وضع داكن
21-01-2026
Logo
الخطبة : 1072 - أسباب زيادة الرزق9 ، العمل الصالح - الدعاء هو العبادة.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كُنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمِعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحاب بيته الطيبين الطاهرين أُمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
أيُّها الإخوة الأكارم: لازِلنا في موضوعٍ متسلسلٍ حول أسباب زيادة الرزق، ولأنَّ الإنسان في أي زمانٍ ومكان حريصٌ حرصاً لا حدود له على حياته وعلى رزقه، ولأنَّ هناك مخاطر تُحيط بالعالَم كله بسبب البُعد عن الله عزَّ وجل، وهذه المخاطر تصل إلى الرزق، لذلك كانت هذه الخُطب.

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح: 


أيُّها الإخوة: الأجَل لا يتغيَّر لكن في آياتٍ تؤكد أنه يطول، العلماء فسَّروا ذلك بما يلي:
إنسانٌ له محلٌ تجاري فتحه عشرُ ساعاتٍ والإيراد ألف ليرة، وإنسانٌ آخر فتحه خمسُ ساعاتٍ إيراده مليون، فالمليون يساوي عشر دوام دوام، العمر يطول بالعمل الصالح والدليل:
لمّا سيدنا موسى سقى للفتاتين ماذا قال؟

﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[ سورة القصص ]

فتبيَّن بهذه الآية أنَّ الغِنى غِنى العمل الصالح، وأنَّ الفقر هو فقر العمل الصالح، والعمل الصالح بيدك، أنت مُخيَّرٌ وأسبابه مُتاحةٌ لك، يعني بإمكان إنسانٍ عاش أربعين عاماً أن يكون له أعمالٌ صالحة تساوي خمسمئة عام، وهناك علماءٌ كبار منهم الشافعي عاش دون الخمسين، وهناك علماءٌ معاصرين في الجزائر، ابن باديس غيَّر أمةً بأكملها، لذلك العُمر زمناً ليس بيدك، أمّا مضموناً بيدك، فبإمكانك أن تُطيل عُمرك إلى خمسمئة عام، بحجم العمل الصالح الذي تفعله في الدنيا، وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح.

﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾

[ سورة فاطر ]


أعظم أعمال الإنسان ما استمرَّ بعد موته:


مرةً ثانية: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وأعظم الأعمال الصالحة ما استمرَّ بعد موتك.

(( إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له ))

[ صحيح مسلم  ]

علماءٌ كثُر توفَّاهم الله من سنواتٍ طويلة، ودروسهم تُبَث كل يوم في تفسير القرآن، أليس هذا العمل مستمراً؟ الذين ألَّفوا كُتباً إسلاميةً كبيرةً جداً كرياض الصالحين، هذا الكتاب المُبارك الذي لا يخلو منه بيتٌ في العالم الإسلامي، ألَّفه الإمام النووي.
إذاً: (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ) مسجد، معهد، مستوصف، مستشفى، ميتَم، جمعية خيرية، (أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ) تركَ دروساً تُبَث (أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) .
والله حينما أستمِع إلى إنسانٍ توفَّاه الله وترك ولداً صالحاً، والله أقول في أعماق أعماقي: هذا الإنسان لم يمُت، هذا الابن استمرارٌ له. 

أثمن شيء يملكه الإنسان الوقت فعليه أن يشغله بأعمالٍ صالحة:


البطولة أن تجهد وأنت حيّ بعملٍ صالحٍ لا ينتهي عند موتك، بل يستمر بعد موتك، هذه الصدقة الجارية، مؤسسة، معهد، ثانوية شرعية، كتاب، دروس، شريط، أي شيء، والعياذ بالله هناك أشخاص يموتون وأعمالهم السيئة مستمرةٌ من بعدهم أليس كذلك؟
فإذاً العُمر كزمن ليس بإمكانك أن تزيده، أمّا كمضمون بإمكانك أن تعمل أعمالاً تحتاج إلى خمسمئة عام، هذا معنى بعض الأحاديث أنَّ الله عزَّ وجل ينسأ له في أجله، أي يرزقه أعمالاً صالحة تحتاج إلى آجالٍ مديدة.
النبي صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثاً وستين عاماً، لكن أثره عمَّ الأرض، أقسم الله بعمره الثمين قال له:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾

[ سورة الحجر ]

أثمن شيءٍ تملكه الوقت، أنت وقت، أنت بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك.

عمر الإنسان محدود زمناً أمّا مضمونه لا حدود له يتَّسِع بقدر عمله الصالح:


أيُّها الإخوة الكرام: قال الحسن البصري: "ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى: يا ابن آدم! أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزوَّد فيَّ بعملٍ صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيامة"
هذا اليوم سمح الله لك أن تعيشه، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:

((  إذا استيقظ أحدُكم فلْيَقُلْ: الحمدُ لله الذي رَدَّ عليَّ رُوحي، وعافاني في جسدي، وأَذِنَ لي بذِكره ))

[ أخرجه الترمذي والنسائي وابن السني ]

إذاً العمر محدود زمناً أمّا مضمونه لا حدود له، يتَّسِع بقدر عملك الصالح، وأعظم الأعمال الصالحة ما استمرَّ بعد موت الإنسان، أمّا الرزق، يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً، من خلال خُطبٍ قد تزيد عن عشرين خُطبة أنه يتبدل وزيادته بيدك. 

أسباب زيادة الرزق:


1 ـ الاستغفار:

الآن في هذه الخُطبة أحد أسباب زيادة الرزق الاستغفار، والدليل: بالدين لا يوجد رأيٌ شخصي، هناك نصٌّ قرآني أو سُنَّة، قال تعالى:

﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)﴾

[ سورة هود ]

المتاع الحسن من لوازمه الرزق الوفير (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) لذلك قال عليه الصلاة والسلام دققوا:

(( مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ))

[ أخرجه أبي داوود وابن ماجه والحاكم في المستدرك ]

وعن الحسن رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( من أنعم اللهُ عليه نعمةً فليحمَدِ اللهَ عزَّ وجلَّ ومن استبطأ الرِّزقَ فليستغِفرِ اللهَ عزَّ وجلَّ ومن حزَبه أمرٌ فلَيقُلْ لا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ ))

[ أخرجه ابن منده في مسند إبراهيم بن أدهم، والخطيب في تاريخ بغداد، والرافعي في التدوين في أخبار قزوين ]

 هذا كلام المعصوم، كلام سيد الأولين والآخرين.

مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا:


أصاب الناس قحطٌ في عهد عُمر، فصعد المنبر فاستسقى فلم يزِد على الاستغفار فقط، فقالوا له: يا أمير المؤمنين ما سمعناك استسقيت؟ أي أين دعاء الاستسقاء؟! فقال: لقد طلبت الغيث بمفاتيح السماء التي يُستنزَل بها المطر، ثم قرأ الآية الكريمة:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)﴾

[ سورة نوح ]

وقوله:

﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ(52)﴾

[ سورة هود ]

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( مَنِ استغفَرَ لِلمؤمِنينَ و المُؤمِناتِ كلَّ يومٍ سبعًا وعِشْرِينَ مرةً، كان من الَّذِينَ يُستجابُ لَهُم، ويُرزقُ بِهم أهلُ الأرضِ  ))

[ أخرجه الطبراني  ]

فالاستغفار أحد أسباب زيادة الرزق، الاستغفار ندم، الاستغفار توبة، الاستغفار عودة إلى الله.

عدم تعذيب المؤمن من قِبل الله عزَّ وجل إن أستغفره وتاب إليه:


لذلك:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

[ سورة الأنفال ]

هناك معصية لا سمح الله، هناك تقصير (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)
أنت في بحبوحتين، أنت في مأمنين، أنت في حرزين، أنت في حصنين، أن تكون مُطبِّقاً لمنهج رسول الله، أو أن تكون نادماً مُستغفراً، فالاستغفار أحد أسباب زيادة الرزق.

دوام النعمة وبقاؤها مرتبطٌ بشكر الله عزَّ وجل و حمده:


أيُّها الإخوة: يقول الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه: "إن كان عليك نعمةٌ فأحببت بقاءها ودوامها فأكثر من الحمد والشكر" .
لك بيت، لك زوجةٌ صالحة، عندك أولاد، لك دخلٌ مُعيَّن، الله مكَّنك من حرفةٍ، أكثِر من الحمد والشكر تستمر هذه النعمة، بل تزيد، فالله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾

[ سورة إبراهيم  ]


مفتاح الرزق السعي مع الاستغفار ومفتاح المزيد الشكر:


الآن: وإذا استبطأت الرزق، أي تأخَّر رزقك، بحثت، ذهبت، قدَّمت طلبات، دخلت مسابقات، بحثت في بعض الإعلانات حول العمل، فلم تجد فرصة عمل مناسبة لك.
قال: وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإن الله تعالى يقول في كتابه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) .
(يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) تعني كل شيء، تعني أن تجد وظيفةً، أن تجد عملاً، أن تجد حرفةً ناجحة، الله عزَّ وجل يُروِّج اسمك في عالم التجارة.

﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾

[ سورة نوح ]

يا سُفيان: القول لجعفر الصادق: "إذا حزبك أمرٌ من سلطانٍ، فأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها مفتاح الفرَج وكنزٌ من كنوز الجنَّة" أي هناك مشكلةٌ كبيرة مع جهةٍ رسمية، هناك مُصادرة مثلاً، أو في قضيةٍ ما أو غيره.
لذلك قال ابن العربي: "مفتاح الرزق السعيُ مع الاستغفار، ومفتاح المزيد الشُكر"

عدم الاستجابة للمسلمين لأنهم هان أمر الله عليهم فهانوا على الله:


قصةٌ عجيبة لكنها واقعة: رجُلٌ أتى الحسن شكا إليه القحط فقال له: استغفِر الله، الجواب كلمة واحدة فقط، أتاه آخر فشكا إليه الفقر فقال: استغفِر الله، أتاه آخر فقال له: ادعُ الله أن يرزقني ابناً صالحاً، فقال: استغفِر الله، أتاه آخر شكا له جفاف بساتينه، قال له: استغفِر الله، عجبنا من هذا الكلام فقلنا: أتاك رجالٌ يشكون ألواناً ويسألون أنواعاً فأمرتهم جميعاً بالاستغفار! فقال: ما قلت من نفسي شيئاً، إنما اعتبرت قوله تعالى حكايةً عن نبيِّه نوحٍ عليه السلام، أنه قال لقومه: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) .
لماذا لا يُستجاب للمسلمين؟ يدعون الله ليلاً ونهاراً والأمور تزداد تعقيداً.

﴿ مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13)﴾

[ سورة نوح ]

السبب أنَّ أمر الله هان عليكم فهنتم على الله (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا) لماذا لا تُعظِّمون أمره؟ لماذا لا تأخذون أمره ونهيه مأخذاً جدِّياً؟

مَن أكثر من الاستغفار كثُر الرزق عليه:


أيُّها الإخوة: يقول الإمام جعفر: "إذا تُبتُم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه كثُر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع وأدرَّ لكم الضرع، وأمدَّكم بأموالٍ وبنين - أي أعطاكم الأموال والأولاد - وجعل لكم جنَّاتٍ فيها أنواع الثمار" .
نحن في سنواتٍ ماضية محصول القمح ستة ملايين طن، هذه السنة لا شيء إطلاقاً والعياذ بالله، الحقيقة مؤلمة.
في سنةٍ من السنوات نزل في دمشق ثلاثمئة وخمسين ميليمتراً، يقول لي أخٌ كريم خبيرٌ بحوض دمشق، قال: ثلاثين لأربعين نبع جفَّ منذ ثلاثين سنة عاد وتفجَّر، مياه بلدة منين وصلت إلى برزة، بأي لحظةٍ الله عزَّ وجل (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) كنت في بلدةٍ بإفريقيا أمطارها في الليلة الواحدة تساوي أمطار دمشق لسنتين، مئتين وأربعين مليمتراً في ليلةٍ واحدة.

من أطاع ربَّه و أخلص نيَّته استجاب له و فرَّج عنه:


أيُّها الإخوة: أُناسٌ كثيرون يستغفرون والفقر يزداد، هذه ظاهرة، لو أنك حدَّثت مَن حولك بمضمون هذه الخُطبة حتماً سيقول لك أحدهم: لا، أنا أستغفره ليلاً ونهاراً والأمور تزداد تعقيداً، بماذا تُجيبه؟ قال أبو علي التنوخي في "كتاب الفرج بعد الشِدّة": <<شكا أعرابيٌ إلى علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، شِدَّةً لحقت به، وضيقاً في المال، وكثرةً في العيال، فقال له:‏ عليك بالاستغفار فإنَّ الله عزَّ وجل يقول: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)‏ الآيات، فعاد الأعرابي إليه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إني قد استغفرت الله كثيراً وما أرى فرجاً مما أنا فيه، فقال‏:‏ لعلَّك لا تُحسِن الاستغفار، قال‏:‏ علِّمني، قال :‏ أخلِص نيَّتك وأطِع ربك>> .

العاجز من يتكاسل في طلب ما يريد من الله عزَّ وجل:


أيُّها الإخوة الكرام: وصفةٌ نبوية في الصِحاح: 

((  يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

الله عزَّ وجل ينتظرك في وقت السَحَر قُبيل أذان الفجر: (مَن يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟) حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ.
من هو الكسول؟ من هو العاجز؟ من هو الأحمق؟ من هو الغبي؟ الذي يتكاسل أن يطلب من خالق السماوات والأرض والله ينتظرك، أنت في الصلاة تقول: "سمع الله لمن حمده" هو يسمعك الآن، اطلُب منه.

2 ـ الدعاء:

(( إِنَّ الله تعالى يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ في الدُّعاءِ ))

[ الألباني ضعيف الجامع عن عائشة أم المؤمنين ]

(( لِيَسْأَلْ أحدُكم ربَّه حاجتَه كُلَّها، حتى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إذ انْقَطَعَ ))

[ أخرجه الترمذي والبزار وأبو يعلى ]

إن الله يُحب من عبده أن يسأله ملح طعامه، الأمر بيده على كل شيء قدير، جسمك بيده، صحتك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، مَن هُم فوقك بيده، أعداءك بيده، الطُغاة بيده.

﴿ مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)﴾

[ سورة هود  ]


الدعاء سلاح المؤمن فعليه الإكثار منه:


(( الدعاءُ سلاحُ المؤمِنِ، وعمادُ الدينِ، ونورُ السماواتِ والأرْضِ ))

[ أخرجه أبو يعلى وابن عدي في الكامل والحاكم  ]

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)﴾

[ سورة الفرقان  ]

ما معنى أن تدعوه؟
إخوانَّا الكرام: أنا أعني ما أقول، المسلمون مُقصِّرون في الدعاء، هناك دعاءٌ شكلي، هناك دعاءٌ باللسان، هناك دعاءٌ والاعتماد على غير الله، هناك دعاءٌ مع الشرك:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106)﴾

[ سورة يوسف  ]

هناك دعاءٌ مع الخوف من غير الله، هناك دعاءٌ والأمل متعلِّقٌ بغير الله، كل هذه الأدعية لا قيمة لها ولا وزن لها ولا يُستجاب لها، أمّا حينما تعقد الأمل على الله، وحينما تؤمن أنَّ يد الله تعمل وحدها، وأن الله بيده كل شيء:

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾

[ سورة هود  ]


من دعا الله مع الخوف من غيره لا يُستجاب له أبداً:


حينما تؤمن أنَّ كل حركةٍ وسكنةٍ بيد الله، حينما تؤمن أنه لا مُعطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولا رافع إلا الله، ولا خافض إلا الله، ولا مُعز إلا الله، ولا مُذل إلا الله، حينما تؤمن أنَّ كل الأصنام التي في الأرض، أنَّ كل الطُغاة في الأرض لا يستطيعون فعل شيءٍ إلا إذا سمح الله، حينما تجعل علاقتك كلها بالله، حينما تعقد الأمل على الله، حينما تتوكل على الله، حينما لا ترى يداً تعمل في الكون إلا الله، حينما توحِّد يصح دعاؤك، وإذا صحَّ دعاؤك استجاب الله لك فقَويَت عقيدتك، إيّاك أن تدعو الله وأنت معتمدٌ على زيدٍ أو على عُبيد، إيّاك أن تدعو الله وأنت ترى أنَّ خلاصك بيد زيدٍ أو عُبيد، أو أنَّ زيداً أو عبيداً إن شاء رفعك وإن شاء خفضك، فتقول يا ربّ الدعاء ليس له معنى إطلاقاً.

(( قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أنا أغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فيه مَعِي غيرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ ))

[ صحيح مسلم ]

إنَّ الله عزَّ وجل لا يقبَل العمل المُشترك ولا يُقبِل على القلب المُشترك.

التوحيد أساس الدعاء:


ينبغي أن يرى الله قلبك خالياً إلا من الاعتقاد به، ألّا يرى في قلبك شريكاً له، عندئذٍ لا يُقبِل عليك، ألّا يراك مُعتمداً على غيره، ألّا يراك تخاف من غيره، التوحيد أساس الدعاء، حينما ترى أنه لا إله إلا الله، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وحينما ترى أنَّ الله في السماء إلهٌ وفي الأرض إله، حينما ترى أن هؤلاء الطُغاة عِصيٌّ بيد الله يحركهم كما يُريد، حينما تقتدي بنبيٍ كريم تحدّى أقوياء أُمته فقال: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم) .

شروط الدعاء المقبول:


حينما توحِّد يصحُّ دُعاؤك وإذا صحَّ دُعاؤك يُستجاب لك.

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

[ سورة البقرة  ]

أقرب إلينا من حبل الوريد.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

[ سورة الأنفال ]

1 ـ الإخلاص:

(أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) إذا دعاني حقيقةً.

2 ـ الإيمان:

إذا آمن بي حقيقةً، إذا آمن بوحدانيتي حقيقةً، إذا آمن بأني فعَّالٌ لما أُريد حقيقةً، إذا آمن أنَّ الخير والشر بيدي لا بيد خَلقي.

3 ـ الاستجابة لله:

أنت حينما توحِّد تدعو، وإذا دعوت صادقاً يُستجاب لك، وما أمرك أن تدعوه إلا ليُجيبك، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك.

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)﴾

[ سورة النساء  ]


من دعا الله فهو مؤمن بوجوده و قدرته:


(الدعاءُ سلاحُ المؤمِنِ) بل إنني أفهم قوله تعالى حينما يقول:

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ(23)﴾

[ سورة المعارج ]

كيف دائمون؟ تأكل وتشرب وتمشي في الطريق، تؤسِّس عملاً، تدرس، كيف دائمون؟ بالدعاء، الدعاء صلة.

(( الدُّعاءُ هوَ العبادةُ ثمَّ قالَ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ))

[ أخرجه أبو داوود والترمذي وابن ماجه ]

وفي روايةٍ أُخرى:

(( الدُّعاءُ مُخُّ العِبادةِ ))

[ أخرجه الترمذي والطبراني ]

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)﴾

[ سورة الفرقان ]

ما معنى أنك تدعو الله؟ المعنى الحتمي أنت لا يمكن أن تُخاطب جهةً ليست موجودة، بهذه الحالة يكون مجنوناً، إذا دخل إلى بيتٍ لا أحد فيه يتكلم ويقول: فلان ما قولك؟ كيف صحتك!! يقال عنه مجنون، أنت لا تُخاطب جهةً غير موجودة، فإذا دعوت الله فأنت حتماً موقنٌ بوجوده، وأنت لا تُخاطب جهةً لا تسمعك، فإذا دعوت الله فأنت حتماً موقنٌ بأنه يسمعك، وأنت لا تُخاطب جهةً ضعيفةً لا تستطيع حلَّ مشكلتك، عليك دين مليونين، لا تأتي إلى طفلٍ في الحضانة تقول له معك هذا المبلغ؟ تكون مجنوناً، أنت لا تدعو إلا جهةً موجودةً وتسمعك وقادرةٌ على تلبيتك، وأنت لا تدعو جهةً قويةً تسمعك وقادرة لكنها لا تُحبُّك، لا يوجد إنسانٌ يطلب من عدوّه قرض، إذاً أنت حينما تدعو الله مؤمنٌ بوجوده، ومؤمنٌ بسمعه، ومؤمنٌ بقدرته، ومؤمنٌ بأنه يُحبُّك، فالذي يدعو الله فهو مؤمنٌ (الدُّعاءُ هوَ العبادةُ) لذلك قال تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) .

ما من شيء يقوي إيمان الإنسان بالله كالدعاء:


(فَقَدْ كَذَّبْتُمْ) إذاً لمُجرَّد أنك مؤمنٌ وموحِّد تدعو الله عزَّ وجل.
الآن صدِّقوا أيُّها الإخوة، ما من شيءٍ يقوّي إيمانك بالله كالدعاء، تدعوه بينك وبينه، الأمور تسير بشكلٍ آخر لمصلحتك، استجاب الله دعاءك، الله عزَّ وجل أعطاك دليلاً واقعياً، عملياً، يقينياً، قطعياً، صارخاً، حادَّاً، أنه سمعك واستجاب لك، لا يزداد إيمانك إلا بالدعاء، اجعل الدعاء دَيدَنك في هذه الحياة، اسأله كل حاجتك، قبل أن تخرج من البيت ادعُ ربَّك كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( ما خرج النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم من بيتي قَطُّ إلا رفع طَرْفَه إلى السماءِ فقال: اللهم أعوذُ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ أو أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ  ))

[ أخرجه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه ]

قبل أن تقوم بعملٍ: "اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين" .
قبل أن تتزوج: "اللهم ارزقنِ زوجةً صالحة" أنت حينما تجعل الدعاء دَيدَنك كل يوم، كل ساعة، في دخولك، في خروجك، قبل أن تنام، بعد أن تستيقظ، قبل أن تُقدِم على عملٍ، إنك بهذا تُعبِّر عن إيمانك بالله وجرِّبوا، مع أنَّ الله لا يُجرَّب، جرِّب أن تتحرك بالدعاء، ومُستحيل وألف ألف ألف مُستحيل أن يُخيِّب الله ظنَّك به.

(( يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: أنا عند ظنِّ عبدي بي فليظُنَّ بي ما شاء  ))

[ أخرجه أحمد والدارمي وابن حبان ]


من آمن أنَّ الله على كل شيءٍ قدير استُجيب له:


حدَّثني رجُلٌ سافر إلى الساحل عن طريق الجبال، أوقف مركبته في رأس جبلٍ والوادي من أعمق الوديان، وذهب ليأتي بالطعام، ابنه حرك السيارة فانحدرت في الوادي، معه خمسة أولاد وزوجته، المتوقَّع أنهم سيموتون جميعاً، فدعا الله دعاءً من أعماق أعماق قلبه أن يُنجي الله أهله وأولاده، استقرَّت في قعر الوادي وزوجته وأولاده سالمون، الله كبير.
حينما تؤمن أنه على كل شيءٍ قدير، يجب أن تقبلوا منّي أنا معي أدلة، مرضٌ خبيث بالدرجة الخامسة ممكن أن ينحسِر نهائياً، أعرف رجُلاً قبل خمسةً وعشرين سنة أجمع الأطباء على أنَّ هذا الورم لا دواء له، والمصير هو الموت المحقَّق في أقرب وقت، لا يملِك إلا الدعاء، والآن والله مُعافى، هو صديقي أعرفه جيداً، الله عزَّ وجل شفاه، الدعاء سلاحك، إنسان أحياناً يكون له صلة مع قوي يمشي مُتفاخراً، الإله العظيم قال لك: أنا معك.
وقد وَرَدَ في الأَثَرِ كما ذَكَرَهُ ابنُ القَيِّمِ في مَدَارِجِ السَّالِكِينَ: أَوحَى اللهُ إلى مُوسَى: " كُنْ لي كَمَا أُريدُ أَكُنْ لَكَ كَمَا تُريدُ، كُن لي كما أُريد ولا تُعلمني بما يُصلحك"
يُروى أنَّ الله تعالى قال لداوود: " يا داوود، أنت تُريد وأنا أُريد، ولا يكون إلا ما أُريد، فإن سلّمت لما أُريد كفيتك ما تُريد، وإن لم تُسلِّم لما أُريد أتعبتك فيما تُريد، ثم لا يكون إلا ما أُريد" .

الاستقامة أساس الدعاء:


إلهٌ عظيمٌ ينتظرك، ينتظر أن تدعوه، ما من عملٍ يتوافر عمل، ما من رزقٍ يأتيك الرزق، ما من امرأةٍ صالحةٍ للزواج يختار الله لك امرأةً:

((  أنَّهُ سُئِلَ عن خيرِ النِّساءِ؟ فقالَ: الَّتي تُطيعُ زوجَها إذا أمرَ، وتسرُّهُ إذا نظرَ، وتحفظُهُ في نفسِها ومالِهِ ))

[ أخرجه النسائي وأحمد والبيهقي ]

علِّق أملَكَ بالله عزَّ وجل.

(( يا أيُّها النَّاسُ إنَّ اللَّهَ طيِّبٌ لا يقبلُ إلَّا طيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بِه المرسلينَ فقالَ يَا أيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقالَ يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ قالَ وذَكرَ الرَّجلَ يُطيلُ السَّفرَ أشعثَ أغبرَ يمدُّ يدَه إلى السَّماءِ يا ربِّ يا ربِّ ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ وملبسُه حرامٌ وغذِّيَ بالحرامِ فأنَّى يستجابُ لذلِك ))

[ أخرجه مسلم والترمذي ]

لا تستطيع أن تدعوه إلا إذا استقمت على أمره، هُنا العقبة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .
أيُّها الإخوة الكرام: ضعوا رحالكم بباب الله، ضعوا همومكم عند الله، ضعوا طلباتكم عند الله، ضعوا كل همومكم عند الله.

(( مَنْ جَعَلَ الهَمَّ هَمًّا واحدًا كفاهُ اللهُ همَّ دُنياهُ، ومَنْ تشعَّبتْ به الهمومُ لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أوديةِ الدُّنيا هلَكَ ))

[ الحاكم في المستدرك على الصحيحين ]

(( اعملْ لوجْهِ واحدٍ يكْفِكَ الوجوهَ كُلَّها ))

[ الألباني السلسلة الضعيفة ]

والدعاء مُخ العبادة، وأحد أسباب زيادة الرزق الاستغفار والدعاء.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المُستغفرين، أستغفر الله. 

* * *

الخــطــبـة الثانية :

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، وعلى صحابته الغُر الميامين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

هناك صِنفان من الناس مُستثنون من شروط الدعاء:


أيُّها الإخوة الكرام: لكن كاستثناءٍ من شروط الدعاء: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) .
لكن العلماء استنبطوا من آياتٍ كثيرةٍ أنَّ هناك صِنفين من الناس مُستثنون من شروط الدعاء، مَن هُما؟

1 ـ المضطر:

المُضطر:

﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62)﴾

[ سورة النمل ]

المضطر ولو لم يملِك شروط الدعاء المُستجاب، يستجيب الله له برحمته.

2 ـ المظلوم:

المظلوم لو لم يملِك شروط الدعاء المُستجاب، يستجيب الله له بعدله، فالمُضطر يدعو الله، كيفما كان وضعك، مستقيمٌ أو غير مستقيم، مُحسِنٌ أو مُسيء، الآن ادعُ الله عزَّ وجل لأنه ليس لك غيره (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) .

علينا أن نتقي دعوة المظلوم و لو كان كافراً:


الثاني المظلوم دققوا الآن: 

(( اتَّقوا دعوةَ المظلومِ وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجابٌ ))

[ مسند الإمام أحمد ]

إيّاك أن يدعو عليك مظلومٌ ولو كان كافراً، لأنه عبدٌ من عباده.
الله عزَّ وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾

[ سورة المائدة ]

إيّاك أن يحمِلك عِداؤك لكافرٍ، لمُلحدٍ على أن تظلمه، فإن الله يسمع دعاءه. 

(( اتَّقُوا الظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقُوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَّ أهلكَ مَن كانَ قبلَكُم، حملَهُم على أنْ سَفكُوا دِمائَهم، واستَحَلُّوا مَحارِمَهم ))

[ أخرجه مسلم ]

يروى أنَّ أحد أكبر المُقربين لهارون الرشيد اسمه خالد البرمكي، أقوى إنسان في هذه الدولة، رأى نفسه فجأةً في السجن، فزاره أحدهم قال له ما حالك؟ قال: "لعلَّ دعوة مظلومٍ أصابتني".
إيّاك ودعوة المظلوم، مؤمن غير مؤمن، من دينك من غير دين، ما له علاقة له حقّ، الحقّ أحقّ أن يؤدّى، تغش هذا الإنسان تبيعه بضاعة فاسدة، هذا ما فيه دين، لا: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) إن عدلتم معه قربتموه إلي وقربتموه إليكم.

بطولة المسلم أن يكون مُحسناً ليدخل الناس في هذا الدين أفواجاً:


يهودي ادَّعى أنَّ هذا الدِرع له وهو لسيدنا علي، وقفا أمام القاضي، والقاضي سيدنا علي الذي عيَّنه، فسأله: أمعك شهودٌ يا أمير المؤمنين؟ قال: معي أولادي، قال: غير مقبول أولادك، مَن أولاده؟ الحسن والحسين، لا يشهد ابنٌ لأبيه ممنوع بالقضاء، فحكم القاضي لهذا اليهودي بالدِرع، فأسلم.
غير معقول! أمير المؤمنين والدرع له والشهود أولاده الوحيدون، فالقاضي نفَّذ الشرع وحكم لليهودي بالدِرع فأسلم (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .
هذا البعيد إذا أنصفته قد يُسلِم، قد يُحبك، والله حدَّثني أخٌ عن سائحٍ يوناني بتركيا في أيام الصيف، والازدحام شديد، لم يجد فندقاً ليبيت فيه، لا أربع نجوم، ولا ثلاثة، ولا اثنين، ولا نجمة واحدة، فطرق أحد الأبواب وسأله: ممكن أن تؤجرني غرفةً عندك؟ قال له: تكرم البيت كله لك، أنا عندي بيتٌ ثانٍ، فهيأ له العشاء وطعام الفطور، هو ما عنده بيتٌ ثانٍ، نام هو وأهله تحت الشجرة، فلمّا رآه صباحاً دخل في الإسلام وهو الآن أكبر داعية.
ما هذه الأخلاق؟ الأمور غير معقدة، كُن مع الناس كاملاً يُحبك الناس، يُحبوا دينك، يُحبوا إسلامك، يدخلون في دين الله أفواجاً، وبالمُقابل صلِّ، واعمل كل سنة عُمرة، وكُل مالاً حراماً، وغش الناس يخرجون من الدين أفواجاً، البطولة أن تكون كاملاً، أن تكون مُحسناً.
والله حدَّثوني عنه الآن بأنه من أكبر الدُعاة، هو غير مُسلم، معقول إنسان يقوم بضيافتي وهو لا يعرفني! والساعة الثانية عشرة لا يوجد مكان لينام فيه، هيأ له غرفة النوم وطعام العشاء والإفطار، وحتى يقبَل قال له: أنا عندي بيتٌ ثانٍ، صباحاً وجده نائماً هو وزوجته وأولاده تحت الشجرة، هي المنطقة ريفية وجميلة والدنيا صيف فليس هناك مشكلة، لكن كيف أقنعه أن ينام عنده؟! وما أخذ منه شيء طبعاً، فكان سبب إسلامه.

من ابتعد عن الاستقامة و العمل الصالح أساء إلى نفسه و إلى دينه:


أسيرةٌ وقعت في يد المسلمين وهي حاقدةٌ كثيراً، ترى أنَّ الدين تخلف، جهل، إرهاب، دين قتل، عاملوها معاملة من الصعب وصفها لكم، استفزَّتهم بكل أنواع الاستفزاز، تخلع ثيابها أمامهم فيهربوا لا ينظرون إليها، تطلب حاجات نادرة يؤمِّنوها لها، فلمّا أفرجوا عنها بعد شهرين بحسب اتفاقٍ مُعيَّن، عقدت مؤتمراً صحفياً، وأول كلمةٍ قالتها: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، وهي الآن من كبيرات الدُعاة في بريطانيا، بيدك إقناع الناس بالإسلام، بالإحسان وليس بالكلام، بالعدل، بالإنصاف.
أيُّها الإخوة الكرام: نحن مقصِّرون كثيراً، هؤلاء الذين أساؤوا للنبي عليه الصلاة والسلام، لأننا نحن أسأنا له قبلهم، فأخذوا عنّا فكرةً غير صحيحة، فتوقَّعوا أنَّ النبي مثل أتباعه، هذا ما قاله الرسام الدانماركي قال: ظننته كأتباعه، هكذا ظنّ، نحن أسأنا إليه، نحن مقصِّرون، إيّاكم أن تتهموا جهةً أُخرى، من علامات التوفيق أن نتَّهِم أنفسنا، نحن مقصِّرون، طبِّق هذا الدين، استقِم كما أمر الله يدخُل الناس في دين الله أفواجاً، وطبِّق شعائره، وابتعد عن الاستقامة والعمل الصالح، يخرُج الناس منه أفواجاً.

الدعاء:


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هَبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك. 
اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهنَّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا، أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك، اللهم لا تؤمِنّا مكرك ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك يا ربّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام والمسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
اللهم انصُر إخوتنا المؤمنين في كل مكانٍ في شرق الأرض وغربها، في شمالها وجنوبها، في العراق وفلسطين وفي غزَّة يا ربَّ العالمين.
اللهم شتِّت شمل أعدائهم، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، اللهم أرِنا قدرتك بهم يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام والمسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير، 

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور