وضع داكن
16-05-2026
Logo
بعد النصر - ومضات إسلامية : 057 - ابتلاء الإنسان في الحياة الدنيا حتمي.
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الدكتور بلال نور الدين:
أيُّها الإخوة الأكارم: سيدي كما أسلَفت على المِنبَر، اليوم صباحاً استيقظ السوريون ففرحوا برؤية مشهدٍ من مشاهد العدالة الإلهية، هذا الرجُل الذي نُنزِّه المسجد عن ذكر اسمه، هذا المُجرِم الذي ظهر وهو نقيبٌ في الجيش البائد، وهو يقتُل الناس في حفرة التضامن الشهيرة، قد أُلقي القبض عليه مع مجموعةٍ من الضُبَّاط المُجرمين ولله الحمد والمِنَّة، فرأى السوريون ورأى العالم شيئاً من عدالة الله تعالى في الأرض، ولكن كما يقول شيخنا العدالة الإلهية المُطلَقة يوم القيامة، ما تعليقكم سيدي؟ 
الدكتور محمد راتب النابلسي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين.

الإنسان يُبتلى بالإيجابيات أو بالسلبيات:


 نحن في حياتنا الدينية، يوجد دنيا ويوجد آخرة، الدنيا دار ابتلاء والآخرة دار جزاء، الإنسان يُبتلى إمّا بالإيجابيات، بالمال الوفير مثلاً، أو بالسلبيات، كلاهما ابتلاء، ينبغي بابتلاء الخيرات الشُكر، وبابتلاء السيئات الصبر، هذا منهج الإنسان، لأنه: 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

[ سورة آل عمران ]

دار جزاء، نحن الآن في دار ابتلاء، مثال: الذي قلَّ دخله هذا موضوع ابتلائك، والذي كثُر دخله موضوع ابتلائك، مُبتلى بقِلّة المال ماذا تفعل؟ هل تأكل المال الحرام؟ أم تُنافِق للأقوياء؟ أم تبقى ساكتاً؟ نحن في دار ابتلاء والآخرة دار جزاء، والبطولة، والنجاح، والفلاح، والتألُّق أن تعرف الله قبل فوات الأوان، لماذا؟ أكفر كفَّار الأرض فرعون الذي قال:

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)﴾

[ سورة النازعات ]

ثم تراجع قليلاً فقال:

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾

[ سورة القصص ]

حينما أدركه الغَرَق قال:

﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾

[ سورة يونس ]


لا ينبغي أن نخسر الجنَّة من أجل أيامٍ معدودات:


أهم شيء أن تؤمن أنك في دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن بشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضاً، فيبتلي ليجزي، اعلم يقيناً أنت في دار ابتلاء، أمّا الجنَّة، ماذا أقول لكم؟ يعني لو وضعت رقم واحد في الأرض وأصفاراً إلى الشمس، مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، وكل ميليمتر صفر، كم هذا الرقم؟! هذا الرقم ضَع تحته خطَّاً وضَع لا نهاية صفر، أنت مخلوقٌ لجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، فيها: 

(( قال اللهُ تَبارَك وتَعالى: أعدَدتُ لعِبادي الصَّالِحينَ ما لا عَينٌ رَأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ، قال أبو هُرَيرةَ: اقرَؤوا إن شِئتُم: {فلا تَعلَمُ نَفسٌ ما أُخفيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعيُنٍ{ ( السجدة: 17) قال أبو مُعاويةَ عن الأعمَشِ عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ: قُرَّاتِ أعيُنٍ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

أيُعقل أن نخسَر الجنَّة إلى الأبد من أجل أيامٍ معدودات؟! أو سنواتٍ معدودات وينتهي كل شيء؟ ماذا يفعل الموت؟ يُنهي كل شيء، يُنهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغِنى الغني، وفقر الفقير، وذكاء الذكي، وغباء الغبي، إنّا في دار ابتلاء، فالبطولة أن ننجح في الابتلاء.
ولذلك الله عزَّ وجل لا يجعلنا من أهل الجنَّة إلى أبد الآبدين، إلا إذا نجحنا في دار الابتلاء، فالبطولة، والنجاح، والتألُّق، والفلاح، أن تعرف الله قبل فوات الأوان، هل تستطيع الدخول على طبيبٍ ولا تملِك مالاً؟ مستحيل، هل تستطيع الدخول إلى محامي، على مهندس دون مال، لكنك تأتي إلى المسجد مجاناً لا يوجد دفع، فالبطولة أن تعرف الله.
الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القُربات، ومِعراج المؤمن إلى ربِّ الأرض والسماوات. 
يوجد دنيا ويوجد آخرة، القرآن كريم كلام الله عزَّ وجل.

(( وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  يَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ))

[ أخرجه الترمذي والبيهقي ]

إذا قرأت القرآن يومياً في الصلاة، ولو أمامك شيءٌ تقرأ منه لا يوجد مشكلة إطلاقاً، هذا كلام الله (وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ) أيُعقل أن نخسَر الآخرة بسنواتٍ معدودة؟!
أنا درست عِلم النفس، دائماً الطُغاة مُصنَّفون مع الأغبياء، الطواغيت جميعاً لأنهم ما أدخلوا الله في حساباتهم.
 مِثالٌ للتقريب: جلسةٌ فيها ثلاثون شخصاً، وفيها شخصٌ واحدٌ مُخبِر، ولا أحد يعرفه إلا واحد، هذا الواحد لم يتكلم بأي كلمةٍ غلط تأسّياً بهذا الشخص المُخبِر، فإذا أيقنت أنَّ الله معك دائماً، يُحاسِبُك على كل شيء، والله ولا أُبالغ، لو أنَّ نملةً تمشي ولم تدهسها، والله محسوبةٌ لك عند الله، من هذا الفعل فما فوق، فلذلك:

﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

[ سورة المؤمنون ]

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

[ سورة الملك ]


نجاح الدنيا نجاحٌ أُحادي أمّا النجاح الحقيقي يوم القيامة:


أنت في دار ابتلاء، مُحاسَب على كل شيءٍ، ولقد أوحى الله تعالى إلى داوُد عليه السلام فقال: <<يا داوُد لو يعلم المُدبِرون عنّي انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقاً إليّ، ولَتَقطَّعت أوصالهم لمحبَّتي، يا داوود هذه إرادتي بالمُدبِرين عنّي فكيف بالمُقبلين عَليّ>> .
فالبطولة، والنجاح، النجاح أُحادي والفلاح شمولي، النجاح كمثالٍ: الذي حكم اليابان سبعين سنة، وآخَر مثل: "بيل غيتس" عنده ثلاثة وثمانين ملياراً، هذا نجاحٌ، والنجاح أُحاديٌ في الدنيا فقط، أمّا في الآخرة شيءٌ لا يُصدَّق. 

فلو شاهدت عيـناك من حســننـا          الـذي رأوه لما ولَّـيت عنـّا لغـيرنــا

ولو سَمِـعَتْ أُذناك حُسن خطابنا           خلـعت عنك ثيـاب العُجب و جئتـنا

ولـو ذُقت مـن طعم المحـبَّة ذرةً           عــذرت الـذي أضـحى قتيلاً بحـبنا

ولـو نسمـت مـن قربنا لك نسمةٌ           لـمـُتَّ غـريـبـاً واشــتياقـاً لـقربـنــا

ولـو لاح مـن أنـوارنـا لـك لائـحٌ           تـركــت جـميـع الكـائنـات لأجـلـنا

فـما حُبـنا سـهلٌ وكـل مـن ادّعى          ســُهـولتـه قـلـنـا لـه قـد جهـلـتـنـــا

وأيسر ما في الحـُب للصبِّ قتله          وأصـعب من قـتل الفتى يوم هجرنا

[ علي بن محمد بن وفا ]

حَفِظ الله لكم إيمانكم، وأهلكم أم المؤمنين، وأولادكم الذكور والإناث، وأحفادكم، ومن يلوذ بكم، الحفظ الإلهي شيءٌ لا يُصدَّق.
إذا أردت الدنيا فعليك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعِلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعِلم، إلا أنَّ العِلم لا يُعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كُلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعطِكَ شيئاً، ويظلُّ المرءُ عالِماً ما طلب العِلم، فإذا ظنَّ أنه قد عَلِم فقد جهل، طالب العِلم يؤثِر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً.

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

[ سورة الرحمن ]

جنَّة الدنيا، جنَّة القُرب وجنَّة الخُلد (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) فالبطولة، والنجاح، والفلاح، والتألُّق أن نعرف الله قبل فوات الأوان.
حَفِظ الله لكم إيمانكم وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، والحمد لله ربِّ العالمين.
الدكتور بلال نور الدين:
جزاكم الله خيراً سيدي، وبارك بكم، وقد أتمَّ الله علينا في هذه الجلسة المُباركة بالصحة والعافية، بارك الله بكم سيدي، شكراً لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   

النص مدقق

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور