وضع داكن
18-04-2026
Logo
الخطبة : 1059 - مناسك الحج ـ ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى : 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكَفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه، ومن تَبِعه إلى يوم الدين. 
اللهم لا عِلم لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزِدنا عِلماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرِجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

تعظيم شعائر الله: 


أيُّها الإخوة الكرام: يؤدّي الحاجُّ في الحجّ مناسك الحجّ في المشاعر المُقدَّسة، وينبغي أن ينتاب الحاجَّ مشاعرٌ مقدسة في المشاعر المقدسة، قال تعالى:

﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾

[ سورة الحج ]

العلماء قالوا: أداء الشعيرة شيء، وتعظيمها شيءٌ آخر، فأيُّ إنسانٍ وقف في عرفات فقد أدّى الشعيرة، بات في مُزدلفة فقد أدّى الشعيرة، طاف طواف القدوم فقد أدّى الشعيرة، لكن الله عزَّ وجل ينتظر منّا فضلاً عن تأدية الشعائر تعظيم هذه الشعائر، من تعظيمها أن يؤدّيها الحاجُّ كما فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، من تعظيمها أن يؤدّيها الحاجُّ على شوقٍ وطيب نفس، لا على تأفُّفٍ وتملمُل، من تعظيم الشعائر أن يؤدّيها الحاجُّ ويتمنّى أن يؤدّيها مراتٍ ومرات.
 يُروى أنَّ سفيان الثوري سُئِل في عرفة عن أسوأ الجمع حالاً، فقال: "مَن وقف في عرفات ولم يغلِب على ظنِّه أنَّ الله قد غفر له فلا حجَّ له" ، لبَّيت ربّك جلَّ وعلا، وآثرت أن تزوره في بيته حاجَّاً على كل ما في بلدتك من بيتٍ، وعملٍ، وزوجةٍ، وأولادٍ، ومكانةٍ، ورُتبةٍ، وقلت: لبَّيك اللهم لبَّيك، وفي الخُطبة السابقة كان موضوع الخُطبة معنى: "لبَّيك اللهم لبَّيك"، لذلك من علامة قبول الحاجِّ عند الله عزَّ وجل، أن يؤدّي هذه المناسك مُعظِّماً لها، مُتمنياً أن يُعيدها مراتٍ ومرات، ولسان كل حاجٍّ وهو يودِّع بيت الله الحرام يقول: يا ربّي لا تجعل هذه الحجَّة آخر عهدي في البيت.
إنَّ المشاعر التي يشعُر بها الحاجُّ وهو في المشاعر المقدسة، هي بوتقةٌ ينصهر فيها قلب المؤمن حتى يتخلص من أدرانها، عَوداً به إلى يوم ولدته أمه.

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

نقي القلب، صافي النفس، تلك هي الغاية الكُبرى من الحج، وحينما اصطفى الله هذه الأماكن المُقدَّسة بالصفاء، ينتظر منّا أن ينسحب هذا الصفاء على بيتك، وعلى عملك، وعلى حياتك المُقبلة.
الله عزَّ وجل يقول:

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)﴾

[ سورة المائدة ]


العبادات في الإسلام معلَّلة بمصالح الخَلق:


أيُّها الإخوة: من أدق ما قاله العلماء المُفسِّرون حول هذه الآية، بالمناسبة: العبادات في الإسلام معلَّلةٌ بمصالح الخلق، ما الفرق بين العبادة وبين الطقس؟ في الأديان الوضعية هناك طقوسٌ لا معنى لها، حركاتٌ، وسكناتٌ، وإيماءات، وتمتماتٌ لا تعني شيئاً، لكن العبادات في الإسلام معلَّلةٌ بمصالح الخلق.

1 – الصلاة:

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

[ سورة العنكبوت ]

هذه عِلَة الصلاة.

2 – الصيام: 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

[ سورة البقرة ]

هذا الصيام.

3 – الزكاة:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ   عَلِيمٌ (103)﴾

[ سورة التوبة ]

4 – الحجُّ:

أمّا الحجّ، الله عزَّ وجل يقول: (ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ) وكأن هذه الفِقرة من تلك الآية هي عِلَّة الحجّ، وحينما تعلم أن الله يعلم، ومن لوازم علمه أنه سيُحاسِب، ومن لوازم مُحاسبته أنه سيُعاقِب وصلتَ إلى كل شيء، حينما توقن أنه مستحيلٌ وألف ألف مستحيل، أن تعصيه وتربح أو أن تُطيعه وتخسر، حينما توقن ذلك عندئذٍ تستقيم على أمره.
مِن أدقِّ ما قاله المفسِّرون حول هذه الآية: إنَّ المُسلم بحجِ بيت الله الحرام، وتعظيم شعائر الله، وعقد العزم على طاعة الله واتباع سُنَّة نبيِّه، تقوم وتتحقق مصالح المُسلم في الدنيا والآخرة، وعندئذٍ تتوقف المُعالجة، قال تعالى:

﴿ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)﴾

[ سورة النساء ]

دققوا: هذا الكون هو الثابت الأول، سخَّره الله لنا تسخير تعريفٍ وتكريم، ردُّ فعل التعريف أن تؤمن، وردُّ فعل التكريم أن تشكُر، فإذا آمنت وشكرت فقد حقَّقت الهدف من وجودك (مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) .

من شعائر الحج: 


1 – لباس الإحرام:

يخلع الحاج ملابسه المَخيطة والمُحيطة لماذا؟ لأنَّ ملابسه بشكلٍ أو بآخر تُعبِّر عن دُنياه، الغني له ملابس غالية جداً، والعسكري له ملابس وأوسمة ونجومٌ ورُتَب، وكل إنسانٍ له لباسٌ قد يؤكِّد انتماءه لوطنٍ، أو لقومٍ، أو لحقبةٍ تاريخية، أو لمستوى اقتصادي، أو لمستوى علمي، هناك لباسٌ خاصٌ لمُدرّسي الجامعة، ولباسٌ خاصٌ للقضاة، الإنسان باللباس يؤكِّد مرتبته العلمية، الاقتصادية، الأُممية، القومية، الوطنية، فحينما يخلع الحاج هذا اللباس فقد خلع قناعاً مُزيّفاً.

(( لينتَهينَّ أقوامٌ يفتخرون بآبائِهم الَّذين ماتوا إنَّما هم فحمُ جهنَّمَ، أو لَيَكونُنَّ أهونَ على اللهِ عزَّ وجلَّ من الجُعلِ الَّذي يُدَهْدِهُ الخُرْءَ بأنفِه إنَّ اللهَ أذهب عنكم عبيَّةَ الجاهليَّةِ وفخرَها بالآباءِ، إنَّما هو مؤمنٌ تقيٌّ، وفاجرٌ شقيٌّ، النَّاسُ بنو آدمَ، وآدمُ خُلِق من ترابٍ ))

[ أخرجه الترمذي ]

هذا اللباس أيُّها الإخوة كما قلت قبل قليل، يُعبِّر عن حجمه المالي، وعن مرتبته الاجتماعية، وعن مرتبته الوظيفية، بل عن درجته العلمية والدينية أحياناً، فهناك ثيابٌ يرتديها رجالُ الدين، هذه الملابس المَخيطة والمُحيطة تُعبِر عن نوع انتمائه إلى أُمةٍ، إلى شعبٍ، إلى قبيلةٍ، إلى عشيرةٍ، فلو بقي المُسلم بلباسه، لبقي مُلتصقاً بدُنياه أو بقبيلته، أو بطبقته، أو بمَن على شاكلته، لكن الإسلام لحكمةٍ كبيرةٍ كبيرة، شَرَعَ اللون الواحد، والتصميم الواحد، حتى تختفي الهوية الشخصية، والهوية الشخصية قناعٌ مزيف (النَّاسُ بنو آدمَ وآدمُ خُلِق من ترابٍ) .
ويبدو البشر كياناً واحداً، ومِن ثم تتعامل معهم بدافعٍ إنسانيٍ خالص، بعد أن ذابت الفروق الطبقية، والهويات الإقليمية، والانتماءات المتعددة، ليُبرِز هذا اللباس معنىً واحداً، هو الإنسان على فطرته السليمة في مواجهة خالقه الواحد الديان، مَلِك، رئيس جمهورية، وزير، خفير، قوي، ضعيف ( النَّاسُ بنو آدمَ وآدمُ خُلِق من ترابٍ) والإنسان بهذه الثياب البسيطة يخلع أكبر قناعٍ يوهمه أنه ذو شأنٍ بين الناس، ويرتدي ثوب الإحرام الموحَّد. 

2 – عدمُ الإيذاء مطلقاً:

بعد ذلك يدخُل في أُفق الممنوعات، الممنوعات في باطنه، ممنوعٌ أن يُفكِّر في شيءٍ يؤذي الحَرَم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25)﴾

[ سورة الحج ]

في باطنه ممنوع أن يُفكِّر بشيءٍ يؤذي الحَرَم، ومع الناس:

﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)﴾

[ سورة البقرة ]

ومع الحيوان فلا يُصطاد ولا يُقتَل، ومع النبات فلا يُقطَع، ومع الحجر فلا يُكسَر ولا يُقتلع، هذه الممنوعات التي هي من لوازم الإحرام، ليكون الحجُّ سلاماً دائماً، قال تعالى: 

﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)﴾

[ سورة آل عمران  ]

إنَّ الحاج أيُّها الإخوة: يُحظَر عليه لبس المَخيط من الثياب، ويُحظَر عليه التطيُّب بكل أنواع الطيب، ويُحظَر عليه الحلق والتقصير، ويُحظَر عليه مقاربة المُتَع التي أُبيحَت له خارج الحج، كل ذلك ـ دققوا ـ ليُحكِم اتصاله بالله، وليسعد بقربه وحده بعيداً عن كل مُداخلةٍ من مُتع الأرض.
إنسان قد يكون بيته فخماً، ودخله كبيراً، وأولاده أمامه، يقول لك: أنا سعيدٌ بالله، قد يكون واهماً، هو سعيدٌ بهذا البيت، وبهؤلاء الأولاد، وبهذا الدخل، أمّا لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، منع الله عنك في الحج كل المُتَع الأرضية، فإذا سعدت وأنت ترتدي ثياب الإحرام بعيداً عن أهلك، بعيداً عن الطيب، بعيداً عن الحلق والتقصير، بعيداً عن كل مُتَع الأرض، فقد جمّد الله لك المُتَع الحسيَّة لتشعُر أنك سعيدٌ جداً بالله عزَّ وجل، فالذي يسعد في حرٍّ شديد، وفي ازدحامٍ لا يُحتمَل، وممنوعٌ عليه أن يقصَّ شَعره، وأن يُقلِّم أظافره، وأن يتطيَّب، ممنوعٌ من كل شيء عدا الطعام والشراب، معنى ذلك أنَّ الله ثبَّت جميع المُتَع الحسيَّة التي توهمك أنك في سعادةٍ مع الله، وحرَّك شيئاً واحداً، هو القُرب من الله.
أيُّها الإخوة الكرام: الحج من أرقى هذه العبادات، فهو يعني خروج العبد من مُراده إلى مُراد ربّه، وهذا يبدو جليّاً واضحاً في هذه العبادة الرائعة.
أيُّها الإخوة: شيءٌ آخر، يتساءل بعضهم: هل مع هذا التسليم المُطلَق بحكمة ما أُمرنا به، إعمالٌ للعقل؟ الجواب لا، لأنَّ العقل لن يكون حكَماً على النقل، ولكنه مسموحٌ للعقل أن يفهم حكمة النقل، والذي أفعله الآن أُحاول أن أفهم حكمة النقل، مسموحٌ للعقل أن يطير في المجال الجوي الإسلامي، مسموحٌ له أن يسبح في المياه الإقليمية الإسلامية، مسموحٌ له أن يسبح ولا يشطَح.

3 – يوم عرفة يومٌ عظيم:

يوم عرفة من الأيام الفُضلى، تُجاب فيه الدعوات للحاج ولغير الحاج في بلده، يوم عرفة أعظم يومٍ في حياتك، سواءٌ أكنت حاجَّاً أو مُقيماً، تُجاب فيه الدعوات، تُقال فيه العثرات، يُباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات، وهو يومٌ عظَّم الله أمره، ورفع على الأيام قدره، هو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة، هو يوم مغفرة الذنوب، يوم العتق من النار، إنه يوم اللقاء الأكبر، بين العبد المُنيب المُشتاق وبين الربِّ الرحيم التواب، بين هذا الإنسان الحادث الفاني المحدود الصغير، وبين الخالق المُطلَق الأزلي الباقي الكبير.
عندها ينطلق الإنسان من حدود ذاته الصغيرة إلى رحاب الكون الكبير، من حدود قوته الهزيلة إلى الطاقات الكونية العظيمة، من حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله، يوم عرفة يوم المعرفة، يوم عرفة يوم المغفرة، يوم عرفة يومٌ تتنزل فيه الرحمات على العباد من خالق الأرض والسماوات، من هُنا قيل: "مَن وقف في عرفات ولم يغلب على ظنِّه أنَّ الله غفر له فلا حجَّ له".
عن جابرٍ رضي الله عنه: قال عليه الصلاة والسلام: 

(( ما مِن أيَّامٍ أفضلُ عندَ اللهِ مِن أيَّامِ عشْرِ من ذي الحجَّةِ، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ هنَّ أفضلُ أم عِدَّتُهنَّ جهادًا في سبيلِ اللهِ؟ قال: هنَّ أفضلُ مِن عِدَّتِهنَّ جهادًا في سبيلِ اللهِ، وما مِن يومٍ أفضلُ عندَ اللهِ مِن يومِ عرفةَ ينزِلُ اللهُ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيُباهي بأهلِ الأرضِ أهلَ السَّماءِ فيقولُ: انظُروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا ضاحِينَ جاؤوا مِن كلِّ فجٍّ عميقٍ يرجون رحمتي ولم يرَوْا عذابي فلم يُرَ يومٌ أكثرُ عِتْقًا مِن النَّارِ مِن يومِ عرفةَ ))

[ صحيح ابن حبان ]

هذا الكلام للحُجاج ولغير الحُجاج، لا يُحرَم المُسلم الذي لم يُتَح له أن يحج البيت من عطاء الله في هذه المناسبة، هذه الأيام العشر التي نحن فيها، هي أفضل أيام العام على الإطلاق، أيامُ ذِكرٍ وتسبيحٍ ودُعاءٍ وصومٍ وعبادةٍ، وقيام ليلٍ، لأنَّ الله جعل هذه الأيام أفضل أيام العُمر، وجعل ليلة القدر أفضل ليلةٍ على الإطلاق، وجعل يوم عرفة أعظم الأيام على الإطلاق.

يومُ عرفة من أعظمِ الأيام: 


إن لم تكن تعرف الله لا تُجاهد، متى تُجاهد؟ متى تُجاهد نفسك أولاً؟ إن عرفته، متى تمتنع عن شيءٍ حَرَّمه الله؟ إذا عرفته، متى تُقبِل على عملٍ صالحٍ؟ إذا عرفته، متى تنتهي عمّا عنه نهاك؟ إذا عرفته.
(وما مِن يومٍ أفضلُ عندَ اللهِ مِن يومِ عرفةَ ينزِلُ اللهُ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيُباهي بأهلِ الأرضِ أهلَ السَّماءِ فيقولُ: انظُروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا) أحياناً يتمنّى الحاج الغني أن يُقيم في فندق خمس نجوم، فيه الرفاه، والأناقة، والجمال، والغرفة الجميلة، والمرافق الرائعة، هذه تُعيدك إلى بلدتك، وتُبعدك عن بيت الله الحرام.

(( أن النبي صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سُئل: أيُّ الحجِّ أفضلُ؟ قال: العجُّ والثجُّ  ))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجه ]

أرادك الله أن تتعب، وأن تعرَق، وأن تتضايق من الزِحام من أجل الواحد الديّان، أرادك الله أن تُجهد نفسك في سبيل مرضاة الله (انظُروا إلى عبادي شُعْثًا غُبْرًا ضاحِينَ جاؤوا مِن كلِّ فجٍّ عميقٍ يرجون رحمتي ولم يرَوْا عذابي فلم يُرَ يومٌ أكثرُ عِتْقًا مِن النَّارِ مِن يومِ عرفةَ) .

(( عن أنسٍ رضي الله عنه قال:  وقفَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بعرفاتٍ وقد كادتِ الشَّمسُ أن تغرب، فقالَ: يا بلالُ أنصِتِ النَّاسَ، فقالَ بلالُ: أنصِتوا لرسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ، فنَصتَ النَّاسُ، فقالَ: معاشرَ النَّاسِ أتاني جبريلُ آنفًا و أقرأَني من ربِّيَ السَّلامَ، وقالَ: إنَّ اللَّهَ عز وجل غفرَ لأَهْلِ عرفاتٍ، وأَهْلِ المشعر،ِ وضمنَ عنهمُ التَّبعاتِ، فقامَ عمرُ بنُ الخطَّابِ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ هذا لَنا خاصة؟ قالَ: هذا لَكُم ولمن أتى من بعدكم إلى يومِ القيامةِ، فقالَ عمرُ: كثُرَ واللَّه خيرُ اللَّهِ وطابَ ))

[ أخرجه ابن المبارك في الترغيب والترهيب والعقيلي ]

وروى الإمام مُسلم

(( عن عائشة رضي الله عنها، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من النَّارِ من يومِ عرفةَ، وأنه لَيدنو، ثم يباهي بهم الملائكةَ فيقول: ما أراد هؤلاءِ؟ اشهَدوا ملائكتي أني قد غفرتُ لهم ))

[ أخرجه مسلم ]

أيُّها الإخوة الكرام: إنَّ الله يغفر للحاج، ومبالغةً في إكرامه يُلقي في رُوعِه أنه قد غفر له، تعود مطمئناً، وقد أُزيحت عنك همومٌ كالجبال، يُلقي في رُوعِه أنه قد غفر له، لذلك يشعُر الحاج الصادق بأنه عاد من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

(( فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ما رُؤيَ الشيطانُ يومًا هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ ولا أحقرُ ولا أغيظُ منه يومَ عرفةَ، وما ذاك إلَّا لما يرَى من تنزُّلِ الرحمةِ، وتجاوُزِ اللهِ عن الذنوبِ العظامِ، إلَّا ما كان من يومِ بدرٍ فقيل: وما رأَى يومَ بدرٍ؟ قال: أما إنَّه قد رأَى جبريلَ عليه السلامُ وهو يَزَعُ الملائكةَ ))

[ أخرجه مالك والبيهقي ]

وروى الإمام أحمد والترمذي

(( أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:  خيرُ الدعاءِ دعاءُ يومِ عرفَةَ وخيرُ ما قلْتُ أنا والنبيونَ من قبلي لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد  ]

أيُّها الإخوة: ما مِن معنىً يحتاجه المسلمون كمعنى التوحيد، على الشبكية، وبحسب النظرة السريعة والمُتعجِّلة، أنَّ هناك في الأرض طُغاةً يريدون أن يُنهوا الإسلام، أن يستأصلوا شأفة المسلمين، أن يُبيدوا المسلمين، ولكن المؤمن الموحِّد لا تهتز في جسمه شعرة، لأنه يعلم علم اليقين أن الأمر بيد الله، يقرأ قوله تعالى فيرتجف قلبه:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)﴾

[ سورة الفتح  ]

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)﴾

[ سورة الأنفال  ]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم  ]

أُعيد الحديث لأهميته: (خيرُ الدعاءِ دعاءُ يوم عرفَةَ، وخيرُ ما قلتُ أنا والنبيونَ من قبلي لا إلهَ إلّا اللهْ وحدَه لا شريكَ له له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ)
  قال عبد الله بن المبارك: جئت إلى سفيان الثوري عشية يوم عرفة وهو جاثٍ على رُكبتيه، وعيناه تذرفان بالدموع، فالتفَت إليَّ، فقلت له: "مَن أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي ظنَّ أن الله لن يغفر له" ، هناك أربعة ملايين حاج، مَن أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي ظنَّ أن الله لن يغفر له.
ما هذه العبادة؟! كل ما تراكم عليك من ذنوبٍ فيما بينك وبين علّام الغيوب، ترجِع من الحج وقد غُفِرَت.

لا بُدَّ من تأدية حقوق العباد فإنها لا تسقط إلا بالمسامحة: 


أمّا أن تتوهموا أن الحقوق تُلغى! لا والله.

(( يُغْفَرُ للشهيدِ كُلُّ ذنبٍ إلَّا الدَّينُ ))

[ أخرجه مسلم ]

حقوق العبادة لا علاقة لها بهذه الخُطبة إطلاقاً، حقوق العبادة مبنيةٌ على المُشاححة، الشهيد الذي قدَّم أثمن ما يملِك، حياته (يُغْفَرُ للشهيدِ كُلُّ ذنبٍ إلَّا الدَّينُ) .
صحابيٌ شهيد دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته ليُصلّي عليه، قال أعليه دين؟ صحابي شهيد! قالوا: نعم، قال صلّوا على صاحبكم،  ما صلّى عليه، فلمّا قال أحدهم عليَّ دينه صلّى عليه. 

(( تُوفِّيَ رَجلٌ فغسَّلْناه، وحنَّطْناه، وكفَّنَّاه، ثُم أتَيْنا به رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصلِّي عليه، فقُلْنا: تُصلِّي عليه؟ فخَطا خُطًى، ثُم قال: أعليه دَينٌ؟ قُلْنا: دينارانِ، فانصَرَفَ، فتحمَّلَهما أبو قَتادةَ، فأتَيْناه، فقال أبو قَتادةَ: الدينارانِ عليَّ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: حقُّ الغَريمِ، وبرِئَ منهما المَيِّتُ؟ قال: نَعم، فصلَّى عليه، ثُم قال بعد ذلك بيومٍ: ما فعَلَ الدينارانِ؟ فقال: إنَّما ماتَ أمسِ، قال: فعادَ إليه منَ الغَدِ، فقال: لقد قضَيْتُهما، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: الآن برَدَتْ عليه جِلدُه ))

[ أخرجه أحمد ]

بعد أن أُدِّيَ الدين، لم يبترد جلده بالضمان بل بالأداء، فإيّاكم، ثم إيّاكم، ثم إيّاكم أن تتوهموا أنَّ صوم رمضان يُلغي الحقوق والذِمم، وأنَّ حجَّ بيت الله الحرام يُلغي الحقوق والذِمم، هذه لا تُغفَر إلا بالأداء أو المُسامحة، لكن الذي نتحدَّث عنه من أنه:

(( مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه، ومَن قامَ لَيلةَ القدرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِه ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

وأنه (مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) هذا متعلقٌ بالذنوب التي بينك وبين الله. 

موقف عرفات تذكير بالرحلة الأخيرة إلى الله:


أيُّها الإخوة: موقفٌ عجيبٌ في عرفات يُغطيه نباتٌ بشري مختلفٌ ألوانه، أغصانه تلك الأيدي المرفوعة بالدُعاء إلى ربِّ الأرض والسماء، يرى الحاج بين يديه صورةً مُصغَّرةً للمحشَر العظيم يوم القيامة، وعليه أن يستعد له منذ الآن، لأنَّ رحلة الحج يعود منها الإنسان إلى وطنه، ولكن المحشَر العظيم يوم القيامة لا يعود منه الإنسان إلى وطنه، رحلةٌ وقد تعود من الحج، أمّا الرحلة الأخيرة فهي ذهابٌ بلا عودة.
أساساً في بعض الدول التي يحرص الناس على أن يُقيموا بها، حينما يُكتَب على جواز سفرهم مُغادرة بلا عودة ينخلِع قلبه، أمّا الموت الحقيقة فهو مُغادرةٌ بلا عودة، والإنسان يدخُل بيته كل يومٍ ويخرُج، يخرُج ليعود، ويخرُج بشكلٍ عامودي، ويعود بشكلٍ عامودي، أمّا مرةً واحدة يخرُج في نعشٍ ولا يعود، تُقام التعزية في البيت، بيت فخم، مَن اختار البلاط؟ مَن في القبر، من اختار هذه اللوحات، يقول لك: هذه ثمنها ثمانمائة ألف، مَن اختار هذه الثُريات؟ مَن اختار هذه التزيينات؟ مَن اشترى هذا الأثاث؟ مَن في القبر، لذلك حينما نقرأ النعي لا ننتبه إلى بعض كلماته، وسيُشيَّع إلى مثواه الأخير، ما البطولة؟ لا أن تعتني بالمثوى المؤقت، هو مثوىً مؤقت، لكن البطولة أن تعتني بالمثوى الأخير.
دخلوا على أبي عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأُمة، وكان قائد الجيوش في الشام، صُعقوا، غرفته فيها جلد غزال يجلس عليه، وقِدرُ ماءٍ مُغطىً برغيف خبزٍ، وسيفٌ مُعلَّق، قالوا: ما هذا يا أبا عبيدة؟ قال: هذا للدنيا وعلى الدنيا كثير، ألا يُبلِّغنا المقيل؟ 
أن تستغرق بالرفاه، ثم تشعُر بدنو الأجل، مصيبةٌ لا تعدلها مصيبة.
سمعت أنَّ رجُلاً اعتنى بالبيت عنايةً تفوق حدَّ الخيال، بذل ملايين مُملينة، ثم جاءته أزمةٌ قلبية، زاره صديقٌ لي، قال له: أنا سأموت من الألم، قال له: لماذا؟ قال: أنا بعد أن أموت زوجتي ستجد لنفسها عريساً وسيتمتَّعان بهذا البيت، وأنا الذي تعبت فيه، شيءٌ مؤلمٌ جداً.
هناك بناءٌ ببعض أحياء دمشق الغالية جداً، فيه سبعة بيوت فوق بعضها، ما سكنها أصحابها أبداً، اشتروها، وكسوها أعلى كسوة، لكن ما سكنوها، أين بطولتك؟ أن تُعِدَّ للدار الآخرة، أعقلُ إنسانٍ، وأذكى إنسان، الإنسان الفالح العاقل الذكي المُتفوِّق يُعِدُّ لهذه الساعة، وقد يكون القبر قصراً، وقد يكون القبر روضةً من رياض الجنَّة، وا كربتاه يا أبتِ، قال: لا كُرب على أبيكِ بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه.

لا بُدَّ من الحج الصحيح بالقلب والبدن: 


أيُّها الإخوة الكرام: لا يُعقَل ولا يُقبَل أن تؤدّى هذه العبادة الجليلة أداءً بعيداً عن مقاصدها وثمارها، لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يعود الحاجُّ من أداء هذه الفريضة كما ذهب، لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يوجد الحاجُّ في المشاعر المُقدَّسة دون أن يشعُر بأية مشاعرٍ مُقدَّسة.
والله يا إخوان: نزور حُجَّاجاً كثيرين، والله يُمضي ساعةً في الحديث عن الحج، يُحدِّثك عن كل شيءٍ إلا عن الحج، أين سكن، الطائرة، البيت، الماء البارد، الجسور، كل شيء يتكلم عنه، ولكن وأنت تطوف بماذا شعرت؟ وأنت في السعي، وأنت بعرفات، هذه مشكلة كبيرة، لذلك ورد عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: 

(( حُجُّوا قَبلَ أنْ لا تحُجُّوا ))

[ أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير والدار قطني  ]

أي حجّوا حجّاً صحيحاً قبل أن يحجَّ الناس للرياء والسُمعة، لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يتحرَّى الحاجُّ سُنَّةً أو مُستحبَّاً، ويرتكب من أجلها معصيةً أو كبيرةً، ترى التدافع على الحجر الأسود.
والله مرةً رأيت امرأةً خرجت من محاولتها لتقبيل الحجر، من دون شيءٍ على رأسها من شدة التزاحُم، أين الفقه؟
 لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يُحدِّثك الحاجُّ عن كل شيءٍ في الحجِّ إلا عن الحج، لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يرمي الحاجُّ الجمرات تعبيراً عن معاداته للشيطان، ويعود إلى بلده ليكون أُلعوبةً بيد الشيطان.
قال الإمام الغزالي: "إذا عاد الحاج إلى بلده، وعاد إلى ما كان عليه من معاصٍ وآثام يكون الشيطان قد رجمه في الحج" ، الشيطان هو الذي رجمه.
لا يُعقَل ولا يُقبَل أن يقتصر أمر الله في هذه الفريضة، على أن يأتي الحاج من بلادٍ بعيدةٍ، ليجلس في المشاعر المُقدَّسة ليأكل، وينام، ويتكلم في شؤون الدنيا، إنَّ أمر الله في هذه العبادة ليس كذلك، هو أعظم وأجلّ من أن يكون كذلك، أن تأتي إليه من بلادٍ بعيدة لتُحقِّق وجودك المادي في مكانٍ ما، وتُمضي هذا الوقت في غير ما أُمرت به، ليس هذا المستوى من الحج هو الذي تقوم به مصالح المسلمين.

الترغيب في المسارعة إلى الحج والعمرة: 


أيُّها الإخوة الكرام: 

(( تعجَّلوا إلى الحجِّ - يعني الفريضةَ - فإنَّ أحدَكم لا يدري ما يعرِضُ له ))

[ أخرجه أحمد ]

(( تابِعوا بينَ الحجِّ والعمرةِ، فإنَّهما ينفِيانِ الفقرَ والذُّنوبَ، كما ينفي الْكيرُ خبثَ الحديدِ والذَّهبِ والفضَّةِ وليسَ للحجِّ المبرورِ ثوابٌ دونَ الجنَّةِ ))

[ أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد  ]

(( الحجَّاجُ والعمَّارُ وفدُ اللهِ، إن دعوه أجابهم، وإن استغفَروه غفَر لهم ))

[ أخرجه ابن ماجه والطبراني  ]

(( جهادُ الكبيرِ والصغيرِ والضعيفِ والمرأةِ الحجُّ والعمرةُ ))

[ أخرجه النسائي وأحمد  ]

ويا أيُّها الإخوة الكرام: هذا بعض ما ينبغي أن يعرفه المُسلم عن الحج، وأسأل الله لكم ولي حجَّاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المُستغفرين.

* * *

الخــطــبـة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أُضحية العيد: 


1 – حُكم أُضحية العيد:

الأُضحية شعيرةٌ من شعائر المسلمين في عيد الأضحى المُبارك، مشروعيتها أنَّ الإمام أحمد وابن ماجه رَويا

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ وَجَد سَعَةً فلم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنا ))

[ أخرجه ابن ماجه  وأحمد  ]

وقد استنبط أبو حنيفة رحمه الله تعالى من هذا الحديث أنها واجبة، فمثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير واجب، هو فوق السُنَّة المؤكدة، واجب، بين السُنَّة المؤكدة والفرض ( مَنْ وَجَد سَعَةً فلم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنا) .
وقال غير الأحناف: إنها سُنَّةٌ مؤكَّدة، هي واجبةٌ مرة في كل عام عن المُسلم الحُر، البالغ، العاقل، المُقيم، الموسِر، عن المُسلم الحُر لا تجِب على العبد، البالغ لا تجِب على الصغير، العاقل لا تجِب على المجنون، المُقيم لا تجِب على المسافر، الموسِر لا تجِب على الفقير.

(( ومن حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  ما عمِلَ آدمِيٌّ مِن عمَلٍ يومَ النَّحرِ أحبَّ إلى اللهِ مِن إهراقِ الدَّمِ، إنَّها لتَأْتي - أي الأُضحية - يومَ القيامةِ بقُرونِها وأشعارِها وأظْلافِها، وإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِن اللهِ بمكانٍ قبلَ أنْ يقَعَ مِن الأرضِ، فَطِيبوا بها نفسًا ))

[ أخرجه  الترمذي وابن ماجه   ]

(( ومن حديث أنسٍ رضي لله عنه أنه قال:  ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا ))

[ صحيح البخاري ]

2 – الحكمةُ من الأُضحية:

وحكمتها أنَّ المُسلم الموسِر يُعبِّر بها عن شُكره لله تعالى على نِعَمه المُتعددة، منها نِعمة الهُدى، هذه أكبر نِعمة، ومنها نِعمة البقاء على قيد الحياة من عامٍ إلى عام. 

(( أنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قالَ: مَن طالَ عمرُهُ، وحَسنَ عملُهُ، قالَ:  فأيُّ النَّاسِ شرٌّ؟ قالَ: مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ  ))

[ أخرجه  الترمذي وأحمد   ]

ومنها نعمة السلامة والصحة، ومنها نعمة التوسِعة في الرزق، وهو فضلاً عن ذلك تكفيرٌ لما وقع من الذنوب وتوسعةٌ على أُسرة المُضحّي، وأقربائه، وأصدقائه، وجيرانه، وفقراء المسلمين.

3 – شروط وجوبها:

من شروط وجوبها اليسار، أي الغِنى، فالموسِر هو مالك نصاب الزكاة، زائداً على حاجاته الأساسية، أو هو الذي لا يحتاج إلى ثمن الأُضحية أيام العيد فقط، أو هو الذي لا يحتاج إلى ثمن الأُضحية خلال العام كله، على اختلافٍ بين المذاهب في تحديد معنى الموسِر. 

4 – شروط صحة الأُضحية:

وينبغي أن يكون الحيوان المُضحّى به، سليماً من العيوب الفاحشة التي تودي إلى نقصٍ في لحم الذبيحة، أو تضرُّ بآكلها، فلا يجوز أن يُضحّي بالدابة البيِّن مرضها، ولا العوراء، ولا العرجاء، ولا العجفاء، ولا الجرباء، ويُستَّحب في الأُضحية أسمَنُها وأحسنُها.

(( كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ يضحِّي بِكبشٍ أقرنَ فَحيلٍ ينظُرُ في سوادٍ ويأْكلُ في سوادٍ ويمشي في سوادٍ))

[ أخرجه أبو داوود والترمذي وابن ماجه  ]

5 – وقت نحر الأُضحية:

وقت نحر الأُضحية بعد صلاة عيد الأضحى وحتى قُبيل غروب شمس اليوم الثالث من أيام العيد، على أنَّ أفضل الأوقات هو اليوم الأول ما بعد صلاة عيد الأضحى، وقبل زوال الشمس.

6 – أنواع الأُضحية التي تصح للذبح في العيد:

يُكرَه تنزيهاً الذبح ليلاً، ولا تصحُّ الأُضحية إلا من النَعَم من الإبل، والبقر، والغنم، من ضأنٍ ومعزٍ، بشرط أن يتم الضأن ستة أشهر، وأن تتم المعز سنةً كاملة عند بعض الأئمة. 

7 – كم أُضحية يذبح المُسلم؟

ويُجزئ المُسلم أن يُضحّي بشاةٍ عنه - دققوا - وعن أهل بيته جميعاً المُقيمين، زوجة وأربعة أولاد وثلاث بنات، هذه الأُضحية عنهم جميعاً، والذين يُنفِق عليهم، والدته عنده، وأخته عنده، هُم جميعاً مشتركون في الأجر، هذا عملٌ جماعي.

8 – مندوبات الأُضحية:

ومن مندوبات الأُضحية أن يتوجَّه المُضحّي نحو القِبلة، وأن يُباشِر الذبح بنفسه إن قدر عليه، وأن يقول: "بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك، اللهم تقبَّل منّي ومن أهل بيتي"، وله أن يوكِّل غيره، وعندها يُستَّحب أن يحضر أُضحيته، لقول النبي عليه الصلاة والسلام لفاطمة: 

(( يا فاطمةُ قومي فاشهدي أُضحيتَكِ فإنَّه يُغفرُ لك في أولِ قطرةٍ تقطرُ من دمِها كلُّ ذنبٍ عملتيه وقولي صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للهِ ربِّ العالمينَ قال عمرانُ قلتُ يا رسولَ اللهِ هذا لك ولأهلِ بيتِك خاصًّا فأهلُ ذلك أنتم أمْ للمسلمينَ عامةً قال بل للمسلمينَ عامةً ))

[ أخرجه الحاكم والطبراني والبيهقي  ]

9 – ماذا يفعل المُسلم بلحم الأُضحية ؟

ويُستَّحب أن يوزعها أثلاثاً، فيأكُل هو وأهل بيته الثلث، ويُهدي لأقربائه ولو كانوا أغنياء الثلث، ولأصدقائه وجيرانه، ثم يتصدَّق بالثلث الأخير على الفقراء والمُسلمين، لقوله تعالى:

﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)﴾

[ سورة الحج ]

قال تعالى:

﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)﴾

[ سورة الحج ]


الدعاء: 


اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا.
أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا حياتنا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمنَّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك.
اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، لا تُهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بفعل المُسيئين يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين برحمتك يا ربَّ العالمين.
اللهم وفِّق ولاة المسلمين إلى ما تُحب وترضى، اجمع بينهم، وحِّد كلمتهم يا أرحم الراحمين.  

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور