وضع داكن
17-06-2024
Logo
خواطر - الأردن : 3 - خمس حقائق من فقه الابتلاء .
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُرّ الميامين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا رب العالمين.

اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات، إلى جنات القربات.


الابتلاء : 


موضوع اليوم، خمسُ حقائق في فقه الابتلاء، ونحن في ابتلاء، هذا الموضوع ينطلق من قوله تعالى: 

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ 

[ سورة العنكبوت  ] 

أي أنَّ علة وجودنا في الأرض الابتلاء، إذاً لقد جرَت سُنّة الله في الحياة الدنيا أن تُبنى على الابتلاء، فالإنسان يُبتلى في دينه، وفي ماله، وفي أهله، وكل هذه الابتلاءات ما هي إلا امتحانات يمتحِنُ الله بها عباده.

﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)﴾ 

[ سورة الأنفال ] 

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)﴾ 

[ سورة آل عمران ] 

أيُها الإخوة الكرام، لقد صَدَق الله عز وجل حينما ذكر أنَّ علة وجود الإنسان الابتلاء، فإن الله تعالى أحياناً يقوّي أعداءه، ويقوّيهم حتى يقول ضِعاف الإيمان أين الله؟! هذا ابتلاء، ثم إنه ليُظهِر آياته في الانتقام من الظالمين، حتى يقول الكفار لا إله إلا الله.

أيها الإخوة، الفِتن والابتلاءات التي يتعرض لها أهل الإيمان كثيرة، من هذه الفِتن أن يتعرض المؤمن للأذى والاضطهاد، من الباطل وأهله من أعدائنا، أعداء الحق، أعداء الخير، أعداء الإنسانية، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه الأذى، ولا يملِك لنفسه النُصرة أو المَنعة، ولا يجد القوّة التي يواجه بها الطغيان. 


خمسُ حقائق من فقه الابتلاء: 


السؤال: فما الحكمة من الابتلاءات التي يبتلي الله بها المؤمنين؟‍! 

الحقيقة الأولى: الإعداد الحقيقي لتحمُّل الأمانة 

الحقيقة الأولى في هذا الموضوع، إنَّ الله تعالى غنيٌ عن تعذيب عباده كلهم، وحاشا له جلَّ جلاله أن يُعذِّب عباده، أو أن يوقِع الأذى بهم، فهو جلَّ جلاله الرحمن الرحيم، خلق عباده ليرحمهم، ويسعدهم بمعرفته وعبادته.

أمّا هدف الابتلاء فهو الإعداد الحقيقي لتحمُّل الأمانة الكبرى، والمسؤولية العظمى، فحمل الأمانة لا يتم إلا بالمعاناة، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات التي لا ترضي الله، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو ثوابه، على الرغم من امتداد أمَد الفتنة والابتلاء، وقد امتدّت الفتنة والابتلاء في بلدنا.

أيها الإخوة الكرام، فكما تفتِن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، كذلك تصنع الفِتَن بالنفوس، تَصهِرُها فتنفي عنها الخَبَث، هذه الحقيقة الأولى.

الحقيقة الثانية: الابتلاء يُكفّر الخطايا والذنوب 

أما الحقيقة الثانية في فقه الابتلاء، الابتلاء يُكفّر الخطايا والذنوب، ويرفع عند الله الدرجة، ومن خلاله يشهَد الله لأهل الابتلاء، بأن في إيمانهم قوّة، فهو سبحانه وتعالى يختارهم للابتلاء. 

وفي الحديث الشريف: 

(( قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ، فيُبتلى الرَّجلُ على حسْبِ دينِه، فإن كانَ في دينهِ صلبًا اشتدَّ بلاؤُهُ، وإن كانَ في دينِهِ رقَّةٌ ابتليَ على حسْبِ دينِه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يترُكَهُ يمشي على الأرضِ ما عليْهِ خطيئةٌ  )) 

[ أخرجه الترمذي  ] 

ويقول عليه الصلاة والسلام: 

(( دخلتُ علَى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وَهوَ يوعَكُ فوضعتُ يدي عليهِ فوجدتُ حرَّهُ بينَ يديَّ فوقَ اللِّحافِ فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ ما أشدَّها عليكَ قالَ إنَّا كذلِكَ يضعَّفُ لَنا البلاءُ ويضعَّفُ لَنا الأجْرُ قلتُ يا رسولَ اللَّهِ أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً قالَ الأنبياءُ قلتُ يا رسولَ اللَّهِ ثُمَّ مَن قالَ ثُمَّ الصَّالِحونَ إن كانَ أحدُهُم ليُبتَلى بالفَقرِ حتَّى ما يجدُ أحدُهُم إلَّا العَباءةَ يَحويها وإن كانَ أحدُهُم ليفرَحُ بالبلاءِ كما يفرَحُ أحدُكُم بالرَّخاءِ)) 

[ أخرجه ابن ماجه والطبري  ] 

وقد ورد في صحيح البخاري

(( قُلتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ: أخْبِرْنِي بأَشَدِّ ما صَنَعَ المُشْرِكُونَ برَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قالَ: بيْنَما رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُصَلِّي بفِنَاءِ الكَعْبَةِ، إذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بنُ أبِي مُعَيْطٍ فأخَذَ بمَنْكِبِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ولَوَى ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ به خَنْقًا شَدِيدًا، فأقْبَلَ أبو بَكْرٍ فأخَذَ بمَنْكِبِهِ ودَفَعَ عن رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وقدْ جَاءَكُمْ بالبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ. )) 

[ صحيح البخاري ] 

ولقد ورد أيضاً في صحيح البخاري عن الخبّاب بن الأرت، رضي الله عنه أنه قال: 

(( أَتَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وهو في ظِلِّ الكَعْبَةِ وقدْ لَقِينَا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، ألَا تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ، فَقالَ: لقَدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بمِشَاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ عِظَامِهِ مِن لَحْمٍ أوْ عَصَبٍ، ما يَصْرِفُهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ويُوضَعُ المِنْشَارُ علَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فيُشَقُّ باثْنَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذلكَ عن دِينِهِ، ولَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هذا الأمْرَ حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، ما يَخَافُ إلَّا اللَّهَ. )) 

[ صحيح البخاري ] 

أيها الإخوة الكرام، إذا كانت هذه الاعتداءات على النبي الكريم، وله من الجلال والوقار في نفوس العامة والخاصة ما له، فكيف بالصحابة الكرام، لاسيما الضُعفاء منهم، أنتم تعلمون ما الذي كان يُفعَل ببلالٍ، وخبّابٍ، وآل ياسر، وصهيبٍ، وابن مسعود، وغيرهم ممن قالوا: لا إله إلا الله.

 فهؤلاء الصحابة الكرام الذين عُذِّبوا، ضربوا لنا أروع الأمثلة في الصبر على البلاء، والتضحية لهذا الدين، حتى لو كانت بالأرواح والأبدان، هذه حقائق تُخفف مِن وقع الابتلاء.

الحقيقة الثالثة: عملية الفرز 

الحقيقة الثالثة أيها الإخوة في فقه الابتلاء، أن الله تعالى يُمحّص الناس في الابتلاء ويفرزهم، فيَظهَر نِفاق المُنافقين، وينجلي كذب الكاذبين، كما يَظهُر ثبات الثابتين، ويتضِح إيمان المؤمنين، قال تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) 

ابن القيّم رحمه الله تعالى قال: 

<<إنَّ الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته، أنه لا بُدّ من أن يمتحن النفوس، ويبتليها، فيُظهِر بالامتحان طيبها من خبيثها، ومن يصلُح لموالاته وكرامته ومَن لا يصلُح، وليُمحّص النفوس التي تصلُح له ويخلّصها بكير الامتحان، كالذهب الذي لا يخلُص ولا يصفو من غشّه إلا بالامتحان، إذ النفس إذا ابتعدت عن ربِّها جاهلةٌ ظالمة، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخُبثِ، ما يحتاج خروجه إلى الابتلاء والتصفية، فإن خرج في هذه الدار، وإلا ففي كير جهنم، فإذا هُذِّب العبد ونُقّيَ، أُذِن له في دخول الجنة>>. 

ليس أحدٌ أيها الإخوة، أغّيَر على الحق وأهله من الله، ولكنها سُنّة الله الجارية، لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف، قال تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين) 

الحقيقة الرابعة: إظهار آياته 

الحقيقة الرابعة في هذا الموضوع، في فقه الابتلاء، الله تعالى من خلال الابتلاء يُظهِر للناس آياته، ويُبيّن لعباده عاقبة الظُلم والظالمين، ويستخلف عباده الصالحين، مهما طالت مدة الابتلاء، أين فرعون؟ الذي قال لقومه: 

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي  فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾ 

[ سورة القصص  ] 

والذي قال أيضاً: 

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)﴾ 

[ سورة النازعات  ] 

والذي قال: 

﴿ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)﴾ 

[ سورة الزخرف  ] 

فأجراها الله من فوقه.

أين هامان؟ أين قارون؟ أين عاد؟ أين ثَمود؟ 

﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)﴾ 

[ سورة العنكبوت  ] 

وصَدَق مَن قال:

أين الظالمون وأين التابعون لهـم             في الغيِّ بل أين فرعون وهامانُ

وأين مَن دوّخوا الدنيا بسـطوتهم             وذكرهم في الورى ظلمٌ وطغيانُ

أين الجـبابرة الطاغـون ويحَــهُمُ             وأيـن مـن غـرّهم لهوٌ وسلـطانُ 

هـل أبقـى الـموت ذا عـزٍ لعزتـه             أو هـل نجـا مـنه بالأموال إنسانُ

لا و الذي خلـق الأكوان من عدمِ             الـكـل يـفـنـى فـلا أنـسٌ ولا جـانُ

وفي الحديث الشريف: 

(( أن رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ بعَثَ معاذَ بنَ جَبلٍ إلى اليمَنِ، فقالَ اتَّقِ دَعوةَ المظلومِ؛ فإنَّهُ ليسَ بينَها وبينَ اللَّهِ حجابٌ )) 

[ صحيح الترمذي ] 

وفي روايةٍ أُخرى: 

(( ثلاثةٌ لا تُردُّ دعوتُهم الصَّائمُ حتَّى يُفطرَ والإمامُ العادلُ ودعوةُ المظلومِ يرفعُها اللهُ فوق الغمامِ وتُفتَّحُ لها أبوابَ السَّماءِ ويقولُ الرَّبُّ وعزَّتي لأنصُرنَّك ولو بعد حينٍ )) 

[ أخرجه  الترمذي وابن ماجه وأحمد ] 

الحقيقة الخامسة: الشوق لله تعالى

بقيَ الحقيقة الخامسة في فقه الابتلاء، الابتلاء في الدنيا يجعلك أيها المؤمن في شوقٍ للقاء الله تعالى،

فالدنيا لا تستقر لأحدٍ، ولا تدوم على حالٍ، فإذا ما اشتدَّ الكربُ، وتعاظم الابتلاء، اشتاق المؤمن للقاء مولاه،

وخَرَج حُب الدنيا من قلبه، وتعلّق بالآخرة وعَمِل لها وسعى.

اللهم ارحم شهداءنا وداوِ جرحانا، وفكّ أسر المعتقلين واحقِن دماء الأبرياء والمظلومين، برحمتك يا أرحم الراحمين.


الدرس مدقق

الحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور