وضع داكن
14-06-2024
Logo
الدرس : 9 - سورة طه - تفسير الآيات 129 – 135 ما عند الله لا يُنال إلا بعد امتحان
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. 

من معاني قوله تعالى: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ:


أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس التاسع والأخير من سورة طه.
وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى: 

﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)﴾

[ سورة طه ]

 أيها الإخوة؛ لولا حرف امتناعٍ لوجود، أداة شـرطٍ غير جازمة، تقول مثلاً: لولا المَطر لهلك الزرع، امتنع هلاك الزرع لوجود المطر: ﴿فَلَوْلاَ كَلِمَةٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ شيئان. ﴿فَلَوْلاَ كَلِمَةٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ، ﴿لَكَانَ لِزَاماً﴾ أي لكان لزاماً هلاكهم، أي قومك يا محمد بعد أن كذَّبوك، وبعد أن عصوا، وبعد أن ردّوا هذه الدعوة، كان يجب أن يهلكوا، كان يجب أن يعاقبوا عقاب تدمير، عقاب استئصال، ولكن سبقت من الله عزَّ وجل كلمة، وكان لهم أجلٌ مسمى.
عند هذه الآية وقف العلماء وقفاتٍ متعددة، فما هي هذه الكلمة التي سبقت من الله عزَّ وجل؟ 

1 ـ مادام النبي بين الناس فلن يعذبهم الله عز وجل:

قال بعضهم: هذه الكلمة هي قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

[  سورة الأنفال  ]

ما دُمت بين ظهرانيهم فالله سبحانه وتعالى لن يعذبهم، لأن الدعوة قائمة، هذه بعض تفسيرات هذه الكلمة. 

2 ـ الله عزَّ وجل لن يعذب أمة سيدنا محمد عذاب استئصال إكراماً له:

هناك شيء آخر، أي إكراماً للنبي عليه الصلاة والسلام لم يشأ الله سبحانه وتعالى أن يستأصل أمة سيدنا محمد استِئْصالاً، فهي في بحبوحةٍ من أمرها، وهذا هو المعنى الثاني، أي إكراماً للنبي عليه الصلاة والسلام فإن الله عزَّ وجل لن يعذبها عذاب استئصال، عندنا عذاب مُعالجة، وهناك عذاب استئصال، عذاب الاستئصال التدمير الكامل، قوم عادٍ، وثمود، وقوم فرعون دُمِّروا تدميراً كاملاً، فالعلماء قالوا: هذا التدمير تدمير استئصال، هذا العذاب عذاب استئصال، فالله سبحانه وتعالى لم يشأ لهذه الأمة التي كرَّمها الله بهذا النبي العظيم أن يعذبها عذاب استئصال، هذا هو المعنى الثاني. 

3 ـ الله سبحانه وتعالى عَلِمَ أن في هذه الأمة خيراً فأعطاها مهلة:

والمعنى الثالث: أن الله سبحانه وتعالى عَلِمَ أن في هذه الأمة خيراً فأعطاها مهلة.
 المعنى الأول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ .
المعنى الثاني: إكراماً للنبي عليه الصلاة والسلام فقد جعل هذه الأمة في بحبوحةٍ من أمرها.
المعنى الثالث: الله عزَّ وجل علم في هذه الأمة خيراً فأعطاها مهلةً لعلها تتوب أو لعلها ترجع. 

4 ـ الله تعالى حينما خلق الإنسان في الدنيا كَتَبَ على نفسه أن يعطيه سُؤلَهُ كائناً من كان:

وبعض العلماء قال: "إن هذه الكلمة التي سَبَقَت من الله عزَّ وجل هي أن الله عزَّ وجل حينما خلق الإنسان في الدنيا كَتَبَ على نفسه أن يعطيه سُؤلَهُ كائناً من كان، وكائناً ما كان" ، كائناً من كان من بني البشر، وكائناً ما كان من السؤل، أي الإنسان لن يموت حتى تلبَّى له طلباته، أو حتى يُعْطَى سُؤلَهُ، لقوله تعالى:

﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)﴾

[ سورة الإسراء ]

أي الإنسان حينما قبل الأمانة التي حَمَّلَهُ الله إيَّاها:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾

[ سورة الأحزاب ]

قال العلماء: هي التكليف، ومعنى التكليف أنه رضي أن يأتي إلى الدنيا، وأن يعطى حرية الاختيار، وأن يزوَّد بالعقل، وأن يزوَّد بالشهوة، وأن يكون مسؤولاً عن تصرُّفاته، فما لم يعط الإنسان في الدنيا سؤْله لا يكون مسؤولاً عن تصرفاته، لذلك سبقت من الله كلمةٌ أن هذا الإنسان له مشيئةٌ حرة، ويقتضي ذلك أن يعطى سُؤْلَهُ، أي شيءٍ يختاره فالله سبحانه وتعالى يعطيه إياه، فحينما يُطلق الله الإنسان لتحقيق اختياره ليس معنى هذا أن الله راضٍ عنه، ولا معنى هذا أن الله أجبره، قد يختار الإنسان شيئاً لا يرضي الله، والله سبحانه وتعالى لم يجبره ولكن سبقت من الله كلمةٌ أن يعطي الإنسان سُؤْلَهُ، فأنت مخَيَّر، اختر ما تشاء، والله سبحانه وتعالى يعطيك ما تريد إذا كنت صادقاً فيما تريد، أما التمنِّي فشيء والإصرار شيءٌ آخر، لذلك لو أن الإنسان عصى الله عزَّ وجل لا يستحق الهلاك الفوري لأنه لم يستنفذ سُؤْلَهُ، له عند الله سؤْل، فالله سبحانه وتعالى لابدَّ من أن يعطيه سؤله، ولولا هذه الكلمة التي سبقت من الله عزَّ وجل لأهلك الكفار، والفُجّار لأول بادرةٍ من معصية، لولا أن الله عزَّ وجل جاء بهم إلى الدنيا، وكلَّفهم حمل الأمانة، وأعطاهم اختياراً، وأودع فيهم شهوةً ليرقوا بها إلى الله، وبَثَّ في الكون الآيات الدالة عليه، وأنزل إليهم الكتب، وبعث إليهم الرسُل، لولا أن الله سبحانه وتعالى كتب على نفسه أن يعطيهم سؤْلَهُم لأهلكهم.
توضيحاً لهذه الفكرة: لولا أن هناك نظاماً عاماً في الجامعة يقتضي ألا يفصل الطالب من الجامعة إلا بعد أن يرسب سنتين، فهذا الذي يمتنع عن الدراسة إطلاقاً لن يطرد حتى يأتي الامتحان الأول فيرسب، وحتى يأتي الامتحان الثاني فيرسب، وحينما تنطبق عليه مواد النظام الداخلي عندئذٍ يُفصل من الجامعة، أما أن يُفصل لقناعة المدرس فلا تكفي، لابدَّ من أن يجري امتحانًا، وأن يرسب فيه، ولابدَّ من أن يعطى فرصةً ثانية، ويجري امتحانًا، ويرسب في الامتحان وبعدئذٍ يفصل، هكذا النظام، فالقضية ليست تابعة لقناعة المدرس، ولا لرغبته في فصل هذا الطالب الكسول، هناك نظامٌ عام.
فلذلك ربنا سبحانه وتعالى حينما خَلَق الإنسان على هذه الأرض أعطاه حريَّة الاختيار.
شيءٌ آخر؛ أعطاه أجلاً محدداً، بالإضافة إلى حرية الاختيار لقد أعطى الله سبحانه وتعالى الإنسان أجلاً ثابتاً لا يتقدَّم ولا يتأخَّر، فلذلك الإنسان في عقيدة أهل السنة والجماعة لا يموت إلا بأجله، حتى إن المقتول يُقْتَل بأجله.

﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾

[ سورة الأعراف  ]

الأجل محدد، إذاً ما الذي يمنع أن ينزل بالكفار عقابٌ أليم؟ ما الذي يمنع أن يستأصل الكفار من أصلهم؟ ما الذي يمنع أن يدمَّر الكفار؟ أن الله سبحانه وتعالى خلقهم في هذه الدنيا، وكتب على نفسه أن يعطيهم سؤْلَهُم، وحدد لهم أجلاً لا ريب فيه، فعلى الإنسان ألا يتمنَّى لو كان له قريب، أو له عدو، قضية الآجال بيد الله عزَّ وجل، أي هذا الإنسان له عند الله أجل، لا يموت إلا بأجله، وله عند الله أمانة، لابدَّ من أن يستنفذ شروط الأمانة، هذا هو المعنى الرابع.

5 ـ الله سبحانه وتعالى خلق الناس ليرحمهم لا ليعذبهم:

هناك معنى آخر قال به بعض العلماء، ما هذه الكلمة التي سبقت من الله عزَّ وجل؟ هذه الكلمة هي أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس ليرحمهم لا ليعذبهم، لذلك هو يعطيهم الفرصة تلو الفرصة، أي حينما تنشأ مدرسةٌ لا من أجل أن يفصل الطلاب منها، فلو أن الطالب غاب عن المدرسة أسبوعين متتاليين تنطبق عليه مواد النظام الداخلي، ولكن المدير يعطيه فرصةً، ليـس القصد فصل الطالب، إنما القصد تعليمه، وتهذيبه، وتربية عقله، ونفسه، وخلقه، هذا هو القصد، ليس القصد أن الله سبحانه وتعالى كلما رأى الإنسان قد انحرف أنزل به العقاب الأليم، إنه رحمنٌ رحيم:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

[ سورة هود ]

هذا المعنى الأخير معنى دقيق، ليس القصد إنزال العقاب بالكفار والفـجَّار، القصد أن يرحمهم الله عزَّ وجل، القصد أن يهديهم إليه، القصد أن يسعدهم، القصد أن يقرِّبهم، من هنا جاء حلم الله سبحانه وتعالى، يعطيهم الفرصة تلو الفرصة تلو الفرصة فلعلهم يرجعون إلى الله عزَّ وجل، لذلك هذه الآية تفعل في نفس المؤمن فعلاً مؤثراً، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي هل قصد الأب أن يطرد ابنه من البيت أم القصد أن يربيه؟ لذلك يعطيه فرصة، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ . 

6 ـ  للإنسان في الأرض مستقر ومتاع إلى حين:

بعضهم قال: حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)﴾

[  سورة البقرة  ]

هذا عهدٌ على الله عزَّ وجل، ولكم يا بني آدم في الأرض مستقرٌ ومتاعٌ إلى حين، فلذلك حينما يخلق الله الإنسان في الدنيا يعطيه هذا الاستقرار، وهذا المتاع، كافراً كان أو مؤمناً.

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)﴾

[ سورة الإسراء  ]  

7 ـ الأجل المسمى:

بعضهم قال: الكلمة التي سبقت من الله عزَّ وجل هي نفسها الأجل المُسمى، يؤكِّد هذا بعض الآيات القرآنية الأخرى، إن هذه الكلمة التي سبقت من الله عزَّ وجل هي الأجل المُسمى الذي حدده الله للإنسان لا يزيد ولا ينقص، على كل نحن في حلم الله، وفي رحمته، والسعيد من عرف الله قبل فوات الأوان، السعيد من أدرك الحكمة من خلقه على وجه الأرض، السعيد من عرف ربه، واستقام على أمره، السعيد من أَعَدَّ لساعة الفراق عُدتها، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ ربما كان في الآية تقديمٌ وتأخير، ربما يفهم معناها لو وضعت بعض الكلمات بحسب ترتيبها اللغوي، ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجلٌ مسمى لكان لزاماً هلاكهم، واستئصالهم، وإنزال العقوبة بهم، فكأن الله سبحانه وتعالى يُسَلِّي النبي عليه الصلاة والسلام يقول له: يا محمد ما دمت قد أعطيتهم أجلاً لا ريب فيه، وما دامت قد سبقت مني كلمةٌ ألا أستأصلهم إكراماً لك، أو علماً لما في نفوسهم من خير، إذاً أنت فاصبر على ما يقولون. 

ما عند الله لا يُنال إلا بعد امتحان:


أقوالهم، واستخفافهم، وتكذيبهم، وردُّهم، هذه الكلمات التي قد تحزُنك، هذه الكلمات التي قد تؤلمك اصبر عليها.

﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)﴾

[ سورة الأحقاف  ]

في هذه الآية يوجد حقيقةٌ أساسية، وهي أن ما عند الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُنال إلا بعد امتحان، ومن لوازم الامتحان أنه شديد، هذا العطاء الكبير لن يُنال والإنسان في بحبوحة، والإنسان كما يشتهي، لابدَّ من امتحان:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾

[  سورة آل عمران  ]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

[  سورة العنكبوت  ]

فحينما دعا الله سبحانه وتعالى نبيَّه إلى الصبر، كان من الممكن أن يخلق الله النبي وأصحابه الكرام من دون أعداء، هؤلاء الأعداء الكفار، الفُجَّار، المعارضون، الذين كادوا للنبي عليه الصلاة والسلام، كان من الممكن أن يأتي بهم قبل بعثة النبي أو بعدها بكثير، ولكن العبرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قدوةٌ لكل مؤمن، فيجب أن يتحَمَّل المتاعب، حتى تكون سيرته قدوةً لنا ، ومثلاً أعلى يحتذى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حتى تكون متاعبه التي تحمّلها مسليةً لنا إلى آخر الزمان، النبي عليه الصلاة والسلام عصمه الله من أن يُقتَل، أو أن الله سبحانه وتعالى عَصَمَ النبي عليه الصلاة والسلام من أن يناله المشركون بالقتل لئلا تغتال الدعوة باغتياله، ولكن لم يعصمه عن إيقاع الأذى الذي تحمَّله أيَّما تحَمُّل وصبر له أيما صبر، لذلك ربنا سـبحانه وتعالى يقول: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ .
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي إذا عارضك إنسان، إذا سفَّه دعوتك إنسان، إذا استخفَّ بك فلك أسوةٌ حسنة بهذا النبي العدنان، فاصبر.
 

اقتران الصبر بالصلاة:


﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ ، دائماً جاء الصبر مع الصلاة.

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)﴾

[  سورة البقرة ]

الصبر وحده قد لا يكفي، لكن الصبر إذا جاءت معه الصلاة في الصلاة يأتي التجلي الإلهي، في الصلاة يأتي التثبيت، في الصلاة تأتي البُشرى، في الصلاة يأتي وعد الله عزَّ وجل، في الصلاة  يأتي وعيده، فالإنسان إذا صلَّى، واتصل بهذه الصلاة، وعقل ما يتلو في الصلاة، إن هذا كله يثبت قلبه ويطمئنه، فلذلك جاء الأمر: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ .
 

تنزيه الله وتسبيحه:


﴿سَبِّحْ﴾ أي نزه يا محمد، نَزِّه ربك عن كل ما لا يليق به، نزهه عن كل صفات النقص، نزهه عن أن يكون مثل البشر ليس كمثله شيء، كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، فكلمة: سبحان الله ! تعني التنزيه، سبحان الله عن أن يكون ظالماً، سبحان الله عن أن يكون قاسياً؛ إنه رحيمٌ، إنه عدلٌ، إنه لطيفٌ، إنه عليمٌ، إنَّه حليمٌ، فكلما نفيت عنه صفات النقص بشكلٍ أو بآخر أثْبَتَّ له صفات الكمال، أو نزِّهه عما لا يليق به، ومجِّده بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، على كل سبِّح، بعضهم استنبط من هذه الآية أن التسبيح هو الصلوات المكتوبة، لأن الصلاة المكتوبة فيها تسبيحٌ؛ سبحانك اللهم، وبحمدك، وتبارك اسـمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، فيها تسبيحٌ، وفيها تنزيهٌ، و فيها تمجيدٌ، و فيها تعظيمٌ، و فيها تكبيرٌ، و فيها حمدٌ، و فيها توحيدٌ، و فيها ربوبيةٌ، و فيها ألوهيةٌ. 
 

أفضل أوقات التسبيح:


﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ متى؟ يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ ، هذه صلاة الفجر، قبل طلوع الشمس،"ابن آدم لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس أكفك النهار كله"، لا تعجز، وفي بعض الأحاديث الصحيحة بما معناه أنه:

(( مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ , تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ. ))

[  رواه الترمذي: وهذا الحديث مختلف في صحته، فضعفه جماعة من أهل العلم، وحسنه آخرون. وممن حسنه الألباني رحمه الله في صحيح سنن الترمذي  ]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. ))

[ صحيح البخاري ]

قال تعالى:

﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)﴾

[  سورة المزمل  ]

﴿  يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)﴾

[  سورة المزمل ]

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)﴾

[  سورة الإسراء  ]

إذاً: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ لأنني أمهلتهم، لأن كلمةً سبقت مني ألا آخذهم إلا في أجلهم المحدد، لأنني أمهلتهم فلعلَّهم يؤمنون، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام وهو بالطائف حينما جاءه جبريل عليه السلام يقول له:

(( عن عائشة رضي الله عنها: هل أتَى عليكَ يومٌ كانَ أشدَّ مِن يومِ أحدٍ؟ فقالَ: لقد لقيتُ مِن قومِكِ، وَكانَ أشدَّ ما لقيتُ منهُم يومَ العقبةِ إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلَ بنِ عبدِ كلالٍ، فلَم يجبْني إلى ما أردتُ، فانطلقتُ وأَنا مَهْمومٌ علَى وجهي، فلَم أستفِقْ إلَّا وأَنا بقرنِ الثَّعالبِ، فرفعتُ رأسي، فإذا بسحابةٍ قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ عليهِ السَّلامُ، فَناداني فقالَ: يا محمَّدُ، إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ، قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وما ردُّوا عليكَ، وقد بعثَ اللَّهُ ملَكَ الجبالِ لتأمرَهُ بما شئتَ فيهِم قالَ: فَناداني ملَكُ الجبالِ: فسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قالَ: يا محمَّدُ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ، وأَنا ملَكُ الجبالِ، وقد بعثَني ربُّكَ إليكَ لتأمرَني أمرَكَ، وبما شئتَ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا. ))

[ التوحيد لابن خزيمة: خلاصة حكم المحدث:  أشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح ]

وهذا الذي حصل، جاءته وفود ثقيف تُعلن إسلامها بعد حين، إذاً كأن الله سبحانه وتعالى علم بهذه الأمة خيراً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: عن أنس بن مالك وعمار بن ياسر وعبدالله بن عمر وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن عمرو بن العاص:

(( مثلُ أُمَّتِي مثلُ المطرِ، لا يُدْرَى أوَّلُه خيرٌ أم آخرُه؟ ))

[ السلسلة الصحيحة: حكم المحدث:صحيح بمجموع طرقه ]

﴿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40)﴾

[ سورة الواقعة ]

هؤلاء أصحاب اليمين، وأما السابقون السَّابقون:

﴿  ثُلَّةٌ مِنْ الأَوَّلِينَ(13)وَقَلِيلٌ مِنْ الآخِرِينَ(14)﴾

[ سورة الواقعة ]

إذاً: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ هذه صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ هذه صلاة العصر، ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ من أوقات الليل، صلاة المغرب والعشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ صلاة الظهر، لأنها تقع بين طَرَفَيّ النهار، حينما تكون الشمس في كبد السماء ينتصف النهار، فنصفه الأول ونصفه الثاني، وتقع صلاة الظهر في الجزء الأول من نصفه الثاني، إذاً فسر بعض العلماء هذه الآية بأنها تشتمل على الصلوات الخمس المكتوبة. 
 

المحافظة على الصلوات والذِّكر طلباً لرضا الله تعالى:


﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ لعلك إذا أقبلت على الله عزَّ وجل، لعلك إذا ذقت طعم القرب، لعل الله إذا تجلى على قلبك، تقول: ليس في الأرض من هو أسعد مني:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت ]

هذه الطمأنينة لا يعرفها إلا المؤمن.

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

[  سورة التوبة  ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا(42)هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا(43)﴾

[ سورة الأحزاب ]

﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ لعلك إذا أقبلت على الله عزَّ وجل، لعلك إذا ذُقت طعم القُرب، لعلك إذا ألقي النور في قلبك، قلت: ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، لذلك من علامات الإيمان أن المؤمن يحسُّ بسعادةٍ حقيقية، لكن الذي له معصيةٌ، أو انحرافٌ، أو تقصيرٌ، مقطوعٌ عن الله، يبقى الإسلام عنده ثقافةً، معلومات، وقناعات، وأفكار، وثقافات، الإسلام في فكره لا في قلبه، أما إذا استقام على أمر الله فتنعقد الصلة بينه وبين الله، عندئذٍ يعرف قيمة هذه الآية: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ أي هذا الذي سأل عنه النبي عليه الصلاة والسلام عَقِبَ معركة أحد فلم يره أحد، فكلَّف أحد أصحابه بتفقد شأنه، فتوجَّه إلى أرض المعركة فإذا هو على وشك الموت، قال له: "يا ربيع لقد سأل عنك النبي عليه الصلاة والسلام فهل أنت مع الأحياء أم مع الأموات؟"إنسانٌ في مقتبل الحياة، وفي النزع الأخير، وعلى وشك الموت فما هي حاله؟ من كلماته تعرفون أحواله، قال: "أبلغ رسول الله مني السلام، وقل له: جزاك الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم عند الله إذا خُلِصَ إلى نبيكم، وفيكم عينٌ تطرف" ، كم هو سعيد وهو على وشك الموت ! وهو في مقتبل العمر ! اسأل الأطباء الذين يشاهدون حالات الموت، كيف أن الإنسان إذا أوشك على الموت انهارت أعصابه، وصرخ بأعلى صوته أحياناً، وندم على ما فات، لكن هذا الإنسان الذي تربَّى على يدِ النبي عليه الصلاة والسلام، وقذف الله في قلبه النور، وتجلَّى على قلبه عرف طعم القرب، إذاً: ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ ، وآيةٌ أخرى تؤكَّد هذا المعنى:

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾

[ سورة الضحى  ]

الله سبحانه وتعالى كما أنك تبتغي رضاه هو يريد أن يرضيك، ولكن إذا أرضاك قبل الوقت المناسب ربما قعدت وتكاسلت ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى(5)﴾ لابدَّ من أن يأتي اليوم الذي ترضى أشد الرضى، لابدَّ من أن يأتي اليوم الذي تذوب فيه خجلاً للعطاء الإلهي، ولكن:

﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)﴾

[ سورة العنكبوت ]

﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ .
 

النهي في الآية التالية موجَّه إلى المسلمين لا إلى النبي عليه الصلاة والسلام:


﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى(131)﴾

[ سورة طه ]

 قال بعض العلماء: "هذه الآية صياغتها موجهةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنها في حقيقتها موجهةٌ إلى أمته، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان أبعد الناس عن أن يمد نظره إلى الدنيا، لكن الله سبحانه وتعالى جعلها موجَّهةً إليه رأفةً بقومه، أي الكلام موجهٌ إلى النبي، وهو في الحقيقة موجهٌ إلى كل مؤمن، ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي إذا وقفت أمام بيتٍ جميل، ونظرت إليه فامتلأ القلب حسرةً، انظر إلى مساحته، انظر إلى منظره، هذا الذي يبالغ في التأمُّل في زينة الحياة الدنيا، هذا فيه نهيٌ بنص هذه الآية، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: عن أبي هريرة:

(( إيَّاكُمْ وفُضُولَ المطْعَمِ، فإِنَّ فُضُولَ المَطْعَمِ تَسِمُ القَلْبَ بالقسْوةِ، وتُبْطِئُ بالجَوَارِحِ عَنِ الطَّاعَةِ، وتَصُمَّ الهِمَمِ عن سماعِ الموْعِظَةِ، وإِيَّاكم وفُضُولَ النَّظَرِ فإِنَّهُ يبذُرُ الهوى في القَلْبِ، ويُولِدُ الغَفْلَةَ، وإِيَّاكُمْ واسْتِشْعَارَ الطَّمَعِ فإِنَّهُ يُشْرِبُ القُلُوبَ شدَّةَ الحِرْصِ، ويَخْتِمُ على القُلُوبِ بطابعِ حُبِّ الدنيا، وهو مِفْتاحُ كلِّ سَيِّئَةٍ، وسَبَبُ إحْباطِ كُلِّ حَسَنَةٍ. ))

[ الذهبي:الأربعون الودعانية: حكم المحدث: موضوع، كما في كتاب تاريخ الإسلام ]

العلماء قالوا: "ليس النهي نهياً عن النظر، ولكن النهي نهيٌ عن مد العينين إلى ما متعنا به أزواجاً منهم" ، أي المبالغة في التأمُّل، وفي التدقيق، وفي التنهُّد بعد النظر، هنيئاً له على هذه المركبة، ما هذه المركبة؟ هذا النظر، والتنهُّد، والتحسُّر، هذا ليس من أخلاق المؤمن، النبي عليه الصلاة والسلام كلما نظر إلى شيءٍ من متاع الدنيا قال: عن أنس بن مالك:

(( اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلَّا  عَيْشُ الآخِرَهْ، فأصْلِحِ الأنْصارَ والمُهاجِرَهْ. ))

[ صحيح البخاري ]

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ إذاً النهي عن مدّ العينين، كأن العين تخترق، وتنظر، وتشـتهي، والقلب يتحسَّر، والفكر يطمح، لا، لم تُخْلَق لهذا، كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا دعي إلى اللعب وإلى اللهو يقول: لم اُخلق لهذا.
أنت لم تخلق لهذا، كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( خلقت لك ما في السماوات والأرض، ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف خبز أسوقه إليك كل حين؟ لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضة لم أخالفك في رزق، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك، ولا أبالي. ))

[ ليس بحديث، وهو من الإسرائيليات ]

(( عن أبي ذر الغفاري: قال رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لرجل وهو يوصيه أَقْلِلْ من الشَّهَوَاتِ يَسْهُلْ عليكَ الفقرُ، وأَقْلِلْ من الذُّنُوبِ يَسْهُلْ عليكَ المَوْتُ، وقَدِّمْ ما لَكَ أَمَامَكَ يَسُرَّكَ اللِّحاقُ بِهِ، واقْنَعْ بِمَا أُوتِيتَهُ يَخِفُّ عليكَ الحِسَابُ، ولا تَتَشَاغَلْ عَمَّا فُرِضَ عليكَ بِمَا قَدْ ضُمِنَ لَكَ، إنَّه لَيْسَ بِفَائِتِكَ ما قُسِمَ لَكَ، ولَسْتَ بِلاحِقٍ ما زُوِيَ عَنْكَ فَلا تَكُ جَاهِدًا فِيمَا يُصْبِحُ نَافِدًا، وأَوْسِعِ المُلْكَ الذي لا زَوَالَ لَهُ في مَنْزِلٍ لا انْتِقَالَ عَنْهُ. ))

[ الذهبي:الأربعون الودعانية: حكم المحدث: موضوع، كما في كتاب تاريخ الإسلام ]

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ فا تقف أمام بيتٍ فخمٍ وتبالغ في النظر إليه، لا تقف أمام مركبةٍ فخمةٍ جداً وتبالغ في النظر إليها، لا تدقق في هذه الرياش والأثاث التي قد تطالعك إذا دخلت إلى بعض البيوت، لذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه: "من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط"، أي هؤلاء الأغنياء المترفون غير المؤمنين يعرضون على الزائر ما عندهم من طنافس، ومن رياش، ومن متاع، ويتحدثون عن قيمتها، وعن ثمنها، وكيف اشتروها، وما شأنها؟ وكم قطعة في دمشق منها مثلاً؟ هذا الحديث عن الأثاث، والرياش، والمتاع إنه يبعد عن الله سبحانه وتعالى، يا عائشة: عن عائشة أم المؤمنين :

(( إن أردتِ اللُّحوقَ بي فليَكْفِكِ من الدُّنيا كزادِ الرَّاكِبِ، وإيَّاكِ ومجالَسةَ الأغنياءِ، ولا تستَخلِقي ثوبًا حتَّى تُرقِّعيهِ. ))

[ ضعيف الترمذي: حكم المحدث: ضعيف جداً ]

 

الابتعاد عن الدهشة عند الدخول على الكافر الغني لأن الدنيا دار مؤقتة:


﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ﴾ الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء يقول: لهذه الآية معنىً آخر، إنك إذا دخلت إلى بيت مترف لسببٍ أو لآخر، وكان صاحب هذا البيت بعيداً عن الله عزَّ وجل، وقيمته في هذا المتاع، كما قال الإمام عليٌ كرم الله وجهه: "يأتي على الناس زمان قيمة الرجل متاعه" ، أي يستمد قيمته من نوع مركبته، من موقع بيته، من ثمن بيته، من ثمن أثاثه، هذه مكانته، ليس له مكانة أخرى إطلاقاً، هو في نظر الله صغير جداً، لهم صغارٌ عند الله، لا شأن له عند الله، ساقطٌ من عين الله، ولكن يستمد مكانته من هذه الرياش، وهذه الطنافس، وهذا الأثاث، وهذه الإمكانات، فلذلك إذا دخل عليه المؤمن، وبدا عليه الدهشة، وبدا عليه مد النظر، ففي هذا زعزعةٌ لمكانة المؤمن، وكأن الكافر بهذا استعلى على المؤمن، لذلك يجب ألا تبالي إذا دخلـت على مُترف ألا تبالي بما عنده منها، لا تلقي لها بالاً، لا تدقق النظر إليها، لا تمدن عينيك إليها، كن عادياً، أعرض عنها، لا تكترث بها، هذا شيءٌ ترد به على أهل الدنيا الذين يستمدون مكانتهم فقط من رياشهم، ومن متاعهم، ومما عندهم منها.
وهذا أيضاً يظهر بشكلٍ واضحٍ عند النساء، فإذا كانت امرأةٌ لها زوجٌ غني، وقد أعطاها كثيراً من الحِلِيّ، فنها تضع هذا الحلي لتباهي به النساء الأخريات، أو لتضع في أنفسهن الحَسرة، لذلك المرأة المؤمنة لا تبالي بهذا، ولا بهذه الحلي، ولا بهذه الألبسة الغالية، ولا بهذا البيت الفخم، إنها إن بالت بهذا فقد ضعضعت مكانتها، قال عليه الصلاة والسلام  عن أبي الدرداء:

(( ومَنْ قَعَدَ أو جَلَسَ إلى غَنِيٍّ فتَضَعْضَعَ له لِدُنْيا تُصِيبُه؛ ذهب ثُلُثَا دِينِه ودَخَلَ النَّارَ. ))

[ ضعيف الترغيب :حكم المحدث: ضعيف جداً ]

إذا أطلعك على شيءٍ فخمٍ لا تبحلق عينيك فيه، ولا تندهش، ولا تقل: ما أجمله ! لا، لا، أعرض عنه، هكذا الأمر الإلهي، ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ﴾
 قال عليه الصلاة والسلام:

(( عن سَلَمَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا. ))

[ رواه البخاري في"الأدب المفرد"والترمذي في"السنن" وقال: حسن غريب. ]

وقال الشيخ الألباني رحمه الله بعد تخريجه الحديث عن جماعة من الصحابة: "وبالجملة، فالحديث حسن إن شاء الله بمجموع حديثي الأنصاري وابن عمر. والله أعلم 
 

أقوال الصحابة في ذمّ الدنيا:


هذه الدنيا لا تستأهل فوق ذلك، إنها دار المؤقت، ليست دار القرار، ممرٌ وليست مقراً، عش في الدنيا كأنك غريب، عش في الدنيا كأنك مسافر، ما لي وللدنيا، يا دنيا طلقتك بالثلاث طلاقاً لا رجعة فيه، شأنك حقير، وخطرك كبير، إليك عني يا دنيا، هذا قول سيدنا علي. 

(( دخلوا على سيدنا أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وقد قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: عن أنس بن مالك: لِكلِّ أُمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ أمتي أبو عبيدَةُ بنُ الجرَّاحِ. ))

[  صحيح الجامع: خلاصة حكم المحدث: صحيح  أخرجه البخاري، ومسلم باختلاف يسير ]

دخلوا عليه وكان قائد الجيوش الإسلامية في بلاد الشام، رأوا غرفةً صغيرةً لا تتسع لشخصين، ورأوا قدر ماءٍ غُطي برغيف خبزٍ، وجلد غزالٍ، وسيفاً معلقاً على الحائط، هذا هو كل ما عنده، فقال له بعض أصحابه: ما هذا يا أبا عبيدة؟ قال: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير.
 دخل عدي بن حاتم على النبي عليه الصلاة والسلام فقال: << والله ما هذا بأمر ملك، دخلت عليه فدفع إلي ّوسادةً من أدمٍ محشوةً ليفاً، فقال: "اجلس عليها"، قلت: "بل أنت"، قال: "بل أنت"، قال: "فجلست عليها، وجلس رسول الله على الأرض"، ليس في بيته إلا وسادة واحدة، واحدة لما جلس عليها عدي بن حاتم جلس النبي عليه الصلاة والسلام على الأرض، هي للدنيا وعلى الدنيا كثير >>. 
دخل عليه سيدنا عمر، وقد أثر الحصير على جبينه الشريف فبكى، قال: "يا عمر ما يبكيك؟"  قال: "رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير !!" ، قال: عن أنس بن مالك:

(( دخَلْتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو مضطَجِعٌ على سَريرٍ مُرمَلٌ بشَريطٍ، وتحت رأسِه وِسادةٌ من أَدَمٍ، حَشوُها ليفٌ، فدخَلَ عليه نفَرٌ من أصحابِه، ودخَلَ عمرُ فانحَرفَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ انحرافةً فلم يَرَ عمرُ بين جَنبِه وبين الشَّريطِ ثوبًا، وقد أثَّرَ الشَّريطُ بجَنبِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فبَكى عمرُ، فقال له النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما يُبكيكَ يا عمرُ؟ قال: واللهِ ما أَبْكي إلَّا أنْ أكونَ أعلَمُ أنَّكَ أكرمُ على اللهِ من كِسْرى، وقَيصَرَ، وهما يَعيثانِ في الدُّنيا فيما يَعيثانِ فيه، وأنتَ يا رسولَ اللهِ بالمكانِ الذي أَرى، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَا تَرْضى أنْ تكونَ لهمُ الدُّنيا ولنا الآخرةُ؟ قال عمرُ: بَلى، قال: فإنَّه كذاكَ. ))

[ شعيب الأرناؤوط: تخريج المسند لشعيب: خلاصة حكم المحدث: صحيح لغيره:  أحمد واللفظ له، وأبو يعلى، وابن حبان ]

هذه الدنيا الحقيرة التي لا شأن لها سريعة الأفول والزوال، هي لهم، إذاً: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ ، الإنسان حينما يشتهي الدنيا يصبح معها كالزوج، هذا مغرمٌ بجمع الدرهم والدينار، عبد للدرهم والدينار، عن أبي هريرة رضي الله عنه:

(( تعِس عبدُ الدينارِ، تعِس عبدُ الدرهمِ، تعس عبدُ الخميصةِ، تعس عبدُ الخميلةِ، تعِس وانتكَس وإذا شيكَ فلا انتقشَ. ))

[ أخرجه البخاري ]

وهذا مغرمٌ بالشهوات: ((تعس عبد الفرج)) وهذا مغرمٌ بالطعام والشراب: ((تعس عبد البطن)) وهذا مغرمٌ بالأناقة واللباس والرياش: ((تعس عبد الخميصة)) فلذلك المؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: 

(( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ. ))

[ صحيح الترغيب: حسن ]

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً﴾ أي هو والنساء زوج، هو والمال زوج، هو والرياش زوج، هو والسفر زوج، هذه هوايته في الحياة.

  الدنيا كالزهرة سريعة الذبول والانقراض:


﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الله سبحانه وتعالى شبَّه هذه الدنيا، وزينتها، وبهرجها، وزخارفها، ورياشها، ونساءها، ومالها، وبيوتها، وبساتينها، ومركباتها، شبهها بالزهرة، والزهرة سريعة الذبول، قبل أسبوع كانت الغوطة كلها أزهار، أين هي الآن؟ انتهت، لذلك قال بعض الشعراء يعاتب خليفةً يقول:

لا يكن عهدك ورداً                  إن عهـدي لك آسُ

[ ابن زيدون ]

* * *

ما معنى: لا يكن عهدك ورداً؟ أي سريع الذبول، فربنا عزَّ وجل شبَّه الدنيا بأنها زهرة، حتى يستكمل الإنسان مقومات حياته في الأربعين، وقد يموت في الخمسين، عشر سنوات، قبل الأربعين كلها تعب، تعبٌ كلها الحياة، فما أعجب إلا من راغبٍ في الزيادة، زهرة الحياة الدنيا.

﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)﴾

[  سورة الكهف  ]

(( فلذلك: رجل قالَ: يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قالَ: مَن طالَ عمرُهُ، وحَسنَ عملُهُ، قالَ: فأيُّ النَّاسِ شرٌّ؟ قالَ: مَن طالَ عمرُهُ وساءَ عملُهُ. ))

[ صحيح الترمذي ]

النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله: أكثروا ذكر هادم اللَّذات: الموت. ))

[ رواه الترمذي، والنَّسائي، وصحَّحه ابن حبَّان ]

مفرق الأحباب، مشتت الجماعات. 

(( بادِروا بالأعمالِ سبعًا، هل تنتِظرونَ إلَّا مرضًا مُفسدًا، و هَرمًا مُفندًا، أو غنًى مطغيًا، أو فَقرًا مُنسيًا، أو موتًا مُجهِزًا، أو الدَّجالَ، فشرُّ مُنتظَرٍ، أو السَّاعةُ، و السَّاعةُ أدهَى و أمَرُّ. ))

[ السلسلة الضعيفة: خلاصة حكم المحدث: ضعيف ]

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنمتحنهم أيؤثرون الله عزَّ وجل أم يؤثرون الدنيا؟ 
 

الرابح من كان مستقيماً على أمر الله وطائعاً له:


﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ تقول أنت: صدق الله العظيم، فهل أنت مصدقٌ ربك في هذه الآية؟ ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أي إذا كنت مستقيماً على أمر الله، إذا كنت طائعاً لله فالآخرة لك، والعقبى لك، وأنت الفائز، وأنت الرابح، وأنت الناجح، وأنت المتفوق، وأنت الأول.

﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾

[  سورة الأحزاب  ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾

[ سورة فصلت  ]

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية ]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[ سورة القصص  ]

﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ الدنيا أقل وأقصر، كلها متاعب، "إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي" .
 

متاع الدنيا قليل:


﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾

[ سورة طه ]

 وعلى قوله تعالى: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما أخذتِ الدنيا من الآخرةِ إلا كما أخذَ مِخيَطٌ غُمِس في البحرِ من مائهِ. ))

[ السلسلة الضعيفة: حكم المحدث:منكر بذكر المخيط ]

والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)﴾

[ سورة النساء ]

 إذا كان الجليل يقول عن متاع الدنيا: قليل، فهل تراه أنت كثيراً؟ ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾

[ سورة التوبة  ]

 

على الإنسان أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر عليهم:


﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الإنسان بحكم أن الله سبحانه وتعالى جعل نظام المجتمع أساسه الأسرة، فالإنسان لا يسعد إذا كان هو مهتدياً، وأهله في ضلال، إن هناك المخاصمات، والمُشاحنات، والتناقضات، والصراعات، فمن أجل أن تسـعد لابدَّ من أن يكون أهلك معك على خطِّك، وعلى طريقتك، ولابدَّ من أن يشربوا من مشربك، وأن يهتدوا بهداك، فلذلك جاء الأمر الإلهي: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ أي اصطبر كي تصبح صلاتهم كما أرادها الله عزَّ وجل، مُرهم بالصلاة، واصطبر عليهم. 
 

الله سبحانه وتعالى هو الرزَّاق:


﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾ أي الله سبحانه وتعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، أي هذه الصلاة فيها اقتطاعٌ للوقت، والوقت كما تعلمون أصل كسب المال، لكن الله سبحانه وتعالى هو الرزَّاق، ما دام الله هو الآمر فهو الضامن والناصر، ما دام الله هو الآمر بالصلاة فهو الذي يتكفَّل برزقك، فهو الذي يرزقك من حيث لا تحتسب، فلذلك على الإنسان ألا يتحجج بالرزق لتقاعسه عن حضور مجالس العلم، لا يتحجج بالرزق لتقاعسه عن أداء الصلاة، فالله سبحانه وتعالى هو الرزاق، لذلك كم من إنسانٍ اقتطع من وقته قسطاً ليصلي فيه فجاء رزقه وفيراً ! وكم من إنسانٍ ضنّ بوقته عن أن يصلي فيه فجاءت مصيبةٌ أتلفت ماله ! لذلك ما عند الله لا يُنال بمعصيةٍ، ومن ابتغى شيئاً بمعصية الله كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ أي زوجتك وأولادك، ومن في عهدتك، ومن في رعايتك، ومن أنت عليهم ولي، ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ .
عن زياد بن الحارث الصدائي:

(( مَن طلَب العلمَ تكفَّلَ اللهُ لهُ برزقِه. ))

[ ضعيف الجامع: حكم المحدث:موضوع ]

عن أبي هريرة:

(( أبى اللهُ أن يرزقَ عبدَه المؤمنَ إلا من حيثُ لا يحتسبُ. ))

[ محمد جار الله الصعدي : النوافح العطرة: حكم المحدث:ضعيف ]

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2)﴾

[ سورة الطلاق  ]

نزلتْ فلما اسـتحكمت حلقاتها             فـرجت وكان يظن أنها لا تفرجُ

[ الإمام الشافعي ]

* * *

 

العاقبةُ للتقَوى:


﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ هذا كلام الله، هذا كلام خالق الكون، يقول لك: العاقبة للمؤمن، للتقي، والزمان يدور، ينتهي بفوز المؤمن وهلاك الكافر:

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾

[ سورة الإسراء ]

فالعاقبة للمتقين، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ .
 

الله تعالى أرسل الأنبياء وأنزل الكتب لتقوم الحجة على العباد ويجزى كل إنسان بعمله:


﴿ وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)﴾

[ سورة طه ]

كما فعل سيدنا موسى، أو سيدنا صالح ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ أليس هذا هو الآية؟ أليس في هذا القرآن أخبار الأمم السابقة؟ هل عرف النبي هذا إلا عن طريق الوحي؟ أنَّى له أن يعرف ما جرى في الأقوام السابقة لولا أنه نبي يوحى إليه؟ أليس هذا الكتاب آيةً كافيةً على نبوته؟ 

﴿ وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى(134)﴾

[ سورة طه ]

 أي الله عزَّ وجل يرسل الأنبياء، ويرسل المرسلين، وينزِّل الكتب لتقوم الحجة على العباد، لو لَم يُذَكِّر: 

﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى * قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)﴾

[ سورة طه ]

 كل منكم ينتظر ما وعده الله به، الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بالخيرات، ووعد الكافرين بالعقوبات، لذلك:

﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)﴾

[  سورة المطففين  ]

الناس رجلان: برٌ تقي كريمٌ على الله، وفاجرٌ شقي هينٌ على الله. ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ وكل إنسـان ينتظر ما وعده الله به، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. 
 

بطولة الإنسان أن يعرف الحقيقة قبل فوات الأوان:


﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ هذه السين للاستقبال، لابدَّ من أن يأتي اليوم الذي تعرفون فيه مصداق هذا القرآن الكريم:

﴿  قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ(52)﴾

[ سورة يس  ]

لابدَّ من أن تأتي الساعة التي يتحقق فيها هذا الوعد والوعيد، ولكن متى؟ بعد فوات الأوان، البطولة أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، أما أن تعرفها بعد فوات الأوان فهذه لجميع الناس ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾ .

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور