وضع داكن
26-05-2024
Logo
الدرس : 08 - سورة هود - تفسير الآيات 50 – 60 ، قصة عاد وأخيهم هود - التوحيد
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا عِلم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا إتباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.


مقدمة:


الإنسان بين حرية الاختيار وتوجيه الله له:

أيها الإخوة المؤمنون، درسنا اليوم قصّة عادٍ وأخيهم هود، وقبل أن أمضي في توضيح فقرات القصّة أودّ أن أذكر لكم أنّ الله سبحانه وتعالى مع أنَّه أعطى الإنسان حرية الاختيار، ومع أنه خلق الكون ليُعرِّفه بذاته من خلاله، و مع أنه أنزل الكتب السماوية، وأرسل الرسل والأنبياء، اللهُ سبحانه وتعالى لو رأى أنَّ إنساناً اختار اختياراً غير صحيح لأدَّبه وعالجه لأنه ربُّه.

توضيح هذه الفكرة: أحياناً هناك جامعة تطبع الكتب، ويُلقي المُدرِّسون المحاضرات، ولا تُحاسب الطلاّب إلا في الامتحان الأخير، هناك طلابٌ يُهملون، ويُضيِّعون أوقاتهم، ولا يدركون مغبَّةَ إهمالهم، هؤلاء في نهاية العام يرسبون، وهناك جامعاتٌ تجري كلَّ أسبوع مذاكرة، وتُحاسب الطلاب على غياب درسٍ أو درسين، ودائماً تتابع مراقبة الطلاب، وتقويم أعمالهم، وأغلب الظن أن نسبة النجاح في مثل هذه الجامعات مرتفعةٌ جدّاً، إذا غاب عن حصَّة مرةً أو مرتين أو ثلاثاً يُفصل، وكلُّ أسبوع هناك مذاكرة، وتقيَّم علاماته، ويُخبَر بعلاماته ويُوجَّه له إنذار، وربُّنا عز وجل أعطانا حرِّية الاختيار، ولو أنه تركنا وشأننا، ومن دون تربية، ومن دون معالجة، ومن دون متابعة، ومن دون محاسبة لهلك معظم الناس، ولكن الله سبحانه وتعالى مع أنه أعطانا حرية الاختيار، ومع أنه وهبنا هذا العقل أو التفكير، ومع أنه أنزل الكتب السماوية، ومع أنه أرسل الرُسل لا يدعنا وشأننا، بل يُربِّينا، والتربية على نوعين، تربيةٌ جسمية، يعني أن يمدَّنا بكل ما نحتاج من هواءٍ وماءٍ و طعامٍ و شرابٍ و نساءٍ و بنين و حاجات و معادن و طاقة وشمس وقمر ويُربي نفوسنا حيثما انحرفت يقوِّم اعوجاجها، كلما نسيت يذكِّرها، كلما غفلت يُوقظها، كلما قصَّرت يَدفعها، كلما تاهت يُرشدها، كلما ضلَّت يهديها

﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) ﴾

[ سورة غافر  ]

تأكيداً لهذه المعاني من أن الله سبحانه هو ربُّ العالمين، بمعنى أنه يُربِّي أجسامنا، ويُربِّي نفوسنا، وبمعنى أنّنا مُخيَّرون، فإن اخترنا شيئاً مناسباً شجَّعنا عليه، وإن اخترنا شيئاً غير مناسب عالجنا و أدَّبنا و ضيَّق علينا وأرشدنا إلى الطريق الصحيح، الآيات التي تؤكِّد هذا كثيرة

﴿ قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) ﴾

[ سورة الفتح  ]

فربُّنا عز وجل يقول: 

﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ  ﴾

[   سورة هود ]


وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُون


1 ـ من رحمة الله بالعباد إرسال الرسل من بني البشر:

من رحمة الله سبحانه وتعالى أنَّه جعل الأنبياء من بني البشر، يُحسُّ النبي كما تُحسُّ، و يفكِّر كما تفكِّر، و يخاف من الذي تخاف، و يرجو ما ترجو، هذه نعمةٌ أولى، أن يكون النبيُّ من بني البشر.

2 ـ من رحمة الله بالعباد أن يكون الرسول من قومه:

والنعمة الثانية أن يكون النبيُّ من القوم نفسهم، لو جاءنا إنسان من غير أُمَّتنا، ومن غير قومنا لتهيِّبْنا، لشكّكنا، لوجلنا، لتحفظّنا، لسكتنا، لنقضنا، ولكن الأنبياء في الأغلب الأعمِّ يأتون من قومهم ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ أُخوَّةٌ نسبية، أُخوَّةٌ قومية، أُخوَّةٌ إنسانية، من أجل أن نطمئن

(( "يا أيها الملِك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة و نأتي الفواحش و نُسيء الجوار و نقطع الرحم و يأكل القويُّ منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته و صدقه و نسبه، فدعانا إلى الله لنعبده و نوحِّده " ))

[ أحمد عن أم سلمة  ]

إذاً: من فضل الله علينا أن الله سبحانه وتعالى يجعل الأنبياء والمرسلين من بني البشر ومن أقوامهم ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾. 

3 ـ مهمة الرسول إصلاح عقيدة قومه:

هذا الذي أرسله اللهُ عز وجل إنما أرسله ليُصحِّح اختيار قومه، لقد ضلوا وتاهوا، فجاء هذا النبيُّ الكريم ليُصحِّح اختيار قومه ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . 


فحوى الرسالات: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ


هذه الآية تُلفت النظر كأن الله سبحانه وتعالى صاغ هذه الكلمات ليُعبِّر بها عن فحوى الرِسالات، رِسالات الأنبياء كلهم مضمونها، ملخَّصها أن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لو دقَّقنا في هذه الكلمة، لوجدنا فيها جانبٌ نظريٌ و جانبٌ عملي.


هلاكُ الناسِ في الشرك:


﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جانبٌ نظري، يعني لا إله إلا الله، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، وهذا يعني أن الذي يُهلك الناسَ أن يتَّخذوا مع الله آلهةً أُخرى

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ(213) ﴾

[ سورة الشعراء  ]

الذي يدعو إلى شقاء الناس وضلالهم وتيهِهم وانحرافهم وحيادهم أنهم دعوا مع الله آلهةً أُخرى، فهذه الكلمة التي قالها سيدنا هود ٌعليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾ ما لكم من إلهٍ غيره، هذا الجانب النظري، هذا الجانب العقدي، اعبدوا الله، هذا الجانب العملي، إذاً لا تنجح ولا تُفلح ولا ترقى ولا تفوز ولا تسعد إلا إذا عرفت أنه لا إله إلا الله، و إلا إذا عبدت الله﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) ﴾

[ سورة الأنبياء  ]


التوحيد هو سبيل النجاة:


إذا دقَّقت النظر، وتأمَّلت في الكون ترى أنه لا إله إلا الله، والذي يُشقي الإنسانَ أن يتَّبع، أو أن يستجيب لدعوةٍ مبنيةٍ على الشرك 

﴿ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20)﴾ 

[ سورة غافر ]

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123) ﴾

[ سورة هود  ]

﴿  مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(2) ﴾

[ سورة فاطر  ]

﴿  قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ﴾

[ سورة البقرة  ]

﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ۖ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) ﴾

[ سورة الكهف  ]

﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(41) ﴾

[ سورة الرعد  ]

هذا هو التوحيد، فمن جعل الهموم همًّاً واحداً كفاه الله الهموم كلها، إعمل لوجهٍ واحد يكفِك الهموم كلها، ومن شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين، أنت تريد و أنا أريد، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، و إن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، و كنْ لي كما أريد أكنْ لك كما تريد، اطلُبني تجدْني، فإذا وجدتني وجدت كلَّ شيء، و إن فِتُّك فاتك كلُّ شيء، وأنا أحبُّ إليك من كلِّ شيء، هذا هو التوحيد، و الدين كلُّه يُلخَّص في التوحيد، قال سيدنا عبد الله بن عمر لغلام: " بعني هذه الشاة وخذْ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب، قال: ليست لي، وواللهِ، إنني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت له: ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني،  وإني عنده لصادق أمين، و لكنْ أين الله؟ "

هذا هو التوحيد، هذا البدوي وضع يده على جوهر الدين، لو أنه لا يقرأ ولا يكتب، وضع يده على جوهر الدين، و لو قرأت آلاف الكتب، وألَّفت مئات المؤلفات، ولم تنته عما نهى الله عنه،  لم تأتمر بما أمر الله به فلستَ ديِّناً، و إنما أنت مثقَّفٌ ثقافةً دينية، و شتَّان بين الثقافة و الهدى، فالهدى شيء، والثقافة شيء آخر، والثقافة معلومات، أفكار، علاقات، مقدمات، نتائج، أشياء طريفة، أشياء ممتعة، محاورات مناقشات، كُتب، مؤلفات، ملخَّصات، هذه هي الثقافة، لكنَّ الهدى سمُوٌّ في النفس، طمأنينة، سعادة، استقرار، محبة، توكُّل، استسلام، صدق،  إيثار، إن صحَّ التعبير: للمؤمن معنوياتٌ لو اطَّلع عليها الناس لسعدوا، فمعنوياته عالية جدّاً، بصرف النظر عن وضعه المادي، أكان غنياً أو فقيراً مرتاحاً أو غير مرتاح في حياته، ذو دخل قليل أو دخل كثير، دخله محدود أو غير محدود، متزوج أو غير متزوج، بيته مْلكْ له؟ أو بيته بالأجرة، هذه الظروف المادية لا تؤثر في حياة المؤمن، له معنويات، الثقافة معلومات، لكنَّ الهدى قُرُبات، والمُثقف يدافع التدنِّي، بينما المُهتدي يتابع الترقِّي، وشتان بين الحالين، وفي قلب المؤمن ثقةٌ بالله، 

(( قُلتُ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأَنَا في الغَارِ: لو أنَّ أحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: ما ظَنُّكَ يا أبَا بَكْرٍ باثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟! ))

[ صحيح البخاري ]

في معركة حنين بقي النبيُّ وحده يقول:

(( عَنْ أبِي إسْحاقَ، قيلَ لِلْبَراءِ: وأنا أسْمَعُ أوَلَّيْتُمْ مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ حُنَيْنٍ؟ فقالَ: أمَّا النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فلا كانُوا رُماةً، فقالَ: أنا النبيُّ لا كَذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبْ. ))

[ صحيح البخاري ]

هذا هو الإيمان، ليس الإيمان بالتحلِّي ولا بالتمنِّي، بسملة، وإنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ومسبحة وسِواك، لا ليس هذا هو الإيمان، و لكن الإيمان ما وقر في القلب، وأقرَّ به اللسان، و صدَّقه العمل. 


الإنسان بين الثقافة ومعرفة حقيقة وجوده:


الناس عندهم ثقافة إسلامية، ولكنَّ الهدى شيءٌ آخر، الهدى سعادة في الدنيا والآخرة، الهدى معرفة، تعرف لماذا خلقك الله عز وجل؟ تعرف ما الذي يُسعدك في الدنيا؟ 

(( للَّهُ أفرَحُ بتَوبةِ عبدِهِ منَ العَقيمِ الوالدِ ، ومنَ الضَّالِّ الواجِدِ ومنَ الظَّمآنِ الواردِ. ))

[ السيوطي إسناده ضعيف ]

لو أنَّ الهُدى أن يقذفه الله في قلب الإنسان، لماذا الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده؟ إذ ليس لهذا الحديث من معنى ولكن الإنسان مخيَّر، فحينما يختار الإنسان معرفة الله والاستقامة على أمره، والتقرُّب إليه، يتحقَّق الهدف الذي خلقه الله من أجله، لذلك يفرح الله سبحانه وتعالى، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، ومشكلات المسلمين تتلخَّص في كلمة واحدة، الصُلح مع الله، هذا على مستوى المسلمين جميعاً، وعلى مستوى المسلم وحده، لو أنه اصطلح مع الله عز وجل لحُلَّت كلُّ مشكلاته، لقوله تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا(147) ﴾

[ سورة النساء  ]

لماذا العذاب؟ لمصلحة مَن؟ لماذا الضيق؟ 

﴿ وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) ﴾

[ سورة الجن  ]

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96) ﴾

[ سورة الأعراف  ]

﴿ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ(32) ﴾

[ سورة المؤمنون  ]

﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103)  ﴾

[ سورة يوسف  ]

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) ﴾

[ سورة يوسف  ]

إذا قلتَ: فلان بيده نفعي أو ضُري، فلان بيده إسعادي أو شقائي فهذا هو الشرك، 

(( إنَّ أخوفَ ما أخاف على أُمَّتي الشركُ والشهوةُ الخفيَّةُ التي هي أخْفى من دبيبِ النملةِ السوداءِ على الصخرةِ الصمَّاءِ في الليلةِ الظلماءِ . ))

[ العراقي إسناده ضعيف ]

أما إني لست أقول: إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية، وتأتون أعمالاً لغير الله، وإن الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء ﴿أن اعْبُدُوا اللَّهَ﴾

4 ـ بين العبادة والطاعة:

فالعبادة شيء والطاعة شيء آخر، يجب أن تعرفه أولاً، ثم تُطيعه ثانياً، ثم تسعد بهذه الطاعة ثالثاً، لذلك 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56) ﴾

[ سورة الذاريات  ]

الهدف الأكبر من خلقك أن يُسعدك بعبادته، ولن تسعد بعبادته إلا إذا عرفته، لذلك أصل الدين معرفة الله، "يا ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كلَّ شيء، خلقت لك السماوات والأرض، ولم أعيَ بخلقهن، أفيُعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَ حين؟ خلقت لك السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقِّي عليك لا تتشاغل بما ضمنتُه لك ـ والرزق ـ عما افترضته عليك " ﴿أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾

5 ـ ما أمرَنا الله بعبادته إلا بعد أن طمأننا أن الأمور كلها بيده:

إذَا وحَّدت الله تعبده، ولن تعبده قبل أن توحِّده، وإن أشركت به تعبده وتعبد هؤلاء الذين أشركتهم معه، والله سبحانه و تعالى قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾

كل أمورك راجعة إلى الله فاعبده وتوكلْ عليه، ولو أن أمراً من أمورك يعود إلى إنسان لما صحَّتْ هذه الآية ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

 أطِعْ أمرنا نـرفعْ لأجلك حجبنا            فإنا منحنا الرضا لـمـن أحبَّنا

ولُـذ بحـمانـا و احتـمِ بـجنابنـا            لنحميك مما فيه أشرار خـلقنا

وعن ذكـرنا لا يشغلنك شـاغل          وأخلِصْ لنا تلق المسرَّة و الهنا

وسلِّم إلينا الأمر في كل ما يكن         فما القـربُ والإبـعاد إلا بـأمرنـا

 يُنـادى فـي الكـون أنـا نـحبــه          فيسمع من في الكون أمر محبِّنا

 ومن أطاع اللهَ أطاعه كلُّ شيء        و من عصى الله عصاه كلُّ شيء

[ الشاذلي ]

ومن أطاع الله هابه كلُّ شيء، ومن لم يطع الله أهابه اللهُ من كلِّ شيء، يخاف من ظله، ويخاف من أدنى إنسان يواجهه. 

6 ـ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ يعني سيدنا هود جلس مع قومه سنواتٍ طويلة يدعوهم إلى الله عز وجل، وملخَّص هذه الدعوة﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ أنتم حينما تكذِّبونني، وحينما تتَّهمونني بأنني مفترٍ أنتم مفترون، والدليل: 

﴿ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) ﴾

[ سورة هود  ]


يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُون


1 ـ المؤمن لا يبتغي من دعوته أجرا دنيويا:

لا أسألكم عليه أجراً، علامة المؤمن أجره على الله، يبذِلْ طاقاته وإمكاناته وخدماته، ويدعو إلى الله، يعلِّم الناس، يعينهم على أمر دنياهم، يُعاون الفقراء، يعود المرضى، يقدِّم خبراته وخدماته في سبيل الله، قلَّما يعنيه الأجر، قلَّما يعلِّق أهميّة على المادة، ولكنّ الذي بَعُد عن الله سبحانه وتعالى لا يتحرّك متراً إلا بأجر، ولا يُقدِّم نصيحةً إلا بأجْرٍ، ولا يُعطي استشارةً إلا بأجرٍ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ(50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وهذه علامة صدقه، لو أنَّني أُطالبكم بأجرٍ لَظُنَّنتم أنَّ لي مصلحةٌ بهذه الدعوة، لو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام فرض على أصحابه مبالغ من المال، أو خدمات عليهم أن يؤدُّوها لَظُنّ أنَّه يبتغي بهذا عرض الحياة الدنيا، لكنّ الذي يُؤكِّد صِدْق الأنبياء وصِدق الدُعاة الصادقين أنَّهم بريئون من المطامع الماديّة. 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ(21) ﴾

[ سورة يس  ]

الذي يؤكِّد صِدق الداعي ترفّعه عن أيّ مكْسبٍ مادّي أو معنوي أو ثَنَاء أو شيء من هذا القبيل، ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ولكن اُنظر إلى إنسانٍ لا يعرف الله سبحانه وتعالى، لا يُمكن أن يقدِّم خِدْمةً لأحد لو أنَّه ذهب مع إنسان مثلاً واشترى هذا الإنسان حاجةً يُطالب بالعُمولة، ولو أنّ إنسان طرَقَ بابه لرَدَّهُ، لو أنّك دخلتَ إلى خمسين محلاً تِجارياً لِتصْرف مائة ليرة تسمع الصدَّ والاعتذار! 

﴿ لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) ﴾

[ سورة النساء  ]

أفضل المعروف إغاثة الملْهوف، لا أحدَ يتحرّك إلى إغاثة الملهوف ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ(50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ .

2 ـ أجر المؤمن على الله:

 يعني لو أنّ إنسان مليء ثريّ، كلَّف إنسان آخر أن يقدِّم خدمات لِجِهةٍ من الجهات، وقال له: عليّ المبلغ مهما بلغَ، ضع الرقم الذي تريده، فهل يُعقل أن يُطالب هذا الذي يقدّم له خدمةً بالأجر؟! الأجر على الذي كلّفه بهذه المهمّة، كذلك الله سبحانه وتعالى هو الذي كلّفك بِهذه المهمة، وهو الذي يجزيك أَتَمّ الجزاء، يعني الله عز وجل حينما يأتي المؤمن إليه، يرى اللّقمة التي أطعمها في سبيل الله كجَبل أُحد، حينما يقدم على الآخرة ويرى:

(( قالَ اللَّهُ: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ. ))

[ صحيح البخاري ]

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(17) ﴾

[ سورة السجدة  ]

إذا قَدِمْت إلى الجنّة تعرف معنى قوله تعالى: 

﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) ﴾

[ سورة سبأ  ]

قد تنفق على إخوتك الصغار الأيتام، وقد تنكر ذاتك ﴿إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ قد تخدم والدتَك سنواتٍ طويلة خِدْمةً شاقَّة ﴿ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ وقد ترْعى أُختَكَ العانس وتبقى عندك في البيت ﴿إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ وقد تسير مع أخٍ في حاجته ﴿إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ وقد تعود مريضاً ﴿إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ طبيب طرِق باب بيته الساعة الثانية ليلاً لِيَذْهب مع الطارق إلى حالة إسْعاف، والطارق فقير، فسار معه مشْياً إلى مكانٍ بعيد، ودخل على المريض وهو يُعاني آلاماً شديدة، بَقِيَ معه ساعات طويلة إلى أن زال الخطر عنه، وكتبَ الوصفة وفي أثناء خروجه أعْطَوْهُ مبلغاً يسيراً يسيراً، قالوا هذا من مصروف البيت، اقتطعناه من مصروف البيت، أخذ هذا المبلغ وعاد إلى بيته، أوى إلى فراشه، تحرَّكت نفسُهُ، أخذْت هذا المبلغ من مصروف البيت!عنده أدوية في البيت، فجَمَعَ الأدوية التي وصفها لهم وعاد إلى هذا المكان البعيد فأعطاهم الأدوية، والمبلغ الذي أخذه منهم ومبلغاً من عنده ﴿إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾

لا أحَدَ يذوق معنى العمل الصالح، إذا كان مريض نسيَّ أن يسأل الطبيب سؤال الدخول مرة ثانية بأجر جديد ﴿ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ كان هناك طبيب صالح إن شاهد المريض فقير، يوقِّع في ذيل الوصفة ويبعثه إلى صيدلية معينة، ويصرفها مجاناً ﴿ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ يعني الطبيب، المحامي، المدرّس، المهندس، لِيَكن له عملٌ خالصٌ لله عز وجل.

قال لي أحد سائقي التاكسي: شاهدتُ امرأة مُسِنَّة ولا أحدَ يقف لها فوَقَفتُ لها، وأوْصلتها حيث تريد، فتحَتْ قِماشاً داخل قماش داخل قماش قد صُرَّ صرّاً كثيفاً، وأعطتْهُ عشرة قروش - والقصّة قديمة - فقال لها: يا أختي أنا أطلب منك الدعاء! قال: جاءهُ رجل، وقال له خُذني إلى المكان الفلاني فأخذته، ثمّ قال له: قِفْ، فوقَفْتُ، ثمّ قال لي: انتظِرْ، فانتظرتُ حتى فرغ من شؤونه، ثمّ أعاده إلى حيث كان، فأعطاه مبلغاً يزيدُ عن عمل يومين! ﴿إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ وأحياناً لمّا ربنا عز وجل يُعجِّل للإنسان بالجزاء، يكون ضعيف الإنسان وقد يكون قوي، لكن لو أنَّ الله سبحانه وتعالى لم يُعَوِّض عليك سريعاً ﴿ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ يعني أنت لك عمل لله لا ترجو منه مالاً ولا سُمعةً ولا جاهاً، ولا مكانةً، ولا جزاءً، ولا ثواباً، ﴿ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ كلّ  واحد منّا له عمل ومهنة وكسبُه للرزق يجب أن يُبقي فيه شيء لله تعالى.

صاحب مطعم يبيعُ الفول، أحد الأطفال طلبَ منه أن يأكل، فقال له: تفضَّل وملأ له صحنه كغيره من الصحون بكامل الخدمات ﴿إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ كلّما ارتقت النفس يصبح عندها حساسية،المال لا يعد له قيمة، وما عُبِدَ الله بأفضل من جَبْر الخواطر ﴿ إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ .


البذل يُسعِد المؤمن، والأخذ يُسعِد المنافق:


فلذلك الأنبياء، الصدِّيقون، كبار المؤمنين، يذوبون سعادة إذا بذلوا، فعلامة المؤمن أنه يسعد بالبَذْل والمُنافق يسعد بالأخذ، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والشِرِّيرون أخذوا ولم يُعطوا، وعامة الناس يأخذون ويعطون، الأنبياء أعطوا كل شيء ولم يأخذوا شيئاً، يا مَن جئتَ الحياة فأَعْطيتَ ولم تأخذ، والشرِّيرون يأخذون كلّ شيء ولا يعطون شيئًا، وعامة الناس يأخذون ويعطون، فأنت مِمَّن؟ مِمَّن يعطي أم مِمَّن يأخذ؟ ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِي إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ هذا يؤكّد صِدْق دعوتي، لو أنَّني أرجو مالاً لَشُكّ في عقيدتي، لو أنَّني أرجو جاهاً لَشُكَّ في نِيَّتي، ولكنَّني لا أرجو منكم شيئاً.

﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) ﴾

[ سورة هود  ]


وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ


1 ـ الاستغفار مقرون بالتوبة:

ما الذي يحصل؟ قد يستغفر الإنسان ربّه، ولكن لا يتوب إليه، يذهب لأداء فريضة الحج فيحصل له صفاء، ويذهب إلى العمرة يحصل له صفاء، ولكن البطولة أن تتوب إلى الله بعد الاستغفار، أنْ تستغفره، بمعنى أن تطلب منه الشِّفاء، شِفاء النفس، لأنَّ أمراض النفس مُهلكة، أمراض الجسد تنتهي بالموت، ولكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، والناس نِيام إذا ماتوا انتبهوا، فلذلك الإنسان يسعى لِتَطهير نفسه

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) ﴾

[ سورة الشعراء  ]

﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ يعني استقيموا على طاعتكم، استقيموا على توبتكم، تابِعُوا أمره، انتهوا عمَّا عنه نهى ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ 

2 ـ الاستغفار سبب الرزق:

تفسير واضح جداً يكثر الخير﴿ وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) ﴾

[ سورة نوح  ]

3 ـ الاستغفار سبيل القوة بكل أنواعها:

﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾ هذه الآية دقيقة جدّاً، يعني إذا الواحد يتمتّع بشبابه، إذا عرف الله، يدوم له هذا الشباب إلى نهاية الحياة، من عاش تقيّاً عاش قويّاً، من غضَّ بصره عن محارم الله يزده الله قوَّةً إلى قوَّته، يعني يُمَتّعُهُ الله بهذه العين إلى نهاية الحياة، ومن كفّ عن سماع الغناء يَزِدْهُ الله قوةً إلى قوته، يُمَتِّعه بهذه الأُذن إلى نهاية الحياة، من سار إلى طاعة الله يَزِدْهُ قوَّةً إلى قوّته، يتمتَّع بحركته ونشاطه إلى نهاية الحياة، ومن أطاع الله في زواجه يَزِدهُ قوَّةً إلى قوَّته، يسْعَدُ بِزَوجته أضعاف ما يسعد أهل الدنيا بِزَوجاتهم ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ شخص كان عنده مطعم مشهور جداً يُباع فيه الخمر واللحم! فذهب لأداء فريضة الحجّ ونصحه أصدقاؤُهُ أن يكفّ عن بيعِ الخمر، وبين أخذٍ وردّ، وبين حَيْرةٍ وصِراع، اتَّخَذ في النهاية قراراً بالكفّ عن بيع الخمر في مطعمه، ما الذي حدث؟ أنَّه تضاعفت غلَّته وتضاعفت أرباحه ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ لو تركتَ هذه الشُبهة في عملٍ تِّجاري، لزاِدْك قوَّة إلى قوَّتك، لو عصيت مخلوقاً و أطعتَ الخالق لزادك الله قوةً إلى قوتك، ترتقي مكانتك عند هذا الذي عصيْتَهُ من أجل الله، وتكبر في عَيْنِهِ أنت عصيته، ولم تستجب له، وأمرك فلم تأتمِر، قلت: إنِّي أخاف الله رب العالمين، تقول في نفسك: لقد أصبحت الآن مهدَّداً بالخطر من هذا الرجل! لا، يَزِيدْك الله قوَّة إلى قوَّتك، تزداد عنده مكانةً، هكذا سنّة الله في الخلق، إنِّي أخاف الله رب العالمين

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ(23) ﴾

[ سورة يوسف  ]

وصار بعدها عزيز مصر، ولما مرَّ موكبه كانت جاريةٌ قد رأتْهُ في قصْر العزيز خادماً، سيدنا يوسف، ورأتْه الآن وقد صار عزيز مصر يمشي في موكب الإمارة، فقالت: سبحان من جعل العبيد ملوكًا بِطاعته! وسبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيتِهِ! ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ .

من ابتغى أمراً بمعْصِيَةٍ كان أبعَدَ مِمَّا رجا، وأقرب مِمَّا اتَّقى، في عملك، في زواجك، في صحّتك، في بيتك، في أولادك، في سفرك، في إقامتك، في علاقاتك، في أفراحك، في كلّ شيء، إن أطعتَ الله سبحانه وتعالى يزِدك قوّةً إلى قوتك، من عاش تقياً عاش قوياً، من تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بعقله حتى يموت، يعني الدنيا وحدها مُسْعدةٌ للمؤمن فكيف إذا جُمعت الدنيا والآخرة؟

(( ما أحسَنَ الدِّين والدُّنيا إذا اجتَمَعا    وأقبَحَ الكُفرَ والإفلاسَ بالرَّجُل ))

[ أبو دُلامة ]

﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ من منكم يُصدِّق أنّ الذي يتولى عن الهُدى، يتولى عن سماع الحق، يتولى عن طريق الله عز وجل، يتولى عن طاعة الله، يتولى عن محبَّته، يتولى عن الإقبال عليه، يُعَدُّ عند الله مجرماً بِحَقّ من؟ بِحَقّ نفسه قبل كلّ شيء، وبِحَقّ أهله، وبِحَق أولاده، بِحَقّ من حوله، الذي يتولى عن طاعة الله،يتولى الإقبال عليه، يتولى عن محبّته، يُعدُّ عند الله مجرماً، وهذا قوله تعالى يؤكّد ذلك: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ .


قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِك


1 ـ رد الجاهل والسفيه:

﴿ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ  ﴾

[ سورة هود ]

 أي بِسَبَبِ قولك، والمفسّرون قالوا: إنّ هذا هو الغباء بِعَينه، فكلّ هذه البيّنات، وكلّ هذا الكون لم يُؤثِّر فيهم ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ .

لذلك الإمام الغزالي قال: " ما ناقشني جاهل إلا غلبني! ولا ناقشْتُ عالماً إلا غلبْتُهُ" ، وأبو حنيفة كان يُدَرِّس درساً في الفقه - هكذا تروي القصة - ويبدو أنّ في رجله ألماً شديداً فكان يمدّها مُضطرّاً، دخل عليه رجلٌ عظيم الهيئة، طويل القامة، واسع المِنْكبَين، فاسْتحيا منه ورفع رجله إليه، وكان موضوع الدرس صلاة الفجر، وشرح أبو حنيفة رضي الله عنه ملابسات صلاة الفجر، والفجر الصادق والفجر الكاذب وطلوع الشمس، فهذا الرجل ذو العظيم الهيئة رفع يده وسأله: ويا سيّدي، كيف نصلِّي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر؟! فقال عندئذٍ يمدُّ أبو حنيفة رِجله ثم قدَّمها!!  كل هذ المنصب ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ هكذا ضعفٌ في المنطق، غباءٌ مُستحكم، شهواتٌ أغلقت عليهم منافذ الحق، على قلوبهم أكِنَّة، أكِنَّة الشهوات، على آذانهم وقر، على عيونهم غِشاوة. 


إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ


﴿ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ(53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) ﴾

[ سورة هود  ]

يعني هذا الذي تقوله هذيان! وهذا الذي تقوله كلامٌ تُلقيه على عوامهم، إنما جاءك بِسبب لوثة أصابتك من آلهتنا، هذا كلام؟!

﴿ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ  ﴾

[ سورة هود  ]

حتى النبي عليه الصلاة والسلام قالوا عنه ساحر ومجنون

﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) ﴾

[ سورة القلم  ]

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ  ﴾

[ سورة هود  ]


قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ


1 ـ الهدى أكبر نعمة:

هذه الآية تنطبق على كلّ مؤمن، ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ نعمة الهدى أثْمنُ نعمةٍ في الأرض، إن كنت عرفْت الله فلْيَفُتْك من الدنيا ما يفوتك، كلمةٌ كنتُ أقرأها عن سيّدنا أبي بكر يقْشعِرّ منها جلدي: ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قطّ! تجد الناس مشققة قلوبهم، زوجته على غير ما يريد، نصيبه في الحياة أنَّه موظّف، ودخلهُ محدود، دائماً يشْكو، أما العارفون بالله فلا يندمون على شيء فاتهم من الدنيا قطّ.

((  الدنيا دارُ من لا دارَ لهُ ومالُ من لا مالَ لهُ ولها يَجمعُ من لا عقلَ لهُ ))

[ شعيب الأرناؤوط إسناده ضعيف ]

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ(44) ﴾

[ سورة الأنعام  ]

(( أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عليهم فَنَادَاهُمْ، فَقالَ: يا أَبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ يا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ يا عُتْبَةَ بنَ رَبِيعَةَ يا شيبَةَ بنَ رَبِيعَةَ أَليسَ قدْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فإنِّي قدْ وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، كيفَ يَسْمَعُوا وَأنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ ما أَنْتُمْ بأَسْمع لِما أَقُولُ منهمْ، وَلَكِنَّهُمْ لا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا ثُمَّ أَمَرَ بهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ. ))

[ صحيح مسلم ]

نعمة الهدى 

﴿ وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) ﴾

[ سورة يوسف  ]

تمام النعمة الهدى.

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22) ﴾

[ سورة يوسف  ]

من أي نوعٍ عطاؤُك من الله؟ أعطى الله فرعون الملك وهو لا يُحبّه، وأعطى قارون المال وهو لا يُحبّه، وأعطى الأنبياء العلم والحكمة، فَمِن أيِّ نوعٍ عطاؤُك أيّها الأخ الكريم؟ من نوع عطاء الأنبياء عِلماً وحكمة؟ وما اسْترذَل الله عبداً إلا حظرَ عليه العِلم والأدب، إذا استرذله رآه رذيلاً، سخيفاً، شهوانياً، مُنحطاً، ضيق الأفق، ماذا يفعل معه؟ لا يُعاقبه، ولكنه يحظر عليه العِلم والأدب، ومن كان له رغبةٌ في معرفة الحق، هذا هو الفلاح

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) ﴾

ولم يُفلح سواهم.

[ سورة المؤمنون  ]

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى(14) ﴾

[ سورة الأعلى  ]

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) ﴾

[ سورة الشمس  ]

ولم يقل: قد أفلح الأغنياء، ولم يقل: قد أفلح الأقوياء! لأنَّ الأغنياء سيموتون، والأقوياء سيموتون ولكن المؤمنين سيَسْعدون في الدنيا وإلى الأبد

﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) ﴾

[ سورة هود  ]


فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ


إذا كان الله معك فأنت الأقوى:

استمعوا إلى رجلٍ واحدٍ يُواجه أُمَّةً بأكملها، هات إيماناً كإيمانه، وخُذْ نصراً كنَصْرِهِ! واحد قال: 

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً﴾ جميعاً أنتم ومن معكم ومن وراءكم ومن يُعينكم ومن على شاكلتكم، أنتم وآلهتكم، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً﴾ لا تأخذكم بي رأفة، لا يأخذكم بي إشفاق، لا تتردَّدوا، لا تنتظروا، لا تقلِّبوا الأمر ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ لا تنتظروا.


إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا


1 ـ كل المخلوقات بيد الله:

﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

[ سورة هود  ]

كلمة دابة في هذا الموطن هذا الذي تخافون منه دابة، وناصيتها بيَدِ الله سبحانه وتعالى ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني أنْ تقول: إنَّ الله سبحانه وتعالى قد يضعُ إنساناً أمضى حياته كلّها في طاعته في النار! لأن الله يتصرَّف في ملكه بما شاء ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

2 ـ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

الله لا يظلم أحدًا:

الله سبحانه وتعالى على كلّ شيء قدير، وعلى صراطٍ مستقيم في الوقت نفسه، هو قدير على وضْع الطائع في جهنّم ولكنَّه على صراطٍ مستقيم، "إنِّي حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرَّماً فلا تظالموا! "

أنْ يُمضي الإنسان حياته كلّها في طاعته، وقبل أن يموت بِساعات يسبق عليه القول فيعْمل بِعَمل أهل النار فيدخلها!! لِهذا الحديث تفسير آخر يحتاج هذا الحديث إلى تأويل، فقد يمضي حياته كلّها منافقاً، ليس من أهل الجنَّة، إنَّما يعمل بِعَمل أهل الجنَّة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع فيسبق عليه القول، أيُّ قولٍ؟ وهو أنَّ الله سبحانه وتعالى لابُدَّ من أن يكشف الإنسان على حقيقته، لم يكن مؤمناً في حياته، إنَّما يعمل بعمل أهل الجنَّة، إنه كان مُنافقاً، إنه كان يرتزِقُ بِظاهِرِ دينه، يرتزق ارتزاقاً، هكذا الحديث هكذا يُفسر ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يمكن أن يظلم أحداً.

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) ﴾

[ سورة النساء ]

﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) ﴾

[ سورة النساء ]

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) ﴾

[ سورة غافر  ]

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) ﴾

[ سورة الكهف  ]

﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) ﴾

[ سورة العنكبوت ]

 وتقول بعدها: إن الله يضعُ إنساناً أفنى عمره في طاعته في جهنم! لماذا؟ لأنَّه:

﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) ﴾

[ سورة الأنبياء  ]

هذه الآية تفسيرها أنَّ عدله يُسكت الألسنة، وأنّ إحسانه للعباد يُسكت الألسنة، لذلك لا أحد يسأله ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

يعني الأمر يتلخَّص كما يلي: مجموعة حيوانات مخيفة مربوطةٌ جميعاً بأزمّةٍ متينةٍ، بيد إنسان حكيمٍ عليمٍ رحيم مُنصِفٍ، هل تخاف منها أم تخاف منه؟ تخاف منه، لأنَّه إذا أرخى الزِّمام وصل هذا الوحش إليك، فإذا شدَّه منعه عني، فعلاقتي ليست مع هذا الحيوان، لكن بِمَن بيده زمامها! ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ(55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

ملخَّص هذه الآية: هات لي إيماناً كإيمان هذا النبي العظيم، وخُذْ نصْراً وتأييداً وحفظاً ورعايةً كما أخذ هو.

﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57﴾ ﴾

[ سورة هود  ]


فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ


إما أن تؤمن أو يؤمن غيرُك:

إن آمنتَ فلكَ وإن لم تؤمن فعليك، إن آمنت تستفِد، إن لم تؤمن يأتِ من يؤمن فيستفيد، فالقضيَّة مُتعلّقةٌ بك

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)﴾

[ سورة الحجرات  ]

بعض العارفين بالله له كلمة لطيفة يقول: يذهب الزاهد ويأتي العاشق! فإن تولَّوا بمعنى تتولَّوا، هناك تاءٌ محذوفة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ .


وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظ


إذا جاء العذاب نجّى الله من يستحق في الدنيا والآخرة:

﴿  وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) ﴾

[ سورة هود  ]

﴿ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (8) ﴾

[ سورة الحاقة  ]

﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ فلا ظلم ولا بلاء عام، فالبلاء خاص، والرحمة خاصَّة  ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ونجاهم الله مرَّتين، وقد قال العلماء: مرَّة في الدنيا ومرَّة في الآخرة.

ولمّا جاء أمرنا أي أمر الهلاك والريح العقيم نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمةٍ منا، ونجيناهم من عذاب يوم غليظ يوم القيامة، فكلّ مؤمن له نجاتان، نجاةٌ في الدنيا ونجاةٌ من عذاب غليظ يوم القيامة.


وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا


1 ـ عادٌ كفروا بالله وعصوا رسله:

 

﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) ﴾

[ سورة هود  ]

حُمِلَت هذه الآية على كلمة الكُفر، أيْ كفروا بآيات ربِّهم ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾

2 ـ الكفر برسول واحد كفرٌ بالجميع:

هنا يوجد سؤال: جاءهم رسول واحد فلماذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ بالجمع؟ قال: لأنّك إذا أطعت رسول الله فكأنَّك أطعت رُسل الله كلّهم، وإن عصَيتَ رسولاً واحداً فكأنما عصيت جميع هؤلاء الرسل، لأنَّ الرُسل جميعاً دعوتهم واحدة، لا نفرّق بين أحد من رسله.

وتلك عادٌ (تلك) ! مؤنَّثاً لأنَّه حُمِل على هذه القبيلة أي قبيلة عادٍ: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ .

3 ـ من هو العنيد؟

من هو العنيد؟ هذه صفة مذمومة في الإنسان، فأحياناً الإنسان لا يتراجع عن خطأه مع أنه يرى عمله خطأً و مسيئاً ومؤذياً وغير صحيح ولا جدوى منه، يربط هذا العمل بكَرامته فلا يتراجع، هذا عنيد، والعنيد من صفات الجبابرة. 

﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) ﴾

[ سورة هود  ]

4 ـ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً

أُتبِعُوا لعنةً، يعني في زواجهم ملعونين، في عملهم ملعونين، في أفراحهم، في أتراحهم ملعونين، في نزهاتهم ملعونين، حيثما تحرّك فهو ملعون، أيْ بعيدٌ عن الله تعالى، مطرود من رحمته، هذا معنى ملعون، فاللَّعْن يتْبعهم كظلِّهم ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُود﴾ .

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور