الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليِّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمِعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُرِّ الميامين، أُمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
اللهم أخرجنا من ظُلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
الأسباب التي وردت بها آيات قرآنية أو نصوص نبوية صحيحة في زيادة الرزق:
أيُّها الإخوة الكرام: لازِلنا في الموضوع المُتسلسل، الأسباب التي ورد بها نصٌ قرآنيٌ أو نبويٌ صحيح في زيادة الرزق، ولأنَّ الإنسان أيَّ إنسانٍ حريصٌ على حياته وعلى رزقه، وهناك مؤشراتٌ على مستوى العالم كله، أنَّ هناك محاولةً لإفقار الشعوب لصالح الحيتان الكبيرة في العالم الغربي، والإنسان حينما يجوع يَضعُف، وقد قال الإمام عليٌّ رضي الله عنه: "كاد الفقر أن يكون كُفراً" .
لذلك لازِلنا في هذا الموضوع، حول الأسباب التي وردت بها آياتٌ قرآنية، أو نصوصٌ نبويةٌ صحيحة في زيادة الرزق.
من هذه الأسباب قراءة القرآن الكريم، وقد يَعجَب السامع ما علاقة قراءة القرآن الكريم بزيادة الرزق؟! يقول عليه الصلاة والسلام:

(( نَوِّرُوا بيوتَكم ما استطعتم، فإن البيتَ الذي يُقْرَأُ فيه القرآنُ، يَتَّسِعُ على أهلِهِ، ويَكْثُرُ خيرُهُ، وتَحْضُرُهُ الملائكةُ، وتَهْجُرُهُ الشياطينُ، وإن البيتَ الذي لا يُقْرَأُ فيه القرآنُ، يَضِيقُ على أهلِه، ويَقِلُّ خيرُه، وتَهْجُرُهُ الملائكةُ، وتَحْضُرُهُ الشياطينُ ))
هل هناك أوضح من ذلك؟
(وإن البيتَ الذي لا يُقْرَأُ فيه القرآنُ، يَضِيقُ على أهلِه، ويَقِلُّ خيرُه، وتَهْجُرُهُ الملائكةُ، وتَحْضُرُهُ الشياطينُ) إنك إذا قرأت القرآن الكريم اقتربت من الله، وإذا اقتربت منه اقتربت من طاعته، وإذا أطعته كافأك بسَعة الرزق.
وعن أنسٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( القرآنُ غنًى لا فقرَ بعده ولا غنًى دونه ))
[ أخرجه الطبراني والبيهقي ]
وروى الإمام الغزالي قصةً، أنَّ رجُلاً لازَم باب عُمر رضي الله عنه، ضاق به ذرعاً، قال: يا هذا هاجرت إلى عُمر أم إلى الله؟! هذه المشكلة تقع في كل وقت، إنسانٌ ينسى الله يرى الشيخ كل يوم كل يوم، استقمت ما صار معي شيء، أدَّيت الصلوات الخمس وقيام الليل وما ارتزقت! لا يرى الله يرى الشيخ، هذا خطأٌ كبير، قال له: هاجرت إلى عُمر أم إلى الله؟ تَعلَّم القرآن فإنه يُغنيك عن بابي، فغاب حتى فقده عُمر فوجده يتعبَّد، فقال: قرأت القرآن فأغناني عن عُمر، فقال: وما وجدت فيه؟ قال:
﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)﴾
فبكى عُمر رضي الله عنه.
أول نقطة في هذه الخُطبة أنَّ قراءة القرآن توسِّع الرزق.
2 ـ الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام:
البند الثاني الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّها الإخوة: أحد أصحاب رسول الله سُمرة رضي الله عنه قال:
(( كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَقْرَبُ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زِدْنَا قَالَ: صَلَاةُ اللَّيْلِ، وَصَوْمُ الْهَوَاجِرِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زِدْنَا قَالَ: كَثْرَةُ الذِّكْرِ لِي وَالصَّلَاةُ عَلَيَّ تَنْفِي الْفَقْرَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زِدْنَا قَالَ: مَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَالْعَلِيلَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الْحَاجَةِ ))
[ السخاوي " القول البديع" ]
وفي حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من قرأ القرآنَ وحمِد الرَّبَّ وصلَّى على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويستغفرُ ربَّه فقد طلب الخيرَ مكانَه ))
يعني أنت حينما تُصلّي على النبي، تذكُر كماله، تذكُر وَرَعه، تذكُر استقامته، تذكُر حُبّه لله، فإذا اقتديت به استحققت أن يوسِّع الله عليك في الرزق.
حديثٌ آخر: روى الترمذي عن أُبيّ بن كعبٍ رضي الله عنه:
(( قلتُ يا رسولَ اللهِ إني أُكثِرُ الصلاةَ عليك، فكم أجعلُ لك من صلاتي؟ فقال: ما شئتَ، قلت: الرُبع؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لك، قلتُ: النصف؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لك، قلت: فالثُّلُثَيْنِ؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خيرٌ لك، قلتُ: أجعلُ لك صلاتي كلَّها؟ قال: إذًا تُكْفَى همَّك، ويُكَفَّرُ لك ذنبَك ))
هذا كلام المعصوم، هذا كلام سيد الأنبياء والمرسلين، هذا كلام الذي لا ينطق عن الهوى.
من أيقن بالموت رضي بما هو فيه:
أيُّها الإخوة: هناك مفهومٌ سلبي كي ترضى بالرزق، قال: ذِكر الموت، مرَّ النبي عليه الصلاة والسلام بمجلسٍ من مجالس الأنصار، رآهم يمزحون ويضحكون، طبعاً مُزاحاً بريئاً ومشروعاً لكنه أراد أن يَعِظهم، قال:

(( أكثروا ذكرَ هاذمِ اللذاتِ يعني الموتَ فإنَّهُ ما كان في كثيرٍ إلا قلَّلَهُ ولا قليلٍ إلا جزَّاهُ ))
أنت حينما تُفكِّر أنَّ نهاية الحياة الموت، وأنه ينتقل المرء من القصر إلى القبر، فإذا كان في بحبوحةٍ كبيرة رآها زائلة، وإن كان في قلةٍ رآها مؤقتة.
لذلك ورد في بعض خُطب النبي عليه الصلاة والسلام:
(( أَيُّها الناسُ إنَّ هذه الدنيا دارُ التِوَاءٍ لا دَارُ اسْتِوَاءٍ ومَنْزِلُ تَرَحٍ لا مَنْزِلُ فَرَحٍ فَمَنْ عَرَفَهَا لمْ يَفْرَحْ لِرَجَاءٍ ولَمْ يَحْزَنْ لِشَقَاءٍ ألا وإِنَّ اللهَ تَعَالَى خلق الدنيا دارَ بَلْوَى والآخِرَةَ دَارَ عُقْبَى فَجَعَلَ بَلْوَى الدنيا لِثَوَابِ الآخِرَةِ سَبَبًا وثَوَابَ الآخِرَةِ من بَلْوَى الدنيا عِوَضًا فَيَأْخُذُ لِيُعْطِيَ ويَبْتَلِي لِيَجْزِيَ وإِنَّهَا لَسَرِيعَةُ الذَّهَابِ وشِيكَةُ الانْقِلابِ فَاحْذَرُوا حَلاوَةَ رَضَاعِهَا لِمَرَارَةِ فِطَامِهَا واهْجُرُوا لَذِيذَ عَاجِلِهَا لِكَرِيهِ آجِلِهَا ولا تَسْعُوا في عُمْرَانِ دَارٍ وقَدْ قَضَى اللهُ خَرَابَهَا ولا تُوَاصِلُوهَا وقَدْ أَرَادَ اللهُ مِنْكُمُ اجْتِنَابَهَا فَتَكُونُوا لِسَخَطِهِ مُتَعَرِّضِينَ ولِعُقُوبَتِهِ مُسْتَحِقِّينَ ))
لا يدخُل ذِكر الموت بيتاً إلا رضي أهله بما قُسِم لهم، يعني بالنهاية:
(( من أصبح منكم آمنًا في سربِه معافًى في جسدِه عنده قوتُ يومِه فكأنَّه حِيزت له الدُّنيا ))
[ أخرجه البخاري والترمذي ]
أي لا يوجد عليه مُذكّرة بحث، غير مُلاحق، غير مطلوب للعدالة.
(من أصبح منكم آمنًا في سربِه معافًى في جسدِه عنده قوتُ يومِه فكأنَّه حِيزت له الدُّنيا) هذا البند في الخُطبة طابعه سلبي، إنك إن أيقنت أنك سوف تموت ترضى بما أنت فيه.
3 ـ عدم النوم بعد صلاة الفجر:
أيُّها الإخوة: أحد أسباب زيادة الرزق عدم النوم بعد صلاة الفجر، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( الصُّبحةُ تَمنعُ الرِّزقَ والصُّبحةُ: نومُ أوَّلِ النَّهارِ ))

وفي روايةٍ تمنع بعض الرزق، والحديث المألوف والمشهور:
(( بُورِكَ لأُمَّتي في بُكورِها ))
[ أخرجه الطبراني والبيهقي ]
أرخصُ شيء عند المسلمين الوقت و أثقلُ شيء عند الغرب العمل:
والذي يؤلم أشدَّ الألم، أنَّ الغربيين في أوربا، وفي أمريكا، وفي أستراليا، تبدأ الحركة الكثيفة عندهم بدءاً من الساعة الخامسة صباحاً، كنت قبل أسبوع في مدينةٍ في فرنسا،

والله الساعة التاسعة مساءً ما وجدت إنساناً في الطريق، ولا إنسان! في مدينةٍ كبيرةٍ ينامون باكراً لترتاح أجسامهم، وينهضون باكراً إلى أعمالهم ليُركِّزوا في أعمالهم، نحن أحقُّ بهذا منهم، نحن نبقى للساعة الواحدة، الثانية، الثالثة ليلاً، وفي اليوم الثاني لا يوجد شيء يبدأ قبل الساعة الثانية عشرة ظهراً، لا في المكاتب ولا في المحلات التجارية، كل شيء، تسأل العامل يقول لك صاحب العمل لم يأتِ، للساعة الثانية عشرة لا يوجد حركة، هؤلاء الذين يعمل الواحد منهم ثماني ساعات، في بلادٍ نامية يعمل الإنسان سبعٍ وعشرين دقيقة، وفي بلدٍ آخر سبع عشرة دقيقة، وفي بلدٍ آخر أقل من دقيقة، لا تُصدِّق أن تستطيع أمةٌ يعمل أفرادها بالدقائق، أن تنتصر على أمةٍ يعمل أفرادها ثماني ساعاتٍ يومياً، فلذلك أحد أسباب زيادة الرزق عدم النوم بعد صلاة الفجر، أنا لا أمنع هذا إطلاقاً لا يوجد حُكُمٌ شرعي، إذا إنسان صلّى الفجر في جماعةٍ واستلقى ساعة أو ساعتين، المقصود أن تُباكر إلى الرزق.
بين صلاة الفجر وطلوع الشمس وقت بركة و تجلٍ و رحمة:
أحد علماء دمشق ألَّف أكبر موسوعةٍ فقهية، عشرون جزءاً تقريباً، وأكبر موسوعة في تفسير القرآن، أقسم لي بالله أنَّ هذين الكتابين الكبيرين ألَّفهُما ما بين الساعة الرابعة صباحاً والساعة الثامنة صباحاً، وقت الفجر.

وأنا أقول لكم: والله الذي أُنجِزه أحياناً بعد صلاة الفجر إلى الساعة الثامنة صباحاً، يزيد عن أربعة أضعاف ما أُنجِزه أثناء اليوم (بُورِكَ لأُمَّتي في بُكورِها) .
عوِّد نفسك أن تنام باكراً، تنام باكراً تستيقظ على صلاة الفجر وكأنك حصان، نشيط، هذا وقت البركة، وقت التجلّي، وقت الرحمة.
(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عليه لَاسْتَهَمُوا، ولو يَعْلَمُونَ ما في التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، ولو يَعْلَمُونَ ما في العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُما ولو حَبْوًا ))
(( مَن صلَّى الصُّبحَ في جماعةٍ فَهوَ في ذمَّةِ اللَّهِ فانظرْ يا ابنَ آدمَ لا يطلبنَكَ اللَّهُ بشيءٍ مِن ذمَّتِهِ ))
[ أخرجه مسلم وأحمد والترمذي ]
السيدة فاطمة تقول:
(( مرَّ بي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا مُضطجِعةٌ مُتصبِّحةٌ فحرَّكني برِجلِه، ثمَّ قال: يا بُنيَّةُ قُومي اشهَدي رِزقَ ربِّك، ولا تكوني من الغافلين، فإنَّ اللهَ يقسِمُ أرزاقَ النَّاسِ ما بين طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشَّمسِ))
مرةً كان ينبغي أن ألتقي مع إنسان، قال لي: الساعة السادسة صباحاً في مكتبه، لفت نظري الساعة السادسة صباحاً! هذا وقتٌ لم يألف الناس أن يلتقوا به، قال لي: أنا كنت صغيراً وكان أبي يوقظني لصلاة قيام الليل كل يوم، فألِفت هذه العادة، أنا قبل الفجر بساعةٍ أستيقظ وأبقى إلى المساء وأنام باكراً.
لو أخذ إنسانٌ قراراً بالسَهَر، قيل وقال، وكلامٌ فارغ، وغيبة، ونميمة حتى الساعة الواحدة ليلاً، في معظم الأيام تفوته صلاة الفجر، وإذا إنسان فاتته صلاة الفجر:
(( ذُكِرَ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَجُلٌ، فقِيلَ: ما زَالَ نَائِمًا حتَّى أَصْبَحَ، ما قَامَ إلى الصَّلَاةِ، فَقالَ : بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنِهِ ))
وفي حديثٍ يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إذا صَلَّيْتُمُ الفجرَ فلا تَنامُوا عن طلبِ أرزاقِكم ))
[ أخرجه الطبراني كما في الجامع الصغير ]
(( إنَّ هذِهِ الأُمَّةُ بورِكَ لَها في بُكورِها ))
والدعاء النبوي:
(( اللهمَ باركْ لأمتي في بكورِها، قال: وكان إذا بعث سريةً أو جيشًا، بعثهم أولَ النهار، وكان صخرُ رجلًا تاجرًا، وكان إذا بعث تجارةً بعثهم أولَ النهارِ، فأثرى وكثر مالُه ))
[ أخرجه أبو داوود والترمذي وابن ماجه ]
(( لا تَناموا عن طلَبِ أرزاقِكُم فيما بينَ صلاةِ الفجرِ إلى طُلوعِ الشَّمسِ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
(( باكروا في طلبِ الرزقِ والحوائجِ فإنَّ الغدو بركةٌ ونجاحٌ ))
[ أخرجه ابن حبان والطبراني ]
أيُّها الإخوة: بندٌ آخر من أسباب زيادة الرزق التوسعة على الأهل، التوسعة على العيال أحد أسباب زيادة الرزق، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( يا زُبَيْرُ إن مفاتيحَ الرزقِ بإِزَاءِ العرشِ، يُنْزِلُ اللهُ للعبادِ أرزاقَهم على قَدْرِ نفَقَاتِهِم، فمن كَثَّرَ كُثِّرَ له، ومن قَلَّلَ قُلِّلَ له ))
الذي يوسِّع على من حوله يوسِّع الله عليه، الذي يتولى ما تحتاجه أخواته الفقيرات يوسِّع الله عليه، الذي يتولى جيرانه يوسِّع الله عليه، الذي يتولى الفقراء والمساكين يوسِّع الله عليه، بقدر ما تُنفِق يأتيك الرزق، تُضيِّق يُضيَّق عليك، توسِّع يُوسَّع عليك.
الله عزَّ وجل يرزق عباده على قدر نفقاتهم:
(يُنْزِلُ اللهُ للعبادِ أرزاقَهم على قَدْرِ نفَقَاتِهِم، فمن كَثَّرَ كُثِّرَ له، ومن قَلَّلَ قُلِّلَ له) .
والحديث القدسي:
(( قالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وقالَ: يَدُ اللَّهِ مَلْأَى لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ: أرَأَيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ؟! فإنَّه لَمْ يَغِضْ ما في يَدِهِ، وكانَ عَرْشُهُ علَى الماءِ، وبِيَدِهِ المِيزانُ يَخْفِضُ ويَرْفَعُ.))
(لا تَغِيضُها) أي لا تنقصها.
حديثٌ آخر:
(( عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عن الزبير إمساكٌ، فأخذ بعمامته فجذبها إليه وقال: يا ابن العوام أنا رسول الله إليك وإلى الخاص والعام، يقول الله عز وجل: أنفِق أُنفِق عليك ولا ترد فيشتد عليك الطلب، إن في هذه السماء باباً مفتوحاً ينزل منه رزق كل امرئٍ بقدر نفقته أو صدقته ونيته، فمن قلَّل قلَّل عليه ومن كثَّر كثَّر عليه، فكان الزبير بعد ذلك يعطي يميناً وشمالاً ))
[ أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ]
وفي حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن عمران بن حصين قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم عمامتي من ورائي، فقال: يا عمران إن الله عز وجل يحب الإنفاق ويبغض الإقتار، فأنفِق وأطعِم ولا تقتر فيعسر عليك الطلب، واعلم أن الله عز وجل يحب البصر النافذ عند مجيء الشبهات، والعقل الكامل عند نزول الشهوات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية ))
وعن عليٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( السَّخَاءُ شجرةٌ من أشجارِ الجنةِ أغصانُها مُتَدَلِّيَاتٌ في الدنيا، فمَن أخذ بغُصْنٍ منها قاده ذلك الغُصْنُ إلى الجنةِ، والبُخْلُ شجرةٌ من أشجارِ النارِ أغصانُها مُتَدَلِّيَاتٌ في الدنيا، فمَن أخذ بغُصْنٍ منها قاده ذلك الغُصْنُ إلى النارِ ))
(أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) .
(( أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم دخل على بلالٍ وعنده صُبْرَةٌ من تَمْرٍ، فقال: ما هذا يا بلالُ؟! قال: شيءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ، فقال: أَمَا تَخْشَى أن تَرَى له غَدًا بُخَارًا في نارِ جهنمَ يومَ القيامةِ؟! أَنْفِقْ بلالُ ! ولا تَخْشَ من ذِي العرشِ إِقْلالً ))
[ أخرجه الطبراني والبيهقي ]
أيُّها الإخوة: عندنا بندٌ آخر حُسُن الخُلق أحد أسباب زيادة الرزق، وقد قيل: "حُسن الخُلُق وكفُّ الأذى يزيدان في الرزق" الحليم مرزوق، العفوّ مرزوق، الكريم مرزوق، المُنصِف مرزوق.
وعن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( إذَا أرادَ اللهُ بقومٍ نماءً رزقَهُمُ السماحةَ والعفافَ، وإذا أرادَ بقومٍ اقتِطَاعًا فتحَ عليهمْ بابَ خيانةٍ ))
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)﴾
أيُّها الإخوة: الأمانة تَجرُّ الرزق، دققوا هذا قانون: الأمين موثوق يتمنّى الناس أن يشاركونه،

يعطيه الناس أموالهم ليتَّجِر بها، أكبر ثروةٍ تملكها على الإطلاق أن تكون أميناً، أمانتك سبب وفرة الرزق.
في حديثٍ آخر:
(( من قرأ القرآنَ فهو غنيٌّ لا فقرَ بعدَه، والأمانةُ غِنَى ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
بالمعنى المادي، بحقل الأعمال التجارية الموظف الأمين مطلوب، وراتبه مرتفع، ومركزه قوي وينمو باستمرار (الأمانةُ غِنَى) .
الوفاء والصدق يجُرّان الرزق، إذا شخص يعمل بشركة، وهو وفيٌّ لصاحب الشركة، لم يُضيِّع وقت الدوام إطلاقاً، الوفاء والصدق يجُرّان الرزق (الأمانةُ غِنَى) .
(( مَن حُرِمَ الرِّفْقَ حُرِمَ الخَيْرَ، أوْ مَن يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ ))
وهذا الكلام موجهٌ للشباب: بندٌ سابعٌ من بنود هذه الخُطبة أنَّ النِكاح أحد أسباب زيادة الرزق، وقد لا يفهم الإنسان هذا المعنى، هو بضائقة.
دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ
هو بضائقة، أنت حينما تطلب العفاف، الله عزَّ وجل يفتح لك أبواب الرزق، يأتيك رزقك ورزق حليلتك، الأدلة:
يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عباس:
(( التَمِسوا الرِّزقَ بالنِّكاحِ ))
أنت حينما تُفكِّر أن تتزوج امرأةً صالحة تسترها وتجبر خاطرها، أنت الآن مرزوق.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام:
(( تَزوَّجوا النِّساءَ،فإنَّهنَّ يأتينَكم بالمالِ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
يعني تأتي ومعها رزقها.
(( عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة، فأمره أن يتزوج ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
وعن عُمرٍ رضي الله عنه قال: "عجِبت لرجُلٍ لا يطلب الغِنى بالباءة" أي بالزواج، والله تعالى يقول: دققوا الآن وافهموها فهماً خاصاً هذه الآية:
﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)﴾
(إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ) قبل الزواج، (يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) بعد الزواج.
حق المسلم على الله أن يرزقه إذا طلب العفاف:
في الجامع الصغير عدة أحاديث تبدأ بكلمة حقّ، حقّ الوالد على ولده،

حقّ الولد على أبيه، حقّ الزوجة على زوجها، حقّ الزوج على زوجته، حقّ المسلم على المسلم، أحاديثٌ كثيرة لكن هناك حديثٌ واحد إذا قرأه الشاب ينبغي أن يقشعر جلده، قال عليه الصلاة والسلام:
(( ثلاثةٌ حقٌّ على اللَّهِ عونُهُم: المُجاهدُ في سبيلِ اللَّهِ، والمُكاتِبُ الَّذي يريدُ الأداءَ، والنَّاكحُ الَّذي يريدُ العفافَ ))
[ أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد وابن ماجه ]
يقول سيدنا أبو بكرٍ رضي الله عنه: "أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح" أنت حينما تتزوج تُطيع الله، الدليل: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ) .
من وثق بالله عزَّ وجل رزقه الله من حيث لا يعلم:
أمرٌ إلهي، تزوجوا أيُّها الشباب، أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، يُنجِز لكم ما وعدكم به من الغِنى، قال تعالى: (إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) .
وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة فأمره أن يتزوج:
(( ثلاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ ثِقَةً باللهِ واحتسابًا كان حقًّا على اللهِ أن يعينَهُ وأنْ يُبَارِكَ له مَنْ سَعَى في فِكاكِ رقبةٍ ثِقَةً باللهِ واحْتِسَابًا كان حقًّا على اللهِ أن يُعِينَهُ، وأنْ يبارِكَ لَهُ، ومَنْ تَزَوَّجَ ثِقَةً بِاللهِ واحتسابًا كان على اللهِ أنْ يُعِينَهُ وأنْ يبارِكَ لَهُ ومَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ثقةً باللهِ واحتسابًا كان حقًّا على اللهِ أنْ يُعِينَهُ وأنْ يبارِكَ لَهُ ))
[ أخرجه الطبراني والبيهقي ]
يقول لك: ما عندي بيت، ليس لدي عمل، كيف أُقدِم على الزواج؟ نقول لك: أقدِم على الزواج (ثِقَةً بِاللهِ) كل هذه الأحاديث وتلك الآية ينبغي أن تكفيك أن تثق بالله (ومَنْ تَزَوَّجَ ثِقَةً بِاللهِ واحتسابًا كان على اللهِ أنْ يُعِينَهُ وأنْ يبارِكَ لَهُ ومَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً ثقةً باللهِ واحتسابًا كان حقًّا على اللهِ أنْ يُعِينَهُ وأنْ يبارِكَ لَهُ) .
صار عندنا مجموعةٌ من الأحاديث.
عليك بذات الدين تربت يداك:
أمّا مَن تتزوج؟ حديثان: يقول عليه الصلاة والسلام:
(( إذا تزوَّج الرَّجلُ المرأةَ لدينِها وجمالِها كانَ فيه سدَادٌ من عِوَزٍ ))
بدأ بدينها والجمال مطلوب (كانَ فيه سدَادٌ من عِوَزٍ) .
أمّا الحديث الذي يقصِم الظَهر:
(( مَنْ تزوَّجَ امرأةً لعزِّها لم يزدْه اللهُ إلا ذُلًّا، ومَنْ تزوَّج امرأةً لمالِها لم يزدْه اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إلا فقرًا، ومن تزوَّج امرأةً لحُسنِها لم يزدْه اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إلا دَناءةً، ومن تزوَّج امرأةً لم يتزوجْها إلا ليغضَّ بصرَه أو يحصِّنَ فرجَه، أو يصلَ رحِمَه، بارك اللهُ له فيها وباركَ لها فيه ))
[ أخرجه الطبراني وابن حبان ]
(( تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأرْبَعٍ: لِمالِها، ولِحَسَبِها، وجَمالِها، ولِدِينِها، فاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَداكَ ))
أيُّها الإخوة الكرام: هذه بنودٌ سبعة في زيادة الرزق، وأرجو أن يكون هناك خُطبتان حول هذا الموضوع المُتسلسل، فإذا جمعنا هذه الموضوعات كلها، أعتقد أكثر من اثني عشر موضوعاً، نكون قد عرفنا كيف يزداد الرزق، وهذه وعودٌ إلهية، وزوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، وعلى صحابته الغُرِّ الميامين، أُمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
الفرق بين عبادة الهوية وعبادة الظرف:
أيُّها الإخوة الكرام: في موضوع العبادة كنت أذكُر كثيراً أن هناك عبادة الهوية،

الغني له عبادة، والعالِم له عبادة، والقوي له عبادة، والمرأة لها عبادة، هذه عبادة الهوية، وهناك عبادة الظرف، عندك مريض فالعبادة الأولى العناية بالمريض، عندك ضيف العناية الأولى إكرام الضيف، عندك ابنٌ عنده امتحان، أتمنّى على الأُسَر الواعية أن تلغي أكثر برامجها في هذا الشهر، زياراتٌ طويلة، وسهراتٌ مديدة، واحتفالاتٌ وولائم، أَوقفوا هذه النشاطات، وهيئوا أجواء لأولادكم، كونوا ساهرين على دراستهم وعلى توفير الأجواء لهم، أخفِضوا كل صوتٍ يُزعجهم، هذه حضارة، الأمة بشبابها، الأُمة بعلمائها، امتحان الشهادة الثانوية، امتحان الشهادة الإعدادية، امتحانات الجامعة، هذا الطالب مستقبله بنجاحه، علامةٌ واحدة يمكن أن يكون في دمشق مع أهله والإنفاق صفر، فأصبح بحلب، يحتاج إلى نفقات مواصلات، واستئجار بيت، علامةٌ واحدة، فأنا أرى من باب عبادة الظرف، هذا الشهر لو تُجمَّد الولائم والسهرات واللقاءات والنُزهات، ويُهيأ لأولادنا وشبابنا الأجواء الدراسية.
على كل شخص أن يُهيئ لأولاده جواً دراسياً لأن أولادنا أمل الأمة:
وهذا الذي يخشى الله ويُحب الله، أو عنده سلوكٌ حضاري، ليُغلِق كل أجهزة المذياع والتلفزيون،

يعني صوتٌ لا يصل إلى أي مكانٍ آخر، أمّا هذا الذي يترنَّم بأُغنيةٍ يُحبها أين هو؟ هذا الذي يتغنَّى بغير القرآن، لا يستمِع فقط يُريد أن يُسمِع! أحياناً هناك احتفالاتٌ تبقى للساعة الرابعة صباحاً، يأتون بفرقٍ موسيقيةٍ ومُغنياتٍ أصواتهم تصِل لخمسمئة متر لا أحد ينام، هذا سلوكٌ غير حضاري، همَجي، غير إسلامي، غير أخلاقي، هناك مريضٌ، هناك مُتألمٌ، هناك طالبٌ يدرس، أنا أتمنّى في هذا الشهر القادم أن تُعدَّل برامج الأُسر تعديلاً جذرياً، أن نُهيئ لطلابنا، قد يقول أحدكم: أنا ما عندي أولاد عندهم امتحان، والجيران؟ هذا الجار أليس له حقٌّ عليك؟ عنده ولدان الأول في الصف التاسع والثاني بكالوريا أليس له حقٌّ عليك؟ ما عندك شيء غير ممكن، صوتٌ مرتفع ومذياعٌ ومسلسلات للساعة الثانية ليلاً وأنت مرتاح!! هذا لا يجوز يا إخوان.
فأتمنّى أن تُهيئوا لأولادكم في هذا الشهر جوٌّ دراسي، أحياناً هناك مشكلاتٌ تحدث في البيت لو تؤجَّل إلى بعد الامتحان.
ابنك مُلك الأُمة والأُمة بحاجة إليه:
إذا نشِبَ خلافٌ حاد بين الزوج وزوجته في أيام الامتحان، صدِّقوا قد ينال الابن علامات أدنى بكثير لأنه مُشوَّش، مُضطرب، هذه أُمه وهذا أبوه، فإذا كان هناك خلافاتٌ عائلية، لقاءاتٌ حميمة، هناك سهرات، ندوات، هناك مشاريع، هناك ولائم، هذا كله جَمِّده لأنَّ ابنك أَولى، ابنك مُلك الأُمة والأُمة بحاجةٍ إليه، بحاجة إلى ابنٍ متفوقٍ، أنا أقول دائماً: كما أنَّ الأُمة بحاجةٍ إلى من يموت في سبيلها، أُقسِم لكم بالله هي في أمسِّ حاجةٍ إلى من يعيش في سبيلها، المعركة حضارية، معركة نكون أو لا نكون.
لمّا الابن تُهيئ له جواً دراسياً جيداً، ويأخذ علامات عالية، يدخل فرعاً محترماً، فرعاً يُدرّ عليه رزقاً وفيراً وينفَع أمته به، تكون أنت في هذا الشهر ضبطت أمورك وجَمَّدت نشاطاتك، أوقفت حفلاتك مراعاةً لابنك وهو أثمن شيءٍ في حياتك، وأنا أتألم أشدَّ الألم حينما أرى تفلُّتاً في فتح المذياع، وفتح الأغاني، وفتح المسلسلات إلى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل، أو أنَّ احتفالاً أو عُرساً أو حفلة خِطبة للساعة الواحدة ليلاً، فِرق النشيد لمئتي مترٍ يصل صوتها، هناك بيوت، طبعاً في العالم الآخر الغربي تشعُر أنه لا يوجد إنسان، تكون الساعة الثامنة صباحاً والطرقات ممتلئة بلا صوت، إطلاق بوق السيارة فيه مؤاخذة كبيرة جداً، جو الصخَب جوٌّ همَجي، جو الهدوء جوٌّ حضاري، جوُّ إسلامي، الهدوء والسكينة، أتمنّى عليكم من أعماقي، تقول لي: ما عندي ولدٌ في المدرسة، لكن غيرك عنده، جارك عنده خمسة أولاد عندهم امتحان، فهذا الشهر شهر دراسة، وأنت من عبادة ربِّك حينما توفِّر لأولادك أو لأولاد جيرانك جواً مناسباً للدراسة.
الاهتمام بالشباب في المرتبة الأولى:
أنا معلوماتي الدقيقة أنَّ آلاف الطلاب يرسبون لأنهم تأخروا عن الامتحان، لماذا تأخروا؟ أهلهم نائمون، والابن درس دراسةً مطوّلة حتى الساعة الثانية ليلاً، ما استيقظ صباحاً، فخسر العام الدراسي كله، يجب أن يكون الأهل يقظين هُم يوقظونه، يُهيئون له الطعام المناسب، حاجاته الأساسية، يوصلونه إلى الامتحان بسيارتهم، هذا الذي أتمنّاه عليكم أن تعتنوا بأولادكم.
بصراحةٍ لم يبقَ في أيدي المسلمين من ورقةٍ رابحةٍ إلا أولادهم، والأولاد هُم المُستقبل، والأولاد يحتاجون إلى أعمالٍ، وإلى بيوتٍ، وإلى زوجاتٍ، والشباب يجب أن يكون الاهتمام بهم في المرتبة الأولى.
أيُّها الإخوة الكرام إني داعٍ فأمِّنوا:
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ مَن واليت ولا يعزُّ مَن عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا.
اقسِم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِّغنا بها جنَّتك، ومن اليقين ما تُهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا، وانصُرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علِّمنا، ولا تُسلِّط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا مولانا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعزَّ المسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق