الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلن تجد له وليّاً مُرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أُذُنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُرِّ الميامين، أُمناء دعوته وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.
أخطر ما يُصيب الإنسان في الدنيا أن يُحبِط الله عمله:
أيُّها الإخوة الكرام: ورد في القرآن الكريم كلمة "فأحبط أعمالهم" في ستَّ عشرة آية، وإحباط العمل إن كان فيما يبدو صالحاً إلغاء ثماره كليِّاً، وإن كان سيئاً الوعيد الذي ينتظر صاحبه.

على كلٍّ من أخطر ما يُصيب الإنسان في الدنيا أن يُحبِط الله عمله، وهذا المُنطلَق هو مُنطلَق سيدنا حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه حينما كان يقول:
(( كانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا في جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بهذا الخَيْرِ، فَهلْ بَعْدَ هذا الخَيْرِ شَرٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقُلتُ: هلْ بَعْدَ ذلكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ، قُلتُ: وَما دَخَنُهُ؟ قالَ: قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بغيرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بغيرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ منهمْ وَتُنْكِرُ، فَقُلتُ: هلْ بَعْدَ ذلكَ الخَيْرِ مِن شَرٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ علَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَن أَجَابَهُمْ إلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قالَ: نَعَمْ، قَوْمٌ مِن جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فَما تَرَى إنْ أَدْرَكَنِي ذلكَ؟ قالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وإمَامَهُمْ، فَقُلتُ: فإنْ لَمْ تَكُنْ لهمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إمَامٌ؟ قالَ: فَاعْتَزِلْ تِلكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، ولو أَنْ تَعَضَّ علَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ علَى ذلكَ. ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود وأحمد ]
لذلك في بضعة خُطبٍ أتحدث عن الإحباط.
الإحباط أيُّها الإخوة: أولاً الأعمال الدنيوية المُباحة التي لا معصية فيها، لكن هذه الأعمال ليس لها أثرٌ مستقبلي، ينشغِل بوقته كله في دنياه المشروعة، أنا أُخاطب المؤمنين، الطرف الآخر في هذا الموضوع لا يعنيني إطلاقاً، أنا أُخاطب المؤمن الذي أمضى كل وقته في دُنياه، يُصلّي، ويصوم، ويحج، ويُزكّي، ولكن شُغِلَ في دُنياه، هذا الوقت المديد في أعمالٍ ليس لها أثرٌ في المستقبل، ما المقياس؟ الإنسان حينما يأتيه مَلَك الموت، العمل الذي يدخُل معه في القبر هو العمل المُجدي، هو العمل المُغني، هو العمل الذي فيه الفلاح، هو العمل الذي فيه النجاح، هو العمل الذي فيه التوفيق، عملٌ صالحٌ يدخُل معك في القبر، أمّا العمل الذي يبقى في البيت، زينت البيت، اعتنيت بالبيت، أمّا العمل الذي لا يدخُل معك في القبر هذا من الدنيا، لذلك يجب أن تُعطي الدنيا حقّها دون أن تجعلها كل شيء.
الخاسر من غرق في دنياه و نسي عمله الصالح:
فأول فكرةٍ أنّ الإنسان إذا غرق في شؤون دنياه المُباحة، وجاء عمله الصالح ضعيفاً قليلاً، يكون قد ضيَّع شيئاً كثيراً، لذلك الإنسان حينما يأتيه مَلَك الموت لا يندَم إلا على ساعةٍ مرَّت لم يذكُر الله فيها، لا يندَم إلا على عملٍ صالحٍ لم يفعله، خدمةٍ لم يؤدِّها، عطاءٍ لم يُعطِه لإنسانٍ مُحتاج.
أيُّها الإخوة الكرام: أول شيءٍ من المُباحات التي تستغرق وقت الإنسان كله، "إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل" .
أيُّها الإخوة: قد نفهم هذه الآية في ضوء هذا التمهيد:
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا (23)﴾
يعني ماذا ينتفع الإنسان لو كانت دُنياه رائعة وعمله الصالح قليل؟ واتفقنا في وقتٍ مضى أنَّ الغِنى والفقر بعد العرض على الله عزَّ وجل.
ما يُحبِط الأعمال الصالحة:
1 ـ نية الإنسان إن لم تكن خالصةً لله:
أيُّها الإخوة: الآن الأعمال الأُخروية هل تُحبَط؟ استمعوا إلى قول المعصوم، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه:

(( إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقْضَى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ اسْتُشْهِدَ، فأُتِيَ بهِ، فعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فعَرَفَها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: قاتَلْتُ فِيكَ حتى اسْتُشْهِدْتُ، قال: كذبْتَ، ولكنَّكَ قاتَلْتَ لِيُقالَ جِريءٌ، فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النارِ، ورجلٌ تعلَّمَ العِلْمَ وعلَّمَهُ، وقَرَأَ القُرآنَ، فأُتِيَ بهِ فعَرَّفَهُ نِعمَهُ، فعَرَفَها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: تعلَّمْتُ العِلْمَ وعلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فِيكَ القُرآنَ، قال: كذبْتَ، ولكنَّكَ تعلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقالَ عالِمٌ، وقرأْتَ القُرآنَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النارِ، ورجُلٌ وسَّعَ اللهُ عليْهِ، وأعْطاهُ من أصنافِ المالِ كُلِّهِ، فأُتِيَ بهِ فعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فعَرَفَها، قال: فمَا عمِلْتَ فيها؟ قال: ما تركْتُ من سبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنفَقَ فيها إلَّا أنفقْتُ فيها لكَ، قال: كذبْتَ، ولكنَّكَ فعلْتَ لِيُقالَ: هوَ جَوَادٌ، فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ، ثمَّ أُلْقِيَ في النارِ ))
[ أخرجه مسلم والنسائي وأحمد ]
شيءٌ مُخيف، إنسانٌ دخل معركةً ولم تكن نيَّته خالصة، ولم يكن يهدِف إلى إعلاء كلمة الله.
(ورجلٌ تعلَّمَ العِلْمَ وعلَّمَهُ، وقَرَأَ القُرآنَ، فأُتِيَ بهِ فعَرَّفَهُ نِعمَهُ، فعَرَفَها، قال: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: تعلَّمْتُ العِلْمَ وعلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فِيكَ القُرآنَ، قال: كذبْتَ، ولكنَّكَ تعلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقالَ عالِمٌ، وقرأْتَ القُرآنَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ فقدْ قِيلَ، ثمَّ أُمِرَ بهِ فسُحِبَ على وجْهِهِ حتى أُلْقِيَ في النارِ) .
ما الذي يُحبِط العمل؟ أن تغرق في المُباحات، أنا أُخاطب المؤمنين، أو أن يكون العمل في ظاهره رائعاً ولكن النوايا ليست على ما ينبغي، وحينما فسَّر بعض العلماء الكبار قوله تعالى:
﴿ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)﴾
قال العمل الصالح الذي يقبله الله عزَّ وجل ما كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتُغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السُنَّة.
3 ـ خلط عمل سيء و آخر صالح:
الآن هناك شيءٌ ثالث يُحبِط العمل: الأعمال الصالحة إذا كانت كفَّتها ليست راجحة، يعني:
﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102)﴾
بل إنَّ الأعمال السيئة كانت أكثر من الأعمال الصالحة، عندئذٍ لا يستطيع أن يستثمر عمله الصالح في الإقبال على الله، الأعمال السيئة كانت حجاباً بينه وبين الله.
العمل الصالح من نتائجه اليقينية الراحة النفسية والسعادة والسكينة:
أيُّها الإخوة: إحباط العمل الصالح زوال أثره في الدنيا والآخرة، زوال أثره في الدنيا، العمل الصالح من نتائجه اليقينية الراحة النفسية، السعادة، السكينة، الرضا، التوفيق، النصر، التأييد، الحفظ،

فإذا كان إنسان له أعمالٌ صالحة لكن يقابلها أعمالٌ سيئة كثيرة، هذا نموذجٌ موجودٌ في المسلمين، يعني في أمور دُنياه وكسب ماله وإنفاق ماله، يفعل ما يريد وفق مبادئ ليست إسلامية، ونواظم ليست إسلامية، أمّا في شأن عباداته يُصلّي ويصوم وقد يحجُّ كل عام، فهذه الأعمال التي رافقت الأعمال الصالحة، منَعَت أن تقطِف ثمارها في الدنيا، لا يوجد سكينة، ولا راحة، ولا شعورٌ بالفوز، ولا طمأنينة، ولا شعورٌ بالأمن، لأنَّ هناك عملٌ آخر سيئ خالطها.
أيُّها الإخوة: وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8)﴾
أي أنَّ ميزان الأعمال السيئة كان راجحاً والأعمال الصالحة كان خفيفاً:
﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9)﴾
من آثار إحباط العمل في الآخرة ألا يكون عمله سبباً لبلوغ أعلى درجات الجنَّة:
أيُّها الإخوة الكرام: من آثار إحباط العمل في الآخرة، ألّا يكون عمله سبباً لدخوله الجنَّة، بل ألّا يكون عمله سبباً لتسريع دخوله الجنَّة، بل ألّا يكون عمله سبباً لبلوغ أعلى مرتبات الجنَّة، هناك عملٌ صالح، الدليل أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( لأعلمنَّ أقوامًا من أمتي يأتون يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تهامةَ بيضًا فيجعلُها اللهُ عزَّ وجلَّ هباءً منثورًا، قال ثوبانُ: يا رسولَ اللهِ صِفْهم لنا جَلِّهم لنا أن لا نكونَ منهم ونحنُ لا نعلمُ، قال: أما إنهم إخوانُكم ومن جِلدتِكم ويأخذون من الليلِ كما تأخذون، ولكنَّهم أقوامٌ إذا خَلْوا بمحارمِ اللهِ انتهكُوها ))
إذاً الإنسان حينما يجمع عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ربما لا يستطيع أن يقطِف ثمار عمله الصالح في الدنيا.
أيُّها الإخوة الكرام: لا زلنا مع سيدنا حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه حينما كان يسأل النبي عن الشرّ بينما معظم الصحابة يسألونه عن الخير، هذا منهجٌ آخر، هناك أعمالٌ شريرة وسيئة تُحبِط العمل، تَصوَّر تجارة بذلت فيها جُهداً جبَّاراً والنتيجة لا ربح بل خسارة، شيءٌ مؤلمٌ جداً، فالذي يحضر دروس العِلم، ويتابع العِلم، ويؤدّي الصلوات، ويحجُّ بيت الله الحرام، ويعتمر، ويُزكّي عن ماله، ليحذر أن يكون في عمله عملٌ يُلغي نتائج أعماله الصالحة في الدنيا، العمل الصالح معه سكينة، معه رضا، معه سعادة، معه شعورٌ بالفوز، معه شعورٌ بالقُرب، معه شعورٌ بالراحة النفسية، معه شعورٌ بالأمن، فإذا فقد المؤمن مع عمله الصالح هذه المشاعر، معنى ذلك أنَّ في أعماله أعمالاً ألغت نتائج أعماله الصالحة في الدنيا والآخرة.
السُبل التي يتَّقي بها المؤمن إحباط عمله:
أيُّها الإخوة: ما هي السُبُل التي يتَّقي بها المؤمن إحباط عمله؟
أولاً: الخوف من الله، "ما اطمئنَّ إلا منافق وما خاف إلا مؤمن" ، كان بعض الصحابة كما قال أحد التابعين: "التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحدٌ إلا وهو يظنُّ نفسه منافقاً"، حتى إنَّ عُمر بن الخطاب عملاق الإسلام التقى بسيدنا حُذيفة وعنده أسماء المنافقين، قال له: يا حذيفة بربِك اسمي مع المنافقين؟ هذا الذي يطمئن يقول لك: أنا مؤمنٌ أنا لا أُبالي، أنا إيماني كبير، وهو على معاصٍ، وهو على تقصيراتٍ، وهو على مخالفاتٍ، فهذه مشكلةٌ كبيرة في الإنسان، حينما يأمن نتائج عمله السيء ولا يقلق من أجل هذه الأعمال السيئة.
ما خاف الله إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق:
أيُّها الإخوة الكرام: لا بُدَّ من الخوف من الله، قال داوود عليه السلام فيما يخاطب ربّه:
(( يا رب أي عبادك أحب إليك أحبه بحبك؟ قال: يا داوود أحب عبادي إلي تقي القلب ونقي الكفين لا يأتي إلى أحد سوءاً ولا يمشي بالنميمة تزول الجبال ولا يزول أحبني وأحب من يحبني وحببني إلى عبادي، قال: يا رب إنك لتعلم أني أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى عبادك؟ قال: ذكرهم بآلائي وبلائي ونعمائي، يا داوود إنه ليس من عبد يعين مظلوماً، أو يمشي معه في مظلمته إلا أثبت قدميه يوم تزول الأقدام ))
[ أخرجه البيهقي في الشعب وابن عساكر من حديث ابن عباس ]

لا بُدَّ من الخوف من الله، يجب أن ينمو الخوف من الله، هذا الخوف المُقدَّس، هذا الخوف الصحّي، إن أمنته في الدنيا أخافك يوم القيامة، وإن خفت منه في الدنيا أمَّنك يوم القيامة، يجب أن تشعُر أيُّها المؤمن بأنك قد تزل قدمك، لذلك احرص أن تكون مع الله، لذلك الإمام الحسن يقول:
"ما خاف الله إلا مؤمنٌ ولا أمِنه إلا منافق" .
ويقول بعض العلماء: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون كذاباً.
راجع حساباتك، تعاهد قلبك، إيّاك أن تغتر بنفسك، لا توفِّر نفسك اتَّهِمها، كُن لها مُتَّهِماً ولا تكُن لها مُحابياً، ازدياد الخوف من الله، قد يقي الإنسان بعض الزلل الذي يُحبِط العمل.
سيدنا الصدِّيق يقول: "وددت أني شعرةٌ في جنب عبدٍ مؤمنٍ" ، سيدنا الصدِّيق الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم:
(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْشِي أَمَامَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، أَتَمْشِي أَمَامَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ))
[ أخرجه أحمد في فضائل الصحابة وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء ]
قال: وددت أني شعرةٌ في جنب عبدٍ مؤمنٍ.
سيدنا عُمر حينما قرأ سورة الطور ووصل إلى قوله تعالى:
﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7)﴾
بكى واشتدَّ بكاءه ونحيبه، وقال: ليت أُم عُمر لم تلد عُمر، ليتها كانت عقيمة.
2 ـ صيانة العمل عن النية السيئة:
أيُّها الإخوة: سبيلٌ آخر من سُبُل ازدياد الخوف من الله، صيانة العمل عن النيَّة السيئة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما لِكلِّ امرئٍ ما نوى فمن كانت هجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ فَهجرتُهُ إلى اللَّهِ ورسولِهِ ومن كانت هجرتُهُ إلى دنيا يصيبُها أو امرأةٍ ينْكحُها فَهجرتُهُ إلى ما هاجرَ إليْهِ ))
استبطِن نواياك، اسأل نفسك ماذا ترجو من هذا اللقاء؟ ماذا ترجو من هذه الكلمة؟ ماذا ترجو من هذه السَفرَة؟ ماذا ترجو من هذه التجارة؟ ماذا ترجو من هذه الدراسة؟ لأنَّ الله عزَّ وجل قال:
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2)﴾
(فَاعْبُدِ اللَّهَ) بجوارحك (مُخْلِصًا) بقلبك، والإخلاص لله عزَّ وجل ينفع معه كثير العمل وقليله، بينما عدم الإخلاص لا ينفع معه لا كثير العمل ولا قليله.
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾
الدنيا دار ابتلاء القابض فيها على دينه كالقابض على الجمر:
أيُّها الإخوة الكرام: نحن في دار ابتلاء، نحن في دارٍ فيها مزلّة قدَم، نحن في دارٍ الفِتن يقِظة والشهوات ترقص أمام الناس، نحن في دارٍ:
(( يأتي على النَّاسِ زمانٌ الصَّابرُ فيهم على دينِه كالقابضِ على الجمرِ ))
وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن من ورائكم أيام الصبر للعامل فيها أجر خمسين منكم، فقالوا: بل منهم، فقال: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون عليه أعوانا ))
من هان أمر الله عليه هان على الله:
بالمناسبة أيُّها الإخوة: النبي عليه الصلاة والسلام كأنه معنا، قال:
(( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ. ))
[ أخرجه أبو داوود وأحمد ]

تصوَّر شبابٌ جائعون جوعاً شديداً، ودخلوا إلى غرفةٍ فيها قصعةٌ فيها طعام، كيف يُقبِلون عليها ويتنافسون على الأكل منها؟ يقول عليه الصلاة والسلام:
(يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا) لكن الصحابة الكرام توهموا أننا قلةٌ في آخر الزمان، قالوا:
(وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟)المفاجأة الصاعقة:
(قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ) مليار وخمسمئة مليون، ربع سكان الأرض
(وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ) .
تصوَّر سيلاً عرَمرَماً كما يوصف، مخيفاً ينطلق بقوةٍ تدميريةٍ مُخيفة، وعلى سطح مائه بعض القش، هذا القش هل يُغيِّر من مساره؟ هل يستطيع هذا القش الذي طفا على سطح السيل أن يوقف السيل؟!
(وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ) لا يوجد هيبة، طبعاً المسلمون حينما لا يُطبِّقون منهج نبيهم قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾
حينما لا يأتمِرون بما أمر الله، ولا ينتهون عمّا نهى عنه الله، ولا يُقيمون لمنهج الله وزناً، ولا يعبؤون أفي معصيةٍ هُم أم في طاعة؟ أكان دخلهم مشروعاً أم غير مشروع؟ أكان هذا اللقاء يُرضي الله أو لا يرضي الله؟ حينما هان أمر الله عليهم هانوا على الله.
من لم يستقِم على أمر الله فلن يقطِف من ثمار الدين شيئاً:
لا تعبؤوا بمساجدٍ تُبنى، ولا بصلواتٍ تؤدَّى، ولا بأربعة ملايين في الحج وفي العُمرة، اعبؤوا باستقامة المسلمين،

الاستقامة هي جوهر الدين، وكيف أنَّ التجارة تُضغَط كلها في كلمةٍ واحدة هي الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً، كذلك كل نشاطات الدين تُضغَط بكلمةٍ واحدة هي الاستقامة، فإن لم تستقِم لن تقطِف من ثمار الدين شيئاً.
تأتي إلى المسجد وتُصلّي، وتحُجّ، وتعتمِر، ولك كلماتٌ رائعة تُسبِّح الله، لكن ما دام في السلوك هناك اغتصاب بيت، هناك اغتصاب شركة، هناك كذب في البيع والشراء، هناك غش للمسلمين، العمل عندئذٍ يُحبَط، أقول لكم الحقيقة مُرَّة: لو أنَّ المسلمين مُطبِّقون لمنهج الله عزَّ وجل، لما كانوا في حالٍ كهذا الحال، هذا الإخلاص تؤكده الآية الكريمة:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾
العبادات الشعائرية لا تصح ولا تُقبَل إلا إذا صحَّت العبادات التعاملية:
أيُّها الإخوة الكرام:
(( دخَلَتِ امرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ ربَطَتْها، فلَمْ تُطْعِمْها، ولَـمْ تَسْقِها، ولَـمْ تُرْسِلْها فتَأْكُلَ مِن خَشَاشِ الأَرْضِ ))

أحياناً تنفصل عند المسلم المُقصِّر وحدة الدين، يؤدّي العبادات ولا ينتبه للمُعاملات
(دخَلَتِ امرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ ربَطَتْها، فلَمْ تُطْعِمْها، ولَـمْ تَسْقِها، ولَـمْ تُرْسِلْها فتَأْكُلَ مِن خَشَاشِ الأَرْضِ.) (( قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ! إنَّ فلانةً تذكر من كثرةِ صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها؟ قال: هي في النارِ، قال: يا رسولَ اللهِ! فإنَّ فلانةً تذكر قلةَ صيامِها وصدقتها وصلاتها، وإنها تصَّدقُ تدقُّ بالأثوارِ من الأقطِ، ولا تؤذي بلسانها جيرانها؟ قال: هي في الجنةِ ))
وحينما سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه الكرام:
(( أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّار ))
أيُّها الإخوة الكرام: لا بُدَّ من أن يكون المرء خائفاً من الله، مُدقِّقاً في عباداته التعاملية وفي عباداته الشعائرية، وقد فَرَغتُ من القول لأنني عُدّته عشرات المرات، أنَّ الصلاة والصيام والحج والزكاة هذه العبادات الشعائرية لا تصحُّ ولا تُقبَل إلا إذا صحَّت العبادات التعاملية.
المفارقة الحادة بين حياة المسلمين و بين وعود الله عزَّ وجل:
أيُّها الإخوة: هذه حقيقةٌ مُرة أضعها بين أيديكم، قد يقول أحد الإخوة الكرام ما سبب اختيار هذا الموضوع؟ هذا الموضوع فيه مفارقة، المساجد مُمتلئة، الإقبال على الحج والعُمرة مُنقطِع النظير، لكن حال المسلمين لا يُرضي، لا يوجد نصر، لا يوجد قوة، يوجد ضعف، للطرف الآخر له علينا ألفُ سبيلٍ وسبيل.
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)﴾
أين الاستخلاف؟ والله لا يوجد استخلاف.
(وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ) أين التمكين؟ والله ليس هناك تمكين (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا) أين الأمن؟ والله لا أمن، خمسة بلادٍ إسلامية محتلة وتُنهَب ثرواتها ويُقتَل أبناؤها، إذاً هناك مشكلةٌ كبيرة، هذا دين الله عزَّ وجل، إذا اصطلحنا مع الله لا بُدَّ من أن تُحقَّق وعود الله عزَّ وجل، لأنَّ زوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين، فهناك مفارقةٌ حادة، سبب اختيار هذا الموضوع أنَّ هناك مفارقةٌ حادة بين حياة المسلمين - واقع المسلمين الذي لا يُحسدون عليه - وبين وعود ربِّ العالمين.
أين نحن من قوله تعالى:
﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾
أين نحن من قوله تعالى:
﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)﴾
أين نحن من قوله تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)﴾
هذه وعود ربِّ العالمين.
على كل إنسان ألا يُحابي نفسه بل يفحص عمله لعلَّ الله يُغيِّر حال المسلمين:
فيا أيُّها الإخوة: يجب أن نبحث عن الخلل، الخلل عندنا مُحبِطاتٌ للعمل، إحباط العمل أن تُلغى آثاره في الدنيا والآخرة، وكأنَّ العمل لم يكن، وأوضح مثلٍ: أنت حينما تشتري صفقةً وتجهَد في اختيارها، وفي تحويل ثمنها، وفي طرحها في الأسواق، وفي بيعها، وفي جمع ثمنها، ثم تُفاجأ أنك لست رابحاً بل إنك خاسرٌ خسارةً كبيرة، الخسارة مؤلمة جداً وإحباط العمل مؤلمٌ جداً.
أيُّها الإخوة الكرام: أنا لا أُعمِّم فالتعميم من العمى، أنا أذكُر أن هناك ظاهرة هي إحباط العمل، عملٌ سيء رافق عملاً صالحاً، أو نيَّةٌ ليست كما ينبغي رافقت عملاً صالحاً، أو عملٌ سيء يستحق صاحبه العقاب.
أيُّها الإخوة الكرام: لا شكّ أنَّ:
﴿ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15)﴾
ينبغي ألّا نُحابي أنفسنا، ينبغي ألّا نُجاملها، ينبغي ألّا نطمئن اطمئناناً ساذجاً، ينبغي أن نقلق قلقاً مُقدَّساً، يجب أن نفحص أعمالنا فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يُغيِّر حالنا بحالٍ آخر.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المُستغفرين أستغفر الله.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا لله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيَّةُ قضيةٍ إن لم تكن كما يتمنّى الإنسان فعليه أن يُراجع حساباته:
أيُّها الإخوة الكرام: الحديث الجامع المانع الرائع الموجَز: عن عليٍ رضي الله عنه قال: "لا يَرجُوَنّ عبدٌ إلا ربّه، ولا يخافَنّ إلا ذنبه" .

يعني أيَّةُ قضيٍةٍ إن لم تكن كما تتمنّى راجع حساباتك، الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30)﴾
الله عزَّ وجل يؤكِّد أن للمصائب حِكَماً في أن نعود من خلالها إلى الله:
﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾
الله عزَّ وجل يقول:
﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)﴾
لا تُقبَل عقيدة المسلم تقليداً، لا مُعطي ولا مانع، ولا رافع ولا خافض، ولا مُعزَّ ولا مُذلَّ، ولا ناصر ولا موفِّق إلا الله، الأمر بيد الله، لكن يقول الله عزَّ وجل بعدها إن لم تكن الأمور كما تتمنّى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) .
(( يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي وجعلتُهُ بينَكم محرَّمًا فلا تَظالموا، يا عبادي إنَّكم تخطئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ وأنا أغفرُ الذُّنوبَ جميعًا ولا أبالي فاستغفروني أغفرْ لَكم، يا عبادي كلُّكم ضالٌّ إلَّا من هديتُهُ فاستَهدوني أَهدِكم، يا عبادي كلُّكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُهُ فاستطعموني أطعِمْكم، يا عبادي إنَّكم لن تبلُغوا ضرِّي فتضرُّوني ولن تبلغوا نفعي فتنفَعوني، يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منْكم ما زادَ ذلِكَ في مُلْكي شيئًا، يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ منكُم ما نقصَ ذلِكَ من مُلْكي شيئًا، يا عبادي لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجنَّكم اجتمَعوا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألتَهُ ما نقصَ ذلِكَ في مُلكي شيئًا إلَّا كما يَنقصُ البحرُ إن يُغمَسْ فيهِ المِخيَطُ غمسةً واحدَةً، يا عبادي إنَّما هيَ أعمالُكم أُحصيها لَكم ثمَّ أوفِّيكم إيَّاها فمن وجدَ خيرًا فليحمدِ اللَّهَ ومن وجدَ غيرَ ذلِكَ فلا يلومنَّ إلَّا نفسَهُ ))
كلامٌ واضحٌ كالشمس، حاسم، جَليّ، قطعي الدلالة، اتَّهِم نفسك، إن لم تكن الأمور كما تتمنّى فاتَّهِم نفسك (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) بل في بعض الآثار:
(( ما مِن عَثرةٍ، وَلا اختِلاجِ عِرقٍ، وَلا خَدشِ عودٍ، إلَّا بِما قَدَّمَت أَيديكُم، وَما يَعفواللهُ أكثرُ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
العاقل من فسَّر الأمور تفسيراً توحيدياً لا تفسيراً شركياً أرضياً:
إذاً: "لا يرجو عبدٌ إلا ربّه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه" فسِّر الأمور تفسيراً توحيدياً، تفسيراً عُلوياً لا تفسيراً شركياً أرضياً، الله عزَّ وجل يقول:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
الأمور واضحة، إلهٌ عظيم بيده كل شيء.
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾
﴿ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)﴾
﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)﴾
﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)﴾
هو الناصر، هو المُعزّ، هو المُعطي، هو الحافظ، هو المُوفِّق، إن جاءت الأمور كما نتمنّى فلنحمَد الله، وإن جاءت على خلاف ما نتمنّى فلنُراجع أنفسنا، لأنَّ زوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين.
العمل الصالح قد تلقى جزاءه في الآخرة لكن لن تقطِف ثماره في الدنيا:
أيُّها الإخوة الكرام: الحقائق الناصعة ينبغي أن تدفعنا إلى طاعة الله عزَّ وجل، ينبغي أن تدفعنا إلى اتِّهام أنفسنا، ينبغي أن تدفعنا إلى عقد الأمل بالله عزَّ وجل، لذلك أخطر شيءٍ تمرُّ به الأُمة أن تُحبَط من الداخل، الإحباط نفسي وهناك إحباط العمل.
الإحباط النفسي: اليأس، الاستسلام.
إحباط العمل: أن ترى أنَّ العمل الذي قُمت به لم تقطِف ثماره أبداً لأنه رافقته نيَّةٌ سيئة، أو شِركٌ خفي، أو عملٌ سيء ألغى مفعول العمل الصالح.
أيُّها الإخوة: كطُرفة في اللغة، في امتحان اللغة العربية لو جاءت كلمة "مفعول به" فهناك نصف علامة على كلمة مفعول به ونصف علامة على منصوب، لو أنَّ شخصاً قال: مفعول به مرفوع، يأخُذ صِفراً، مفعول به صحيح، لكن الخطأ في الجزء الثاني يُذهِب صواب الجزء الأول، إذا قال: مفعول به مرفوع، يأخُذ صِفراً، إذا قال: مفعول به فقط، يأخُذ نصف العلامة، إذا قال: مفعول به منصوب، يأخُذ علامة، أمّا إذا قال: مفعول به مرفوع، الخطأ في الجزء الثاني يُذهِب صواب الجزء الأول.
العمل السيء حجابٌ بينك وبين الله، العمل الصالح قد تلقى جزاءه في الآخرة لكن لن تقطِف ثماره في الدنيا، العمل السيء الآخر حَجَبك عن الله عزَّ وجل.
أيُّها الإخوة الكرام: هذه الحقائق مؤيدةٌ بالقرآن الكريم وبالسُنَّة الشريفة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بهذا الكلام.
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم يا واصل المُنقطعين صِلنا برحمتك إليك، أكرمنا بعملٍ صالحٍ يُقربّنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضنا وارضَ عنّا، أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وأذلّ الشِرك والمُشركين، ووفِّق ولاة الأمور في مشارق الأرض ومغاربها يا ربَّ العالمين.
اللهم اعطنا سؤلنا يا أكرم الأكرمين، واجعل تدمير أعدائنا في تدبيرهم يا ربَّ العالمين.
الملف مدقق