وضع داكن
05-12-2021
Logo
مقاصد الشريعة - الدرس : 26 - كسب المال- 2 تداول المال بين جميع الناس
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الأخوة الكرام، مع درس آخر من دروس مقاصد الشريعة الإسلامية والموضوع اليوم كسب المال بالذات.

كسب المال من أوسع نشاطات الإنسان في الدنيا:

أيها الأخوة، الكلمة الرائعة التي قالها بعض العلماء: الشريعة عدل كلها، رحمة كلها، مصلحة كلها، حكمة كلها من أوسع نشاطات الإنسان في الدنيا كسب المال
وأية قضية خرجت من العدل إلى الجور، من المصلحة إلى المفسدة، من الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل.
لعل من أوسع نشاطات الإنسان في الدنيا كسب المال، لأن فيه حاجة للطعام والشراب، هو يعمل ليأكل، ويعمل ليتزوج، ويعمل ليؤكد ذاته، فإذا أردت أن تنسب عدد الأحكام الشرعية في الفقه الإسلامي إلى مجموع الأحكام الشرعية، أو إذا أردت أن تنسب عدد الأحكام الشرعية المتعلقة بكسب المال إلى مجمل الأحكام الشرعية، لرأيتها في أعلى نسبة، بل إن تسعة أعشار الأحكام الشرعية تتعلق بكسب المال، وتتعلق بالعلاقة مع النساء، لأنهما شهوتان، عميقتان، متغلغلتان، صارختان في حياة الإنسان.

المال قوام الحياة:

أيها الأخوة، الشيء الأول: المال قوام الحياة، هذه حقيقة جاء بها القرآن.

﴿ جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً ﴾

( سورة النساء الآية: 5 )

بدخل من أي نوع، وبأي حجم تتزوج، يهيئ لك زواجاً، بيتاً، طعاماً، شراباً، إنجاب أولاد، فالمال قوام الحياة، لكن هذا المال قوة حيادية، يمكن أن يكون سلماً ترقى به إلى أعلى عليين، أو دركات تهوي به إلى أسفل سافلين، قوة حيادية.

المال قيمة حيادية تتحدد قيمته بحسب إنفاقه أو كسبه:

من الخطأ الفاحش أن تتوهم أن الله إن لم يعطك المال فهو لا يحبك، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر )

من الخطأ توهم أن الله لا يحبك لأنه لم يعطك المال
هذه مقالته.

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر )

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ﴾

وهذه مقالته،

﴿ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة الفجر الآية: 17 )

جاء الرد الإلهي ردّ ردع، كلا، ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، بناءً على هذا الكلام هل يعد المال نعمة ؟ الجواب: لا هل يعد نقمة ؟ الجواب: لا، شيء يحير، ما هو إذاً ؟ هو نعمة إذا أنفق وفق منهج الله ونقمة إذا أنفق بخلاف منهج الله، إذاً هو قيمة حيادية، تتحدد قيمته بحسب إنفاقه، أو بحسب كسبه، وبحسب إنفاقه، أول حقيقة المال قوام الحياة.
الحقيقة الثانية: المال قوة حيادية، يمكن أن يكون سلماً ترقى به، أو دركات تهوي بها.

تداول المال بين جميع الناس:

الحقيقة الثالثة: في أصل التشريع، وإن صحّ التعبير في أصل التصميم، كيف أراد الله أن يكون المال بين الناس ؟ كيف أراده أن يكون ؟ أراد الله أن يكون المال بين الناس متداولاً، يعني يتعامل به جميع الناس، ميسوراً لكل الناس أراد الله للمال أن يكون متداولا بين الناس
الدليل على ذلك حينما قال الله عز وجل:

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ ﴾

( سورة الحشر الآية: 7 )

عندنا حالتين، الحالة الأولى أن يكون متداولاً بين الجميع، والحالة الثانية أن يكون بأيدي فئة قليلة، وأن تحرم منه الكثرة الكثيرة، الحالتان الصارختان التي يكون فيهما المال بين الناس متداولاً أو محصوراً بأيدٍ قليلة.
الآن أي تشريع يجمع الأموال بأيدٍ قليلة، ويحرم منه الكثرة الكثيرة، هذا المجتمع الذي يكون المال فيه بأيدٍ قليلة وقد حرمت منه الكثرة الكثيرة، صار في سرقة، صار في احتيال، صار في كذب، صار في غش، صار في دعارة، صار في فسق، صار في فجور، صار في قتل، صار في ثورة، ثورة بدافع الفقر، هذا المعنى أورده الإمام علي رضي الله عنه حينما قال:
" كاد الفقر أن يكون كفراً ".
أنا أضيف على ذلك من باب القياس: وكاد الفقر أن يكون إرهاباً، وكاد الفقر أن يكن سرقة، واختلاساً، وتدميراً، وتخريباً، وقتلاً، ودعارة.
لذلك يمكن بشكل أو بآخر أن ترجع مشكلات المجتمع الكبرى إلى الفقر.

الكسب المشروع يجعل المال متداولاً بين الناس:

لذلك أيها الأخوة، ما التشريعات التي تجعله متداولاً بين الناس ؟ الذي يجعل المال متداولا بين الناس هو الكسب المشروع
وما التشريعات التي تجعله بأيدٍ قليلة، وتحرم منه الكثرة الكثيرة ؟ التشريع الذي يجعله متداولاً هو الكسب المشروع، هو أن تلد الأعمال المال.
عندك مؤسسة، تشتري الأرض، الأرض لها مالك، اشتريتها من مالك الأرض وربح فيها، صار معه مال، جزء من مالك ذهب إلى صاحب الأرض، بنيت فوق هذه الأرض منشأة، اجتحت إلى بناء، وإلى اسمنت، وإلى حديد، وإلى بناء، والحديث عن البناء طويل تحتاج إلى كهرباء، وإلى تمديدات صحية، وإلى طلاء، وإلى، وإلى، وإلى جزء من هذا المال أنعشت به مئتي حرفة، بالمناسبة مئتي حرفة متعلقة بالبناء، لما فكرت تعمل مؤسسة، واشتريت أرض انتفع صاحب الأرض، وانتفع عدد كبير من أصحاب الحرف المتعلقة بالبناء، الآن اشتريت أجهزة، في معامل تعمل بصنع الأجهزة والأدوات تحتاج إلى أثاث، إلى مكاتب، إلى تكييف، تحتاج إلى مستندات، إلى آلات كاتبة، إلى كمبيوترات، هواتف، تحتاج إلى ضيافة، تحتاج إلى موظفين، تحتاج إلى موظف كبير ومدير مبيعات، ومحاسب، ومدير محاسبة، تجد نفسك نصف هذا المال المودع في المشروع توزع بين شريحة كبيرة، فصار المال متداولاً بين الجميع.
في معمل سيارات في فرنسا، قال يشتري من مئتي ألف معمل، معمل تجميع حينما أنشأ هذا المعمل يحتاج إلى مئتي ألف نوع من البضاعة، يشتريها من هذه المعامل.
الاقتصاد عجلة، فإذا بني على الأعمال، الأعمال عادت بالنفع على كل المجالات.

تداول المال بين الجميع إذا ولدته الأعمال:

أول حقيقة في هذا الدرس: يكون المال متداولاً بين الجميع إذا ولدته الأعمال يعني المضاربة، يعني التجارة، يعني الصناعة، يعني الزراعة، يعني المشاريع، يعني الخدمات، لمجرد أن تفكر بتأسيس عمل أنت ضمن منهج الله عز وجل، تأسيس عمل بالعمل سوف تستفيد وتنفع وتسبب رزقاً للآلاف.
تجد محلاً صغيراً فيه أربعة موظفين، على الشبكية أربعة موظفين، أما بالحقيقة هناك خمسمئة إنسان ينتفعون من هذا المحل، كيف ؟ ألا تحتاج إلى دفتر فواتير، هناك مطبعة، حبر مطبعة، حروف مطبعة، هناك تغليف، هناك تجليد، كل هذه المصالح انتفعت من اقتنائك دفاتر فواتير، ألا تحتاج إلى تكييف ؟ إلى تدفئة ؟ ألا تحتاج إلى محاسب ؟ إلى مدير محاسبة ؟ ألا تحتاج إلى مستودع ؟ لو دققت حينما تلد الأعمال المال يتوزع المال بين أكبر شريحة في المجتمع، بين أكبر شريحة.
أما حينما تضع المال في مصرف ربوي، يعطيك فائدة، هذه الفائدة أخذتها من دون جهد، من دون تعب، من دون مغامرة، من دون قرار، التجارة قرار، قد تربح بهذا القرار وقد تخسر، من دون أن تنفع الناس إطلاقاً، وحينما تلد الأعمال المال توزع الأموال بين أكبر شريحة في المجتمع، وحينما تلد الأموال المال يتجمع الأموال بأيدٍ قليلة، وتحرم منه الكثرة الكثيرة.

النظام العالمي نظام استغلالي يقوم على تجمع الأموال في أيدٍ قليلة:

أحياناً إنسان يقول لك: يا أخي الخمر حرام، الإنسان حينما يشرب الخمر تجده ملقى في الطريق، يتقيأ، منظر كريه، يخلط، يتكلم كلاماً بذيئاً، يتكلم شيئاً لا يمكن أن يقوله عاقل عند الغيبوبة، كأن الخمر واضح جداً أخطاره، والإنسان حينما يسرق يودع في السجن، على الشبكية ترى نتائج السرقة، نتائج الاحتيال، نتائج شرب الخمر، نتائج القمار ينتحر.
شخص معه اثنان ونصف مليون دولار بأمريكا من أصل لبناني، مسلم، لعب قمار خسر المبلغ كله، كل ثروته اثنان ونصف مليون دولار، فجاء للبيت فأطلق النار على زوجته وعلى أولاده الخمسة، ثم أطلق النار على نفسه، يئس من الحياة، القمار واضح.

هو الداء الذي لا بُرأة منه وليس لذنب صاحبه اغتفار
تُشاد لـه المنازل شاهقات وفي تشييد ساحتها الـدمار
نصيب النازلين بها سهـاد فإفلاس فيأس فـــانتحار
***

نتائج القمار كارثية
القمار واضح، والخمر واضحة، لكن البنك بناء فخم جداً، مكيف، استقبال، موظفات أنيقات، كمبيوترات، أوامر، على الشبكية لا ترى شيئاً، ترى مؤسسة حضارية على الشبكية، لكن هذه المؤسسة ماذا تفعل ؟ هذه المؤسسة تسهم في تجميع الأموال بأيدٍ قليلة وتحرم منها الكثرة الكثيرة، هنا المشكلة، لذلك قال تعالى:

﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ ﴾

حتى لا يكون بأيدٍ قليلة، والآن صدقوا ولا أبالغ مشكلات أهل الأرض بالدرجة الأولى أن عشرة بالمئة من أهل الأرض يملكون تسعين بالمئة من ثروات الأرض.
أنا ذهبت إلى بلاد كثيرة غنية، يعني ممكن لوحة صدقوا اشتراها صاحبها بثمانية و خمسين مليون دولار، تأخذ عشرة أنت تضعهم بالبيت ؟ 58 مليون دولار، كم هي الأموال طائلة ؟
تتلف المنتجات للحفاظ على الأسعار
كنت في مدينة في ألمانيا بفران فورد، قال ميزانية النظافة أحد عشر مليار يورو النظافة فقط.
أموال لا تأكلها النيران، لأنه حينما يكون النظام العالمي نظام استغلالي الأموال تجمع في أيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة.
في استراليا تمّ إعدام عشرين مليون رأس غنم بالرصاص، ثم دفنوا، حفاظاً على السعر المرتفع، في إحدى السنوات أتلفوا محصول الزبدة في أوربا يساوي ثلاثة أهرامات بالقاهرة حجمه، أتلفوا المحصول حفاظاً على سعره المرتفع.
هناك دول تتلف محصول البرتقال، كامل المحصول، وضعوه بمكان حتى يفسد وينتهي، الزنوج تسللوا من تحت السور وبدؤوا يأخذون ما يأكلون، في العام القادم الذي أرادوا إتلافه سمموه، لئلا يأكله الزنوج الفقراء، ماذا أقول لك ؟ العالم المتطور متوحش والعالم الغير متطور حضاري، حضاري بأخلاقيته، عشرون مليون رأس غنم ما كان من الممكن أن يقدموهم هدية للمجاعات العالمية، بالسودان، ببنغلادش، بإفريقيا، يموتون من الجوع الصغار، جلد وعظم فقط، أليس كذلك ؟.

من طبق منهج الله عز وجل عاش في بحبوحة و يسر:

حينما تكون الأموال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة ما الذي يحصل ؟ اتساع المسافة بين الغني والفقير في بلد دليل تخلف
تنشأ الثورات، وجزء كبير كبير من الإرهاب وراء الفرق الطبقي الكبير، شعوب بأكملها لا تجد ما تأكل، شعوب بآسيا، تأتي من بلد بعيد تبعد عنا عشرة آلاف كم من أجل أن تأخذ مئة دولار بالشهر، تعمل ليلاً نهاراً كي تطعم أولادها، كم هو الفقر هناك ؟ الفقر لا يحتمل.
يا أيها الأخوة، حينما يسلك الناس منهج الله، حينما يلغى الربا، حينما تلغى وسائل الكسب الغير مشروع، تعيش البشرية في بحبوحة وفي يسر، وأنا رأيي الشخصي ميزان التقدم في أية أمة المسافة بين الأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، كلما قَلّت هذه المسافة نكون نحن عندنا تحضر، وكلما ابتعدت هذه المسافة كان التخلف، ما معنى بلاد متخلفة ؟ أي في مسافة كبيرة جداً جداً بين الأغنياء والفقراء، في بلاد أخرى متحضرة لا تجد فرقاً كبيراً بين الغني والفقير، والقوي والضعيف.

تحريم الربا لأنه يجمع المال في أيدٍ قليلة و يحرم منه الكثرة الكثيرة:

على كلٍ موضوع الربا هو أن يلد المال المال قاعدة المال يولد المال يجعله بأيد قليلة ويحرم الكثرة منه
الآن عندنا شيء شكل هندسي هو الموشور، هذا الموشور عبارة عن دوائر متناقصة، هذا الشكل يشار به إلى السعر، السعر كلما ارتفع الدائرة المنتفعة منه ضاقت، أوضح مثل:
في أحد الأعوام كان كيلو الكرز بخمس ليرات، الشام فيها خمسة ملايين، كم بيت يشتري كرز ؟ أعتقد أربعة ملايين بيتاً، صح ؟ إذا كان الكيلو بخمسين ليرة يشتري مليونان، إذا الكيلو بمئة يشتري مليون، إذا بمئة وخمسين نصف مليون، كلما السعر ارتفع الشريحة المنتفعة من هذه السلعة تضيق، واضح تمام ؟.
الآن لمجرد وجود مؤسسة تعطي ربحاً ثابتاً من دون جهد، الذي معه مئة مليون وضعهم بمصرف ربوي، افرض تسعة بالمئة، عشرة بالمئة، المئة مليون بالسنة مليون، صح ؟ تقسيم اثني عشر شهراً، تقريباً بالشهر مئة ألف، قاعد بالبيت تصرف مئة ألف لا تذهب، ولا تأتي، ولا في استراد، ولا في تموين، ولا في جمارك، ولا في تأمينات صحية، ولا في موظفين مالية ولا طوابع، في أكبر من مئة هم بحياة التجار، مرتاح، لا في ضرائب، ولا في شيء أبداً.
فحينما يلد المال المال تجمع الأموال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة.

الربا سبب أساسي من أسباب المتاعب في المجتمع:

الآن ما دام في مؤسسة ربوية، تعطي ربحاً ثابتاً وبلا مجهود، ما عاد الإنسان مستعد أن يضع المئة مليون بمشروع، المشروع في مغامرة، قد يخسر، وفي ضرائب، في مسائلة، كل متاعب التجارة تظهر في وضع المال في العمل التجاري، أو الصناعي، أو الزراعي.
حدثني أخ: جاؤوا بمعمل لطبع السيديات، يعني كلفة القرص مثلاً سبع ليرات الكلفة إذا باعوه بعشرة ربح ثلاثة من عشرة، يأتي جاهز من الصين بخمس ليرات، وقف المعمل، لا يستطيع أن يعمل، هناك بالتجارة مغامرة، هناك قرار جريء أو غير جريء، مدروس أو غير مدروس، في ضرائب، في تموين، في مالية، في متاعب لا يعلمها إلا الله، لماذا هي حلال ؟ لأنه فيها متاعب، ليس التعب هو الأصل في الدين، لا، لكن في جهد، لماذا هي حلال ؟ لأنك مضطر أن تدفع نصف أرباحك مصاريف، شغلت الناس كلها، أنا لا أبالغ مؤسسة متواضعة جداً، فيها ثلاثة موظفين يمكن أن ينتفع منها خمسمئة إنسان، دون أن يشعر بالمصاريف كلها.
إذاً إذا في مؤسسة ربوية تعطي ربحاً ثابتاً بلا جهد، الإنسان ما عاد يغامر بمشروع إلا بربح عالي، ما عاد يقبل عشرة بالمئة لو تخيلنا افتراضاً أنه ما في مؤسسة تعطي ربحاً ثابتاً بالمئة عشرة، أو تسعة بلا جهد، عندئذٍ يقبل الذي معه مئة مليون يوظفهم بالمئة عشرة، إذاً بوجود مؤسسة ربوية تعطي ربحاً ثابتاً، ما عاد في إمكان أن تطرح أموالاً، تطرح عملاً زراعياً، أو صناعياً، أو تجارب إلا بربح عالٍ، بماذا ساهمت المصارف الربوية ؟ برفع الأسعار، واضحة تمام ؟ لا يوجد إنسان عقله برأسه استثمر ماله بمتاعب كبيرة وربح قليل، إلا الربح يكون مجزياً، لأنه هناك مؤسسة تعطي ربحاً محدوداً بلا جهد، لما السعر ارتفع الشريحة ضاقت صار في حرمان، الحرمان أدى إلى متاعب في المجتمع.
لذلك الربا قد لا تجد على الشبكية آثار الربا، لكن قد تجد الآثار في المرابي.

توعد الله عز وجل مرتكب الربا بالحرب:

أخوانا الكرام، ما من معصية توعد الله مرتكبها بالحرب إلا الربا:

﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 279 )

وبالسنة الحرب على من عاد أولياء الله.

سبب المشكلات في المجتمع توزيع الأموال بشكل غير متناسب مع حاجات الناس:

إذاً: مقاصد الشريعة من تحريم الربا: ألا تكون الأموال بأيدٍ قليلة، وألا تحرم منه الكثرة الكثيرة، طبعاً هناك أشياء كثيرة تسهم أيضاً في تجميع الأموال بأيدٍ قليلة، احتكار مثلاً، كل معاصي البيع والشراء تساهم في تجميع الأموال بأيدٍ قليلة.
التنافس هو لصالح المستهلك والأسعار
أحياناً إنسان يحتكر مادة بوسائل غير مشروعة، يستطيع أن يبيعها بربح أربعمئة بالمئة، ستمئة بالمئة يجمع أموالاً مخيفة، فلكية، أما إذا في تنافس لا يستطيع أن يبيعها إلا بسعر معتدل، غيره يبيعها أقل، فالاحتكار يسبب تجميع الأموال بأيدٍ قليلة، الكذب والتدليس، ممكن أن تأتي ببضاعة مكتوب عليها مصنوعة في بلد متطور جداً هي بالحقيقة في بلد متخلف جداً، أصبح تزويراً، تباع بأسعار عالية جداً، الغش يعمل أرباحاً عالية جداً، تبيع بضاعة بمواصفات عالية هي بالحقيقة ليست كذلك، تستغل جهد الناس.
فكل معاصي البيع والشراء تسهم بتجميع الأموال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، وحينما يكون توزيع الأموال ليس متناسباً مع حاجات الناس تنشأ المشكلات، تنشأ السرقة، والاحتيال، والدعارة.
هناك إنسانة تحضر دكتوراه في الدعارة، مكتوب بأطروحتها: أنه أكبر سبب حقيقي وراء الدعارة تستغربون، ليس الفساد، الفقر، الفقر الشديد، كاد الفقر أن يكون كفراً، وكاد الفقر أن يكون دعارة، وكاد الفقر أن يكون إرهاباً، وقتلاً، ونهباً، وسلباً، وتخريباً.

أية منفعة بنيت على مضرة فالعلاقة محرمة:

لذلك الفقر يأتي من تجمع الأموال بأيدي قليلة، وأن تحرم منه الكثرة الكثيرة، أنا أعتقد كل معاصي البيع والشراء، كل المعاصي المالية التجارية ليس الربا فقط تسهم في تجميع الأموال بأيدٍ قليلة منها أيضاً هناك الاحتكار.
أذكر قصة من ثلاثين سنة، كان يباع كيلو الحلو الدرجة الأولى بخمس ليرات الآن ثمنه ثمانمئة ليرة، أنا أعرف ذلك، عاصرت، كيلو الحلويات بخمس ليرات، أصلحهم الله عشرين ثلاثين تاجر فستق اتفقوا، وجمعوا أموالهم مع شخص واحد، هو استورد، يأتي أصحاب معامل الحلويات إلى هؤلاء، والله السنة السعر غالي جداً، والسعر الغالي يسود الوجه، نحن ما أتينا بفستق، يمكن فلان أحضر، هم معه شركاء كلهم، 23 تاجر فستق اتفقوا مع بعضهم على رفع المادة، رفع السعر، كان ثمن الكيلو عشر ليرات، رفعوه للعشرين، كلهم بدلوا بيوتهم وسياراتهم بسنة، صار الكيلو بعشر ليرات، الآن بثمانمئة ليرة، كلما صار احتكار يرتفع السعر، كلما صار غش يرتفع السعر، تدليس يرتفع السعر، كذب يرتفع السعر.
فلذلك لو استقام التجار وفق منهج الله صار في قانون طبيعي العرض والطلب، أنا أذكر كان السكر ممنوع استيراده، كان الكيلو بأربعين أو خمسين ليرة (الحر طبعاً)، لما سمح استيراده أصبح سعره ثماني عشرة ليرة، كان طن الحديد بأربعين ألفاً، لما سمح استيراده صار بثمانية عشر ألفاً، فوراً ينزل السعر، هناك قوانين ثابتة، إذا ألغيت الاحتكار، والغش، والكذب، والتدليس، و عندنا مئة معصية بالبيع والشراء، تجد السعر صار طبيعياً، وضمن إمكان الناس جميعاً.
فلذلك أية منفعة بنيت على مضرة فالعلاقة علاقة محرمة، وأية منفعتين متبادلتين فالعلاقة مشروعة.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور