وضع داكن
26-05-2024
Logo
الدرس : 12 - سورة يونس - تفسير الآيات 53 – 59 القرآن الكريم موعظة وشفاء وهدى ورحمة – الدلفين
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

على الإنسان أن يحدد موقفه من القرآن الكريم :


أيها الإخوة المؤمنون ؛ وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى : ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ أي هذا الوعد الذي تعدنا ، وهذا الوعيد الذي تتوعدنا ، أحق هو ؟ بمعنى أواقع ؟ أمُنْجَز ؟ سوف نأتيه ؟ ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي أآمنتم أم لم تؤمنوا ، أعرفتم أم لم تعرفوا ، أصدقتم أم لم تصدقوا ، أكنتم أقوياء أم ضعفاء ، أغنياء كنتم أم فقراء ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ .. أي لن تستطيعوا أن تفلتوا من يد الله عزَّ وجل ، لن تستطيعوا ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ .

﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ هذا كلام خطير ، بعض المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال كلمةً ، قال : " لو أن محمداً صادقٌ فيما يقول لكنا أجهل من الحُمُر " ، لو كان صادقاً ، وهذا كلام ينطبق على كل مكانٍ وزمان ، إن كان هذا الكلام الذي يقوله الله عزَّ وجل حقاً ، وحِدنا عنه ، فهذا منتهى البعد عن الموضوعية ، منتهى الغباء ، منتهى الشقاء ، عذابٌ أليمٌ بئيسٌ أبدي ولا نتقيه ؟! جنةٌ عرضها السماوات والأرض ولا نعمل لها ؟! حياة الدنيا كلمح البصر ، كساعةٍ من ساعات النهار ، لذلك : ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ...

أنا الذي أتمنى عليكم أن تحددوا موقفكم من هذا الكتاب ، إما أنه حقٌ من عند الله ، فمعنى هذا أن مخالفته شقاءٌ أبدي ، وإما أنه ليس من عند الله ، أين البرهان ؟

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)  ﴾

[  سورة المؤمنون ]

 كيف تستقر نفس الإنسان ؟ كيف يتوازن داخلياً ؟ كيف ينام ملء عينيه وهو يعلم أن هذا الكتاب حق وأنه لا يطبقه ؟ كيف ؟ كيف يحقق توازناً داخلياً ؟ كيف يقول لك : الحمد لله ، لابأس ، كيف تقول هذا الكلام وأنت تعلم علم اليقين أن هذا القرآن الكريم ...

﴿  وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ(6) ﴾

[ سورة الذاريات ]

أي ما جاء به من وعدٍ ووعيد إنه لحق ، كيف تقبل أن تأكل درهم ربا والله سبحانه وتعالى يقول : 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ   وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) ﴾

[ سورة البقرة ]

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) ﴾

[ سورة البقرة ]

كيف تطلق بصرك في الحرام والله سبحانه وتعالى يقول : 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[ سورة النور ]

﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي ملخص الكلام أن الإنسان يجب أن يأخذ موقفاً واضحاً ، إن كان هذا الكتاب من عند الله ، وهو حق اليقين ، وسوف يتحقق وقوعه في المستقبل ، فكل من حاد عنه قد شقي في الدنيا وشقي في الآخرة ، أما إذا كنت لست متأكداً من أنه من عند الله ، لا تعبأ بما فيه من مضامين ، وما فيه من تشريعات ، وما فيه من وعيد ووعد ، إن كنت كذلك أين البرهان ؟ إما أن تقبله على بينة ، وإما أن ترفضه على بينة ، أما أن تترك نفسك هكذا بشكلٍ غير واضح ، هذا ليس من الإسلام في شيء ، وليس من المنطق في شيء . 

 

ندم الإنسان الشديد يوم القيامة عند رؤيته للعذاب :


﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ﴾ .. يوجد كلمات نقرؤها ونمر عليها هكذا ، أي إن متراً مربعاً ببعض الأسواق الرائجة ثمنه مئتان وخمسون ألف ليرة ، وإن كان ثلاثين متراً محل تجاري ، وإذا كان عندك محلان ، وإذا كان عندك محلان وطابقان ، وإذا كان هذا الشارع كله لك من أول بناء لآخر بناء ، وعلى الطرف الثاني ، وشارع آخر ، وشارع ثالث ، وشارع رابع ، ولك شارع مماثل له في مدينة أخرى رائجة ، إذا كانت قيمة كل متر ربع مليون ليرة ، عندك مجموعة شوارع ، إذا كانت المدن الكبرى كلها ملكك ، مكاتبها ، ومحلاتها ، وأبنيتها ، الشركات الرائجة في العالم كلها ملكك ، جميع الفنادق ملكك ، جميع شركات الطيران ملكك ، جميع شركات الأسلحة ، هذه التي حققت أعلى ربح في العالم ملكك ، وحينما يرى الإنسان العذاب يتمنى أن يدفعها كلها وينجو ، ولكنه لا ينجو .

﴿ وَلَوْ أَنَّ ﴾ أي التفصيل أحياناً يعمِّق المعنى ، أحياناً يكون الإنسان مزهواً بمستودع فيقول لك : أريد ثمناً له ستمئة ألف ، وقد يكون مزهواً بطابق ، يقول لك : أريد  مليونين ، تصور أبنية دمشق كلها لك ، جميع الأبنية السكنية ، والتجارية ، والسياحية ، دمشق ، ولندن ، وباريس ، وواشنطن ، وهذه العواصم الكبرى ، وجميع الشركات الكبرى في العالم : ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ ﴾ ...

العلماء قالوا : إن الكبراء الذين سببوا هلاك من كان حولهم ، أو سببوا هلاك أتباعهم ، حينما رأوا العذاب أسروا الندامة ولم يظهروها ، لأنهم إذا أظهروها فإنهم يصغرون في عين أتباعهم .

إذا كان الإنسان لا يحاسب ، وارتكب غلطة كبيرة لا يعبر عن ندمه أبداً ، يُسِرُّ ندمه ، أحياناً الأب في البيت يرتكب غلطاً ، ولا يجرؤ أحد على أن يحاسبه ، هو في أعماقه ندم ، لكنه لا يعترف بهذا الندم ، قال : هذا قبل أن يأتي العذاب ، لما رأوا العذاب ، أما إذا مسهم العذاب وأسروا الندامة بمعنى أظهروها ، وهناك معنىً ثالث أسروا الندامة أي ظهرت الندامة على سرائر وجوههم .

أول معنى : قبل أن يذوق العذاب أسرّ الندامة حفاظاً على مكانته أمام متبوعيه ، بعد أن مسَّه العذاب أعلن الندامة ، وفي كل الأحوال علائم وجههم تفصح عن ندامتهم الشديدة. 

 

الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء :


﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ نحن في دار عمل ، وغداً دار الجزاء ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :  أتاني جبريلُ عليه السَّلامُ فقال : يا محمَّدُ ! عِشْ ما شئتَ فإنَّك ميِّتٌ ، وأحبِبْ من شئتَ فإنَّك مفارقُه ، واعمَلْ ما شئتَ فإنَّك مجزِيٌّ به ، ثمَّ قال : يا محمَّدُ ! شرفُ المؤمنِ قيامُه باللَّيلِ ، وعِزُّه استغناؤُه عن النَّاسِ. ))

[  أبو نعيم : حلية الأولياء: غريب من حديث محمد بن عيينة تفرد به زافر بن سليمان وعنه محمد بن حميد. أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) ، والحاكم . ]

والله سبحانه وتعالى يقول : 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) ﴾

[ سورة فصلت ]

ليس هذا من باب أن الأعمال كلها مباحة ، ولكن هذا من باب التهديد ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ ، كل عملٍ سوف تحاسبون عليه ، ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ .. أي حتى الشاة التي نطحت أختها يقتص منها يوم القيامة ، حتى العصفور الذي قُتِلَ من باب التسلية ، اصطيد من باب التسلية يقول : يا رب سله لم قتلني ؟ فكل أعمال الإنسان سوف يحاسب عليها .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

[  سورة الحجر  ]

 

الصادق لا يحتاج إلى كلام كثير فهو تكفيه كلمة :


أما أن تدعو الله عزَّ وجل وتقول : يا ربنا لا تسألنا عن شيء ، هذا كلام مخالف لكتاب الله ، هذا دعاء لا ينسجم مع كتاب الله ..﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ(93)﴾ ..

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ . ))

[ ضعيف الجامع ]

أي أنك لو وقفت في سيارةٍ عامة لشيخٍ كبير توقيراً لسنه ، هذا العمل لا يضيع عند الله عزَّ وجل ، وأبلغ آيةٍ قول الله سبحانه وتعالى : 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه(8) ﴾

[  سورة الزلزلة ]

كتاب ستمئة صفحة لو تدبرت آيةً واحدة لكفتك ، لو تدبرت قوله تعالى : 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) ﴾

[ سورة النساء ]

لكفتك .. لو تدبرت قوله تعالى : 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18) ﴾

[  سورة السجدة  ]

لكفيت ، لو تدبرت قوله تعالى : 

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾

[ سورة الجاثية  ]

لكفيت ، لو تدبرت قوله تعالى : 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[  سورة القصص ]

لكفيت ، إذا كان الإنسان صادقاً تكفيه آية ، الصادق لا يحتاج إلى كلام كثير ، الصادق تكفيه كلمة ، أحياناً يكفيه  لفت نظر من الله عزَّ وجل ، أي أن الله بعث له مصيبة ، وكان قبلها هناك ذنب ، انتهى ، العلم حرف ، والتكرار ألف ، فهذه المصيبة توضحت لك بسبب هذا المال الحرام ، أتقع فيها مرة ثانية ؟ إذا كان الإنسان لم يستفد من تجربته يكون أحمق ، ليست المصيبة أن يصاب المرء بمصيبة ، ولكن المصيبة كل المصيبة أن يصاب بمصيبة ، ولا يتعظ بهذه المصيبة ، لذلك قالوا : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظةً فمصيبته في نفسه أكبر . 

 

كل ما في السماوات والأرض ملك الله عزَّ وجل إيجاداً وتصرفاً ومصيراً :


﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ كل شيءٍ في السماوات والأرض ملك الله عزَّ وجل ، إيجاداً وتصرفاً ومصيراً ، هو أوجده فهو ملكه ، وهو يتصرف بشؤونه .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) ﴾

[ سورة الفتح ]

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)﴾

[ سورة الأنفال ]

﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)﴾

[ سورة الكهف ]

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾ 

[  سورة هود ]

﴿  كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ(38) ﴾

[ سورة المدثر ]

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) ﴾

[ سورة فاطر ]

هذه : ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ نحن لله خلقاً ، ونحن لله تصرفاً ، ونحن لله مصيراً ، خلقاً ، وتصرفاً ، ومصيراً ، الأسباب بيده ، والوقائع بيده ، والنتائج بيده . 

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)  ﴾

[ سورة القصص ]

﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ ..أي واقع ..

﴿  وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ(6) ﴾

[ سورة الذاريات ]

أي حقائق الكون ، الحقائق التي جاء بها القرآن واقعة ، وإن لم تؤمن بها ، عدم إيمانك بها لا يلغيها ، عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، فالأمر مستمر .. 

﴿  سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا(62) ﴾

[ سورة الأحزاب ]

﴿ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) ﴾

[ سورة الإسراء ]

قوانين السقوط قائمة ، مطبَّقة ، منفَّذة ، إن آمنت بها وهبطت من الطائرة بالمظلة أنقذت نفسك ، وإن لم تؤمن بها ، وضربت بها عرض الطريق يموت الإنسان ، قوانين الهندسة قائمة ، إذا استشرت المهندس ، ووضعت الكميات المناسبة ، والحديد المناسب ، ينجو بناؤك من الانهيار ، فإن لم تستشر لابدَّ من أن ينهار ، لأنك إذا لم تعترف على علم المهندسين فعلمهم قائم ، إن اعترفت على علمهم استفدت منه ، وإن لم تعترف فالحقائق التي يقولونها واقعة ، البناء قد ينهار . 

 

بطولة الإنسان أن يعرف الحقيقة كلها قبل فوات الأوان :


﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ .. إذا كان أكثرهم لا يعلمون ، فأنت مع من ؟ مع الأكثرية أم مع الأقلية ؟ ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ﴾ .

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)﴾  

[ سورة الأنعام ]

فهل يقبل منك أن تقول : هكذا الناس كلهم يا أخي ؟ وأنا واحد من الناس ، هكذا العادات ، هكذا ما تعارف عليه الناس ، هكذا نشأنا يا أخي ، هكذا العادات ، هكذا التقاليد ، كل الناس مخطئون ؟ اسمع قوله تعالى : 

﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49)﴾

[ سورة الزمر ]

يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ، يعلمون التجارة ، والصناعة ، والزراعة ، وكسب المال ، وانتهاز الفرص ، وأصول الحياة ، وكيف يتنعمون بها ، وكيف يشترون الأجهزة المتنوعة في البيت ، هذا كله يعرفونه ، ولكنهم يجهلون المصير ، يجهلون ساعة يقوم الناس لرب العالمين ، فالعبرة أن تعرف الحقيقة كلها لا أن تعرف شطرها ، الله سبحانه وتعالى لم ينف عن الكفار شطر الحقيقة قال : 

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) ﴾

[ سورة الروم  ]

قد تلتقي بدكتور يحمل شهادة بورد ، ومع ذلك لا يعلم عن الآخرة شيئاً ، يعيش لحظته ، يعيش حياته الدنيا ، لا يستطيع أن يفكر أبعد من الموت ، يظن الموت نهاية الحياة ، ولا شيء بعد الموت ، هذا ليس علماً ، هذه حرفة ، وليس علماً ، العلم أن تعرف الحقيقة كلها ، أي قوام البناء حديد وإسمنت ، إذا تعلمت أن الإسمنت له نسب معينة وطبقتها ، وأغفلت الحديد ينهار البناء ، البطولة أن تعرف الحقيقة كلها من كل جوانبها ، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(49)﴾ ...

لذلك أيها الأخ الكريم لا تستأنس إذا كان الناس جميعاً في ضلال ، أنا مثل الناس ، أنا ابن عصري ، قال بعض علماء النفس : صحيحٌ أن الإنسان ابن بيئته ، وصحيحٌ أنه ابن محيطه ، وصحيحٌ أنه ابن ثقافته ، وصحيحٌ أنه ابن دراسته ، ولكنه في النهاية ابن نفسه ، أي ابن اختياره ، لذلك قد نجد عظماء في بيئاتٍ متخلِّفة ، وعلماء في بيئاتٍ جاهلة ، الإنسان إذا اختار شيئاً لن يقف شيءٌ في طريقه ، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام إذا كان صادراً حقاً عن إرادةٍ وإيمان .

أي إذا أردت أن تكون مستقيماً في هذا الزمان كلمة : لا ، لا أستطيع كلمة مضحكة هذه ، لأنك قد تفعل أشياء أخرى تبدو مستحيلة ، ولكنك بتصميمك عليها فعلتها ، ولو أنك صممت على أن تكون مستقيماً لبلغت الاستقامة ، لو صممت على أن تعرف كتاب الله لعرفته ، لو صممت على أن تصلي قيام الله لصلَّيته ، الذي تفعله صادقٌ فيه ، والذي تتوهم أنك لن تستطيع أن تفعله لست صادقاً في تطبيقه ، التفسير العلمي لشيءٍ تقول : أنا ليس بإمكاني أن أفعله ، هذا التفسير هو أنك لست صادقاً فيه ، لو أنك صدقت في طلبه لحصَّلته . 

 

معاني قوله تعالى : هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ :


﴿ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ ﴾ ... طبعاً القرآن كما سيدنا علي : << حَمَّالُ أوجهٍ >> .

يحيي هذا الجسد ويميته ، لذلك تعريف الموت حتى الآن غير واضح عند الأطباء ، هل يكفي توقف القلب ليموت الإنسان ؟ لا ، هل يكفي توقف النشاط العصبي ليموت الإنسان ؟ لا ، لا يزال تعريف الموت لغزاً من الألغاز .

إن الطبيب له علمٌ يـــــــــدل بــه          إن كان للناس في الآجال تأخير 

حتى إذا ما انقضت أيام رحلته          حار الطبيب وخانتـــــــه العقاقيــرُ

***

فالموت يخلقه الله عزَّ وجل .. ﴿ يُحْيِ وَيُمِيتُ ﴾ ..

فكم من فتى مات من غير عـــــلةٍ        وكم من عليلٍ عاش حيناً من الدهـر

تزوَّد من التقوى فإنك لا تــــــــــدري       إذا جنَّ ليلٌ هل تعيــش إلى الفجـــــــــر

فكم من عروسٍ زينوها لزوجهـــــــا       وقد قبضت أرواحهـــــــــــــم ليـلة القـــدر

وكم من أناسٍ يرتجى طول عمرهم       وقد أدخلت أجسادهم ظلمــــــــة القبــــر

***

أي أنهم ماتوا قبل الأوان ﴿ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ ﴾ ..

المعنى الآخر أن الله سبحانه وتعالى يحيي هذا القلب بأنواره ، ويميته بالبعد عنه ، لأن هناك حياة من نوع آخر ، الحياة حياتان ، حياة الجسد وحياة القلب ، حياة الجسد معروفة ، ما دام هناك حركة ، وتفكير ، وتنفس ، وخفقان قلب ، وتناول الطعام والشراب ، فهذه علامات الحياة ، الحركة ، والموت فمعروف ، لكن حياة القلب من نوعٍ آخر .

ليس من مات فاستراح بميت          إنما الميت ميت الأحياء

***

أحد العلماء واسمه أينشتاين ، هو الذي جاء بالنظرية النسبية ، وهي من أدق النظريات في الفيزياء ، قال : كل إنسان لا يرى في هذا الكون قوةً هي أقوى ما تكون ، رحيمةً هي أرحم ما تكون ، حكيمةً هي أحكم ما تكون ، هو إنسانٌ حيٌ ولكنه ميت .

قال علي رضي الله عنه : << يا كميل العلم خيرٌ من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، يا كميل مات خُزَّان المال وهم أحياء >> .. خزان المال في أوج نشاطهم أموات .. ربنا عزَّ وجل قال : 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) ﴾

[  سورة النحل  ]

هذا الذي لا يعرف إلا الطعام والشراب وكسب المال والانغماس في الشهوات هذا ميت ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾ .

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) ﴾

[  سورة فاطر ]

وهذا الذي عرف ربه ، وأحبه ، وأقبل عليه ، وتقرَّب إليه ، وجعل حياته كلها في طاعته ، وجعل طاقاته كلها مسخرةً لخدمة عباده هذا الحي ، لذلك : << يا كميل ، مات خُزَّان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة >> .

كن عالماً ، أو متعلماً ، أو مستمعاً ، أو محباً .. ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ..

هناك رجل من الصالحين علم طلابه من سن السابعة عشرة إلى سن السابعة والتسعين ، أي ثمانون عاماً ، وكان إذا سار في الطريق ، ورآه أحد تلامذته يقول له : أنت فلان ، وكان أبوك تلميذي ، وكان جَدُّك تلميذي ، وكان يتمتع بصحةٍ جيدة ، من سمعٍ مُرْهَف ، إلى بصرٍ حاد ، إلى ظهرٍ مستقيم ، إلى أسنانٍ كاملة ، حتى إن خده كان متورِّداً ، وذاكرته قوية ، فكان تلامذته يقولون : يا سيدي ما هذه الصحة أتمها الله عليك ! فكان يقول قولته الشهيرة : يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقياً عاش قوياً ،  فلذلك : ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ(49)﴾ ، ﴿ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ ﴾ قد يحيي هذا القلب ، إذا أقبلت على الله أحيا الله قلبك ، فإذا أدبرت عنه مات قلب الإنسان ، عندما يسرف الإنسان على نفسه في المعاصي ، ينغمس في الدنيا كأن هناك طبقةً تغطي قلبه ، إلى أن يصبح قلباً مغلفاً .. 

﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) ﴾

[ سورة البقرة ]

لا نتأثر ، هذه الحقائق لا تهز مشاعرنا ، نحب الدنيا ، قال الله تعالى : ﴿ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ لأنهم كفروا أصبحت قلوبهم غُلْفاً . 

إذاً : ﴿ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ ﴾ بالمعنى الأولي يحيي هذا الجسد ، يبث فيه الحياة ، وهو في بطن أمه ، فإذا جاء الأجل سلب الحياة فأصبح جثةً هامدة .

 

القرآن الكريم موعظة وشفاء وهدى ورحمة :


﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(56) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ .. الحياة متعبة ، والحياة فيها سؤالات كثيرة ، فيها مزالق ، وفيها مواقف حرجة ، وفيها متاهات ، وفيها ظنون ، وفيها فساد ، فإن لم يعتصم الإنسان بالإيمان الصحيح فسوف يضيع مع الناس ، سوف تنزلق قدمه ، سوف تزل قدمه ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ ..أحياناً تقرأ مقالة فتحس بضيق لا يعلمه إلا الله ، المقالة تأتي بإحصاءات عن مستقبل العالم ، لا معنى لها عنده ، لأن له رباً كريماً يحبه ، غنياً قديراً ، الناس كلهم بيده ، هل يخشى عدواً ؟

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ(55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(56) ﴾

[ سورة هود ]

يكون بيته صغيراً ، شمالياً ، رطباً ، يمر أمام بيت ثمنه خمسة ملايين أو ستة ، يطل على أربع جهات ، يقرأ الآية الكريمة : 

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ(198) ﴾

[ سورة آل عمران ]

فتجده يرضى بهذا البيت ، وقد يكون ليس له أولاد : 

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) ﴾

[ سورة الشورى ]

 هذا من عند الله ، هكذا إرادته ، وهذه حكمته ، وهو يحبني ، وهذا أمثل شيءٍ إليّ ، وليس في الإمكان أبدع مما كان ، فتنتهي مشاكله ، اقرؤوا القرآن : ﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ .. لا تبقى وسوسة ، ولا همّ ، ولا حزن ، ولا ضيق ، ولا قَلَق ، ولا يئس ، ولا شيءٍ من هذا القبيل ، هذا التمزُّق الداخلي ، انفصام الشخصية ، الخَوَر ، الضعف ، الخنوع ، هذه الأمراض التي فتكت بالناس ، ونحن مع بقية ما عندنا من إيمان ، مع قراءتنا لهذا الكتاب في نعمةٍ كبيرة.

عُقِد مؤتمر للأمراض النفسية في بعض المدن الأجنبية ، وذهب من سوريا دكتور في علم النفس ، فلما جاء دوره في إلقاء الكلمة قال : أقول لكم ببساطة ليس في شرقنا أمراضٌ نفسية بالشكل الذي تعرفونه ، وبالعدد وبالحدة ، والجواب على هذا بسيط : لأننا مؤمنون بالله ، مثلاً هذه لم تتزوج ، الله لم يكتب لها أن تتزوج ، تجدها تصلي ، وتصوم ، وردها وصلاتها ، وتخدم أخاها وأولاد أخيها ، تعيش بسعادة كبرى ، أما الثانية فإنها تنتحر ، طبعاً ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ إن قارئ القرآن لا يحزن ، فلا يمكن أن تحزن إذا قرأت القرآن بشكل صحيح ، إذا كنت تقرؤه ، وتعقله ، وتفهمه ، وتطَبِّقُهُ ، لا يمكن أن تحزن ، أي ممكن أن يحزن طفل أبوه ملِك ، يخاف ألا يعطيه مصروفه غداً مثلاً ، أو يخاف ألا يجد بيتاً عندما يريد الزواج ؟ أبوه ملك ، أفلا يجد غرفة يسكن فيها ؟ نعطيك القصر كله ، هل يخاف الطفل الصغير من ارتفاع بعض الأسعار إذا كان أبوه ملكًا مثلاً ؟ هكذا المؤمن .. 

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) ﴾

[ سورة الطور ]

حتى إذا سافرت تقرأ دعاء السفر :

(( عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :  اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى ، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى ، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا ، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ . ))

[ مسلم ]

تبقى مطمئناً ، وإذا الإنسان لم يقرأ الدعاء يا ترى ابني خرج من البيت باندفاع شديد فمرت سيارة مسرعة فدُهِس ، هل أصابه مكروه ؟ هل وقع إبريق الشاي على وجهه فحرقه ، لا تعرف ، يظل الإنسان قلقاً ، لكن الإنسان سلم لله عزَّ وجل ، من علامات الإيمان التوكل على الله ، والتفويض لأمر الله ، والتسليم لقضاء الله ، والرضا بقضاء الله ، توكل ، وتفويض ، وتسليم ، ورضا ، هذه كلها من علامات الإيمان مطمئن، قالوا لأبي الدرداء : << يا أبا الدرداء ، لقد احترق دكانك ، قال : ما كان الله ليفعل ، يا أبا الدرداء ، لقد احترق دكانك ، قال : ما كان الله ليفعل ، إلى أن جاءه الخبر الصحيح ، لم يحترق دكانك ، قال : أعلم ذلك >> فهو مطمئن. 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .. للناس موعظة وشفاء ، أما للمؤمن فهو هدى ورحمة ، الهدى أي طريقه واضح ، طريق الحياة واضح ، هذه حرام ، هذه حلال ، هذه تجوز ، هذه لا تجوز ، عنده نور في قلبه ، أي :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) ﴾

[ سورة الحديد ]

إذا آمنت بالله ورسوله يؤتك كفلين من رحمته ، أي ضمانة في الدنيا وضمانة في الآخرة ، ويجعل في قلبك نوراً تمشي به في الناس ، يريك الخير من الشر ، فالهدى هذا النور الإلهي الكشَّاف ، والرحمة هذا التجلي الذي يتجلى به الله على عباده المؤمنين . 

 

فرح المؤمن بعطاء الله عز وجل :


﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ..  طبعاً الله سبحانه وتعالى يحب الرجل المؤمن إذا فرح بعطاء الله ، أما إذا فرح بالدنيا فهذا دليل سخفه :

(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب  ))

[ الكامل في الضعفاء : بهذا الإسناد موضوع ]

رآه سخيفاً ، وهو شهواني ، أرضي ، يحب الدنيا ، يحب المُتَع الرخيصة ، مادي ، أناني ، همُّه بطنه ، قبلته زوجته ، إن رآه كذلك عاقبه عقاباً أليماً ، ما مرضه ؟ لا ، ما تركه يفلس ، لا ، تركه على حاله ، ولكنه حظر عليه العلم والأدب ، هذه ليست لك ، هذه اتركها ، هذه اتركها لعبادي الصالحين ، لا علم ولا أدب ، غليظ ، وقح ، ساخر ، متكبِّر ، لئيم ، والعلم ؟ لا يفقه في الآخرة شيئاً ، يأتيك بكلام عامي  أهذه آية في القرآن ، أي آية هذه ؟ هذه آية ؟!! لا يفهم شيئاً ، لا يفهم الآية من الحديث من قول العامة : (( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب )) جاهل ، تركه جاهلاً ولئيماً ، أما قارون :

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) ﴾

[ سورة القصص ]

قال له قومه : 

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)  ﴾

[ سورة القصص ]

 طبعاً الآية لها تفسير ، لا يحب الفرحين بالدنيا ، لأنها مؤقتة زائلة ، لكنه يحب الفرحين بالآخرة ، فلما يحقق الإنسان هدفه الأخروي ، ويفرح والله معه الحق ، لكن قبل تحقيق هدفه الأخروي الفرح لا معنى له ، هذا فرح ساذج ، فرح الأطفال بلعبة ، لكن الكبار يفرحون بشهادة عُليا ، يفرحون بمنصب رفيع ، يفرحون بزوجة جيدة ، يفرحون بمنزل واسع مناسب ، هذا شأن الكبار ، أما المؤمنون فإنهم يفرحون بعطاء الله ، يفرحون برضى الله عنهم ، إن رسول الله اللهم صلّ عليه وسلم غادر مكة إلى الطائف ثمانين كيلو متراً على قدميه ، وسمع كلاماً واستخفافاً ، ورداً قبيحاً ، وسخرية ، وتكذيباً من أهل الطائف ما يهُزُّ الجبال ، اتجه إلى الله عزَّ وجل وقال :

(( عن عبد الله بن جعفر ، يا رب ، إني أشكو إليك قلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ، إلى من تكلني ؟ أإلى عدوٍ ملَّكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي . ))

[ الطبراني الإسناد ضعيف ، بسبب عنعنة محمد بن إسحاق ، فهو مدلس مكثر من التدليس عن الضعفاء والمجهولين كما وصفه بذلك أحمد والدار قطني ]

الطفل يفرح بالخشخيشة ، باللعبة ، يفرح بحبة حلوى ، يفرح بملبسة واحدة ، تعطيه إياها يفرح ، تكون دمعته على خده فيضحك ، يأخذها أخوه منه فبكى ، أعطيته واحدة فضحك ، انتهى أمره ، الكبير يفرح ببيت ، بسيارة ، بوظيفة ، بزواج ، أما المؤمن فيفرح برضاء الله عزَّ وجل ، فلا يوجد منصب أرفع عند الله من أن يقال : فلان رضي الله عنه . 

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18)﴾

[ سورة الفتح ]

ليس ثناء من الله أبلغ من قوله تعالى : 

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾

[ سورة القلم ]

لم يكن في بيته شيء ، دخل عليه عدي بن حاتم فلم يجد شيئاً قال : فقذف لي وسادةً من أدمٍ محشوةً ليفاً ، قال : اجلس على هذه ، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، فجلست عليها ، وجلس هو على الأرض ، ليس عنده شيء .

 كان إذا صلى قيام الليل أمر السيدة عائشة أن ترفع رجليها ، لأن حجم الغرفة لا يتسع لنومها وصلاته ، قال له : ﴿ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾ اضطجَعَ على الحصير فأثَّرَ على خده الشريف ، قال عمر :

(( فدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ ، فَجَلَسْتُ ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ قَالَ : فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ ، قَالَ : مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى ، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ ، فَقَالَ : يَا بْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمْ الدُّنْيَا قُلْتُ : بَلَى . ))

[  متفق عليه  ]

أنا لست ملكاً ، هذه نبوة .. ثم إن أحد خلفاء بني أمية سأل أحد التابعين فقال له : أنا خليفةٌ أم ملك ؟ قال له : إن كنت قد جبيت درهماً من غير حقه – درهم واحد - وأنفقته في غير حقه فأنت ملك ، ولست خليفة ، قال له  إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً .

في رواية ثانية : (( أما ترضى يا عمر أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ))

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((  لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ  ))

[ صحيح الترمذي ]

هينةٌ على الله عز وجل ، يعطيها لمن يحب ، ولمن لا يحب ،  يوجد ثماني آيات في كتاب الله ، ثماني آيات حصراً ، المترفون هم الكافرون . 

﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33)  ﴾

[  سورة المؤمنون ]

هذا المترف الذي يعيش في بحبوحة مذهلة ينفق أموالاً بغير حساب ، هؤلاء لا شأن لهم عند الله عزَّ وجل . 

 

رحمة الله خير من الدنيا وما فيها :


﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ لذلك قال الله عزَّ وجل : 

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)  ﴾

[ سورة الزخرف ]

﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)  ﴾

[ سورة المطففين  ]

﴿  لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ(61) ﴾

[  سورة الصافات  ]

تعال الهُ معنا يا محمَّد - كان طفلاً صغيراً - قال لهم : لم أخلق لهذا ، أنا خلقت لأعرفه وأتقرب إليه هو وحده .

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ العلماء استنبطوا من هذه الآية أن الحرام ما حرَّمه الله ، والحلال ما أحلَّه الله ، ولا يحقُ لبني البشر أن يحللوا هم أو أن يحرِّموا ، بل إنه ليس تحريم الحلال بأقلّ من تحليل الحرام ، الحلال ما أحلَّه الله ، والحرام ما حرمه الله .

*     *      *

 

الدلفين آية من آيات الله الكونية :


من آيات الله الكونية حيوان يعيش في القطب اسمه الدلفين ، هذا الحيوان أغرب ما فيه أنه ذو طبيعة اجتماعية عجيبة إن بينه وبين أفراد نوعه علاقات اجتماعية متينة حتى بينه وبين الإنسان علاقات وطيدة ، لذلك كان هذا الحيوان يتمتع بأعلى ذكاء في الجنس الحيواني ، أعلى درجة من الذكاء في الحيوان في هذا الحيوان موجود ، أي قد يتواجد في بعض الموانئ فيقود بعض السفن إلى طريقها الصحيح ، ينقذ بعض البحارة ، يعقد صداقات مع بعض الغواصين ، كان إذا أسر لطيفاً هادئاً لا يبدي أي مقاومة ، وكأنه واثق من الإنسان أنه لن يؤذيه.

هذا الحيوان هناك لغة فيما بينه وبين أفراد نوعه ، حتى إنه يردد بعض كلمات الإنسان ، وإذا أصاب أنثاه الطلق جمعت عشرات الأناثي كي يكنّ حولها ، حول هذه التي تلد ، يؤنسنها من جهة ويحفظنها من سمك القرش من جهة ثانية ، أي قرأت عن هذا الحيوان الشيء العجيب .

حيوان يتمتع بذكاء ، بنعومة ، بمودة مع الإنسان ، بحياة اجتماعية ، لو عزلت أحد أفراد هذا الحيوان عن بني جنسه لمات وحشة ، يموت موتاً حقيقياً ، وحشة ، فقلت : سبحان الله ! كم يفتقر بنو البشر إلى بعض هذه الصفات التي يتمتع بها الحيوانات ? 

الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.. وهب الله هذا الحيوان شيئاً من الذكاء ، على كل حال لا يعد شيئاً أمام ذكاء الإنسان ، بهذا الذكاء تكيف مع المجتمع وكانت علاقاته إيجابية ومثمرة ، وأحبه الإنسان وأحب الإنسان ولم يستوحش منه ، كل هذا بفضل الصفات الممتازة التي أودعها الله فيه ، فنحن الذين أوتينا الفكر والعقل والكون وكرمنا الله على كل مخلوقاته نؤذي العباد ، نؤذي بعضنا بعضاً ، نقصر في حق ربنا ، أين نحن من هذا ؟

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) ﴾

[ سورة الإسراء ]

قال عنه العلماء : إنه سريع التعلم ، جيد التقليد ، يألف ويؤلف وهو حيوان ، من نوع الحيتان ، الدلفين ، فالإنسان مهما خطر في باله عن خلق الله لا يزال يجهل الكثير الكثير عن بعض الصفات الممتازة التي أودعها الله في الحيوان ، أما نحن :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)﴾

[  سورة الإسراء ]

أي لأنه يوجد لغة ، مقاطع صوتية بينه وبين أفراد نوعه عدّوه مستوى رفيعاً من الحيوان ، ربنا عز وجل قال :

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

[ سورة الرحمن ]

هذا البيان نعمة ، كل حرف تسهم في صنعه سبع عشرة عضلة ، والإنسان ينطلق بالحديث من دون تلكؤ ، لو أراد أن يضبط حركات عضلاته ما تكلم في الساعة خمس كلمات ،

 ﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ أعطاه فكراً ، في الإنسان قدرات بالفكر مذهلة ، الإنسان يضيعها ويلتفت لشيء مؤقت زائل ويضيع مكانته عند الله .

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور