وضع داكن
25-04-2024
Logo
الدرس : 17 - سورة غافر - تفسيرالأية 61 آية الليل والنهار
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من سورة غافر، ومع الآية الواحدة والستين وهي قوله تعالى:

﴿  اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ أيها النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ(61)﴾

[ سورة غافر ]


مقدمة:


1 ـ لا تصح حركتك في الدنيا إلا إذا عرفت الهدف:

أيها الإخوة الأكارم، العقل أصل الدين؛ لأنك لا تستطيع أن تستقيم على أمر الله إلا إذا تعرَّفت إليه، هناك معرفة، وتطبيق، وسعادة، واعلم أنّ عِلَّة وجودك، وعلة خلقك أن يُسعدك الله سبحانه وتعالى بالقرب منه، خُلِقت لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، نحن في دار امتحان، نحن في دار إعداد، نحن في حياة دُنيا وليست عُليا، الحياة العليا في الآخرة، حياة التشريف في الآخرة، نحن في دار تكليف، حياة الجزاء في الآخرة، نحن في دار عمل، فكل إنسان يتجه في حياته الدنيا إلى أن يستمتع بها، ويجعل المُتْعَةَ نهاية آماله فقد ضل ضلالاً بعيداً، وضل ضلالاً مبينًا.

أقول لكم هذا المثل دائماً لخطورته: لا يصح عملك -أيها الأخ الكريم- إلا إذا عرفت لماذا أنت على وجه الأرض، كما كنت أقول وأضرب هذا المثل: إنسان سافر إلى بلد ما، فلا بد من أن يطرح على نفسه السؤال التالي: لماذا أنا هنا؟ إذا عرف لماذا جاء إلى هنا تصح حركته، لو أنه جاء إلى هذه البلدة طالبًا لتحرك في اليوم التالي إلى الجامعات، ولو أنه جاء إلى هذه البلدة تاجرًا، لتحرك إلى المعامل، ولو أنه  جاءها سائحًا لتحرك إلى المقاصف والمتنزهات.

لا تصح حركتك في الدنيا إلا إذا عرفت الغاية والهدف، الإنسان كائن فيه فاعلية كبيرة أساس الفاعلية الشهوات، شهواته تدفعه نحو كسب المال، نحو الاستمتاع، نحو العلو.

الإنسان يشكِّل كائنًا متحركًا، بالتعبير العصري (ديناميكي)، أي فيه فاعلية كبيرة جداً، هذه الحركة إما أن تكون حركة هادفة صحيحة مُسعِدة؛ أو حركة طائشة مسيئة مُشقية، فكل إنسان له عمل في الحياة، كل إنسان يتحرك، يأخذ، يعطي، يصل، يقطع، يسالم، يعادي، يقبِض المال، ينفق المال، يستمتع بطريقة مشروعةٍ أو غير مشروعة، مجموع نشاطه في عمله، وفي إمضاء أوقات فراغه، وفي علاقاته الشخصية، وفي علاقاته الاجتماعية، مجموع حركته، مجموع نشاطه يقال له حركة.

حركة الإنسان على وجه الأرض، إما أن تكون صحيحةً، هادفةً، مسعدةً إلى أبد الآبدين؛ وإما أن يتحرك الإنسان بلا هدف، أو بهدفٍ موهومٍ غير صحيح، حركةً ليست منضبطة لا بقيم ولا بشرع، فهذه الحركة المتفلِّتة من منظومة القيَم، هذه الحركة الطائشة غير المنضبطة، غير الهادفة هي سبب شقائه في الدنيا والآخرة.

أخطر ما في الموضوع؛ أن الإنسان بقدر معرفته بالله يطيعه، وبقدر طاعته يسعد، ملخص ملخص الملخص: بقدر معرفته يطيعه، بقدر طاعته يسعد، والهدف الأخير أن تسعد، والثمن أن تطيعه، السبب أن تعرفه، لذلك في كتاب الله عزَّ وجل من حين إلى آخر لفتاتٌ لهذا الإنسان إلى الكون، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار، لك حواس خمس، هذه الحواس الخمس لا تستطيع أن تعرف الله، هذه الحواس الخمس تعرف الأشياء المادية المحيطة بك، لكن العقل الذي أكرمك الله به، ووضعه في رأسك إن صح في التعبير، أو في صدرك بمعانٍ أخرى، هذا العقل الذي أكرمك الله به هو أداة معرفة الله.

2 ـ الكون طريق إلى معرفة الله:

العقل تماماً كهذه العين، الإبصار يحتاج إلى أشياء ثلاثة؛ يحتاج إلى عين، ويحتاج إلى شيٍ تبصره، ويحتاج إلى وسيطٍ بينهما، وهو الضوء، العين موجودة، والشيء موجود، ولكن بلا ضوء لا تبصر، العين موجودة، والضوء موجود، والشيء غير موجود، فالعين عندئذ ليس لها فائدة، الشيء موجود، والضوء موجود، وبلا عين، فالإبصار مُستحيل.

فمن أجل أن تعرف الله سبحانه وتعالى لا بد من كونٍ يدل على الله، ولا بد من عقلٍ يفهم الكون، ولا بد من نورٍ إلهيٍ يكون وسيطاً بين الكون والعقل، كما أن العين تحتاج إلى نور وإلى شيء مُبْصَر، كذلك العقل يحتاج إلى نور، وإلى كون يدل على الله عزَّ وجل، لذلك الحقيقة الدقيقة أنك لن تسعد إلا بطاعة الله، ولن تطيعه إلا بعد معرفته، ولن تعرفه إلا من خلال خلقه.

3 ـ الصنعة تدل على الصانع:

هناك نقطة مهمة جداً، هي أن الله على كل شيءٍ قدير، فقد كان من الممكن أن يكون الكون بوضع أبسط بكثير مما هو عليه، وإخواننا الذين يدرسون ويقرؤون في اختصاصات علمية يجدون أن المادة معقدة جداً، الذرَّات شيء لا يُرى بالعين، الذرة فيها نواة، وفيها كهارب، وفيها إلكترونات، وفيها مدارات، أول مدار والثاني والثالث، ولها أنظمة دقيقة معقدة، فالذرَّات معقَّدة، وخلق الإنسان معقد، خلق الحيوان معقد، الدماغ معقد تعقيدًا ليس له حدود، خلق النبات معقَّد، هذا تعقيد إبداع، وتعقيد إعجاز.

فالسؤال الآن: كان من الممكن أن يكون الكون بشكلٍ بسيطٍ بسيط، نأتي لكم بمثل: أحياناً في البيت طاولة، عبارة عن ترس خشب وأربعة قوائم، هذه قطعة أثاث في البيت غير معقدة، بسيطة الصنع، لكن أحياناً تفتح جهازًا إلكترونيًا، لو عندك مثلاً حاسوب تفتحه فتجد شيئًا مخيفًا بداخله، صمامات ودارات وأشياء معقدة جداً، وتوصيلات، الطاولة البسيطة، ترس وأربعة أرجل، كهذا الحاسوب؟ لا، فلماذا كان الكون بهذه الدقة البالغة؟ وبهذا الإعجاز المُبدع، وبهذا التعقيد العظيم؟ من أجل أن يحقق هدفاً مادياً؟ لا، بل من أجل أن يكون الكون مظهراً لعلم الله، مظهراً لقدرته، مظهراً لرحمته، مظهراً لحكمته، مظهراً للطفه، فالأساس أن يكون الكون مظهراً لأسماء الله الحسنى، إذا أردت أن تعرف الله ليس من سبيل تستخدمه، أو من طريقٍ تعبره، أو من أداةٍ تستعملها إلا أن تفكِّر في صنع الله عزَّ وجل، لأن هناك آيات كثيرة تقول:

﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)﴾

[  سورة الجاثية  ]

إن لم تؤمن بالله من خلال آياته فلا سبيل لك إلى الإيمان، فأنت لو رأيت شخصين بشكلين مختلفين، واحد طويل والآخر قصير، واحد لونه أبيض، والآخر لونه أسمر، واحد فيه وسامة، والآخر فيه دمامة مثلاً، كلاهما يصنع قطع أثاث، فأنت تعرف صنعتهما من شكليهما أم من صنعهما؟ من صنعهما، فالصنعة تدل على الصانع، والنظام يدل على المنظِّم، وحسن التقدير يدل على المقَدِّر، والحكمة تدل على الحكيم، فكل ما في الكون مظهرٌ لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى.

فمنطلق الدرس: خُلقتَ كي تسعد، والسعادة تحتاج إلى ثمن، ثمنها طاعة الله في الدنيا، والطاعة ثمنها معرفة الله، ومعرفة الله طريقه التفكُّر في خلق السماوات والأرض، لذلك شيء طبيعي جداً أن تقرأ في القرآن الكريم من حينٍ إلى آخر آيات كونيةً تدل على الله.

الحقيقة هذه الآيات ليست على سبيل الحصر بل على سبيل المثال، فربنا عزَّ وجل بثَّ في الأرض آياتٍ لا تعدُّ ولا تحصى، كل ما في الكون ينطق بوجوده، كل ما في الكون ينطق بوحدانيَّته، كل ما في الكون ينطِق بكماله، كل ما في الكون ينطق بعلمه، بحكمته، بقدرته، بلطفه، بغناه، فنحن من أجل أن نسعد لا بد من طاعة الله، من أجل أن نطيعه لا بد من معرفته، من أجل أن نعرفه لا بد من التفكر في خلقه.

فكل إنسان آتاه الله عقلًا، العقل أثمن شيئاً منحك الله إياه على الإطلاق، العقل البشري أعقد مخلوق لله عزَّ وجل؛ مائة وأربعون مليار خلية سمراء لم تعرف وظيفتها بعد، أربعة عشر مليار خلية قشرية هي مكان التفكُّر، والتذكر، والمحاكمة، والاستنباط، والاستنتاج، والقياس، والتصور، كل أنواع الأنشطة العقلية محلها القشرة الدماغية، لكن المشكلة أن هذا العقل لا بدّ أن يعرف المهمة التي أوكلت إليه.

4 ـ لا ينبغي للعاقل أن يستخدم عقله لأمر سخيف:

هل من الممكن لك أن تشتري جهازًا بثلاثين مليونًا، حاسوباً تستخدمه طاولة في البيت؟ أليس في هذا احتقار له؟ هل يمكن أن تستخدم آلة معقدة جداً لهدف سخيف جداً؟ فكل إنسان يستخدم عقله لكسب المال فقط، يستخدم عقله للإيقاع بين الناس فقط، يستخدم عقله لينتزع إعجاب الناس فقط، يستخدم عقله ليعيش حياةً وادعةً فقط، هذا إنسان في عقله خللٌ خطير، أي أنه استخدمه لغير ما صُنع له، والعقل البشري لا يليق به إلا أن يكون أداةً لمعرفة الله، لأن هذه الأداة تجر لصاحبها سعادة أبدية.

إذا استخدم الإنسان عقله لجمع المال، وصار أغنى أغنياء الأرض، يقولون لك: هذا ملك الحديد في العالم، هناك أغنياء يقرضون الدول والحُكومات، وأحد كبار أغنياء العالم أمواله المنقولة، سبائكه الذهبية أودعت في مستودع كبير، فدخل مرةً هذا المستودع فأُغْلِقَ عليه الباب، وهو في الداخل، ومن عادته أن يتنقل في اليوم مرتين أو ثلاثًا من بلد لبلد، فلما غاب عن البيت ظن أهله أنه في سفر، لكنه ظل يصيح، وينادي ويستغيث  حتى أدركه الموت جوعاً وعطشاً، فجرح إصبعه وكتب على الجدار: أغنى إنساناً يموت جوعاً.

لو أن إنسانًا استخدم عقله، وجمَّع أكبر ثروة في العالم، فهذا الإنجاز الضخم لهذا العقل متى تنتهي فوائده؟ عند الموت، لو أنه استخدم عقله حتى بلغ أعلى منصب في العالم، فهذا الإنجاز لهذا العقل متى ينتهي؟ عند الموت، لو أنه استخدم عقله، وبلغ أرقى حياة يعيشها إنسان؛ أطيب الطعام، أفخر البيوت، أفخر اللباس، فمتى ينتهي إنجاز هذا العقل؟ عند الموت، إذاً هذا إنجازٌ سخيفٌ لهذا العقل، لكنك إذا تعرَّفت إلى الله بعقلك من خلال الكون، وبهدى من الله عزَّ وجل، فهذا الإنجاز لهذا العقل هو الذي يسبب لك السعادة الأبدية إلى ما شاء الله، لذلك لا يليق بالعقل أن تستخدمه إلا في معرفة الله، فإن استخدمته استخداماً جانبياً في كسب المال لا مانع، إن استخدمته استخداماً جانبياً في إصلاح حياتك لا مانع، أما أن تستخدمه استخداماً وحيداً في كسب المال، وفي الارتفاع أو في مكاسب مادية تنتهي عند الموت فهذا هو الحُمق الشديد، قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)﴾  

[  سورة الكهف  ]

5 ـ الموت ينهي كلَّ شيء:

أيها الإخوة الأكارم، دائماً وأبداً بطولتك تظهر حينما تلقى الله عزَّ وجل، هل أنت نادم؟ المؤمن كل جهده في الدنيا، وكل انضباطه، وكل تفكُّره، وكل سعيه لمعرفة الله، وكل سعيه لطاعته، وكل بذله من أجل أنه إذا جاءه ملك الموت أن يشعر أنه حقق الهدف من وجوده، وأنه دخل في رضوان ربه، وأنه استحق جنة الخُلد، هذا هو العقل.

إنّ أيَّ إنسان بلغ أعلى قمم النجاح في الدنيا، يأتي الموت لينهي له كل هذا النجاح في ثانية واحدة، الموت يلغي غنى الغني، ويلغي فقر الفقير، ويلغي قوة القوي، ويلغي ضعف الضعيف، ويلغي علو العالي، ودنوّ الداني، ويلغي صحة الصحيح ومرض المريض.

6 ـ الإنسان مخلوقٌ مكرَّم:

فقبل أن ندخل في تفاصيل الآيات أنت كونك إنسان ومخلوق أول.

﴿  إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا(72)﴾

[  سورة الأحزاب  ]

أنت مخلوق مكرَّم.

﴿  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا(70)﴾

[  سورة الإسراء  ]

أنت مخلوق مكلَّف.

﴿  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ(56)﴾

[  سورة الذاريات  ]

وفي رأسك عقلٌ، هو أثمن شيءٍ في الكون، فإما أن تستخدم هذا العقل لمعرفة الله، وبالتالي إلى طاعته، وبالتالي لاستحقاق سعادة الدنيا والآخرة؛ وإما أن تعطل العقل، أو أن تستخدمه استخداماً لا ينفعك بعد الموت، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عجب أشد العجب من سيدنا خالد لا لأنه أسلم، بل لأنه تأخَّر في إسلامه، والعلة أن له فكرًا، وقد ذكر الواقدي في المغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخالد لما جاءه مسلماً: "عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً" أيكون للإنسان عقل ويعصي الله؟

7 ـ لا تشتغل بالمؤقّت وتترك الأصل الدائم:

ألقيت كلمة قبل أسبوع في عقد قران ضربت مثلًا، وهو مثل معروف: إنسان ساكن في بيت أجرة، وصاحب البيت من القوة بحيث بإمكانه أن يطرده منه في أيَّة لحظة، ومن دون سابق إنذار، ولهذا المستأجر دخلٌ كبير، ولهذا المستأجِر بيتٌ خَرِب في منطقةٍ قاحلة، فهل عقل هذا المستأجِر يأمره أن ينفِق كل دخله في تزيين البيت المؤقت المُستأجَر، ويهمل ذاك البيت الذي سيؤول إليه شاء أم أبى، وسوف يُطرَد من بيته الأول المُستأجَر طرداً في أية لحظة من دون سابق إنذار؟

لكل مناّ أيها الإخوة بيتان؛ بيتٌ مؤقت نسكنه في الدنيا، ولنا عند الله حياةٌ عليا، فالإنسان دخله، ماله، سعيه، جهاده، طاقاته هل يعقل أن يصرفها كلها للدنيا؟ فهذا الذي كل خواطره، كل مشاغله، كل متاعبه، كل همومه متعلقة في الدنيا، هذا أكبر مقامر، ولو جاءه مَلَك الموت فجأة يجد أنه لا يملك للآخرة شيئاً، هو صفر اليدين، فهذا الذي يقول:

﴿  يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)﴾

[  سورة الفجر  ]

إذاً: المقدمة في هذا الدرس ملخصة في ثلاث كلمات: إذا أردت أن تسعد فعليك بطاعة الله، ولكن طاعة الله عزَّ وجل مرتبطة بمعرفته، والقاعدة: أن قيمة الأمر من قيمة الآمر، فلو كنت في الخدمة الإلزامية تتلقى أمرًا من عريف، فلك من هذا الأمر موقف، والرتب العسكرية لها اعتباراتها، وإذا تلقيت أمراً من أعلى رتبة في الفرقة لك موقف آخر، قد يكون الأمر نفسه، واللفظ واحد، لكن كلما علا الآمر كان للأمر أهمية كبيرة.

8 ـ أطع الله وعلى الله الباقي:

فمن أجل أن تطيع الله عزَّ وجل لا بد من أن تعرفه، فأكثر الناس يرتكب المعاصي، ويقول بعدها: ماذا نفعل، الزمن صعب؟ فهو لا يعرف ما عند الله من عذاب أليم عند المعصية، ولا يعرف ما عند الله من ثواب عظيم لو أطاعه، يقول لك: لا نقدر، لماذا لا تقدر، والآمر ضامن؟ فهل من المعقول أنّ الله عزَّ وجل يأمرك بأمر، ثم لأنك أطعته وخفت منه يجعلك وراء الناس، فيحرمك البيت، والزواج، وما ذاك إلاّ لأنك أطعته، ولأنك خفت أن تأخذ مالاً ربوياً يتركك محرومًا من البيت، جزاء خوفك من الله يحرمك من البيت، هكذا الإله؟ هكذا يعامل عباده؟ لا، فالآمر ضامن.

(( ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه ))

[ أبو النعيم في الحلية بسند ضعيف ]

تجد بعض الناس يتهمون الله عزَّ وجل بأنّ عباده الذين خافوا منه وأطاعوه هم ضائعون، فقراء، متخلفون، بلا عمل، هذه صورة شيطانية.

﴿  إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)﴾

[  سورة فصلت  ]

إذا كان الله عزَّ وجل قد وعدك أنه وليُّك فهل تخشى من شيء؟ هل تخشى فقراً؟ هل تخشى هضماً للحقوق؟ هل تخشى ظلماً؟ هل تخشى ضياعاً؟ أين قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

[  سورة النحل ]

يا أيها الإخوة الأكارم، الحديث الشريف: (ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه) هذا الحديث مهم جداً، فأحياناً يأتيك عرض مغرٍ جداً لكن على أساس معصية أو شبهة، فأنت بسبب من إيمانك وورعك تقول: معاذ الله، إني أخاف الله رب العالمين، الله غني، فماذا تنتظر من الله إذا ترفَّعت عن شيءٍ في سبيل الله؟ انتظرْ كل خير، انتظر أن يعوِّضك الله خيراً مما ذهب منك، انتظرْ كل فضلٍ من الله عزَّ وجل.

إذاً: من حين إلى آخر تجدون في كتاب الله عزَّ وجل مقاطع من الآيات الكونية، من أجل أن تكون هذه المقاطع نماذج للتفكر في خلق السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ .


اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ


1 ـ كل ما في الكون مسخَّرٌ مذلَّلٌ:

أي أنّ الذي أمرك بغض البصر، والذي أمرك بالصدق، والذي أنزل هذا الكتاب هو الذي خلق هذا الليل، هو الذي خلق النهار، هو الذي خلق الشمس، هو الذي خلق القمر، هو الذي أنزل المطر، هو الذي خلق الإنسان، هو الذي خلق النبات، فهل هناك إنسان لا يأكل في اليوم ثلاث وجبات؟ على المائدة فكِّر؛ تأكل قطعة جبن، من صنع هذا الحليب؟ من سخر هذه البقرة لتصنع لك الحليب؟ الغدة الثديية في البقرة عبارة عن قبة يجول في أعلاها شبكة من الأوعية الدموية الدقيقة جداً، ويرْشَح من أسفل القبة الحليب، وحتى هذه الساعة لا يعرف العلماء كيف يتم تصنيع الحليب في الغدة الثديية للبقرة؟ الذي يرونه بأعينهم مجموعة خلايا على شكل قبة، يغلفها من الأعلى شبكة دموية دقيقة جداً، ويرشح من داخل القبة الحليب، نقطة وراء نقطة، كل ستمئة لتر من الدم الذي يجول في قبة هذه الغدة يرشح من داخلها لتر حليب واحد، فكل لتر حليب نتيجة دوران ستمئة لتر دم في أعلاها.

البقرة أولاً مذللة، وهناك مرض نادرًا ما يصيب البقر، هذا المرض اسمه التوحُّش، ذكر لي أخ كريم يقطن في إحدى مدن الغوطة الشرقية أن أحد الفلاحين عنده بقرة، أصيبت بهذا المرض فتوحشت، فقتلت رجلين، وجرحت ثالثاً، فاضطر أن يطلق عليها الرصاص، ويُذهِب ثمَنها سبعين ألف ليرة.

كلمة (وذللناها لكم) ، هذه الكلمة ألا تحدث في المؤمن رعشة، والبقرة وزنها ستمئة أو سبعمئة كيلو يقودها طفل صغير، تحلبها امرأةٌ ضعيفة، تنقاد لطفل، أما لو توحَّشت لا بد من أن تقتلها؛ لئلا تقتل الناس، الجمل مذلل، البقرة مذللة، هذه كلها آيات كونية.

2 ـ الماءُ آيةٌ:

وأنت تشرب فكِّر؛ فكأس الماء هذا، لو أردنا تحلية مياه البحر لكلفنا كل لتر من الماء أكثر من ثمن لتر من البنزين، يكلف أربعة أو خمسة ريالات في مراكز التحلية، فهذا الماء العذب الفرات، المُحلَّى عن طريق الخالق جلَّ جلاله، هل فكرت فيه؟ وهذا الماء بلا لون ولا طعم ولا رائحة يتبخر بدرجة أربع عشرة، نفوذ إلى درجة متناهية، قيمة نفوذيته، فتصور أنه غير نفوذ مثل القطر، تصبح بحاجة إلى غسيل الشيء الملوث بالماء، سائل إلى درجة متناهية، فهو نفوذ، ومزيل للأجسام الأخرى، لا لون، لا طعم، لا رائحة؛ الماء وحده أكبر آية تدل على الله عزَّ وجل، تبرّده فينكمش وينكمش وينكمش، وعند الدرجة (+4) يزداد حجمه، على خلاف كل عناصر الأرض، كل ما في الكون من عناصر على التبريد تنكمش، وعلى التسخين تتمدد، هذا نظام، الغازات، والمواد الصلبة، والمواد المائعة تتمدد إلا الماء في الدرجة (+4) إذا خفضت حرارته يزداد حجمه، وقد لا تصدق أن هذه الخاصة في الماء تتوقف عليها الحياة في الأرض، لو أُلغيت لما كنا في هذا المسجد، لمَا كان في الأرض إنسان واحد ولا حيوان ولا نبات.

لو أن الماء كلما زدنا تبريده انكمش، فتزيد كثافته، ويغوص عندئذ إلى أعماق البحار، وتتجمد المحيطات، وينعدم التبخر، وينعدم النبات، ويموت الحيوان، ويموت الإنسان، فمن الذي جعل الماء تنعكس قوانينه بهذه الدرجة؟

بالمناسبة، لو وضعت مترًا مكعبًا من الماء في مكبس، ووضعت فوق المكبس ثمانمائة طن لا ينضغط أبداً، أما إذا برَّدته فسوف يتوسَّع، لو وضعته في أعظم الأجسام قساوةً، هذه الأجسام تتشقق، تتصدع، وأحدث طريقة الآن لقلع الرخام عن طريق حفر ثقوب في الصخور وملئها بالماء، ثم يبردون الماء، فيتوسع، فيقلعون مترًا مربعًا من الرخام.

الماء آية، الهواء آية، كأس الحليب آية، البقرة آية.

3 ـ البيضة:

الدجاجة آية، بيضة صغيرة رأيتها بأم عيني، بيضة صغيرة تأتي حمامة تجلس فوقها، بعد أيام خرج من البيضة صوص صغير جداً، ما مضى أسبوعان أو ثلاثة إلا وطار، أصبحت حمامة كأمها وطارت، تحت سمعي وبصري كل يوم أراقبها، هذا خلق الله عزَّ وجل، بيضة انكسرت فخرج منها المخلوق الصغير فيه أجهزة؛ فيه جهاز هضم، فيه جهاز عصبي، فيه جهاز قلب، فيه دوران، فيه رئتان، وله سمع، وله بصر، ويكسوه ريش، كله تحت سمع الإنسان وبصره، تأتي الأم تضع منقارها في فمه تغذيه، خلال أسبوعين من حجم بيضة صغيرة جداً أصبحت حمامة إلا قليلاً، وطارت منذ يومين، هذا من خلق الله عزَّ وجل.

وفي كُلِّ شيءٍ لهُ آيةٌ     تدلُّ على أنّه واحدُ

[ لبيد بن ربيعة ]

أيها الإخوة الكرام، الذي يستخدم عقله لمعرفة الله هذا من السعداء، لأن كل هذا الكون آيات دالة على عظمة الله وكثير من الناس غافلون عنها؟

﴿  وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ(105)﴾

[  سورة يوسف  ]

بعض الناس في غفلةٍ، يشرب الماء كالبهيمة، يأكل كالحيوان، يستمتع بالدنيا استمتاع البهائم وربنا عزَّ وجل وصفهم كذلك، يستمتع بالطعام والشراب كما تستمتع البهائم، لا عقل ولا إدراك، ولا حمد، ولا شكر؛ أما المؤمن فكلَّما تحرك يرى نعمة الله، كلما عاين نعمةً لله عزَّ وجل ينفذ منها إلى المُنعم لذلك: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه.

ماذا أقول لكم؟ والله في جسم الإنسان من النعم، وفيه من الإكرامات ما لا يحصيه محصٍ.

4 ـ العين البشرية:

العين البشرية عشرة طبقات بالشبكية، مائة وثلاثون مليون مخروط بالشبكية، تسعمائة ألف عصب بالعصب البصري، يخرج من قعر العين من ثقب صغير العصب البصري، ويضم تسعمئة ألف عصب، لكل عصب ثلاثة أغماد، من أجل نقل الرؤية الدقيقة الملونة الصافية إلى الدماغ، عضلات جانبية، عضلات علوية، سفلية، القَرْنية الشفافة، القُزحية، الجسم البلوري، الخلط المائي، العصب البصري، العين وحدها آية.

المطابقة، اسألوا عن المطابقة، المطابقة شيءٌ معجز، عدسة مرنة، الشيء البعيد من أجل أن يقع خياله على الشبكية، تجد أن العدسة يزداد تحدبها قليلاً، فمن يزيدها؟ تحتاج حسابات دقيقة جداً.

إنسان ما؛ يمشي بالطريق، فتمرُّ به سيارات، وأشياء أخرى منها البعيد ومنها القريب وأشياء متحركة، كله يراه رؤية دقيقة بفضل التطابق، وهذا التطابق وحده أكبر آية تدل على الله.

فلذلك أيها الإخوة الكرام يقول الله مخاطباً الإنسان:

﴿  أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)﴾

[  سورة البلد  ]

كل حرف من الكلام يسهم في صنعه سبع عشرة عضلة، إذا قلت محمد ـ م، ح، م، د ـ والميم مشددة أي حرفين فالمجموع يصبح خمسة أحرف، والخمسة أحرف ضرب سبع عشرة عضلة، تقريباً خمس وثمانون حركة بالعضلات إذا قلت كلمة: محمد.

﴿  أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْن(10)﴾

[ سورة البلد ]

الثديين.

﴿  فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ(12) فَكُّ رَقَبَةٍ(13)﴾

[  سورة البلد  ]

أي أنْ تفك رقبتك من أسر الشهوة، ما دامت شهوتك هي الحاكمة، فالطريق إلى الله مغلق، مسدود.

لذلك هذه الآيات الكونية التي وردت في كتاب الله، هي بشكل أو بآخر موضوعات للتفكر. 

5 ـ النوم في الليل نعمة كبرى:

وإذا أردت أن تعذب الإنسان عذاباً لا يحتمله، اجعله في مكانٍ لا ظلام فيه ضوء مستمر، أو امنعه من النوم، لأن النوم من نعم الله الكبرى، النوم يحتاج إلى ظلام.

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ﴾ هذه كلمة (لكم) ، أيْ جعله خصيصى لكم، إكراماً لكم، تفيد الاختصاص، الليل مخصص لكم.

لكن كيف يكون الليل؟ يكون من حركة الأرض حول الشمس، فالأرض تدور، لو لم تدر لما كان الليل والنهار، نصفها ليل سرمدي ونصفها نهار سرمدي، وهناك آية أخرى تؤكِّد ذلك:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ(71)﴾

[  سورة القصص  ]

الليل السرمدي دليل على أن الأرض واقفة، لكن لو أن الأرض دارت هكذا على محور موازٍ مستوي دوران الأرض حول الشمس، الشمس هنا، والأرض تدور حولها بكيفية معينة لما كان الليل والنهار، نصف الكرة ليلٌ سرمدي، ونصفها نهارٌ سرمدي.

لو أن المحور عمودي على مستوي الدوران لما كان الصيف والشتاء والربيع والخريف، ولانعدمت الفصول، ليل ونهار وأربعة فصول من دوران الأرض على محور مائل على مستوي الدوران، فالأرض محورها مائل، إذًا الشمس هنا عمودية وهنا مائلة، هنا صيف وهنا شتاء، فلما انعكست الآية العمودية هنا على نصف الكرة الجنوبي، والمائلة هنا على نصف الكرة الشمالي، ومن ميل المحور تنشأ الفصول الأربعة، والفصول من أساسيات حياة النبات، النبات يحتاج إلى برد، وإلى جو معتدل، وإلى حر ورطوبة، وأمطار، وشمس، وحرارة، فتبدل الحرارة والرطوبة والأمطار يحتاج إلى فصول، فالكون مترابط، فربنا عزَّ وجل يقول: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ هل عرفتم من هو الله عزَّ وجل؟

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ من أجل أن تسكن، لو أن الإنسان نام بالنهار عشر ساعات لا تُحقَّق النتيجة، لا بد من أن ينام في الليل، وأول ساعات الليل أفضل من ساعاته المتأخِّرة.


وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا


﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟ ))

[ مسند الإمام أحمد ]

تجد هناك وحشة، إذا دخل الإنسان ليلاً في غابة ينخلع قلبه من الخوف، فإذا أشرقت الشمس تصبح الغابة من أجمل الأمكنة، المكان جميل جداً، لو ركب البحر في الليل لشعر بوحشةٍ كبيرة، فإذا طلعت الشمس شعر بالأُنْس.

﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ دورة الأرض حول نفسها، وميل محورها، وتشكُّل الليل والنهار والفصول الأربعة، هذه من الآيات الكبرى الدالة على عظمة الله عزَّ وجل.

هذا عنوان الموضوع، لا بد من التفصيل والتعميق والتحليل والدراسة، هذه الأرض مَن يحركها؟ لو أن سرعتها زادت صار الليل ساعة، فليس من المعقول أن يكون الليل ساعة، فبينما يغلق التاجر محلَّه إذْ طلع الفجر، لم يتعشّ بعد إلاّ وقد طلع الفجر، لو كان الليل ثلاثين ساعة ينام ويفيق، ويفيق وينام، ناس نائمون، ناس مستيقظون، فليس هذا معقولاً، فمن جعل الليل ثماني ساعات أو عشر ساعات؟ الليل بين تماني ساعات إلى اثنتي عشرة ساعة، موحد، والنهار كذلك، الليل والنهار متعلقان بالسرعة، فلو أن السرعة ازدادت لقصر الليل ولطال النهار، ولو أبطأت السرعة صار الليل طويلاً والنهار طويلاً، لحدثت فوضى، لو أن دورة الأرض حول الشمس طالت، أو أن الأرض أبطأت صار الصيف ثلاثين شهرًا، فلا يعقل أن يكون الصيف ثلاثين شهرًا، فالناس لمدة ثلاثة أشهر يملّون، تجدهم يريدون أن يعود الشتاء، فمن جعل هذه المواقيت المعتدلة المتناسبة مع خلق الإنسان؟ إنه الله.

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ .


إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ


فالإنسان كلَّما تأمل نعم الله عزَّ وجل واتصل بالله من خلالها امتلأ قلبه شكراً، فالحقيقة النعم العظمى: نعمة وجودك، أنعم عليك بالوجود، ثم أنعم عليك بالصحة، وأنعم عليك بزوجة، وبمأوى صغير، الناس يتسابقون لمتاع الدنيا ويتحاسدون، ويتباغضون، ويتخاصمون، ويلعن بعضهم بعضاً من أجل حطام الدنيا، مع أن الأساسيات متوافرة للجميع، الإنسان إذا كان جائعاً، وأكل أبسط طبق من الطعام يشعر بلذة لا توصف، أحياناً يكون الإنسان محرومًا من الأكل العادي، أكل فقراء، يقول لك: أشتهي قرصًا من الفلافل وأدفع ثمنه مائة ألف ليرة، لكنه ممنوع، إذا جاع الإنسان وأمامه طعام، وأكله، وشعر بالشبع فهذه نعمة كبرى، وله مأوى، له أهل، له أولاد، هذه النعم الأساسية قواسم مشتركة، الناس يتحاسدون في الكماليَّات؛ بالمنزل الواسع، بالمركبة، بالوجاهة، أما الأساسيات فهي موجودة، فإذا شكر الإنسان الله على نعمة الوجود، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، امتلأ قلبه شكراً لله عزَّ وجل، وسعد بهذا الشكر.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بالليل والنهار ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بدورة الأرض حول نفسها، بميل محورها، باعتدال سرعتها، باعتدال الوسط الذي يعيشه الإنسان.

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم العظمى يمرُّ عليها وهو في غفلةٍ شديدة عنها.

﴿ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ(62)﴾

[ سورة غافر ]


ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ


إلى أين أنتم ذاهبون؟ ما الذي يشغلكم عن الله عزَّ وجل؟ ما الذي يصرفكم عنه؟ هل متاع الدنيا، تجارتها، أموالها، متعها، شهواتها؟ هذه منقطعة بالموت.

﴿  ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ(62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(64)﴾

[ سورة غافر ]

هذه الآيات إن شاء الله تعالى سوف نعيد شرحها في درسٍ قادم، لأننا أتينا عليها سريعاً من دون شرح.


خلاصة الموضوع:


1 ـ تفكَّرْ في الكون:

لكن المقدمة التي أريد تأكيدها أنك إذا أردت معرفة الله فعليك بالتفكر في آيات الله في الكون، وفي الدرجة الأولى جسمك الذي تصحبه، وأخطر ما في الموضوع أنك خُلقت للسعادة الأبدية، والسعادة الأبدية ثمنها طاعة الله، وطاعة الله ثمنها معرفته، ومعرفته سببها التفكُّر في خلق السماوات والأرض، فالمؤمن يخصص وقتًا يتفكر فيه في خلق السماوات والأرض، وفي أثناء النهار، وفي أثناء عمله، وفي أثناء تناول الطعام، وفي أثناء التنقُّل من مكان إلى مكان وفي كل ظاهرة.


العطاس:


فمثلاً لو أنّ واحدًا عطس، فالعُطاس من نعم الله الكبرى، إنسان صار معه سعال، ما السعال؟ معنى السعال وجود حساسية معينة بالقصبة الهوائية، وهي فيها أهداب جاءها جسم غريب فطردته، أساساً الآن يستحيل زرع رئة، لأن الرئة المزروعة صاحبها لا يسعل، فتتراكم المواد السيئة في القصبة، وتحدث إنتاناً قد ينتهي بصاحبها إلى موت، فظاهرة السعال هذه ظاهرة مهمة جداً.


التقلب في النوم:


الإنسان كيفما تحرك، في النوم مثلا، تقلّبه في النوم هذه من آيات الله الدالة على عظمته؛ لأن الإنسان عندما ينام وزن اللحم الذي فوق العظم يضغط على اللحم الذي تحت العظم، هذا الضغط يسبب ضيقًا في لمعة الأوعية الدموية، يصير لديه نقص تروية، فتنمل رجله أحياناً، وهو نائم ومستغرق في نوم عميق ينقلب على جنبه، فتستريح العضلات التي تحت الهيكل العظمي، ويأتي دور العضلات التي كانت مرتاحة، فكيف يقلب؟ لأن في الجسم مراكز، وهي مراكز تتحسس بالضغط، هذه المراكز تعطي إشارة للدماغ، والدماغ يعطي أمرًا ليتقلب وأنت نائم، وربنا يقَلِّبُك مرة هكذا ومرة هكذا، وإلا وقعت من السرير.

﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا(18)﴾

[  سورة الكهف ]

تصوروا شخصًا نائمًا فإنه يتقلّب ثمانيًا وثلاثين مرة، كلما انضغطت العضلات التي فيها أوعية تحت الجهاز العظمي، وصار هناك ضعف تروية، تأتي إشارات للدماغ أنّ هنا ضغط وتعب، فيعطي أمرًا فتتقلب، التقلب آية وأنت نائم.


اللعاب:


إذا كان الواحد عند طبيب الأسنان، والمعالجة طالت فيضع له شرَّاقة، لماذا؟ لوجود اللعاب الذي يخرج باستمرار، ولكي لا يضطر قطع العمل بأسنانه يضع له هذه الشراقة، لكن أين الشراقة وأنت نائم؟ لسان المزمار، وأنت نائم إذا كثر اللعاب في فمك، تذهب إشارة إلى الدماغ، والدماغ يعطي أمرًا للبلعوم وأنت نائم، يغلق طريق الرئة إغلاقًا محكمًا، ويفتح الطريق إلى المعدة، فاللعاب يذهب عندئذ للمعدة وأنت نائم.


كيف لو رأيت شيئاً مخيفاً؟


رفُّ الجفون، هذا فعل منعكس، فتح الحدقة فعل منعكس أيضاً، لو أنّ الإنسان رأى حشرة مخيفة، رأى عقربًا، فوراً صورة العقرب على الشبكية تنتقل للدماغ، يتم الإدراك، والدماغ يسأل الغدة النخامية ملكة الجهاز الهرموني أن هنا خطرًا تصرفي، هذه الغدة النخامية تعطي أمرًا إلى الكظر بوجود خطر ليتصرف، الكظر يعطي خمسة أوامر؛ أمٌر إلى القلب يسرع في نبضه، فالخائف يدق قلبه كثيرًا، مائة وعشرين دقة، أمرٌ ثان إلى الرئتين لكي يعتدل الشهيق والزفير مع ضربات القلب، فالخائف يلهث، أمرٌ ثالث إلى الأوعية الدموية كلها فتضيق لمعتها، حتى يتوفر الدم للعضلات، فلسنا مضطرين للون زهر، فالخائف لا يحتاج إلى اللون الزهر فهو يريد أن يتخلص من الموقف، (ينفد بريشه)، فتجد الدم يذهب للعضلات فتجد لونه يصفر، فلماذا الخائف يصفّر لونه؟ لأن هناك أمرًا ثالثًا أرسله الكظر للأوعية كلها فضاقت اللمعة، أمر رابع يصدر للكبد أنْ اطرَحْ كمية زائدة من السكر في الدم، لو فحصنا دم إنسان خائف نجد السكر مرتفع جداً، الكبد طرح السكر، وكل ذلك خلال ثانية واحدة.

فإذا رأى شخص عقربًا أو أفعى ببستان، تجد قلبه يخفق بشدّة، يلهث بقوة، يصفر لونه يزداد السكر بدمه، وأنت لا تشعر، وهناك أمر خامس، ألا وهو هرمون التجلُّط إذْ تزداد نسبته بالدم، حتى لو صار في الجسم جرح ونزيف فالدم لا يخرج كله، وأنت لا تشعر.


المثانة:


عندك جسم أعقد مخلوق في الكون، فإذا أحضر شخص بالونًا وملأه ماء وعلَّقه، ثم ثقبه ثقبًا، فكم من الوقت يستغرق نزولُ الماء؟ يستغرق نصف ساعة تقريباً، لعدم وجود تنفيس هواء، فهذه المثانة كيف تُفرغ ما فيها من بول بنصف دقيقة؟ لأن فيها عضلات، فربنا عزَّ وجل أكرمنا بالعضلات، ولاحظ لو أنّ أحدًا أمسك بالونًا بيده وضغطه، فيُفرغ ما فيه من الماء على الفور، فللمثانة عضلات ضاغطة تفرغ المحتوى في نصف دقيقة، هذا كمال بالخلق.

فالإنسان يتأمل حياته، أجهزته؛ جهاز الدوران، جهاز الهضم، جهاز تصفية البول، جهاز العضلات، جهاز العظام، السمع، البصر، النطق، اللسان.


الشَّعر:


الشعر، ففي كل شعرة وريد، وشريان، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، وعصب، وبرأس الإنسان ثلاثمائة ألف شعرة، كل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية، ستة ضرب ثلاثمائة ألف، وأنت لا تدري، ولو جعل ربنا عزَّ وجل في الشعر عصبًا حسيًّا، لاضطر أن يذهب إلى المستشفى لإجراء عملية حلاقة، فالله أكرمك أن تقص شعرك من دون تخدير، وأكرمك أن تقص ظفرك من دون تخدير، لكن جعل لك في العظم عصبًا حسيًا خطيرًا جداً، ولكن ليس لهذا العصب الحسي فائدة بنقي العظام؟ لو حدث كسر، فشدة الألم تجعلك تبقي رجلك على ما هي عليه، وأربعة أخماس علاج الكسور أن تبقيها على ما هي عليه، فهذا الألم الذي ضمن نقي العظام له فائدة كبيرة جداً عند الكسور، إذًا فالخلق دقيق.

لقد أردت من هذا الدرس أن أجعله تمهيدًا لهذه الآيات فقط، إذا لم تفكر بجسمك، ولم تفكر بكأس الماء، ولم تفكر بهذا الهواء، ولم تفكر بطعامك، بالنبات، بالحيوانات، باللحوم التي تأكلها.


انظر إلى ابنك وقد كان نطفة:


وما فكرت بابنك كيف كان؟ نقطة ماء، ثلاثمائة مليون حوين تختار البويضة واحدًا منها فقط، فيتم التلقيح، تسعة أشهر ثم يخرج طفلٌ يبكي، يعطس، يسعل، وجهه جميل، أوردة، شرايين، قلب، دسامات، بنكرياس، غدد، كائن معقد من حوين منوي مع بويضة، وأساس الحوين واحد من ثلاثمائة مليون في اللقاء الواحد ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ فإذا أردت أن تعرف الله فكل ما في الكون يدل عليه، إن تعرفه تطِعْه، وإن تطعه تسعد، هذا هو الدين كله، لا تعقّدوا الدين، أناسٌ عقدوا الدين تعقيدًا كبيرًا، الدين بسيط جداً، لأنه دين الله خلاصته: اعرفْ الله وأطعه، طاعته هذا القرآن والسُنَّة، الكون يدل عليه وأمره بين يديك، بالكون تعرفه، وبالقرآن والسُنَّة تعبده، خلقُه موجود وأمرُه موجود، ما عليك إلا الحركة، وأمّا الدنيا فتأتي وهي راغمة، هم في مساجدهم والله في حوائجهم (ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلا له إلا عوضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه) هذا الدين.

إن شاء الله الدرس القادم نأتي على هذه الآيات بشيء من التفاصيل التي ذكرها الله عز وجل  كمقطع يلفت نظرك إلى معرفته من خلال آياته.

والحمد لله رب العالمين.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور