الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كُنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكلي إلا على الله، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمِعَت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
تمهيد موضوع أسباب زيادة الرزق:
1 – سبب اختيار موضوع أسباب زيادة الرزق:
أيُّها الإخوة الكرام: في أربع خُطبٍ سابقة تحدثت عن أسباب زيادة الرزق، وأحد الإخوة الكرام طرح عليَّ هذا السؤال: لماذا اخترت هذا الموضوع بالذات؟ فقلت له: هناك معلوماتٌ دقيقةٌ جداً أن هناك أزماتٍ اقتصادية في العالم كله من دون استثناء.
2 – لا بُدَّ أن يكون المالُ مُتدَاولاً بين الناس:
ولأنَّ الله سبحانه وتعالى في منهجه، أراد أن يكون المال مُتداولاً بين كل أفراد البشر، في قوله تعالى:
﴿ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾
الأصل في منهج الله أن يتقارب الناس في مستوى معيشتهم.
3 – العالَم اليوم بين غنيٍ وفقير:
ولكن العالَم الآخر جمَّع الثروات بأيدٍ قليلة، فالذين يسكنون في شمال الكرة الأرضية، لا يزيدون عن عشرين بالمئة من سكان الأرض، وهُم يملكون تسعين بالمئة من ثروات الأرض، والذين يسكنون في نصف الكرة الجنوبي، لا يملكون إلا عشرة بالمئة، نسبتهم ثمانون بالمئة من سكان الأرض، ويملكون عشرة بالمئة من الثروات،

فهذا العالَم الذي ابتعد عن منهج الله، قَسَم العالَم إلى قسمين، عالمٍ يتفنَّن في إنفاق المال، فقد يشتري أحدهم لوحةً زيتية لا تزيد عن حجمٍ صغير بخمسين مليون دولار، وترى شعوباً بأكملها تموت من الجوع، وفي بلادٍ يتم إعدام عشرين مليون رأس غنمٍ بالرصاص، وتُدفَن حفاظاً على مستوى الأسعار المرتفع، محاصيل الحليب ومشتقات الحليب أُلقيَت في البحر بحجمٍ يزيد على أهرامات مصر، حفاظاً على أسعاره المرتفعة.
هذا الإنسان إذا ابتعد عن الله يُصبِح وحشاً، محاصيل الحمضيات في بلادٍ بعيدة أُتلِفت ولم يُبَع منها شيء، الزنوج تسللوا تحت الأسوار ليأكلوا هذه الحمضيات مجاناً، وفي العام القادم سُمِّم المحصول حتى إذا أكل هذا الزنجي برتقالةً يموت.
إخوانَّا الكرام: وضعُ العالَم لم يسبِق في تاريخ البشرية أن عانى من قسوةٍ وعنصريةٍ، الإنسان الأبيض يجب أن يعيش وحده، وأن يموت الناس.
متى كانت الأدوية تُجرَّب على بني البشر؟ في تاريخ الطب الأدوية الجديدة تُجرَّب على الجرذان والفئران، الآن تُجرَّب في دولٍ ناميةٍ على الإنسان.
متى تأتي المساعدات إلى بلدٍ يُعاني من حربٍ أهلية، وفي الباخرة أربعة أخماسها نفاياتٌ ذريّة تُلقى في السواحل؟!
أيُّها الإخوة:
(( لَتُمْلَأَنَّ الأرضُ ظلمًا وعدوانًا، ثُمَّ لَيَخْرُجَنَّ رجلٌ مِنْ أهلِ بيتِي، حتَّى يملأَها قِسْطًا وعدلًا، كما مُلئَتْ ظلمًا وعدوانًا ))
لكن أنا أردت باختيار هذا الموضوع، أنَّ هناك أزماتٌ اقتصادية، كنت في مصر فحدَّثني أحد الإخوة أنَّ سعر كيلو العدس ارتفع من جُنيه إلى تسع جُنيهات، أسعار عالمية، هذا الارتفاع في الأسعار يمتصّ كل دخل الطبقة المتوسطة والدُنيا، أنا اخترت هذا الموضوع بالذات، لأنَّ المؤمن له معاملةٌ خاصة، مع كل الأزمات:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
اخترت هذا الموضوع لأنه من الله عزَّ وجل، من كتابه ومن سُنَّة رسوله، فهذه الخُطبة الرابعة، وهناك خُطبٌ عديدة تقترب من عشر خُطبٍ حول أسباب زيادة الرزق، لأنَّ الدين هو الحياة، ولأنَّ وعد الله بحفظ المؤمن ونصره وإكرامه فوق كل الظروف.
من أسباب زيادة الرزق القناعة:
1 – المؤمن راضٍ بما قسَم الله له من الرزق:
الموضوع اليوم عن السبب الثالث لزيادة الرزق، ألا وهو القناعة، فالمؤمن راضٍ بما قسَم الله له من الرزق، لأنه مؤمنٌ بعدل الله وحكمته، فيما قَسَم من أرزاقٍ، وهناك العشرات من كلمات العوام هي الكُفر بعينه، هناك حكمةٌ بالغةٌ بالغة في توزيع الأرزاق، قد لا ندركها، لذلك قال بعض علماء العقيدة: "عقولنا قاصرةٌ عن إدراك حِكَم الله عزَّ وجل" ، لكن هناك حكمة.
2 – رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص ولا يردّه عنك كراهة كاره:
أيُّها الإخوة: يقول عليه الصلاة والسلام:
(( لا تُرضِينَّ أحدًا بسخَطِ اللهِ، ولا تحمدنَّ أحدًا على فضلِ اللهِ، ولا تذمَّنَّ أحدًا على ما لم يؤتِك اللهُ، فإنَّ رزقَ اللهِ لا يَسوقُه إليك حرصُ حريصٍ، ولا يردُّه عنك كراهيةُ كارهٍ، وإنَّ اللهَ بقسطِه وعدلِه جعل الروحَ والفرحَ في الرضا واليقينِ، وجعل الهمَّ والحزنَ في السُّخطِ ))
[ أخرجه الطبراني والبيهقي ]
كنت أضرِب هذا المَثَل مئات المرات: بستانٌ مزروعٌ بالتفاح، سابع بستان، الشجرة العاشرة، الغُصن الثالث، التُفاحة الخامسة، هذه لك، لكن أنت مخيَّرٌ في طريقة وصولها إليك، هي لك وقد لا سمح الله تسرقها سرقةً، هي لك وقد تأخذها تسوُّلاً، هي لك وقد تشتريها بمالك، هي لك وقد تأكلها ضيافةً، هي لك، لذلك: (فإنَّ رزقَ اللهِ لا يَسوقُه إليك حرصُ حريصٍ، ولا يردُّه عنك كراهيةُ كارهٍ، وإنَّ اللهَ بقسطِه وعدلِه جعل الروحَ والفرحَ في الرضا واليقينِ، وجعل الهمَّ والحزنَ في السُّخطِ) .
3 – ليس من مفهومات القناعة الكسل:
سأورد نصوصاً كثيرة حول القناعة، ولكن الذي أتمنَّى ألّا يُفهَم من كلامي أن تقعُد، وأن تتكاسل، وأن تقول: أنا قانعٌ يا ربّي بما رزقتني، هذا فقر الكسل.

أنا أتحدَّث عن القناعة بعد أن تبذِل قُصارى جهدك لرفع مستوى معيشتك، تُحسِّن دراستك، تقوم بدورةٍ علمية، تأخذ الدبلوم، تبحث عن وظيفةٍ، يجب أن تستنفِذ كل أسباب الرزق، فإذا بلغ جُهدك اللانهائي إلى مستوى مُعيَّن أراده الله لك، فالآن ارضَ بما قسمه الله لك، لكن متى ترضى؟ بعد أن تبذِل كل ما تستطيع، عندئذٍ يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً، أنَّ الله لو كشف لك بعلمه الأزلي، حقيقتك فيما لو أغناك، لكن جعل لك دخلاً محدوداً، لذُبت كالشمعة محبةً لله.
(( أتاني جبريلُ، فقالَ : يا محمَّدُ ربُّكَ يَقرأُ عليكَ السَّلامَ ويقولُ إنَّ مِن عبادي مَن لا يَصلحُ إيمانُهُ إلَّا بالغِنى ولَو أفقرتُهُ لَكَفرَ وإنَّ مِن عبادي من لا يَصلحُ إيمانُهُ إلَّا بالفَقرِ ولَو أغنيتُهُ لَكَفرَ وإنَّ من عبادي مَن لا يصلُحُ إيمانُهُ إلَّا بالسُّقمِ ولَو أصحَحتُهُ لَكَفرَ وإنَّ مِن عبادي مَن لا يَصلحُ إيمانُهُ إلَّا بالصِّحَّةِ، ولَو أسقَمتُهُ لكفَرَ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
أختٌ كريمة تحضُر هذه الدروس، لها زوجٌ دخله محدود، هي مُحجَّبةٌ حجاباً كاملاً، سافر إلى بلد نفطي، وجاءه دخلٌ كبير، اتصل بها أن تأتي إلى مكان وجوده، وإن لم تأتِ بالبنطال، وأن يظهَر جزءٌ من بطنك للناس فلن تكوني زوجتي.
ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال:
(( بادِرُوا بالأعمالِ سَبْعاُ ما تنتظِرُونَ إلا فقرًا مُنسيًا أو غِنىً مُطْغِيًا أو مَرَضًا مُفْسِدًا أو هَرَمًا مُقعِدًا أو موتًا مُجْهِزًا أو الدَّجَّالَ فأشرُ منتظرٍ أو الساعةَ فالساعةُ أدْهَى وأَمَرُّ ))
[ أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا في قصر الأمل والعقيلي في الضعفاء الكبير ]
بعد أن تستنفِذ كل جُهدك، ترفع مستوى دراستك، تعمل عملاً إضافياً، لأن تربية الأولاد تحتاج إلى مالٍ، والمال قِوام الحياة، أنت حينما تعمل بعملٍ شاقٍّ، وتؤمِّن حاجات أُسرتك، فأنت والله في عبادة، هذا الذي يستيقظ قبل طلوع الشمس، ويذهب إلى عمله ليعمل وليكسب المال، ليأتي إلى بيته ويداه مُمتلئتان بالطعام، والشراب، والثياب، واللباس، والألعاب لأولاده الصغار، هو في عبادة، وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة.
(( أفضلُ الصَّدقةِ ما كان عن ظهرِ غنًى، واليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلَى، وابدأْ بمَن تَعولُ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ]

والله الذي لا إله إلا هو، حينما أرى أخاً يُتقِن عمله، بل تفوَّق في عمله وكسب منه مالاً، ثم اختار فتاةً، هيأ لفتاةٍ زواجاً، هي زوجته، أنجب أولاداً فربّاهم، لا تزهدوا بالعمل، لا تكن مسلماً كسولاً، لا تقُل: كل شيءٍ بيد الله وهذا ترتيب سيدك، هذا كله كلامٌ يتناقض مع القرآن الكريم، سيدنا عُمر سأل:
<< مَن أنتم؟ قالوا: نحن المُتوكلون، قال: كذبتم، المُتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله>> .
خُذ شهادةً عُليا، نمِّ خبرتك، ادخُل دورةً تدريبية، ابحث عن وظيفةٍ، ارفع مستوى دخلك، كُن أباً ناجحاً، أنا لا أُطالبك أن تأخُذ المال الحرام لتُرضي أهلك، لكنني أُطالبك أن ترفع مستوى خبرتك، ليزداد دخلك، لتُربّي أولادك التربية الصحيحة.
إخوانَّا الكرام: كلمةٌ مؤلمةٌ جداً، لكن مُضطرٌ أن أقولها: إذا كنتَ كسولاً وما معك دخل، كلما طُلب منك شيء تقول: ما معي، الأولاد عندئذ ينصرفون عنك إلى أصدقائهم الأغنياء، ما الذي جعل هذا الطفل ينسلخ عن أمه وأبيه؟ لأنَّ أباه كسول، لا يعمل، ما معه إلا ثمن الطعام والشراب، اشتهى الطفل كومبيوتر، تقول له: ما معي، اشتهى شيئاً مشروعاً ليرقى به، تقول له: ما معي، فماذا تفعل أنت؟!
أنا أؤكِّد لكم أنَّ عملك الذي ترتزق منه، أنَّ حِرفتك، وأنَّ مهنتك، أنَّ وظيفتك، أنَّ عيادتك، مكتبك الهندسي، دُكانك كتاجر، حقلك كمزارع، حِرفتك التي ترتزق منها، إذا كانت في الأصل مشروعة، وسلكت بها الطُرق المشروعة، وابتغيت منها كفاية نفسك وأهلك، ولم تشغلك عن فريضةٍ، ولا عن واجبٍ، ولا عن طلب علمٍ، انقلبت إلى عبادة، وأنت في محلِّك التجاري حينما تنصح المسلمين، ولا تبتز أموالهم، تبيعهم بضاعةً جيدة بسعرٍ مُعتدل، فأنت في عبادة.
الطرف الآخر الآن يريد إفقار المسلمين، خمس دول إسلامية محتلة، لأنَّ معظمها عندها طاقة، أمّا في راوندا تم قتل ثمانمئة ألف في أسبوع، الغرب ما تدخل، وقال أحد زعماء الغرب كلينتون: لو تدخلنا لأنقذنا أربعمئة ألف، لكن ما تدخلنا، لماذا لم يتدخلوا؟ لأنه ليس هناك بترول، الأمر واضح جداً، أين البترول؟ في دارفور، في أفغانستان، أينما يكون التدخل من أجل حقوق الإنسان، من أجل الديمقراطية يكون هناك بترول، هذا هو الغرب وهو معذور، هذا شأن الطرف الآخر، لكن نحن لسنا معذورين أن نخضع لخططه.
5 – العامل في الحلال مقدَّسٌ في الإسلام محتَرَمٌ عند الناس:
أقول لكم أيُّها الإخوة: تخدم أُسرتك، وتخدم أُمتك بإتقان عملك، والله الذي لا إله إلا هو، حينما أرى أخاً صناعياً، متواضعاً، مُحسناً، فتح ثمانين بيتاً، عنده ثمانون عاملاً، والله أُقدسّه، هذا فتح ثمانين بيتاً ضرب خمسة، يعني أربعمئة إنسان يأكلون ويشربون بسبب هذا المعمل، فأنا أتمنّى من الشباب ألّا تكون خاملاً، المسلم السلبي لا يعمل شيئاً، يقول فقط: لا حول ولا قوة إلا بالله، كله ترتيب سيدك، انتهينا، ما هذا الكلام! هل هكذا كان الصحابة الكرام؟! والله لو فهِم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه، لَما خرج الإسلام من مكَّة ولَما وصل إلى المدينة، لكنه وصل إلى أطباق الدنيا بفهمٍ عميق.

أنت في الحياة لك دورٌ، أنت أبٌ، أنا لا أُطالبك أن تأخُذ المال الحرام، ولكن أُطالبك أن تُتقِن عملك كي يزداد دخلك.
أقول لكم هذه الحقيقة: في كل الحِرَف في أثناء الرواج الاقتصادي أسوء مُحترِف يرتزق، وأسوء بضاعةٍ تُباع، أمّا إذا جاء الكساد فمَن الذي يعمل وحده؟ المُتقِن فقط، يكون مئةُ إنسانٍ يعمل في حرفةٍ مُعيَّنة، التسعين منهم بلا عمل، عملهم من الدرجة الخامسة، أمّا المُتقِنون فعندهم مواعيد لشهرين قادمين.
لذلك إتقان العمل جزءٌ من الدين، قلت لكم كثيراً: الآن لا يُحترَم دينك إلا إذا تفوَّقت في دُنياك، والتفوُّق بين يديك بالعِلم.
قال لي مرةً طالبٌ: ماذا أفعل حتى أحمِل همَّ أُمتي؟ قلت له: تابع دراستك، فقد يأتي خبيراً، هو في بلاده من الدرجة العاشرة، فيأخذ هُنا خمسمئة ألف كل شهر، إذا أتقنت عملك نستغني عن خبيرٍ، هذا هو الواقع.
في المعامل الكُبرى هناك كومبيوترٌ صناعي، هذا بقدرة قادر يتعطَّل كل فترة، فيه لوحةٌ معقدةٌ جداً، نرسلها إلى بلاد الغرب فتعود بعد أسبوع، وقد تعطَّل المعمل مع مليوني ليرة ثمن تصليحها، حتى استطاع رجلٌ من هذا البلد الطيِّب أن يُحلِّل هذه اللوحة، والله أطلعني على لوحةٍ الورق الذي ترجمها فيه طوله ستة أمتار، واستطاع أن يأخُذ عشرة آلاف لإصلاحها، من مليونين إلى عشرة آلاف، الآن هو مُعتمد في القطر كله، فأيُّ معملٍ عنده لوحةٌ إلكترونيةٌ مُعطَّلة، وهي عبارة عن فيوزٍ يوضَع ضعيفاً بشكلٍ خاص، ليبتزوا أموالنا ابتزازاً.
فلذلك أيُّها الإخوة: نحن الآن في معركة نكون أو لا نكون، ليست قضية يجب أن ننتصر، بل المعركة معركة وجود، نكون أو لا نكون، هُم يُفقروننا، وفي بلادٍ أُخرى في العراق تمَّ قتل حتى الآن ثلاثة آلاف وثمانمئة عالِم، لا يهمّ إن كان سنيّاً، أو شيعياً، أو كرديّاً، أو عربيّاً، طيّاراً، أستاذ جامعة، يريدون شعباً بلا نجوم، بلا أعلام، بلا علماء، مَن الذين يُطوِّرون الحياة؟ المُتفوقون.
هناك خبرٌ دقيق أقوله لكم: العالَم الغربي الآن لا يُعنى بإنشاء الجامعات، يُنشِئ جامعةً تُكلِّف المليارات، فيها عشرة آلاف طالب، الذين يَعنيهم من هؤلاء الطلاب جميعاً خمسة بالمئة فقط، المُتفوقون، هؤلاء يُحدِثون تغييرات جذرية في الحياة، في الصناعة، في التجارة، في الفَلَك، في الطب، في الهندسة، بدلاً من أن يُنشئوا جامعاتٍ تُكلِّفهم المليارات، يأخذون من العالَم الثالث المُتفوقين، عند "مايكروسوفت" خمسةً وثلاثين ألف مهندس قِمَمٌ في العالَم، بجنسيةٍ ودخلٍ كبير، واستغنوا عن إنشاء الجامعات، أحياناً الصناعات ذات الربح القليل تُترك لنا، نستهلك ماءنا وإمكانياتنا لأرباحٍ هامشيةٍ قليلة، فقد آن الأوان أن يصحو المسلمون من غفلتهم، ألّا يكونوا خِطةً يُخطِّط لها أعداؤهم.
6 – قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ:
أيُّها الإخوة: أردت من هذه الملاحظة، ما قصدت أبداً أن أقول لك: اقنع بما آتاك الله وأنت قاعد، فمتى تقنع؟ بعد أن تبذِل كل جهدك، إمّا بالدارسة، أو بتطوير العمل، أو بالتحديث، أو بشيءٍ يرفع مستوى دخلك.
ويا أيُّها الآباء: يجب أن تعلم أنك إذا كسبت المال الحلال، وأنفقته على أهلك وأولادك، فأنت في عبادة، يقول أحد الصحابة الكرام: " حبَّذا المال أصون به عِرضي وأتقرَّب به إلى ربّي" ، ومع ذلك ليس الغِنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغِنى غِنى النفس.
والله أيُّها الإخوة: ألتقي بإخوةٍ كرام ما معه شيء، لكن والله عنده من غِنى النفس، ما يملأ به الأرض عِزةً وإباءً، ليست البطولة أن يكون مالك كثيراً، البطولة أن تعرف ربَّك، وأن تقوم بدورٍ إيجابيٍ في الحياة، لذلك يجب أن تحترم صاحب الدخل المحدود المستقيم، وألّا تُصغي إلى إنسانٍ دخله غير محدود لكنه غير مستقيم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( قد أفلح من أسلَم و رُزِقَ كفافًا، و قَنَّعَه اللهُ بما آتاه ))
مرةً قلت لإنسانٍ: كيف الحال؟ قال: الدخل يُغطّي كل نفقاتي، قلت له: معنى ذلك أنه قد أصابتك دعوة رسول الله، فقلِق، بماذا دعا عليّ؟! فقلت له: قال عليه الصلاة والسلام:
(( جاء رجلٌ من الأنصارِ، فقال: يا رسولَ اللهِ مالي أرَى لونَك منكفِئًا؟ قال: الخَمْصُ ، فانطلق الأنصاريُّ إلى رَحلِه فلم يجِدْ فيه شيئًا، فخرج يطلُبُ فإذا هو بيهوديٍّ يَسْقي نخلًا له، فقال الأنصاريُّ لليهوديِّ: أَسْقي لك؟ قال: نعم، كلُّ دلوٍ بتمرةٍ، واشترط عليه الأنصاريُّ ألَّا يأخذَ فيه خدِرَةً، ولا تارِزَةً، ولا حَشَفةً، ولا يأخذُ إلَّا جيدةً، فاستقَى له نحوًا من صاعَيْن تمرًا، فجاء به إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال : من أين لك هذا ؟ فأخبره الأنصاريُّ، وكان يسألُ عن الشيءِ إذا أُتِي به فأرسل إلى نسائِه بصاعٍ، وأكل هو وأصحابُه صاعًا، وقال للأنصاريِّ: أتُحِبُّني؟ قال: نعم، والَّذي بعثك بالحقِّ لأحبُّك، قال: إن كنت تحِبُّني فأعِدَّ للبلاءِ تَجفافًا، فو الَّذي نفسي بيدِه لَلبلاءُ أسرعُ إلى من يُحِبُّني من الماءِ الجاري من قُلَّةِ الجبلِ إلى حضيضِ الأرضِ، ثمَّ قال: اللَّهمَّ فمن أحبَّني فارزُقْه العفافَ والكفافَ، ومن أبغضني فأكثِرْ مالَه وولدَه. ))
[ أخرجه ابن ماجه والبيهقي ]
رزقٌ يكفيه ولا يُطغيه.
(( مَن أصبحَ مِنكُم معافًى في جسدِهِ آمنًا في سربِهِ عندَه قوتُ يومِه فَكأنَّما حيزَتْ لَه الدُّنيا ))
[ أخرجه الترمذي وابن ماجه ]
مرةً توفي مَلِكٌ فجاءني خاطرٌ لطيف، أنه لو عرضنا على هذا المَلِك أن يعود إلى صحته التامة، لكن على أن يكون ضارب آلة كاتبة في قصره الملكي، والله لا يتردَّد لحظة، مِن مَلِكٍ إلى ضارب آلة كاتبة، فإذا كنت معافى في جسمك، وسمعك، وبصرك، وصحتك، وعقلك برأسك.
في فترةٍ من الفترات كنت كلما جاء طفلٌ مع والده أُعطيه هديةً حَلوى، بعد حينٍ أصبح الأطفال أصنافاً عندي، أول طفلٍ لا يقبَل الهدية، رُبِّي على العِفة، بجهدٍ جهيد، برجاءٍ حار، أستعين بوالده ليأخُذ هذه القطعة، هذا رقم واحد، هناك طفلٌ آخر مُهذَّب يأخُذها ببساطة، لكن يشكرني عليها، هذا الثاني، وهناك طفلٌ ثالث قبل أن يصل إليّ عينُه على القطعة، لا يرى أحداً إلا القطعة، يأخُذها ويمشي، الرابع يأتي مرتين أو ثلاث مرات ويدور، أمّا الخامس فهو أطول منّي، قال لي: أين قطعتي؟ نعمة العقل لا تعدلها نعمة إطلاقاً.
فيا أيُّها الإخوة: (قد أفلح من أسلَم و رُزِقَ كفافًا، و قَنَّعَه اللهُ بما آتاه) .
7 – لا قيمة للدنيا إلا بالإيمان:
كنت في بلدةٍ فزُرتُ عليّة القوم بأغنى أحيائها، وزرت مسجداً بأفقر أحيائها، سبحان الله هؤلاء الفقراء طابت نفوسهم بهذا الخبر، قد تكون فقيراً ودخلك محدود، تعمل حاجباً في مدرسة،

لكنك مستقيمٌ على أمر الله، أمّا عند عليّة القوم، قلت لهم: أنا في بلدي عندنا حي من أغنى أحياء دمشق، والبيت ثمنه مئة وثمانون مليون إلى مئتي مليون، فحينما أُضطر أن أُعزّي أهل هذا البيت أقول في نفسي: منَ اختار هذا الرُخام؟ المرحوم، من اختار هذه الثريات؟ المرحوم، من اختار الطلاء؟ المرحوم، هناك قلت لهم هكذا، هذه الدنيا زائلة، ويبقى العمل الصالح.
أنا أقول لكم: وهذا المسجد من فضل الله عليّ، منذ خمسةً وثلاثين سنة أنطلق من حقيقةٍ: لا يُضاف على كلمة مسلم ولا كلمة، تُحبُّه فقيراً، عفيفاً، متواضعاً، والغني سخي، والمُثقَّف يستخدم ثقافته لتأييد هذا الدين، وغير مثقف، فطري، مدني، ريفي، مُثقَّف، غير مثقف، لا يُضاف على كلمة مؤمن ولا كلمة، لأنَّ الإيمان طهَّر قلبه، وما لم نضع كل هذه الترجيحات الاجتماعية تحت قدمنا فلن نُفلح، الإنسان يُقيَّم بعلمه وعمله، والدليل الله عزَّ وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)﴾
المقياس هو العِلم، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، والعالِم شيخٌ ولو كان حدثاً، أليس كذلك؟ ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( انتهاءُ الإيمانٌ إلى الورَع، من قَنعَ بما رزَقَهُ الله عزَّ وجل، دخلَ الجنَّة، ومن أراد الجنَّةَ لا شَكَّ فلا يخافُ في الله لومةَ لائمٍ . ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
بدأت بالمقدمة، إيّاكم أن تفهموا أن أقنع وأنا كسول، متى أقنع؟ بعد أن تبذِل كل ما تستطيع لتحسين دخلك ومستواك، وتكون علَماً في عملك، بعد ذلك تَقنَع، تَقنَع بعد استنفاذ الجهد، الآن تقنع وليس قبل.
إذا طالب ما درس ثم رسب، وقال: سبحان الله هكذا ترتيب الله عزَّ وجل، الله ما كتب لي أن أنجح، هذا طالبٌ كذاب، أمّا لو درس دراسةً جيدة، وأُصيب بمرضٍ حال بينه وبين الامتحان، وقال: حسبي الله ونعم الوكيل، الله ما كتب لي أن أنجح، فهذا صحيح، لا أقبل كلمة: حسبي الله ونعم الوكيل، وهكذا أراد الله لي، إلا بعد استنفاذ الجهد، المشكلة في هذا اللقاء أنَّ كل الأدلة على القناعة، لكن متى القناعة؟ ليس قبل استنفاذ الجهد، بل بعد استنفاذ الجهد، ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( الدنيا دُوَلٌ فما كانَ منها لَكَ، أتاكَ على ضعفِكَ، وما كانَ منها عليكَ لم تدفعْه بقوتِكَ ومن انقطعَ رجاؤه فماتَ استراحَ بدنُه ومن رضِيَ بما رزقَه اللَّهُ قرَّت عيناهُ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
8 – الرضى من أعلى مقامات المؤمن:
المؤمن راضٍ، والرضا أحد أحوال المؤمن الراقية، فهو راضٍ عن الله، راضٍ عن شكله، راضٍ عن صحته، راضٍ عن أنَّ الله اختاره من هذه الأم وهذا الأب هو راضٍ، ليس في الإمكان أبدع مما كان، اختاره أن يأتي في دمشق وما جاء في شيكاغو مثلاً، هذه نعمةٌ كبيرة، اختاره في عصرٍ مُعيَّن، اختاره في الخمسينات وليس في الثلاثينات.
(( انتظارُ الفرجِ من اللهِ عبادةٌ، ومن رَضِيَ بالقليلِ من الرزقِ رَضِيَ اللهُ منه بالقليلِ من العملِ ))
[ أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة والبيهقي في شعب الإيمان ]
إذا كان عمل الإنسان شاقَّاً، ودخله محدوداً، ووقته قليل، لكن يُصلّي خمس صلوات، وبالصلاة له صلةٌ بالله قوية، هذا أفضل ألف مرة من إنسانٍ فارغ، وهو يتنقل من مسجدٍ إلى مسجد، ولا يُطبِّق شيئاً، يوجد هكذا حالات، فقط مهووس من مسجدٍ إلى مسجد، ومن عالِم إلى عالِم، سيدي فُلان قال ذلك، ما قولك أنت؟ يُحدِث فتنةً، أمّا إذا كان إنسان مشغولاً برزقه، وأدّى صلواته، وحضر درساً واحداً أو درسين بقدر إمكانه، فهذا أفضل من إنسانٍ ما ترك عالِم ما تتلمذ على يديه، ولا يُطبِّق من كلامهم شيئاً.
9 – الراضي عن قسمة الله ملِكٌ حقيقي:
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( خيرُ الذِّكْرِ الخفيُّ وخيرُ الرزقِ ما يكفي ))
[ الألباني ضعيف الترغيب ]
سأل مَلِكٌ وزيره: <<مَن المَلِك؟ قال له: أنت، قال: لا، المَلِك رجُلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه، ورزقٌ يكفيه، وزوجةٌ تُرضيه، إنه إنْ عرفنا جَهِدَ في استرضائنا، وإن عرفناه جَهِدنا في إذلاله>> .
فإذا الإنسان آتاه الله مأوىً صغيراً، وزوجةً صالحة، ودخلاً بعد استنفاذ الجُهد يُغطّي حاجاته فهو مَلِك، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( مَنْ يأخُذُ عَنِّي هؤُلاءِ الكلِماتِ فيعملُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يعمَلُ بِهِنَّ؟ فقالَ أبو هريرةَ: قلتُ: أنا يا رسولُ اللهِ، فأخَذَ بيدِي فعدَّ خمْسًا وقال: اتقِ المحارِمَ تكنْ أعْبَدَ الناسِ، وارضَ بما قَسَمَ اللهُ لكَ تكُنْ أغْنَى الناسِ، وأحسِنْ إلى جارِكَ تكُنْ مؤمنًا، وأحِبَّ للناسِ ما تُحِبُّ لنفسِكَ، تَكُنْ مسلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فإِنَّ كثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ ))
[ أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد ]
والآن دققوا:
(( مَن سرَّهُ أن يَكونَ أَكْرمَ النَّاسِ فليتَّقِ اللَّهَ، ومن سرَّهُ أن يَكونَ أقوى النَّاسِ فليتوَكَّل على اللَّهِ، ومَن سرَّهُ أن يَكونَ أغنى النَّاسِ فليَكُن بما في يديِ اللَّهِ أوثقُ مِمَّا في يديهِ ))
[ أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق وابن عدي في الكامل في الضعفاء واللفظ لهما، والعقيلي في الضعفاء الكبير ]

ترى إنساناً عنده قلقٌ للمستقبل، له أرصدة في عدة دول بكل العملات، يخاف أن ينزل الدولار، معه يورو، له احتياط، وهو قَلِق، يأتي إنسان ما عنده إلا خمسة آلاف في الشهر أو عشرة آلاف، ما عنده شيء إطلاقاً، الله عزَّ وجل أعطاه أمناً يفوق الأول الذي جعل في كل جهة مبالغ طائلة بكل العملات، ومعه جنسية ثانية احتياطاً، ما ترك وسيلة إلا أمّنها، وقلبه مُفعم بالقلق، ثم يأتي إنسان بعشرة آلاف فقط لا غير، وبيته بالأُجرة، ما عنده شيء احتياطي إطلاقاً، لذلك
(مَن سرَّهُ أن يَكونَ أغنى النَّاسِ فليَكُن بما في يديِ اللَّهِ أوثقُ مِمَّا في يديهِ) .
(( ما طلعت شمسٌ قط إلَّا بعث بِجنبَتَيها ملكانِ ينادِيان يُسمعان أهلَ الأرضِ إلَّا الثقلينِ يا أيُّها الناسُ هلُموا إلى ربِّكم فإنَّ ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثُر وألْهَى ولا آبت شمسٌ قطُّ إلَّا بعث بِجنبَتَيها ملكان ينادِيان يُسمعانِ أهلَ الأرضِ إلَّا الثَّقلينِ اللَّهمَّ أعط منفقًا خلَفًا وأعطِ ممسِكًا تلَفًا ))
[ أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني ]
احذروا وساوس الشيطان وتلبيسه:
تعلمون أنَّ الشيطان ذكي جداً، يوسوس بالكفر، فإن رأى المؤمن على إيمان وسوس له بالشرك، إن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، إن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، إن رآه على ورَع فهناك ثلاث ورقاتٍ رابحة أخيرة.
وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، يقول لك: هذا الشيخ لا يفهم اتركه واذهب إلى ذاك.
أنا أُقدِّس شيخاً توفي رحمه الله، يقول: يا بُنَي لا تُحضِر لي إنساناً من مسجدٍ لمسجد، أحضِر لي إنساناً من ملهى إلى مسجد، بطولتك ليس أن تنتقل من مسجدٍ إلى مسجد، تُفسِد الناس على شيوخهم، اجلِب من ملهى لمسجد، أقنِع هذا الذي لا يُصلّي أصلاً، وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، هذه ورقة رابحة بيد الشيطان.
وهناك ورقةٌ أخيرة الاستغراق في المُباحات، ما عنده ولا معصية ولكن همُّه الرفاه، هذا الرفاه صار إلهاً يُعبَد من دون الله، العالَم الغربي كله رفاه، لو دخلنا في الصميم والأعماق فالأساسيات متوفرة لكل الناس، لكن التفاوت في الرفاه فقط (ما طلعت شمسٌ قط إلَّا بعث بِجنبَتَيها ملكانِ ينادِيان يُسمعان أهلَ الأرضِ إلَّا الثقلينِ يا أيُّها الناسُ هلُموا إلى ربِّكم فإنَّ ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثُر وألْهَى ولا آبت شمسٌ قطُّ إلَّا بعث بِجنبَتَيها ملكان ينادِيان يُسمعانِ أهلَ الأرضِ إلَّا الثَّقلينِ اللَّهمَّ أعط منفقًا خلَفًا وأعطِ ممسِكًا تلَفًا ) .
احذروا الله في إتلافه للأموال المُحرَّمة:
الآن كم من طريقةٍ لإتلاف المال؟ يقول لك: المُصادرة، وهناك ألف سبب وفي القوانين بخطأٍ غير مقصود يذهب كل ماله، سُرِقَت سيارته الساعة الثانية عشرة ليلاً، افتقدها فلم يجدها، قال: صباحاً سأُحرِّر ضبطاً، صباحاً استيقظ الساعة التاسعة، تمَّت بها سرقةٌ كبيرة ونقلوا فيها أسلحة، وما كان لها ضبط في المخفر، أُتلِف ماله، ليس مع الله ذكي، هناك ألف سبب أن يذهب مالك كله، وأنت بأعلى درجةٍ من اليقظة، الحديث: (اللَّهمَّ أعط منفقًا خلَفًا وأعطِ ممسِكًا تلَفًا) .
هناك مُصادرات، هناك ضرائب غير معقولة، هناك حادثٌ يُكلِّفك.
مرةً قال لي أحدُهم: ابني استأجر سيارةً في العيد، أُصيب بحادثٍ والسيارة غالية، كلَّفتني ثمانمئة ألف، هذه واحدة.
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أنَّ ناسًا مِنَ الأنصارِ سألوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأعطاهم، ثمَّ سألوه فأعطاهم، حتَّى إذا نَفِدَ ما عِندَه قال: ما يكونُ عِندي مِن خيرٍ، فلَنْ أدَّخِرَه عنكم، ومَن يستعفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ عزَّ وجَلَّ، ومَن يَصبِرْ يُصبِّرْه اللهُ، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسَعُ مِنَ الصَّبرِ. ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود ]
خيار المؤمنين القانع، أمّا الآخرون الذين ذمَّهم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقع في رأسهم الطامع، فكن قانعاً ولا تكن طامعاً.
(( إذا أراد اللهُ بعبيدٍ خيرًا رزَقَهُم الرفْقَ في معايِشِهِم، وإذا أراد بهم شَرًّا رزَقَهم الخرْقَ في معايِشِهِم ))
ممكن أن تأكل في بيتك أطيب أكل بأقلّ سعر، ويمكن أن تدخُل إلى مطعمٍ من أجل المُباهاة، يقول لك: العشاء بثمانية وثلاثين ألفاً، هذا فوق طاقة كل الناس، أحياناً الإنسان يريد المظاهر، مع أنَّ الطعام في البيت رخيصٌ جداً، وفيه هناءة، وأولادك أمامك.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
نجاح المؤمن نجاحٌ شموليّ:
أيُّها الإخوة الكرام: مرةً ثانية، أتمنّى عليكم من أعماقي، ألّا تَعُدَّ نجاحك في شأنٍ واحدٍ نجاحاً، أنت مستقيم، هذا نجاح، لك مسجد، هذا نجاح، لكن في عملك مُقصِّرٌ جداً، هذا إخفاق، فهذا النجاح الأول أَذهبه الثاني، إذاً: نجاحٌ مع الله في معرفته، وطلب العِلم، وحضور مجالس العِلم، وأداء الصلوات والعبادات، ونجاحٌ مع الزوجة والأولاد.
والله أنا عندي انطباع أرجو أن أكون مُخطئاً فيه، لكثرة ما ترِد إلي اتصالاتٌ هاتفية عن مشاكلٍ زوجية، أنا أتصور أنَّ بيوت المسلمين جحيمٌ لا يُطاق، والعياذ بالله، قسوةٌ، وفظاظة، وضربٌ، وسُباب، شقاء، هذا المسلم؟!

ألم يقُل النبي صلى الله عليه وسلم:
(( خيرُكُم خَيرُكُم لأَهْلِهِ وأَنا خيرُكُم لأَهْلي، وإذا ماتَ صاحبُكُم فدَعوهُ ))
لا يكفي أن تنجح مع الله في المسجد، يجب أن تنجح مع زوجتك وأولادك في البيت، هؤلاء أولادك مَن لهم غيرك؟ هؤلاء هديةٌ من الله، هؤلاء إذا ربَّيتهم تربيةً عاليةً، فأعمالهم وأعمال ذُرّياتهم إلى يوم القيامة في صحيفتك.
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾
يجب أن تنجح مع الله، ومع أهلك وأولادك، من أجل أن تُسمّى ناجحاً.
يجب أن تنجح مع صحتك، ترى شخصاً واعياً يمشي كل يوم ساعة، أكله مُعتدل، أكله مدروس، كله خضار، بعيد عن الأشياء الدَسمة.
يعني كفكرةٍ: الدول الغنية جداً نسبة أمراض القلب ثمانية أمثال الدول الفقيرة، قد تُفاجؤون، من كثرة أكل اللحم، ويُعَد البروتين النباتي كالحمُّص والفول أول بروتين صحي، لا تقلق كثيراً على اللحم، البروتين النباتي كالحمُّص والفول أول بروتين صحي.
ادرُس طعامك، كل شيء نشتريه لا ندرسه، هناك أنواعٌ من السمون ممنوع استخدامها في بلد المنشأ، لا تصلُح طعاماً للبشر، قبل أن تضع في فمك شيئاً هل درست الوضع؟ نوع الدسم؟ نوع الطعام؟ هناك طعامٌ مؤذٍ كله، والله لو يسمح لي الأطباء أن أتجاوز اختصاصي، أنا أرى أن ستّين بالمئة من أمراض المسلمين بسبب نقص وعيهم الغذائي، كله دسومٌ وشحوم، مواد دسمة ولا يوجد حركة أبداً، فترى الرجُل في الخمسين من عمره ومعه جلطة، معه أمراض، لماذا الأجانب بعمر السبعين وبالثمانين تراه رشيقاً؟! أين الوعي الصحي؟ وعيَّك الصحي، واعتناءك بصحتك وبالرياضة وبالتدريبات، والأكل المُنتظم، والمشي اليومي، هذا جزءٌ من نجاحك، يجب أن تنجح مع الله، ومع أهلك وأولادك، ومع صحتك، وفي عملك.
عملك قد تتأخر نصف ساعة، فيُسمِعك المدير كلاماً قاسياً، تبقى شهراً مجروحاً منه، ولكن أنت السبب، العمل مُقدَّس، إذا نجحت في عملك، ونجحت في صحتك، ونجحت مع أهلك وأولادك، ونجحت مع ربّك، الآن أُهنئك على النجاح، لا يُسمّى النجاح نجاحاً إلا إذا كان شمولياً، ومن السهل جداً أن تنجح بحقلٍ واحدٍ، لكن لا يُسمّى هذا نجاحاً.
الدعاء :
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك، اللهم يا واصل المُنقطعين صلنا برحمتك إليك.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِّ كلمة الحقَّ والدين، وانصُر الإسلام وأعزّ المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق