وضع داكن
25-05-2024
Logo
الدرس : 01 - سورة هود - تفسير الآيات 01 – 05 أوائل السور
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم عَلّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

السورة الجديدة اليوم هي سورة هود، وهذه السورة فيها مقْطعٌ من آيات الله تتحدَّث عن الإيمان بالله، وعن الإيمان بِرِسالة رسول الله، وعن اليوم الآخر، وفيها مجموعة قِصصٍ من قِصص الأنبياء تؤكِّد هذه الحقائق، ثمّ تنتهي هذه السورة بِمُلخَّصٍ للحقائق المستنبطة من هذه القصص، فالله سبحانه وتعالى في هذه السورة يقول:

﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) ﴾

[ سورة هود ]


معاني حروف أوائل السور :


وقد تحدَّثنا بالتَّفصيل عن معنى هذه الحروف وكيف أنَّ هناك اجْتِهادات عِدَّة في تفسيرها، مِن أوْجه هذه الاجتهادات أنَّها أوائل لأسماء رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لأنَّ الذي جاء بعدها يُشير إلى ذلك، فهو أحْمَدُ الخلق، وهو اللطيف ينقل الخلق إلى الله عز وجل بِلُطْفٍ بالغ، وهو الرحيم بِأُمَّتِهِ، بل هو أرْحَمُ أُمَّة محمّدٍ بها.

 قال تعالى : ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ) .


الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ


هذا القرآن الذي بين أيدينا كتابٌ، والتَّنْكير هنا كما يقول بعض العلماء تنكير تعظيم، قال تعالى: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ .

المعنى الأول :

آياتهُ مُحْكمَةٌ، ومعنى مُحكمةٌ أيْ مُترابطة، فبين الآيات علاقة سببٍ بِنتيجة، وعلاقة مُقَدِّمةٍ بِمُؤخِّرة،  وعلاقة مُقابلةٍ، إذا ذكر الله عز وجل مَشاهِد أهل الجنَّة يذكر مشاهِدَ أهل النار، وإذا ذكَرَ الله الدنيا ذَكَر الله الآخرة، وإذا ذَكَر واقِعَ الحياة ذَكَر مآلها، على كُلٍّ كلمة أُحْكِمَت آياته واسِعَةُ المعنى.

مِن معانيها أنَّ الآيات القرآنيَّة مُترابطةٌ فيما بينها، ومن آتاه الله عِلْماً بهذا الكتاب وفهْماً لِحَقائقِهِ يرى هذا التَّرابط، وهذه العلاقة، ومن كان في عَمىً عن كتاب الله يراهُ مُفَكَّكاً، بل يزْعُمُ أنَّ هذا القرآن يحتاج إلى تنسيقٍ وتبويبٍ وتفصيل، وهذا هو المعنى الأوّل، ومن خِلال تفسير كتاب الله فيما مضى بُيِّنَ لكم بعض هذا الإحكام.

المعنى الثاني:

أنَّ آيات القرآن الكريم مُحْكمة، بمَعنى أنَّها موجَزَة أوجز الله سبحانه وتعالى أحياناً، ثمَّ فصَّل هذا الموجَز، مثلاً قال تعالى:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) ﴾

[ سورة محمد  ]

هذه حقيقةٌ جاءَت بِشَكلٍ موجَز، ثمّ جاءَتْ قِصَّة يوسف عليه الصلاة والسلام، وهذه القِصَّة على ما فيها من تفصيلات، إنَّما تؤكِّد ما أوْجَز الله سبحانه وتعالى في القَوْل، يعني قِصَّة يوسف تؤكِّد أنَّه لا إله إلا الله مِن خِلال الحَدث، والوصْف، والحِوار، وتعقيب الأحداث، ثمّ انتِهائِها إلى وضْعٍ مُعَيَّن، فربُّنا سبحانه وتعالى يوجِزُ حينما يُقَرِّر الحقائق، ويُفصِّل حينما يأتي بالتَّطبيقات العمليَّة.

المعنى الأوَّل، معنى الإحكام يعني الترابط، والمعنى الثاني، معنى الإحكام أيْ الإيجاز. 

المعنى الثالث :

والمعنى الثالث أحْكَمَ الشَّيء أَتْقَنَهُ، أيْ كتابٌ آياتهُ لا يأتيها الباطل، ولا الخلل، ولا النَّقْص، ولا الزِّيادة، ولا الخطأ، ولا الغلَط، مُتناسِقَةٌ ومَضْبوطة، هذا معنى الإحكام الثالث. 

المعنى الرابع :

ومعنى الإحكام الرابع، مِن الحِكْمة، أيْ ذَكَرَ أشياء لِحِكمةٍ بالغة، وأمرَ بِأَشياء لِحِكمةٍ بالغة، ونهى عن أشياء لِحِكمةٍ بالغة، وسكَتَ عن أشياء لِحِكمةٍ بالغة، فالإحكام من الحِكْمة، والإحكام من الترابط، والإحكام من الإيجاز، والإحكام مِن دِقَّة الصِّياغة، قال تعالى: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ .


القرآن يحتاج إلى نفس صافية ودقة نظر :


لكنَّ هذا الكتاب هو على الظالمين عمىً عليهم! قال تعالى: 

﴿ وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا(82) ﴾

[ سورة الإسراء  ]

هذا الكتاب يحتاج فَضْلاً عن دِقَّة الفَهْم وإحكام النَّظَر، يحتاج إلى نفس صافِيَةٍ، وقلبٍ سليم، بل إنَّ بعض العلماء حينما فسَّرَ قوله تعالى: 

﴿ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ(79) ﴾

[ سورة الواقعة  ]

وجَّه الآية توجْيهًا إضافيّاً يزيدُ عن معناها المادّي، وجَّهَهَا توجيهاً إلى أنَّ طاهِرَ النَّفسِ هو الذي يُدْركُ معاني القرآن الكريم، ولهذه الحقيقة تفسيرٌ واضِح، الإنسان المُتَلَبِّس بالرِّبا لا يستسيغُ أن يفهمَ آيات الرِّبا كما هي عليه، يُحاوِلُ أنْ يُزَوِّرَها، أنْ يفْهمها فهماً خاطئاً، كي يُغَطِّي نفسَهُ، هذا عنده خلل داخلي يُحاوِلُ أن يُصْلِحَ هذا الخَلَل، وأن يُقيمَ توازنهُ من تحويل وتوجيه الآيات توجيهاً خاطئاً، إذاً المُتَلَبِّسُ بالمعاصي لا يُمْكنُ أن يفْهم كتاب الله تعالى على حقيقته، ولن يفْهمهُ على حقيقتِهِ إلا مَن كان مستقيماً على أمرهِ، لذلك قال تعالى : (لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ) .

مَن كان طاهِرَ النَّفس، طاهِرَ السُّلوك، نقِيَّ القلب، إذا قرأ القرآن الكريم يفْهَمُهُ على حقيقتِهِ، أما من تلبَّس بالمعْصِيَة، وزيَّف، وانْحاز وخرَجَ، وطغى، وبغى، هذا قلبهُ مُغْلَقٌ بالمعْصِيَةِ أوَّلاً، ويُحاوِلُ أن يجرّ الآيات إلى تغْطِيَة انْحِرافاته ثانياً، فهو إذاً لن يستطيع فهْمَ كِتاب الله . 


ملخَّص المعاني الأربعة للإحكام :


كِتاب الله آياتُهُ مُحْكمة،﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ بِمَعنى أنَّ في ذِكْرها حِكْمَةٌ بالغة، فالله عز وجل سَكَتَ عن أشياء كثيرة، سَكَتَ عن نوع الثِّياب، وسكَتَ عن نوْع الطَّعام، وسكتَ عن نوع الأثاث؛ هذه أشياء مُتَبَدِّلة، ومُتَغَيِّرة في كلّ عَصر، سكَتَ عن نسبة الرِّبْح، لأنَّه لو حدَّدَها لَهَلَكَ الناس، هناك أشياء كثيرة في الكتاب ذكرها لِحِكمةٍ بالغة، نهَى عن بعضِها لِحِكمةٍ بالغة وسكَتَ عنها، ولو أنَّ إنساناً لديه فراغ كثير، وتتَبَّعَ الحِكمة في سُكوت القرآن عن بعض الموضوعات لوَجَدَ في هذا السُّكوت حِكْمةً لا تَقِلّ عن حِكمة الذي أمرنا به أو نهانا عنه.

﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ أيْ الآيات مُفْعَمَةٌ بالحِكمة المعنى الأوّل، ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ آياته أيْ ترابَطَتْ، في السورة الواحِدَة عرْضٌ لِحَقائق التَّوحيد، ثمَّ قِصَّةٌ فيها تطبيقٌ عمليٌ لهذه الحقائق، ثمَّ وصْفٌ لمَشاهِدِ الآخرة وهي العِقاب الذي ينتظر المُنْحَرِفين والثَّوَاب الذي ينتظر المُستقيمين، فَذِكْرُ حقائق التَّوحيد، ثمَّ ذِكْرُ قِصَةٍ تُجَسِّدُها، ثمَّ ذِكْرُ المآل مِن جنَّةٍ إلى نار؛ هذا ترابط، أحياناً تأتي آيات العذاب فَتَخاف النفس لكي لا يُفضي بِها الخوف إلى اليأس تأتي آيات الرَّحمة فَتَقْلِبُها من التَّشاؤُم إلى التفاؤل، والله سبحانه وتعالى جعلَ هذا الكتاب كِتاب هدايةٍ ورشاد، فيه تَبْيِينٌ للحلال والحرام، فيه تبْيينٌ لِعَظمة الله عز وجل عن طريق آياته الكَوْنِيَّة، فيه ذِكْرٌ لِما مضى، فيه ذِكْرٌ لما سيَكون، فيه وصْفٌ لِمَشاهِدِ يوم القيامة، وفيه آياتٌ كَوْنِيَّة .

معنى الحِكمة، ومعنى الإحكام، ومعنى الترابط، ومعنى الإحكام دِقَّة الصّنع، ومعنى الإحكام الإيجاز، كلّ هذه المعاني الأربعة تنْطوي تحت كلمة ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ .

قال تعالى : ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾


ثُمَّ فُصِّلَتْ


1 ـ معنى : فُصِّلَتْ

فُصِّلَت سُوَراً، وفُصِّلَت السُّوَر آياتٍ، وكلّ آيةٍ لها معنى قائمٌ بِذاته، لو نزَعْتَ هذه الآية مِن السِّياق لكان لها معنى قائِمٌ بِذاته، قال تعالى:

﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ(73)﴾

[ سورة آل عمران ]

لو جاءَت هذه الآية في سِياق الآيات لها معنى، فلو نُزِعَتْ مِن سِياق الآيات لكان لها معنى آخر، فهذه فُصِّلَت آياتٍ، وفُصِّلَت سُوَراً، وفصِّلَت أحكاماً، وفصِّلَت حلالاً وحراماً، ووعْداً ووعيداً؛ هذا كلّه أيضاً ينطوي تحت كلمة فصِّلَت . 

 2ـ الحكمة من كلمة ( ثُمَّ ) :

أمّا ثمّ، فهذه الكلمة للتَّرتيب، لا للتَّرتيب الزمني، بل للتّرتيب الرُّتَبي فأنت في الكتاب تذكرُ في المقدِّمة مِحْور الكتاب، ومُجْمَلَ النَّظَريَّات التي طرحها، ثمَّ تأتي فُصول الكتاب لِتَشرح هذه النَّظَريَّات، وتُوَسِّعها، وتذكرَ أصلَها وتُعَلِّلَها، وتؤيِّدها بالشَّواهد، وتُقيم موازنات بينها وبين غيرها، هذا هو التَّفصيل، فالإحكام هو الإيجاز، والتَّفصيل هو التَّوسيع، قال تعالى :﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ .

 1ـ القرآن غنى ما بعدة غنى :

كيف لا تكون آيات الكتاب مُحْكمةً وهي من عند الحكيم؟! كيف لا تكون آيات القرآن مترابِطَةً، والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق المنطق؟ وكيف لا تكون آيات القرآن الكريم دقيقة في صِياغتها، والله سبحانه وتعالى هو المُطلق؟ كمالهُ مُطْلق، وعلْمُهُ مُطلق، وقُدْرتُهُ مُطلقة، وبيانُهُ مُطلق، إذا تعامَلْتَ مع كِتاب الله فاعْلَم أنَّك تتعامَلُ مع كلام الله وفضْلُ كلام الله على كلام خلقهِ كَفَضْل الله على خلْقِهِ، فالحرف الواحد في القرآن له معنى، والحركة في القرآن لها معنى، أنْ يَعْدِل الله سبحانه وتعالى عن رفْع بعض الآيات المتعاطفة إلى نصْب إحداها، هناك معنى دقيق جدّاً، فإذا ضيَّعْت الحياة كلّها في فهْم كتاب الله فهذا هو الغِنى الحقيقيّ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( من جمع القرآنَ متَّعَه اللهُ بعقلِه حتى يموتَ ))

[ ابن عدي ]

(( لا يحزنُ قارئ القرآن ))

[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]

(( خيرُكم مَّنْ تَعَلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ ))

[ أخرجه احمد والترمذي ]

2ـ القرآن والكون :

كأنَّ الله سبحانه وتعالى جعَلَ الكون كلّه في كِفَّة، وجعل هذا الكتاب في كِفَّة أُخرى، قال تعالى: 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) ﴾

[ سورة الأنعام  ]

وقال تعالى : 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(1) ﴾

[ سورة الكهف  ]

قال تعالى : 

﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ(77)فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ(78)لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ(79) ﴾

[ سورة الواقعة  ]

قال تعالى : 

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ(38) وَمَا لا تُبْصِرُونَ(39) ﴾

[ سورة الحاقة  ]

يُقْسِمُ الله سبحانه وتعالى بِالكَون كلّه، ويأتي موضوع القسَم أنَّ هذا الكتاب كريمٌ، (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) فالكون في كفَّة، والقرآن في كفَّة.

بِشَكلٍ آخر قد تمْتلِكُ جِهازاً بالغَ التَّعقيد، حاسباً إلكترونياً بالغَ التَّعقيد وباهظ التكاليف، ولن تستطيع تشْغيلهُ إلا إذا اطَّلَعْت على دْفترٍ مطبوعٍ فيه تعليمات التّشغيل! إنَّ هذه التعليمات لا تَقِلّ شأناً عن هذا الجِهاز  بل إنَّ اسْتِعمالها مصيري، ولو لم تسْتعمِل هذا الجِهاز وِفْق هذه التعليمات لأتْلَفْتَ الجِهاز! إذاً لهذه التعليمات قيمةٌ كُبْرى، وهذا الكون العظيم بِمَجَرَّاته المُترامِيَة، بِمَسافاته التي لا تُعْقَل لِشدَّة بُعدِها، شمْسُهُ أرْضُهُ سماؤُهُ، ما في الأرض، ما تحت الأرض، ما فوق الأرض مِن مخلوقات دَقَّتْ أو جلَّت، صَغُرَت أو كَبُرَت، تَعَقَّدَت أو انْبسَطت؛ كلّ هذا يُقابلهُ هذا الكتاب الذي فيه تفسيرٌ لِهذا الكون لنشأة الكون ومصيرهِ، ولِجَدْوى وجود الإنسان على الأرض، ومُهِمَّتُهُ الأساسيَّة، أين كان؟ وإلى أين ذاهِب؟ ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ خبير بِنُفوسنا، يعْلَمُ ما يُصلِحُها، وما يفْسِدُها، ويعلمُ الذي يُسْعِدُها، والذي يُشْقيها، يعْلمُ ما نُسِرّ، وما نُعْلِن، إنَّه حكيم خبير، هذا الكتاب مِن الدَّفَّة إلى الدَّفَّة كما يقولون، مِن سورة الفاتحة إلى سورة الناس ذكر اللهُ سبحانه وتعالى فَحْواه ومضمونه، فقال تعالى : 

﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) ﴾

[ سورة هود  ]


أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه


1ـ ملخّص القرآن : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ

طبعاً هذا الملخَّص، أما قِصص الأنبياء وآيات الكون، والحديث عن الأُمَم السالفة، والحديث عن مشاهِد القيامة، هذا كله تفصيلٌ كي تَصِل إلى هذه الحقيقة الكبرى، ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ ، فما العبادة ؟ بعضهم يظنّها الطاعة، إنَّها كذلك وليس كذلك! العبادة هي الطاعة، وليْسَت قاصِرَةً على الطاعة، إذا أشْهَرْتَ على أحدٍ سِلاحاً، وأمرتَهُ أن يُطيعَك فإنَّه يُطيعُك؛ فهل هذه عِبادة؟! لا، العبادة هي الطاعة المَبْنِيَّة على معرفة الله سبحانه وتعالى، وهذه الطاعة ليْسَت هدفاً بِذاتها، إنّما نتيجتها هي الهدَف، ونتيجتها هي السَّعادة تعرفُهُ فَتُطيعُهُ فتَسْعَدُ به في الدنيا والآخرة، وإلى الأبد.

فالخُلاصة أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان على وجْه الأرض كي يتعرَّف إليه، فإذا تعرَّف إليه طبَّقَ منهَجَهُ، وإذا طبَّقَ منهجه سَعِدَ بِقُربِهِ، فالكتاب كلّه ملخَّصه ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾، لذلك ربنا عز وجل قال في آياتٍ أُخرى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) ﴾

[ سورة الأنبياء  ]

(( أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ  ))

[ رواه الإمام مالك  ]

 2ـ حقيقة : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ

لأنَّك إذا ما آمنت بـلا إله إلا الله، إذا رأيْت أنَّ هناك آلهةً غير الله، فإنَّك سوف تُطيعُهم فيما يُسْخِط الله، وإنَّك سوف تخاف منهم، وسوف ترْجوهم وهم لا شيء، تنتظر عندهم السَّعادة، وهم لا يمْلِكونها لأنفسهم، وتنتظر منهم أن يُخَلِّصوك، وهم لا يستطيعون تخليص أنفسهم!  لا إله إلا الله أما إذا رأيْت أنَّ مع الله آلهةً أُخرى ليس شرطًا أن تقول  فلانٌ إله! لا، إذا اعْتَقَدْت أنَّ بيَدِ فلان نفْعك وضُرّك فهذا هو الشِّرك، أنت لو قلت: لا إله إلا الله، وتعْتَقَدْ أنَّ فلاناً ينفعُكَ أو يضرّك، وأنّ أمْركَ بِيَد فلان، وأنّ مصيرك بِيَد فلان، وأنَّ فلاناً إذا رضي عنك أسْعَدكَ، وإذا غضب عليك أشْقاك، إذا تصوّرْت أو توهَّمْت هذه الحقائق فهذا هو الشِّرك.

فكلمة﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ ، هي كلمة نقولها، ولكنّ مَضْمونها كبير جدًّا، يعني أنَّ مُحصّلة معرفة الله أن تعبدَه وحده ، لذلك قال بعض العلماء: إنَّ أعلى رُتْبةٍ بلغها إنسانٌ هي رتبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ما هي هذه الرُّتبة ؟ رتْبة العبودِيَّة، العبودِيَّة لله هي الخضوع التامّ لأمر الله، وأنت لن تخْضع إلا إذا عرفْت أنَّ خُضوعك هذا يُحَقِّق لك كلّ السَّعادة، لذلك: 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِينًا(36) ﴾

[ سورة الأحزاب  ]

تختار أنت هذا البيت أو ذاك، وتختار هذه الزوجة أو تلك، وتختار عملاً حُرّاً أو وظيفةً، أما أن تختار شيئاً نهى الله عنه! أما أن تقول: أفْعل أو لا أفعل في شيءٍ نهى الله عنه، فهذا ليس من صفات المؤمن، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾، إذاً مَضْمون هذا الكتاب مُوجَزِهِ وتفْصيلِه، مُحْكَمِهِ ومُتشابِهِهِ، مضمون هذا الكتاب ألا تعبدوا إلا الله، فلو أنَّ الإنسان قرأ الكتاب وقرأ تفسيرهُ، وأتْقَنَ قراءته، وجوَّدَهُ، وعبدَ غير الله، ما اسْتفاد منه! الاسْتِفادة من الشيء مرْهونةٌ بِأن تُحصّل به نفعاً كبيراً ونَفْعُ هذا الكتاب ألا تعبد إلا الله، قال تعالى : 

﴿ ولا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) ﴾

[ سورة الذاريات  ]

3ـ رسالة النبي توضيح معنى : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ

هذه رِسالة المصطفى صلى الله عليه وسلّم، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45) ﴾

[ سورة الأحزاب  ]

تشْهَدُ للناس بالحقائق، وتُبشِّرُهم إذا اتَّبَعُوها، وتُنْذِرُهم إذا خالفوها، هذه هي الحقيقة منْ طبَّقَها سَعِدَ، ومن حادَ عنها شَقِيَ، ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) .

إذاً في  هذه الآيات توضيح لِمُهِمَّة النبي عليه الصلاة والسلام في أُمَّتِهِ، أن يكون بشيراً ونذيراً، بشيراً لِمَن أطاعه، ونذيراً لِمَن عصاه، بشيراً لِمَن اتَّبَعَ سنَّتَهُ ونذيراً لِمَن حاد عن أمره. 

4 ـ معنى آخر لقوله : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّه

هناك معنى آخر لهذه الآية، هنا حمَّلناها معنى التَّفسير، أي هذا الكتاب مُلَخَّصَه، ومضمونه، وفَحواه، ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ ، هناك تفسير آخر وهو أنَّ عبادته هي مفْعولٌ لأجله، أيْ أنَّ هذا الكتاب فُصِّل وأُحْكِمَ وبُيِّن مِن أجل أن تعبُدَهُ، فإذا عبَدْتَهُ فقد قرأتَ هذا الكتاب، وإن لم تعْبُدْهُ فإنَّك قد جَهِلْتَ مَضْمونه، ولو ردَّدْتَهُ بِلسانِكَ، قال تعالى:

﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) ﴾

[ سورة هود ]


وَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ


 1ـ معنى الاستغفار :

الاسْتِغفار هو الأصل، والاسْتِغفار طلبُ المغفرة، والمغفرة هي الشِّفاء من الذُّنوب، والإنسان بين حالتين؛ إن كان في إقبالٍ على الله عز وجل فنَفسُهُ طاهِرَةٌ مُطَهَّرة، لأنَّ إقباله على الله يشْفي نفْسَهُ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الصّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ(45) ﴾

[ سورة العنكبوت ]

الإقبال على الله بالاستغفار يُكسِب الصفاءَ :

قطعةُ حديدٍ باردة جدًّا ضَعها في الشَّمس، بعد ساعة تجدها فقَدَتْ شيئاً، واكْتَسَبتْ شيئاً ، فقَدَت البرودة، واكْتسَبَت الحرارة، وكلّ نفْسٍ تُقْبِلُ على الله عز وجل إقْبالاً صحيحاً فلا بدّ مِن أن تَفْقد شيئاً، وإنّ الأدْرانَ والكِبْرَ والأنانيَّةَ، أو حُبّ الذات، الاسْتِعلاء، الحِقْد، الضَّغينة، الحسَد، النَّميمة، هذه صِفات ذميمة، وهي أَعْراضُ الإعراض! ليْسَت أمراضاً، ولكنَّها أعراضٌ لِمَرضٍ واحد، وهو الإعراض، فأنت إذا أقْبَلْت تحلَّيْت بالكمال، وإذا أعْرضْت بَدَتْ منك هذه العُيوب. 

الناس إما تقي وإما فاجر :

(( أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ خطبَ النَّاسَ يومَ فتحِ مَكَّةَ، فقالَ: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليَّةِ وتعاظمَها بآبائِها فالنَّاسُ رجلانِ: برٌّ تقيٌّ كريمٌ على اللَّهِ، وفاجرٌ شقيٌّ هيِّنٌ على اللَّهِ، والنَّاسُ بنو آدمَ، وخلقَ اللَّهُ آدمَ من الترابِ، قالَ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ))

[ صحيح الترمذي ]

كلّ تقسيمات الأرض باطلة؛ يقولون لك: الشُّعوب الآريَّة، والشُّعوب السامِيّة، والبيض والسود، والأغنياء والفقراء، كلّ هذه التَّقسيمات باطلة، البشر رجلان: رجلٌ أقْبَلَ على الله عز وجل فاصْطَبَغَ بِالكمال، ورجلٌ أعْرضَ عنه فاصْطَبَغَ باللُّؤْم.

أبو لهب عمّ النبي عليه الصلاة والسلام لأنَّه أعرض عن الله عز وجل كان كُتلةً من اللُّؤْم والخِسة ومعارضة الحق، وبِلال رضي الله عنه سيدنا بلال أقْبَلَ على الله عز وجل فامتلأ كرماً وعِفَّةً، وطهارةً، وإخلاصاً، وشَجاعةً، وكرماً، وهذا هو التَّقسيم الصحيح، لشِدَّة تواضُعِه وسخائه، وهناك فقيرٌ تكرَهُ الفقر لشِدّة كفرهِ واسْتِعلائه، هذه التقسيمات باطلة، فلا مدني، ولا قَرَوِيَّ، ولا غِنَي، ولا فقير، ولا هذا أصله سامي وهذا أصله آري، وهذا ألماني ، ونحو ذلك ، بمعنى ما قاله هيتْلر مثلاً: نحن الألمان أعلى درجة في الشُّعوب، وجعل العرب مع البرابرة، هذه كلّها تقسيمات باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، ولكنّ التقسيم الصحيح رجلٌ عرف الله عز وجل فأقْبَلَ عليه، فأصبَحَ كاملاً، ورجلٌ أعْرض عنه فأصبَح ناقصاً لئيماً،والمروءة مَجْمعٌ لصِفاتٍ حميدة، واللُّؤْم مَجمعٌ لِصفاتٍ ذميمة قال تعالى : (وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) ، فالاستغفار طلب المغفرة، و المغفرة شفاءٌ من هذه الذنوب، فكلُّ إنسان له إقبال على الله عز وجل تراه كريماً متواضعاً مؤنساً حليماً كريماً شُجاعاً ودوداً تحبُّه، أنا أرى هذا المقياس، علامة صدق المؤمن أنه يجب أن تحبَّه، و لا بدَّ أن تحبَّه، محبَّته واجبة لأنه اصطبغ بكمالات الله عز وجل، ولماذا أحبَّ أصحابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم محمداً صلى الله عليه وسلم؟ ما رأيت أحداً يحب أحداً كحُبِّ أصحاب محمدٍ محمداً، اللهمّ صلِّ عليه، لكماله الرفيع، لماذا أحبَّ الناسُ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ؟ لكمالهم الرفيع، لماذا أحبَّ الناسُ المؤمنين؟ لتواضعهم، لكمالهم، لإنصافهم، لعفتِهم لطهارتهم وسُمُوّهم، لماذا يكره الناس الكافر؟ لِفَظاظَتِهِ وغِلظته، ولُؤْمِهِ وخِفَّتِهِ، ودناءتِه، وحبِّه لِذاته، فهذه الصِّفات كلّها أعراض لِمَرَضٍ واحد وهو أَعْراضُ الإِعْراض، والكمالات كلّها ثِمارٌ لِعَملٍ واحد، وهو الإقبال على الله عز وجل، وإنَّ مكارم الأخلاق مَخزونةٌ عند الله، فإذا أحبَّ الله عبدًا منَحَهُ خُلُقاً حسناً. 

 2ـ الاستغفار أحد أهداف الدِّين الكبرى :

هنا ﴿ وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ ، الاستغفار هو أحد أهداف الدِّين الكبرى، وأحدُ أهداف الدِّين الكبرى أن يسْمو بِهذا الإنسان، الناس فَهِموا في هذا العصر الدِّينَ فهماً ضيِّقاً، فَهِموهُ ركعاتٍ تؤدَّى في المسجد، فَهِموه دُرَيْهماتٌ تُعطى للفقير، فَهِموه سِياحةٌ مُتَّجِهَةٌ نحو البيت الحرام! وكفى!! صلاةٌ وصِيامٌ وحجٌّ وزكاة وانتهى الأمر، ليس هذا هو الدِّين، ولكن الدّين أن تنقلب النَّفس رأساً على عَقِبَ، أن تسْمو، أن تصْطَبِغَ بالكمال، قال جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ :

((  أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ …  ))

[ أحمد عن أم سلمة  ]

هذه هي الجاهليّة، وهذا هو البُعدُ عن الله عز وجل، هذا هو الإعراض عن الله عز وجل، وهذا هو اللُّؤْم بِعَيْنِهِ، 

(( حتى بعَثَ اللهُ إلينا رسولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَه، وصِدقَه، وأمانَتَه، وعَفافَه، فدَعانا إلى اللهِ لنُوَحِّدَه ونَعبُدَه، ونَخلَعَ ما كُنَّا نَعبُدُ نحنُ وآباؤُنا مِن دونِه مِن الحِجارةِ والأوثانِ، وأمَرَنا بصِدقِ الحديثِ وأداءِ الأمانةِ، وصِلةِ الرَحِّمِ، وحُسنِ الجِوارِ ))

[ أخرجه أحمد ]

فالدِّين في جوهره سُمُوّ النَّفس، وعْدُكَ دقيق، وعَمَلُك مُتْقَن لا تكذب، ولا تغشّ، أنت مسلم، لو صلَّيْت وصُمْت آلاف الرّكعات، وصلَّيت وصمتَ طوال حياتك، وغَشَشْت مسلماً واحداً. 


جوهر الدين الاستقامة :


إن رجلاً خاض بدْراً وأُحُداً، وباع شيئاً بِثَمَنين، بلغ السيّدة عائشة فقالَتْ: قولوا له: إنَّه أبْطَلَ جِهادهُ مع رسول الله! جَوْهر الدِّين الاستقامة، ومعْدنه العمل الطيّب، وشرفه السموّ الأخلاقي، هذا هو الدِّين فإن فَهِمْت الدين هكذا أحبّ الناس كلّهم الدِّين، وإن فَهِمْتَ الدِّين صلاةً وصِياماً وحجّاً وزكاةً وإيذاءً للخلق، وأخْذاً لأموالهم واسْتِعلاءً عليهم، وخذلاً، وكذباً واحْتِيالاً، إن فَهِمت الدِّين هكذا نفرّ الناس من الدِّين، 

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ ...  ))

[  رواه أحمد  ]

تَرْكُ دانِق من حرام خير من ثمانين حجَّة بعد حجّة الإسلام ، ولأنْ أمْشِيَ مع أخٍ في حاجته خير من صيام شهرٍ ، ومن اعْتِكافِه في مسجدي هذا! لن تذوق طَعْم الإيمان إلا إذا كنتَ مُحْسِناً ، ولن يعرف الناس لك قيمة الدِّين إلا إذا كُنْتَ طاهراً، ولن يعرف الناس قيمة الدِّين إلا إذا كُنْتَ كريماً، 

(( قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إنَّ هذا الدِّينَ ارتضيتُهُ لنفسي ولن يصلُحَ لهُ إلَّا السَّخاءُ وحسنُ الخُلُقِ فأَكرموهُ بِهما ما صحبتُموهُ ))

[ البيهقي ضعيف ]

ما هذا السرّ الدَّفين؟! ألفٌ أو يزيدون من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فتَحوا الآفاق، رفْرفَتْ راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها، ووصَلوا إلى الصِّين، وفتَحوا قبرص، وصلوا إلى القسطنطينيَّة، وصلوا إلى فيينا في النمسا، وصلوا إلى الأندلس، كيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه؟! بأخْلاقيَّتهم، الآن هناك مَتْحف في فيينا لِرَسَّامِين كِبار إحدى هذه اللَّوْحات مضمونها أنَّ الجنود المسلمين حينما وصَلوا إلى فيينا فاتِحين كانوا يشْترون عنَباً من بعض الفتيات من فيينا، الرَّسام يُصَوِّر هذه الظاهرة؛ يَدْفَعُون لهم الثَّمَن، ويَغُضُّون الطَّرْف عن النَّظَر إليْهِنّ! بِهذه الأخلاق وصلوا إلى فيينا، فلمَّا نظروا تراجَعوا !

العرب في الأندلس حينما أرادوا فَتْح هذه البِلاد، وبثّ الهدى والفضيلة، فتحوها واسْتَقرُّوا فيها، فلمَّا الْتَفَتوا إلى الغناء، واصْطِحاب القِيان، وصَنَعوا الموشَّحات، وغرقوا في الملذَّات خرَجوا منها، وآخر مُلوكهم حينما خرج من قصْرِهِ صار يبكي ! فقالت لهم أُمُّه عائشة:

ابْكِ مثل النِّساء مُلْكًا مُضاعاً  لم تُحافِظ عليه مثل الرِّجال

 حينما كانوا مع الله كان الله معهم، وقال تعالى: 

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

[ سورة المائدة  ]

مَعِيَّتُهُ تعالى مَشروطة، كُنْ مع الله تَرَى اللهَ معك ! الآن على مُسْتوى فرْدي، كُنْ معه، وانْظُر كيف يكون معك، وكيف يُدافِع عنك ويَحْفظُك ويؤيِّدُك؟ وكيف ينصرك؟ وكيف يُسْعِدُك ويرفع شأنَك؟ وكيف يُوَفّقك لما تحبّ وترضى؟

حينما فتَحوا البلاد فَتَحوها بِنِيَّة بثّ الفضيلة، وبثّ الهدى وإسعاد الخلق، فأعانهم الله عز وجل، فلمَّا ركنوا إلى دُنياهم واستمرءوا الشَّهوات، وانْغَمَسوا في الملذَّات أخرجهم الله منها! أنتم لسْتُم أهلاً لذلك، أنتم فقَدْتُم هَوِيَّتَكُم، وفقَدْتم الرِّسالة التي جئتم من أجلها، أهملتموها وضيَّعتموها، فأخرجناكم، إذاً ﴿ وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ) الاستغفار هو المقصود، وهو طلب المغفرة وهي شفاء ، يقول تعالى بعدها: ﴿ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ .


ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ:


التوبة طريق الاستغفار :

هنا التَّوبة طريق الاستغفار، ولكنّ الله سبحانه وتعالى كما يقول بعض المفسِّرين: قدَّم الاستغفار على التَّوبة لأنَّه هو المقصود، والتوبة طريق الاستغفار، إذا تُبْت إلى الله توْبةً نصوحاً تُقْبِلُ عليه، فإذا أقْبلتَ عليه يشْفيك من كلّ الأمراض، علاقات عِلْمِيّة وعلاقات سَبب بِنَتيجة! إذا تُبًت إليه توبةً نصوحاً أقْبلْت عليه، ذهب عنك الخَجَل، ذهب عنك الحِجاب، إن تُبْت إليه أقْبلتَ عليه، فإذا أقْبلْتَ عليه شَفاك من كلّ الأمراض، قال تعالى ﴿ وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا ﴾


يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا


 1ـ معنى : يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا

بعضهم قال :﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا ﴾ أي يُوَسِّع أرزاقكم، ويُطَيّب معيشتكم، ويُسْعِدكم بأهلكم، ويرْفع ذِكْركم، تَسْعدون في الدنيا، وهذا مِن وعْد الله سبحانه وتعالى: 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97) ﴾

[ سورة النحل  ]

 2ـ الاستغفار والتوبة سبب الرزق :

قال أحدهم للإمام الحسن البصري: إنِّي أشْكو الفقر! فقال: اسْتَغفر الله تعالى، فجاءه رجل آخر: وقال: يا إمام إنَّ زوجتي لا تُنْجب! فقال: اسْتغفر الله، وجاء رجلٌ ثالث، فقال: يا إمام إنّا نشْكو قحْط السماء فقال: اسْتغفروا الله، فقال بعض من حضر هذا الكلام: يا إمام أو كُلَّما جاءك رجلٌ وشكا لك همَّه تقول له : اسْتغفر الله ؟! فقال له اقرأ قوله تعالى:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا(12) ﴾

[ سورة نوح  ]

وقال تعالى : 

﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) ﴾

[ سورة الجنّ  ]

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96) ﴾

[ سورة الأعراف  ]

فهذه كلّها مُعالجاتٌ من الله عز وجل، إذاً الاستغفار هو الهدف، والتَّوبة هي الطريق، وإذا فعلتم هذا يُمَتِّعكم متاعاً حسَناً، فإذا لم يفعله المجموع، وفعله واحدٌ فقط فإنَّ هذه الآية تُصيبُهُ، هذا كلام الله وكلام خالق السماوات والأرض، وكلام من بيَدِهِ كلّ شيء،﴿ وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا ﴾ .

 3ـ إذا لم يتب الناس عامة لابد من توبة الفرد :

يُمَتِّعك بِصِحَّتك، ويُمَتِّعُك بِزَواجِك، ويُمَتِّعُك بأولادك، ويُمَتِّعُك بِعَملك ويُمَتِّعُك بِمَكانتك، تسْعَدُ، وتُسْعِد، تُرْضي، وتَرْضى، على مستوى جماعي وفردي، وإذا كان الناس في غفلة فَكُن أنت في صَحوَة، إذا كان الناس في جَهل فَكُن أنت على عِلْمٍ، وإذا كان الناس في ضَياع فَكُن أنت على هُدَى، إذا رأيْت أُناساً غارقين في مِياهٍ آسنة، وأنت نظيفٌ مُعافى من هذه المياه الآسنة، فهل تقول: ما دام هؤلاء جميعاً في هذا الماء الآسن، فلا بُدّ أن أُشاركهم! هذا حُمقٌ من الإنسان وهذا غَباءٌ به، فالناس إن لم يرجعوا لا يرجعوا .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(105)﴾

[ سورة المائدة  ]

إذا الناس لم يرجعوا ارجع أنت، إذا لم يتوبوا تُب أنت، لم يستغفروا استغفر، فإذا فَعَلْت قيَّض الله لك حياةً خاصَّة لا تنتمي إلى حياة الآخرين، فالناس في قلق وأنت في طمأنينة، والناس في ضيق وأنت في بَحْبوحة، الناس في خوف، وأنت في أمْن، الناس في شيءٍ يشْغلُهم، وأنت خالي البال.

 قال تعالى: (يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) .


إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى


التمتيع مؤقّت :

فالمتاع ليس دائماً، هذا متاع حسن إلى أن تنتهي الحياة وإلى أن ينتهي الأَجَل، وإلى أن ينتهي العُمر:

إنَّ الطبيب له عِلمٌ يُدِلَّ بـــه       إن كان للناس فـي الآجال تأخير

حتى ما إذا انْقضَت أيام رحلته    حار الطبيب و خانتْهُ العقاقيــر

***

فأنت في رحلة، وإلى أن تنتهي هذه الرِّحلة تُمَتَّعُ متاعاً حسناً، (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ يعني أنت ربَّيت أولادكَ تربيَةً صالحة هذا فضل يُؤتيك الله فضلاً يُكافئه ويزيد عليه، تصدَّقت بِمالك الحلال يُؤتيك فضلاً يُكافئه ويزيد عليه، استقمت وأيُّ عمل تفعله يؤتيك في الدنيا والآخرة. 


معنى : وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ


المعنى الأول :

بعض المفسِّرين، بل إن جُلَّ المفسِّرين قالوا: إن هذه الآية متعلّقةٌ بالآخرة. 

المعنى الثاني :

لكنّ بعضهم قال: لا، المُطلَق على إطلاقه، يؤتي كل ذي فضل فضله في الدنيا والآخرة، يعني أنت إذا فعلتَ الخير في الدنيا تلقاه في الدنيا والآخرة، لذلك من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، إذاً ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾

 فلا تمننْ على الله بشيء، والذي تفعله من خير يؤتيك إياه وزيادة، قال تعالى : (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) .


وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ


هذا هو الوعدُ و هذا هو الوعيدُ، والوعد: ( يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ ، والوعيد: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ وهذا الشيء لابدَّ أنه واقع بسبب ، قال تعالى : 

﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) ﴾

[ سورة هود  ]

هناك أشرطة في المطارات متحرِّكة للحقائب، إذا وضعتَ هذه الحقيبة على هذا الشريط المتحرِّك لا بدَّ من أن تصل إلى نهاية الطريق، فالإنسان على شريط متحرِّك لا بدَّ من أن ينتهي به هذا الشريط إلى الموت، الأنبياء ماتوا، وزعماء الشرك في مكة ماتوا، أبو جهل وأبو لهب وأميَّة بن خلف كلهم ماتوا، والفقراء ماتوا، والأغنياء ماتوا، والصالحون ماتوا، والطَّالحون ماتوا، والأقوياء ماتوا، والضُّعفاء ماتوا، قال تعالى : ( إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . إذاً ما لنا سوى الله ولابد من العودة إليه .

قال تعالى: 

﴿ أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) ﴾

[ سورة هود  ]


أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ


 1ـ السرائر لا يعلمها إلا الله :

يعني: يظنون أن لهم سرائر لا يعرفها أحدٌ، عُمَيْرُ بن وهب خرج مع صفوان بن أمية بن خلف إلى ظاهر مكة في الصحراء، قال له: والله لولا أطفال صغار أخاف عليهم الفقر، ولولا ديون ركبتْني لا أطيق سدادها لقتلتُ محمداً، وأرحْتُكم منه، فقال له أمية: أما أولادك فهم أولادي ما امتدَّ بهم العمُر، وكان غنيًّا، وأما ديونك فعليَّ بلغتْ ما بلغتْ، فامضِ لما أردتَ، فمضى عمير، وأخذ سيفه، وسقاه سُمّاً، ووضعه على عاتقه، وجهَّز راحلةً، وامتطاها، وذهب إلى المدينة، هذا بعد بدرٍ، وله غطاء لنيته الماكرة ليفدي أخاه، ليدفع الفديةً ويأخذ أخاه، وصل المدينة فرآه عمرُ فقال: هذا عدوُّ الله عمير بن وهب، جاء يريد شرّاً، قيَّده بحمَّالة سيفه، واقتاده إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، النبيُّ عليه الصلاة والسلام كان رقيقا قال: يا عمر، أطلِق سراحَه، فكَّ القيد، قال: يا عمر، ابتعِد عنه، فابتعد عنه، قال : يا عميرُ أُدنُ مني، اِقترِب مني، فلما دنا منه قال: ألا تسلِّم علينا؟ قال: عِمتَ صباحاً يا محمد، قال له: قُل السلام عليكم، قال: لستَ بعيدَ عهدٍ بالجاهلية، هذا سلامي، قال: يا عمير، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ قال: جئتُ لأفديَ أخي، قال: وهذا السيف الذي على عاتقك؟ قال: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتْنا يوم بدر؟ قال له: ألم تقل لأميَّة بن خلف: لولا دُيون ركبتني لا أُطيق سَدادها، ولولا أطفالٌ صغار أخشى عليهم العنت لذَهَبتُ، وقتلتُ محمَّداً، وأرَحْتكم منه؟! كان جالسًا فَوقَفَ، فقال: والله إنّ هذا الذي قُلتهُ لِصَفوان لا يَعْلمُهُ أحدٌ في الأرض إلا الله، وأنت رسول الله! أسْلَمَ وقَبِلَهُ النبي، فلمّا خرجَ قال سيدنا عمر رضي الله عنه: والله، لقد دَخَلَ عُمَير على رسول الله والخِنزيرُ أحبُّ إليّ منه، وخرج مِن عنده، وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي! لكن صفوان بن أُميَّة بن خلف مسرور جدّاً ينتظر خبراً سارّاً فكان يقول للكفار بمكة: انتظروا خبراً سارّاً! انتظروا خبراً سارّاً! مضى يوم ويومان وأسبوع وأسبوعان، ولم يأت هذا الخبر السارّ فخرَجَ إلى ظاهر مكَّة ينتظر الرُّكبان المسافرين، فلمَّا سألهم عن عُمَير، قالوا: أسلم! أي خبرٍ سارّ تنتظره؟!  فربُّنا عز وجل قال: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) .

2ـ الله يعلم كل شيء في الخلوة والجلوة :

أنتَ مستلقٍ بالبيت، قلتَ: أعملُ غدًا كذا وكذا! أنت مكشوف، أنت أمام الله تعالى مكشوف خواطرك، وحديث نفسك، وصِراعاتك الداخليَّة وتمنِّياتك كلّ هذا معروف، نياتك، بل أبلغ من ذلك أنه يعلم السرّ وأخفى، فأنت لك جهْرٌ، ولك سِرٌّ، ولك شيءٌ ثالث، فالجهر معروف ما تقوله، وهو مواقفك المُعلنَة، والسرُّ مواقفُك الحقيقيَّة الداخليَّة؛ ما تُبطِنُهُ، ما تُخفيه عن الناس، ما تُحَدِّث به نفسك، ولا تنطق به؛ هذا السرّ، وشيءٌ ثالث لا تعرفه أنت خَفِيَ عنك أنت، مثلاً عَلِمَ ما كان وعلم ما يكون وعلم ما سيكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون!! تقول: لو كان معي مائة مليون لعمّرتُ بكلّ مدينة جامعاً! هذا تقوله أنت، لكنّ الله تعالى يعلم ما إذا كنتَ أنت بهذا الغِنَى تفعل هذا أم لا؟ هو يعلم، تقول: لو جاءني أولاد ذكور لكنتُ أحسن مؤمن! وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، لو كنتُ مولوداً في عهد الصحابة لكنت مِن الصحابة الكبار !! لا ، أنت الباب مفتوح الآن ومفتوح سابقاً، وعلِم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فلذلك الإنسان مكشوف، وأسراره أيضاً مكشوفة ونياته وطموحاته، وصِراعاته، وخواطره وحديث نفسِهِ الداخلي، وأشيائه الدقيقة كلها مكشوفة، لذلك التعامل مع الله تعالى ليس فيه مزحٌ أبداً، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) ﴾

[ سورة النساء  ]

وقال تعالى : 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ(14) ﴾

[ سورة الفجر  ]

وقال تعالى : 

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) ﴾

[ سورة الحديد  ]

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) ﴾

[ سورة المجادلة  ]

إذا دخلتَ البيت وحدَكَ، فُتِحَت نافذة من بيت الجيران، وأطلَّتْ منها امرأة، فنَظَرْتَ إليها، هو يراك، كلّ مظاهر الصَّلاح خارج البيت لا قيمة لها! مَنْ لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا، لم يعْبأ الله بِشَيء من عمله، وركعتان من وَرِعٍ خيرٌ من ألف ركعة من مُخَلِّط !

(( إيَّاكمْ ومحقراتُ الذنوبِ، فإنهنَّ يجتمعنَ على الرجلِ حتى يهلكْنَهُ، كرجلٍ كانَ بأرضِ فلاةٍ فحضرَ صنيعُ القومِ، فجعلَ الرجلُ يجيءُ بالعودِ، و الرجلُ يجيءُ بالعودِ، حتى جمَعُوا منْ ذلكَ سوادًا و أججوا نارًا فأنضجوا ما فيها ))

[ السيوطي الجامع الصغير ]

فلا تقل: أنا لا أسرق، وأنا لا أشرب الخمر! هذه كبائر، لكنّ الصَّغائر التي لا تهتمّ لها، اللهمّ إنِّي أعوذ بك مِمَّا أهتم له، ومما لا أهتمّ له، هذه التي لا تهتم لها، هذه المعاصي إذا اجْتَمَعَت على الرجل تُهْلِكهُ، إذا ظَنَنْتها صغائر فلا صغيرة مع الإصرار، إذا ظَنَنْتها صغائر يجب أن تقْلِعَ عنها فَوْراً، فإذا بقيتَ عليها انقَلَبَت إلى كبائر.

والحمد لله رب العالمين.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور