من متاعبهم، أن أُقدِّم لهم شيئاً نفيساً، الله عزَّ وجل يؤتيك من القُدرات ما لا تملِك، لذلك أكبر خطأٍ أن تتوهم أنَّ القُدرات سابقةٌ لطموحاتك، بل هي لاحقة، طموحاتك أولاً، والقُدرات تأتي مناسبةً لطموحاتك.
لذلك الأنبياء بالمقياس الذكائي بأعلى درجةٍ من بني البشر، ذكاءهم مئةٌ وأربعون، وذكاء كل الناس مئة، تسعون بالمئة من أهل الأرض ذكاءهم مئة، لكن الأنبياء مئةٌ وأربعون، هؤلاء عباقرة، غير أنهم رُسُل هذا موضوعٌ ثانٍ، فهُم يتمتَّعون بقُدراتٍ عاليةٍ جداً، وكل إنسانٍ أراد خدمة الأُمة، يمنحه الله قُدراتٍ استثنائية.
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت، ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا.
أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقِّ والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق