وضع داكن
03-06-2026
Logo
بعد النصر - من أجمل ما قرأ الدكتور : موضوع دعوي عن النابلسي
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

من يشاهد أو يتابع مراسم الحفاوة والاستقبال الرسمي والشعبي التي ترافق تحركات وجولات الداعية الشيخ ورجل الدين محمد راتب النابلسي سيتوقف كثيراً عند هذه الشعبية التي يتمتع بها هذا الرجل . ليس ذلك فحسب ، مظاهر الحفاوة هذه تعطي صورة واضحة ولا لبس فيها عن التحول السياسي والاجتماعي الكبير الذي تشهده دولة مثل سوريا، دولة عاشت لأكثر من ستين سنة تحت ظل نظام وحزب "علماني" ونسجت تحالفاتها الدولية بناء على هذا الأساس .


مظاهر الحفاوة هذه ترسل رسالة واضحة مفادها أن النظام السابق وذلك الحزب كانا في وادٍ بينما الغالبية كانت في واد آخر. الثورة ضد ذلك النظام، وفيما بعد الجرائم التي ارتكبها ضد الغالبية، وكانت جرائم ممنهجة ذات منحى طائفي ، كانت بمثابة بداية النهاية له، لكن بنفس الوقت كانت بداية صعود لطبقة جديدة من الجماعات والتنظيمات الإسلامية المسلحة، وعندما أسقطت تلك التنظيمات النظام البائد، دخلت سوريا كلها في حقبة وزمن جديدين، أحد رموز الحقبة الجديدة بجدارة هو: الشيخ محمد راتب النابلسي . 

ولا يُعرف عن الشيخ النابلسي أنه كان من الشخصيات الدينية التي تبنّت خطاباً سياسياً مباشراً وصدامياً ضد نظام بشار الأسد كما فعل بعض رجال الدين أو المعارضين السوريين. أسلوبه طوال سنوات الثورة السورية كان أقرب إلى الخطاب الدعوي والأخلاقي العام، مع تجنب الدخول في التفاصيل السياسية اليومية أو استخدام لغة هجومية حادة ضد النظام. 

لكن في المقابل، توجد مؤشرات واضحة على أنه لم يكن مؤيداً للنظام، وأنه وقف عاطفياً وأخلاقياً إلى جانب الثورة السورية أو على الأقل ضد ما جرى من قمع وعنف.


وعلى مستوى شخصي، ورغم أني لست متديناً، أشعر بالارتياح لطبقة صوته الهادئة وأسلوبه في الكلام، يلفتني أنه غالبا ما يحض في خطبه على طلب العلم ويدعو للتحصن بالأخلاق، وغيرها من التفاصيل والنصائح المتعلقة بحياة الناس اليومية. 

بعد سقوط النظام التقى الشيخ النابلسي والرئيس السوري أحمد الشرع وبعد ذلك، صدرت عن النابلسي عدة مواقف وتصريحات يمكن اعتبارها داعمة للإدارة الجديدة، لكنها بنفس الوقت أثارت جدلاً وانتقادات واسعة حين قال إن «دعم الشرع وحكومته فرض عين على كل مسلم»، قبل أن يصدر توضيحاً أو تراجعاً جزئياً عن الصيغة الحادة للتعبير. 

وبعد أحداث التوتر الطائفي وبعض أعمال العنف، دعا النابلسي السوريين إلى رفض الانتقام والطائفية، وقال إن «منطق الدولة هو العدالة لا الثأر»، وإن «سوريا للجميع». 


هذه المواقف للشيخ النابلسي ، ربما هي الأكثر اقتحاماً "للسياسة" والتدخل فيها، هذا لم يكن ليحصل في وقت سابق ، الشيخ ذاته نأى بنفسه عن "السياسة" رغم كل ما جرى في سوريا عبر العقود الماضية، لكن المشهد اليوم تغير تماماً. فهذا "الشيخ" ترافقه السيارات والمواكب وتُفتح له الأبواب، المسؤولون والضباط والمحافظون وبعض من "المثقفين" والشعراء يتهافتون لاستقباله وسماع خطبه في المساجد. 


سوريا تغيرت كثيراً، تغيرت منذ وقت طويل قبل سقوط النظام، وما يلفت نظري أن كثيرا من "اليساريين" لم يروا ذلك، لم يلتقطوا هذه التحولات الكبرى والعميقة في المجتمع، فتراهم يبنون نقدهم للسلطة الجديدة على خلفية كونها "إسلامية"، فيبدون في نقدهم كما لو أنهم ناموا "في الكهف" ردحاً ثم استفاقوا ليجدوا أمامهم أحمد الشرع. 

القضية ليست أحمد الشرع وخلفيته الدينية العقائدية، القضية أعمق من ذلك بكثير. وإلا ما سرّ هذه "الشعبية" التي يحظى بها، وما تفسير تلك الحفاوة التي يلقاها رجل دين مثل الشيخ محمد راتب النابلسي .

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور