وضع داكن
13-01-2026
Logo
الخطبة : 1075 - أسباب زيادة الرزق12 ، الهجرة - الإعجاز العلمي في السنة - الشمس
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُر الميامين، أُمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.
 اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

أسباب زيادة الرزق : 


1 ـ الهجرة:

أيُّها الإخوة: لازلنا في موضوع أسباب زيادة الرزق، ولعلَّ هذا الموضوع هو الموضوع الأخير، في مقدمة فقرات هذا الموضوع موضوع الهجرة، يعني أن تسافر، أن تترك بلداً إلى بلدٍ آخر، فالإنسان قد يسافر بحثاً عن الرزق وهذا سفرٌ مشروع، وقد يسافر فِراراً بدينه وهذا عملٌ عظيمٌ يؤجَر عليه الإنسان، بل ينجو بهذا العمل من عذاب الله يوم القيامة لقوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)﴾

[ سورة النساء  ]

شيءٌ مخيف، يعني أنت من أجل المال تبقى في مكانٍ تخسر أولادك، تخسر أهلك، تخسر بناتك، من أجل المال.

أشقى الناس من حصّل أكبر ثروة و خسر أولاده: 


أيُّها الإخوة: لو حصَّل الإنسان أكبر ثروةٍ في الأرض وخسر أولاده فهو أشقى الناس، أولادك امتدادٌ لك، لذلك حينما تترُك مكاناً تتحقق فيه مصالحك، وتنمو فيه أموالك، وأنت في قمة النجاح لكنك خفت على أولادك.

(( أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلم بعثَ سريَّةً إلى خثعمٍ فاعتصمَ ناسٌ بالسُّجودِ فأسرعَ فيهمُ القتلُ فبلغَ ذلِكَ النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم فأمرَ لَهم بنصفِ العقلِ وقالَ: أنا بريءٌ من كلِّ مسلِمٍ يقيمُ بينَ أظْهُرِ المشرِكينَ، قالوا يا رسولَ اللَّهِ ولَمَ قالَ لاَ تراءى ناراهما ))

[ أخرجه أبو داوود والترمذي ]

وأنا سافرت كثيراً، حينما أُخاطب هؤلاء الذين أقاموا إقامةً دائمةً في بلاد الغرب، حينما أذكُر لهم أولادهم تتقطع نياط قلوبهم.
مرةً كنّا في مؤتمرٍ في بلاد الغرب وقام أحد العلماء وقال: إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك مسلماً فلا ينبغي أن تبقى في هذه البلاد، أي ثلاثة أجيال، ثمّ عُقد مؤتمرٌ للأطباء في دمشق والمؤتمِرون جميعاً من أمريكا، أطباءٌ سوريون مُقيمون هناك، أحدهم زوَّج ابنته وأجرى عقد قرانٍ ودعاني لحضوره، وألقيت فيه كلمةً ذكرتُ أمام هؤلاء المئة المؤتمِرين بمؤتمرٍ طبي، هذه المقولة التي قالها بعض العلماء، فبعد أن انتهيت من إلقاء كلمتي وانتهى الحفل، تقدَّم أحد الأطباء ودمعةٌ على خدِّه قال لي: ابن ابن ابني؟ قلت له نعم، قال: أنا ابني غير مسلم، لا داعي أن تقول ابن ابن ابني، ابني ليس مسلماً.

من هاجر في سبيل الله وعده الله عزَّ وجل بمكافأةٍ كبيرة: 


لذلك الإنسان حينما يكون في بلدٍ مصالحه مُحقَّقة، دخله وفير، أنا أقول دائماً على الشبكية إذا كان هناك جنَّةٌ في الدنيا على الشبكية فقط هي هناك، ومع ذلك لو وصلت هذه الصورة إلى الدماغ، لأصبحت هذه البلاد جحيماً لا يُطاق، لأنَّ الإنسان يخسر فيها أهله وأولاده، أنا لا أقول بالتعميم المُطلَق، لا بُدَّ من حالاتٍ استثنائيةٍ نادرةٍ جداً لا تزيد عن ثلاثةٍ بالمئة، لذلك الله عزَّ وجل وعد من هاجر في سبيل الله فِراراً بدينه، وحِفاظاً على إيمان أولاده، وحِفاظاً على بناته، وحِفاظاً على مستقبلهم، وعاد إلى بلدٍ قد يكون بلداً نامياً فيه مشكلاتٌ لا تُعد ولا تُحصى، الدخل قليل، المتاعب كثيرة، هذا شأن البلاد النامية، الذي يعود إلى بلده ليُقيم فيها، ويحفظ أولاده، وأهله، وبناته، له عند الله مكافأةٌ وردت في هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100)﴾

[ سورة النساء ]

أي يكافئه الله عزَّ وجل بثروةٍ طائلة وبدخلٍ كبير.

العاقل من وازن بين الدنيا والآخرة لا بين بلاده والبلاد الأُخرى:


فأحد أسباب زيادة الرزق، أن تدَع بلداً لا تستطيع أن تُقيم فيه شعائر الله، إلى بلدٍ يمكن أن تُقيم فيه شعائر الله، وأنا أقول لأخوتي الكرام، الذين أرادوا أن يُقيموا إقامةً دائمةً في بلاد الغرب لا توازن بين تلك البلاد وبين بلادك النامية، وازن بين الدنيا والآخرة، أنت حينما ترى ابنك صالحاً يؤدّي الصلوات، يعتز بدينه، يُعظِّم كتاب الله، ينتمي إلى هذه الأمة، أنت يدخُل على قلبك من السرور ما لا يوصف، فلذلك الحديث الشريف له عدة روايات من هذه الروايات: (أنا بريءٌ من كلِّ مسلِمٍ يقيمُ بينَ أظْهُرِ المشرِكينَ) .
أقول لكم: أنا سافرت كثيراً، الحياة هناك أقوى من أيُّ دعوةٍ إلى الله، أينما ذهبت التفلُّت والتعرّي والإباحية وكأن البشر عاشوا كالحيوانات، وما من تعريفٍ جامعٍ مانعٍ لكلمة العولمة، كأن تقول معناها الحيونة، أن يعود الإنسان إلى حيوانيته، الشيطان يُعرّي والرحمن يستُر.

﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)﴾

[ سورة الأعراف ]

أمّا الشيطان:

﴿ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)﴾

[ سورة الأعراف ]


من عاد إلى بلده بعدما كان في رفاهٍ لا يوصف حفاظاً على دينه وأولاده ربح كل شيء: 


فلذلك أيُّها الإخوة: أنت حينما تكون في بلادٍ فيها رفاهٌ لا يوصف، وفيها دخولٌ فلكية، وفيها استقرار، وفيها حرية، وفيها ديمقراطية كما يزعمون، وجميع مصالحك مُحقَّقة، وبلادٌ جميلةٌ جداً كأنها جنَّةُ الله في الأرض، حينما تضع تحت قدمك كل هذه الخصائص، وتعود إلى بلدٍ ينمو، فيه صعوبات، فيه أزمات سكن، فيه أسعارٌ مرتفعة، فيه فُرص العمل قليلة، وتعود إلى هذه البلاد من أجل إرضاء الله، ومن أجل إنقاذ أولادك، مكافأة الله كبيرة، قال: (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ) .
والله أيُّها الإخوة: خلال لقاءاتي الكثيرة مع أفراد الجاليات الإسلامية في بلاد الغرب والشرق، سمعت العجَب العُجاب، حتى إنَّ بعض الجاليات حينما ودَّعتني قالت لي: أبلِغ إخوتنا في الشام أنَّ مزابل الشام خيرٌ من جنَّات أستراليا، قلت لِمَ؟ قال: لأنَّ ابنك في الشام امتدادٌ لك أنت مسلم وابنك مسلم، لكن أولادنا ونحن في أعلى درجات اليقظة، احتمال أن يعتنقوا الإلحاد خمسون بالمئة، واحتمال أن ترى في آذانهم قِرطاً في الأُذن اليمين والمعنى سيء جداً، خمسين بالمئة، أو أن ترى في الأُذن اليسار قِرطاً والمعنى أسوأ خمسون بالمئة، وأن ترى في كلا الأُذنين قِرطين فالمعنى أسوأ وأسوأ شاذّون، هذا كلام أخٍ كريمٍ غيور قال لي: أبلِغ إخوتنا في الشام هذه الحقيقة.

من أقام في بلد يستطيع أن يقيم فيه شعائر الله فقد ربح الدنيا والآخرة معاً: 


أيُّها الإخوة الكرام: أقِم في بلدٍ تستطيع أن تُقيم فيه شعائر الله، أقِم في بلدٍ تستطيع أن تُصلّي في المسجد، وأن تستمتِع إلى خطابٍ دينيٍ يملأ عقلك وقلبك، أقِم في بلدٍ تستطيع أن تُحجِّب بناتك ولا أحد يُسائلُك، أقِم في بلدٍ مَن حولك على شاكلتك، أخوك وأختك، وابن أخيك، وابن أختك، وخالك، وعمَّك، مسلمون يُصلّون، نساؤهم مُحجَّبة، يؤمنون بالله.
والله حدَّثني أخٌ من أُستراليا، أقسَم لي بالله أنَّ التقليد هناك، المُتزمِّت الذي يعيش وراء العصر، إن رأى ابنته تتزين في أحد الأيام ينصحها بألّا تحمل فقط، إلى هُنا وصلوا، وصلوا في الغرب إلى الشذوذ الذي أقرَّته القوانين، مَن يُصدِّق أنَّ سفير أحد أكبر الدول في العالم له شريك وليس له زوجة، وأُقيم له حفل وداعٍ في عاصمة بلده هو وشريكه، يعني الشذوذ دخل في الاعتراف القانوني، فنحن في بلادٍ لا تعرفون فضلها إلا إذا غادرتموها، على الشبكية هناك متاعبٌ كثيرة، أمّا لو وصلتم إلى بلادٍ بعيدة ترون المجتمع كالحيوانات تماماً، يأكُل ويشرَب ويتمتَّع، لكن في بلادنا هناك إنسانٌ معه رسالةٌ يسعى لهداية أولاده، يسعى لهداية جيرانه، يسعى لهداية الخلق، غيورٌ على هذا الدين، هذه نعمةٌ لا يعرفها إلا من فقدها.

العاقل من ترك بلداً تتحقق فيه مصالحه إلى بلدٍ يستطيع أن يُقيم فيه شعائر الله: 


فيا أيُّها الإخوة: أحد أول وأكبر أسباب زيادة الرزق، أن تدَع بلداً تتحقق فيه مصالحك، إلى بلدٍ تستطيع أن تُقيم فيه شعائر الله، هذه هجرةٌ في سبيل الله، وصدِّقوا أيُّها الإخوة، أنَّ أحد الإخوة الكرام الذين كانوا يُقيمون في بريطانيا قال لي: أنا عُدت إلى هذا البلد وضمنت أولادي، وزوجته داعية والله عزَّ وجل وفَّقه، قال لي: لي زميلٌ بقيَ هناك، حينما شبَّت بناته عن الطوق وتفلَّتنَ كشأن المجتمعات هناك، وقفت الأُم إلى جانب بناتها واختلفت مع زوجها، الخلاف تفاقم إلى أن ترك البيت وعاش وحده في بيت، كان يزوره من حينٍ إلى آخر، قال لي: مرةً رأيت قارورة حليبٍ أمام البيت لم تؤخذ، في اليوم الثاني زرته قَلقَاً عليه رأيت قارورتين، في اليوم الثالث أخبرت الشرطة فإذا هو ميتٌ من أيامٍ ثلاثة، مات وحده، قال لي: أنا عدت إلى هذه البلد، وزوجته داعية، وأولاده زوَّجهم، أولاده مُستقيمون والحمد لله، ما مِن إنسانٍ رجع إلى بلده إنقاذاً لأولاده وإنقاذاً لمستقبلهم، إلا أكرمه الله عزَّ وجل بعملٍ ورزقٍ وفير.
أحد أسباب زيادة الرزق: أن تُهاجر من بلدٍ حُقِّقَت فيه مصالحك، إلى بلدٍ لا تعرف ما إذا كنت توفَّق إلى عملٍ أو إلى غير عمل. 

2 ـ ازدياد الرزق بطلب العِلم:

أيُّها الإخوة الكرام: شيءٌ آخر الرزق يزداد بطلب العِلم، سمعت من أحد العلماء ولم أقرأ ذلك، أنَّ الذي حمل أبا حنيفة النُعمان على طلب العِلم، حديثاً وصل إليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه:

(( من طلب العلمَ تكفَّل اللهُ برزقِه ))

[ الألباني السلسلة الضعيفة ]

هذا الحديث ورد في مُسند الشهاب، وقال المناوي في فيض القدير يجوز الاحتجاج به.
أنت حينما تطلُب العِلم وتقتطع من وقتك الثمين وقتاً لطلب العِلم، حينما تحضُر درس عِلمٍ، حينما تقرأ كتاب في الفقه، حينما تحفظ كتاب الله، حينما تلتزم في مسجد، هذا وقتٌ أنت اقتطعته من وقت فراغك، من وقت راحتك، مكافأة الله عزَّ وجل على من طلب العِلم أن يوسِّع الله عليه في رزقه، هذا الحديث: (من طلب العلمَ تكفَّل اللهُ برزقِه) .
هذا سببٌ آخر، الهجرة في سبيل الله تزيد في الرزق، وطلب العِلم يزيد في الرزق، وعن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( من غدا في طلب العلم، صلَّت عليه الملائكة وبورك له في معيشته ولم ينقص من رزقه وكان عليه مباركاً ))

[ الألباني السلسلة الضعيفة ]


من طلب العلم تكفَّل الله برزقه:


الله عزَّ وجل حينما تطلب العِلم يُكافئُك بمكافأةٍ أُخرى، يسمح لك بإلقاء العِلم، يجعلك داعيةً، يُقنِع الناس بدعوتك، تكون في حالٍ ثم تُصبِح في حالٍ آخر (من طلب العلمَ تكفَّل اللهُ برزقِه) و (من غدا في طلب العلم صلت عليه الملائكة وبورك له في معيشته) .
دققوا:

(( مَن أحَبَّ اللهَ أحَبَّ القرآنَ، ومَن أحَبَّ القرآنَ أحَبَّني، ومَن أحَبَّني أحَبَّ أصحابي وقَرابَتي، ومَن أحَبَّ اللهَ أحَبَّ المَساجِدَ، فإنَّها أَفْنيةُ اللهِ، وأبنيَتُه، أذِنَ اللهُ تَعالى في رَفْعِها، وبارَكَ فيها، مُبارَكةٌ مُبارَكٌ أهلُها، مَيْمونةٌ مَيْمونٌ أهلُها، مَحفوظةٌ مَحفوظٌ أهلُها، هُم في مَساجِدِهم، واللهُ في حَوائجِهم، وهم في صَلاتِهم وفي ذِكرِ رَبِّهم، واللهُ مُحيطٌ مِن وَرائِهم، ومُتَكَفِّلٌ بأَرْزاقِهم ))

[ أخرجه ابن حبان في المجروحين والشجري في ترتيب الأمالي ]

ألا تُحب أن يتولى الله لك أمرك؟ (هُم في مَساجِدِهم، واللهُ في حَوائجِهم) ، (من غدا في طلب العلم، صلَّت عليه الملائكة وبورك له في معيشته ولم ينقص من رزقه وكان عليه مباركاً) .

(( وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من تفقَّه في دين الله كفاه الله همّه، ورزقه من حيث لا يحتسب ))

[ أخرجه أبو نعيم في ''مسند أبي حنيفة'' ]

وعندي والله مئات القصص تؤكِّد هذه الحقيقة (من طلب العلمَ تكفَّل اللهُ برزقِه) إذاً إذا هاجرت في سبيل الله من أجل إنقاذ نفسك وأهلك وأولادك أو إذا طلبت العلم.
أيُّها الإخوة: أمّا الحديث القدسي الذي ينبغي أن تقشعر منه الأبدان: 

(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعطي السائلينَ ))

[ ابن حبان "المجروحين"  ]

وقد وَرَدَ في الأَثَرِ كما ذَكَرَهُ ابنُ القَيِّمِ في مَدَارِجِ السَّالِكِينَ: أَوحَى اللهُ إلى مُوسَى: " كُنْ لي كَمَا أُريدُ، أَكُنْ لَكَ كَمَا تُريدُ، كن لي كما تريد ولا تُعلمني بما يُصلحك"
يُروى أنَّ الله تعالى قال لداوود: " يا داوود، أنت تُريد وأنا أُريد، ولا يكون إلا ما أُريد، فإن سلّمت لما أُريد كفيتك ما تُريد، وإن لم تُسلِّم لما أُريد أتعبتك فيما تُريد، ثم لا يكون إلا ما أُريد" .

3 ـ الإنفاق على طلاب العلم:

أيُّها الإخوة: من أسباب زيادة الرزق أن تُنفِق على طلاب العِلم، وهذه البلدة والله لا أُبالغ هي البلدة الأولى التي ترعى طلاب العِلم.

من كان له شريك متفرغ للدعوة إلى الله وأتاح له أن يطلب العِلم فله نصف الأجر: 


لذلك أحد أسباب زيادة الرزق أن تُنفِق على طلاب العِلم، وعندي قصة والله سمعتها قبل أيام لا أزال أذكرها في كل دقيقة، أخٌ كريمٌ أنشأ ثانويةً شرعيةً أنفق عليها من ماله لسنواتٍ طويلة، رزقه الله رزقاً غطّى كل هذه النفقات، بل أضعاف مضاعفة منها، أحد أسباب زيادة الرزق أن تُنفِق على طلاب العلِم.
طالبٌ من الطلاب في هذا المسجد، الله أكرمني واعتنيت به، حضرت مؤتمراً في القاهرة، مؤتمراً إسلامياً كبيراً، وألقيت كلمة هذا البلد الطيِّب، فإذا هو إلى جواري مندوب دولة غينيا، كان طالباً من طلاب العِلم هُنا، عاد إلى بلده يحمل دكتوراه، وارتقى إلى منصِبٍ رفيع، وعيَّنته حكومته مندوباً لبلدها في هذا المؤتمر.
أنت إذا أنفقت على طلاب العِلم، الله عزَّ وجل يكافئُك في الدنيا قبل الآخرة، طالب العِلم من إفريقيا، من آسيا، من تركيا، من بلادٍ فقيرة، إذا أسكنته في غرفةٍ وأكرمته، كان الأجر معقول أو أقل من المعقول، وساعدته في بعض الأثاث، كله محفوظٌ عند الله عزَّ وجل، وهذا البلد سُمَّعته طيبةٌ جداً في رعاية طلاب العِلم، الشاهد:

(( أن أخوَينِ على عهدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كان يحترفُ أحدُهما والآخرُ يلزمُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فشكا المحترفُ أخاهُ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال النبيُّ : لعلك تُرزقُ بهِ ))

[ ابن عدي الكامل في الضعفاء ]

هذا شاهد: لطالب العِلم قال لشريكه: (لعلك تُرزقُ بهِ) يعني طالب العِلم فقط يتعلَّم ليُعلِّم، يتعلَّم ليعُمّ الخير.
فلذلك إذا هناك شريكان أحدهما متفرِّغٌ للدعوة إلى الله و الثاني يعمل مكانه، الثاني له أجر، بل له نصف الأجر، لأنه أتاح للأول أن يتفرَّغ لطلب العِلم، الشاهد: (لعلك تُرزقُ بهِ) .

4 ـ إكرام الفقراء والضعفاء والمحرومين: 

الآن أول شاهد الهجرة في سبيل الله، والشاهد الثاني طلب العِلم، والشاهد الثالث الإنفاق على طلاب العِلم، والشاهد الرابع: إذا أكرمت الضعفاء والفقراء والمحرومين، يقول عليه الصلاة و السلام:

(( رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عنْه أنَّ له فَضْلًا علَى مَن دُونَهُ، فَقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلَّا بضُعَفَائِكُمْ؟! ))

[ أخرجه البخاري ]

تنصرون وترزقون، إن أردتم أن تنتصروا على مَن هو أقوى منكم، فليكن همّكم إكرام الضعفاء والفقراء.

5 ـ مُهاداة الطعام:

أيُّها الإخوة الكرام: هناك تفاصيلٌ دقيقة منها: مُهاداة الطعام، أنا أذكُر حينما كنت صغيراً، أنَّ في الأحياء عادة إسلامية راقية جداً، أنَّ هذا البيت طبخ فيُقدِّم صحناً إلى جاره، و الجار طبخ يُقدِّم صحناً إلى جاره، هذه مُهاداة الطعام، وأحياناً يلمح أهل الحي أنَّ جارهم معه ضيف، كل شخص يُقدِّم صحناً، هذا الضيف وجد أمامه أنواع منوعة من الطعام، هذا التكافُل، فلذلك ابن عباسٍ رضي الله عنه، يروي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن: 

(( تَهادُوا الطعامَ بينكم، فإنَّ ذلك توسعةً في أرزاقِكم ))

[ الألباني ضعيف الجامع ]

6 ـ المداومة على الطهارة:

آخر موضوع في هذه الموضوعات، أنَّ المُداومة على الطهارة أحد أسباب الرزق، ورد عن أحد أصحاب رسول الله أنه: 

(( جاء رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عما في الدنيا والآخرة؟ فقال له: سل عما بدا لك، قال: يا نبي الله أحب أن أكون أعلم الناس، قال: اتق الله تكن أعلم الناس، فقال: أحب أن أكون أغنى الناس، قال: كن قنعًا تكن أغنى الناس، قال: أحب أن أكون خير الناس، فقال: خير الناس من ينفع الناس فكن نافعًا لهم، فقال: أحب أن أكون أعدل الناس، قال: أحب للناس ما تحب لنفسك تكن أعدل الناس، قال: أحب أن أكون أخص الناس إلى الله تعالى، قال: أكثر ذكر الله تكن أخص العباد إلى الله تعالى، قال: أحب أن أكون من المحسنين، قال: اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: أحب أن يكمل إيماني، قال: حسن خلقك يكمل إيمانك، فقال: أحب أن أكون من المطيعين، قال: أد فرائض الله تكن مطيعًا، فقال: أحب أن ألقى الله نقيًا من الذنوب، قال اغتسل من الجنابة متطهرًا تلقى الله يوم القيامة وما عليك ذنب، قال: أحب أن أحشر يوم القيامة في النور، قال: لا تظلم أحدًا تحشر يوم القيامة في النور، قال: أحب أن يرحمني ربي، قال: ارحم نفسك وارحم خلق الله يرحمك الله، قال: أحب أن تقل ذنوبي، قال: استغفر الله تقل ذنوبك، قال: أحب أن أكون أكرم الناس، قال: لا تشكون الله إلى الخلق تكن أكرم الناس، فقال: أحب أن يوسَّع علي في الرزق، قال: دم على الطهارة يوسِّع عليك في الرزق، قال: أحب أن أكون من أحباء الله ورسوله، قال: أحب ما أحب الله ورسوله وأبغض ما أبغض الله ورسول، قال: أحب أن أكون آمنًا من سخط الله، قال: لا تغضب على أحد تأمن من غضب الله وسخطه، قال: أحب أن تستجاب دعوتي، قال: اجتنب الحرام تستجب دعوتك، قال: أحب لا يفضحني الله على رؤوس الأشهاد، قال: احفظ فرجك كيلا تفتضح على رؤوس الأشهاد، قال: أحب أن يستر الله على عيوبي قال: استر عيوب إخوانك يستر الله عليك عيوبك، قال: ما الذي يسكن غضب الرحمن؟ قال: إخفاء الصدقة وصلة الرحم، قال: ما الذي يطفئ نار جهنم؟ قال: الصوم.))

[ كنز العمال ]

أي النظافة، و لعلّي أوسِّع المعنى، النظافة المادية والمعنوية.
بيتٌ نظيف لا يوجد فيه اختلاط، ليس فيه معاصٍ، ليس فيه آثام، محلٌّ تجاريٌ نظيف، مظهره نظيف، والشباب أعفَّة، تدخُل إنسانة فيغضّون عنها البصر، لا يُحاورونها حواراً غزلياً، لا يملؤون أعينهم من محاسنها، فيه حياءٌ، فيه أدب، تؤدّى فيه الصلوات، محلٌّ نظيف بالمعنى المادي والمعنوي، محلٌّ مرزوق، بيتٌ نظيف ليس فيه لقاءاتٌ مُختلطة، لا يوجد فيه أغانٍ تصدح، لا يوجد فيه محطات فضائية فاضحة، ليس فيه غيبة، ليس فيه نميمة، بيتٌ نظيف بيتٌ مرزوق، محلٌّ نظيف محلٌّ مرزوق.
أيُّها الإخوة الكرام: بهذا تنتهي هذه السلسلة من الخُطب التي تمحّورت حول موضوعٍ واحد، وهو أسباب زيادة الرزق، هذه الأسباب بين أيديكم، وأنا لا أكتمكم أنَّ هناك أزمةٌ عالميةٌ في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والله مُفتعلة، يفتعلها العالم الغربي ليُركِّع الشعوب، ولكن المؤمن لا يركع، لا يركع مهما كان العدو قوياً، إنه يعتمد على الله عزَّ وجل.
أيُّها الإخوة الكرام: أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.
* * *

الخــطــبـة الثانية : 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، وعلى صحابته الغُر الميامين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

الشمس في مكانها والأرض تدور حولها وحول نفسها من آيات الله عزَّ وجل:


أيُّها الإخوة: استمعت اليوم إلى حديثٍ من عالِمٍ مُتخصِّصٍ بالإعجاز العلمي، لا تنسوا أنَّ البشرية جمعاء لآلاف السنين، لعشرات آلاف السنين، لمئات آلاف السنين، ترى أنَّ الشمس هي التي تتحرك، على الشبكية وفق هذه العين تُشرِق وترتفع وتغيب، أمّا بعد تقدُّم عِلم الفَلَك ووصول الإنسان إلى الفضاء، تبيَّن أنَّ الشمس في مكانها والأرض تدور حولها، تدور حول نفسها دورةً ينشأ منها الليل والنهار، وحول الشمس دورةً تنشأ من هذه الدورة الفصول الأربعة، فعلى شبكية العين الشمس تُشرِق وترتفع وتصل إلى قُبة السماء، ثم تنحرِف نحو الغرب وتغيب، مع تقدُّم عِلم الفَلَك ثبت أنَّ الشمس هي في مكانها والأرض تدور حول نفسها، أنا لا أُصدِّق أنَّ هذه الحقيقة عُرِفت إلا في زمنٍ مُتأخرٍ قبل خمسين عاماً.
الأرض تدور فإذا وصلت إلى مكانٍ تُقابِل الشمس يقول أهل هذا البلد أشرقت، وإذا وصلت إلى مكانٍ تغرب فيه الشمس يقولون غربت، والشمس هي هي.

الإعجاز العلمي في السُنَّة من دلائل نبوُّة النبي عليه الصلاة والسلام:


هذه الحقيقة مستحيل على إنسانٍ أن يعرفها إلا أن يكون هناك وحيٌ من الله عزَّ وجل: 

﴿ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18)﴾

[ سورة النجم  ]

الشمس هي على رِسلها لا تبرح ولا تزول، ولكن تُشرِق على أُناسٍ فيقولون أشرقت وتَغرُب عن أُناسٍ فيقولون غربت.
الإعجاز العلمي في السُنَّة من دلائل نبوُّة النبي عليه الصلاة والسلام، يعني بعد أن وضِعت مقاييس المطر في كل بقاع الأرض، وبعد الحسابات الدقيقة لمئات السنين، تبيَّن أنَّ التهطال المطري في الأرض لا يزيد ولا ينقُص، لكن الأمطار تتوزع من مكانٍ إلى آخر، المجموع الكامل ثابت، أن تقرأ حديثاً عن رسول الله يقول النبي عليه الصلاة والسلام: 

(( ما عامٌ بأَمْطَرَ من عامٍ، ولا هَبَّتْ جنوبٌ إلا سال وادٍ ))

[ الألباني ضعيف الجامع ]

هذا من دلائل نبوُّة النبي عليه الصلاة والسلام.
أن يقول الربع الخالي صحراء، لكن تحت الرمال يوجد مدن، ويوجد آثار بساتين وآثار أنهار، أمّا أن يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يَكْثُرَ المالُ ويَفِيضَ، حتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بزَكاةِ مالِهِ فلا يَجِدُ أحَدًا يَقْبَلُها منه، وحتَّى تَعُودَ أرْضُ العَرَبِ مُرُوجًا وأَنْهارًا ))

[ أخرجه البخاري ]

هذا من دلائل نبوُّة النبي عليه الصلاة والسلام، هناك مجموعةٌ كبيرة تصل إلى مئتي حديث فيها إعجازٌ علمي، بمعنى أنَّ الله كشف له بعض الحقائق التي لم تكن معروفةً من قبل.

الدعاء: 


اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شرّ، مولانا ربّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك ولا تهتِك عنّا سترك ولا تُنسنا ذِكرك يا ربّ العالمين.
  اللهم بفضلك ورحمتك أعلِّ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور