مدارج السالكين - الدرس : 051 - شهود الأسماء والصفات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مدارج السالكين - الدرس : 051 - شهود الأسماء والصفات


1999-03-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

منزلة اليوم :

 أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الواحد والخمسين من دروس مدارج السالكين, في منازل :

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 5]

 أيها الأخوة, منزلة جديدة، ولعلها من أدق المنازل، وتحتاج إلى دقة انتباه وإعمال فكر، هذه المنزلة منزلة: شهود الأسماء والصفات.
 أن ترى حقيقة أسماء الله الحسنى، هذه منزلة عالية جداً، هذه منزلة متعلقة بأصل الإيمان، لأن أصل الدين معرفة الله عز وجل، وحينما تصح معرفة الله عز وجل يصح كل شيء، تخلص له, توحده، توحد وجهتك إليه، توحد النيّة، توحد الهدف، توحد الوسيلة.

انظر ما قاله بعض العلماء عن هذه المنزلة :

 قال بعض العلماء: هذه المنزلة من أجل المشاهد ومن أعظمها, وهي أعلى منزلة مما قبلها ومما بعدها، أن تشهد حقيقة الأسماء الحسنى وحقيقة الصفات الفضلى، أن تكون على علم بالله، أن تتعرف إليه، وفرق كبير بين أن تعرف أمره ونهيه، وبين أن تعرف خلقه، وبين أن تعرف ذاته، أن تعرف أمره ونهيه، وأن تعرف خلقه، هذا شيء يكون بالمدارسة، وأي إنسان بإمكانه أن يحصل هذا العلم، لأن هذا العلم يحتاج إلى ذكاء، وإلى كتاب، وإلى مدرس بارع، يحتاج إلى مذاكرة, وإلى إعادة، هذا اسمه مدارسة.
 فمعرفة خلقه ودقائق خلقه، ومعرفة أمره ودقائق أمره، هذا علم مدارسة، لكن أن تعرف ذاته هذا علم مكاشفة، المدارسة تتأتّى بكل إنسان، لكن المكاشفة لا تتأتّى إلا لمن جاهد في سبيل الله، لهذا قال بعضهم: جاهد تشاهد.

قاعدة :

 معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى ثمنها باهظ، ثمنها المجاهدة، نتائجها باهرة، وكل شيء ثمنه باهظ نتائجه باهرة، قاعدة، هذه قاعدة بالحياة، من أجل أن تستمتع بالرخام الصقيل الذي لا يتبدل لونه ولا يتغير له ثمن غالٍ، من أجل أن ترتاح بمركبة لا تقطعك هذه ثمنها غالٍ جداً، فكل نتيجة باهرة لها ثمن باهظ، وكل ثمن باهظ له نتيجة باهرة.

ماذا تعني كلمة الجهاد؟ :

 قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الموضوع، الله عز وجل يقول:

﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾

[سورة التوبة الآية: 19]

 إنسان منعم, كثير المال, بإمكانه أن يوافق على إنشاء مسجد, فله الأجر وعظيم الأجر إن شاء الله، ولكن هذا ما كلفه إلا أن يوافق، أما حينما يجاهد نفسه وهواه، وبالمناسبة: يقع معظم الناس في خطأ لا أقول جسيم، لكن في خطأ، كلما سمعوا كلمة جهاد, انصرف ذهنهم إلى الجهاد القتالي، مع أن كلمة جهاد تعني أشياء كثيرة، من جملة ما تعنيه الجهاد القتالي, لكن لها معان أخرى، فالذي يجاهد نفسه وهواه هذا جهاد, بل إن هذا هو الجهاد الأول، بل إن هذا هو الجهاد الذي ليس قبله جهاد، جهاد النفس والهوى، لأن المنهزم أمام نفسه لا يمكن أن يفعل شيئاً، لا يمكن أن يجاهد العدو، لا يمكن أن ينشر الحق.
 فكلمة الجهاد تعني جهاد النفس والهوى، وكلمة الجهاد تعني الجهاد الدعوي، قال تعالى: وجاهدهم به جهاداً كبيراً، وسمّى هذا الجهاد جهاداً كبيراً، وجهاد النفس والهوى والجهاد الدعوي متاح لكل مسلم في أي مكان وفي أي زمان، وحينما لا يتاح لنا الجهاد القتالي نمارس الجهاد الدعوي، وقد سماه الله جهاداً كبيراً.

هل تعتبر منزلة شهود الأسماء والصفات من أعلى منازل مدارج السالكين؟ :

 على كل؛ معرفة الأسماء والصفات بل شهود حقيقة الأسماء والصفات, من أعلى منازل مدارج السالكين، من أعلى منازل:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 5]

 أن تشهد أسماء الله الحسنى، من هنا كانت موضوعات أسماء الله الحسنى التي تفضل الله بها علينا في هذا المسجد مائة موضوع, مائة اسم، ولكل اسم درس، وقد لاقت قبولاً حسناً والحمد لله، لأن الإنسان من خلال هذه الدروس يتعرف إلى الله، المعرفة التفصيلية, المعرفة اليومية, المعرفة التي تعطيه دافعاً قوياً, كي يتصل بهذا الإله العظيم.
 بل إن معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، بل إن منزلة شهود الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، من أجل المنازل ومن أعظمها، ومعرفة أسماء الله الحسنى من أجل المعارف ومن أشرفها.

قف عند هذا الكلام الدقيق :

 الآن كلام مكثّف جداً: تعلمنا في الجامعة: أن هناك أسلوب في الكتابة مركز جداً, لا يمكن أن يلخص، لا تستطيع أن تحذف كلمة ولا حرف جر، فمثل هذا الكلام, يجب أن يقرأ كلمة كلمة، كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، اسمه العدل فهو عادل، اسمه القدير فهو قادر، اسمه العليم فهو عالم، علام الغيوب، كل اسم يقتضي صفة، طبعاً في عالم البشر, لا، اسمه كامل وهو ناقص, فاسمه محسن وهو مسيء، اسمه أنور وهو أظلم، في عالم البشر قد يتناقض الاسم مع المسمى.
 وقال بعضهم كلمة أعجبتني: التصوف كان مسمى بلا اسم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، كان مسمى مضمون، كان أصحاب النبي في أعلى درجة من الإخلاص, وفي أعلى درجة من الحب والشوق، وفي أعلى درجة من البذل والعطاء، قمم، كان التصوف مسمى بلا اسم، فانتهى به الأمر إلى اسم بلا مسمى.
 فكل اسم من أسماء الله الحسنى له صفة خاصة، فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل، فالله عز وجل عدل اسمه العدل، صفته عادل، العادل سوف يبطش بالظالم، الصفة لها مقتضى، الاسم له صفة،  والصفة لها مقتضى من فعل لا زم أو متعدٍ، لذلك الفعل تعلق بمفعول وهو من لوازمه، له الخلق وله الأمر، هناك الثواب وهناك العقاب، كل هذا من آثار أسماء الله الحسنى، الله له اسم, والاسم له صفة، والصفة لها مقتضى، عدل عادل ينصف المظلوم ويبطش بالظالم، حتى معنى كلمة منتقم من معانيها: أنه يوقف المنحرف عند حده، ينتقم منه أن يقمعه, ويكف شره عن الناس، والمنتقم هو الذي يحق الحق.

انتبه إلى هذه الحقيقة :

 الآن يوجد حقيقة: من عادتي في بعض الدروس, أن أضع بين أيدي الأخوة الكرام حقيقة مركزة جداً، والحقيقة فهمها سهل، لكن أن تعيشها هذا يحتاج إلى جهد كبير.
 قلت مرة: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
 أيها الأخوة, لو عقلنا هذه الجملة وهي من العقيدة الصحيحة، لا يمكن أن يدخل حزن على قلب إنسان, كل شيء وقع أراده الله، الذي وقع أراده الله، والذي لم يقع ما أراده الله، والذي أراده الله وقع، والله عز وجل حكيم رحيم, لطيف قدير, غني عدل، فكل أسمائه داخلة في أفعاله، وهذا تفسير بعض العلماء, حينما يقول الله عز وجل: إنّا تدل على الجمع:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 9]

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلاً﴾

[سورة الإنسان الآية: 23]

﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ﴾

[سورة يس الآية: 12]

 قال: إذا جاء الحديث عن الله عز وجل بصيغة الجمع, فمعنى ذلك: أن أفعاله كلها داخلة فيها أسماؤه الحسنى.

هل يمكن أن تعطل أسماء الله عن أوصافها ومعانيها؟ :

 الآن: من المحال تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها.
 مستحيل وألف مستحيل أن تعطل أسماء الله عن صفاتها، وأن تعطل الصفات عن مقتضياتها، الله عز وجل عدل, مستحيل ألا يكون في أفعاله عادلاً، مستحيل وألف مستحيل أن تعطل أسماء الله عن أوصافها ومعانيها، ومستحيل وألف مستحيل أن تعطل الأوصاف عن ما تقتضيه وتستدعيه من أفعال، وتعطيل الفعال عن المفعولات, كما أنه يستحيل تعطيل مفعوله عن أفعاله، وأفعاله عن صفاته، وصفاته عن أسمائه، وتعطيل أسمائه وأوصافه عن ذاته، الله ذات كاملة، هذه الذات الكاملة لها أسماء، هذه الأسماء لها صفات، هذه الصفات لها أفعال، فمن عطل فعل الله، عطل فعل الله عن صفاته، وعطل صفات الله عن أسمائه، وعطل أسماء الله عن ذاته، وهذا مستحيل.

ما وراء هذا المثال :

 لذلك يمكن أن تستنبط حقائق وأنت مطمئن، أضرب لكم مثلاً:
 يكون هناك إنسان داخل في القضاء بدعوة عمرها عشر سنوات، والأمر قضية بيت وثمنه ثلاثون مليون، وعليه منازعة على ملكيته بين الورثة، ويوجد وثيقة من الأب, ادعى الخصم أنها مزورة، وجيء بخبراء للخط، وقضية وغم وهم عند الأطراف جميعاً، قد يتصل بك المحامي, ويقول لك: الدعوة ربحت, يقول له: هل صدر القرار؟ يقول له: لا, ولكن وجدت اجتهاداً في محكمة النقض لصالحك، إذا قرأ كلمتين بمجلة تصدرها وزارة العدل، وهاتين الكلمتين اجتهاد لمحكمة النقض، وهي أعلى محكمة لصالح هذا المدعي، يقول لك المحامي: ربحنا الدعوة، تفاؤلاً طبعاً، وإذا كان هناك نص قرآني, قال لك:

﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾

[سورة الأعراف الآية: 156]

 وقال لك:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات الآية: 56]

 وقال لك:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[سورة النحل الآية: 97]

 ألا تصدق؟ قال لك:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

[سورة طه الآية: 124]

 قال لك:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

[سورة العنكبوت الآية: 69]

 قال لك:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

[سورة العنكبوت الآية: 69]

 يوجد ألف آية مطمئنة:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[سورة المائدة الآية: 18]

 معنى ذلك: أن الله لا يعذب أحبابه، فأنت يمتلئ قلبك طمأنينة حينما تقرأ اجتهاداً لمحكمة النقض، ولا يمتلئ قلبك أمناً وسلاماً حينما تقرأ آية يعد الله بها المؤمنين بالسلامة والنصر.
 حينما قال الله عز وجل:

﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾

[سورة الصافات الآية: 173]

 زوال الكون أهون على الله من أن تكون جندياً له ثم لا ينصرك، قال:

﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[سورة غافر الآية: 51]

 قال لك:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 128]

 قال لك:

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 12]

 انظر للكفار كم هم متغطرسون؟ جبابرة بطاشون يتحدون الشعوب كلها، قال لك:

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 12]

قضية هامة :

 أخواننا الكرام, حينما تشهد أسماء الله الحسنى, وصفاته الفضلى, وتقرأ كلامه, تشعر بأنك أقوى إنسان، إذا كان معك وعد من الله، وإذا كان وعيد يغطي إنساناً، يشعر هذا الإنسان أن الله مهلكه لا محالة:

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾

[سورة الرعد الآية: 11]

 أيها الأخوة, من المستحيل تعطيل أسمائه عن أوصافها ومعانيها، وتعطيل الأوصاف عما تقتضيه وتستدعيه من الأفعال، وتعطيل الأفعال عن المفعولات، أنا أركض لأقبض على فلان هذا فعل، لكن لم أستطع أن أقبض عليه، عطلت الفعل عن مفعوله، هل أنتم منتبهون؟ أحفر بئراً لأصل إلى الماء، لم أصل إلى الماء، عطلت الفعل عن مفعوله، الاسم يقتضي صفة ، والصفة تقتضي فعلاً، والفعل يقتضي مفعولاً، فمن عطل المفعول عن فعله، والفعل عن صفته، والصفة عن اسمه، والاسم عن ذاته، هذا صفر بالإيمان.

هذا ما أنكره العلماء :

 قال: إذا كانت أوصافه صفات كمال، وأفعاله حكماً ومصالح، وأسماؤه حسنى، ففرض تعطيلها عن موجباتها مستحيل في حقه، أوصافه مثلى فضلى، أسماؤه حسنى، أفعاله حكيمة، لذلك أي تعطيل لهذه الأسماء والأفعال والصفات هو إنكار لبعض أسماء الله الحسنى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾

[سورة فصلت الآية: 40]

 لهذا ينكر العلماء على من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، وأنه بذلك نسبه إلى ما لا يليق به، عطله عن أمره: رجل أنجب أولاداً, ولم يتكلم معهم بأي كلمة، أكلوا, حرقوا نفسهم بالمدفأة، تناولوا طعاماً سيئاً، جرح يده، الأب صامت، ضرب بعضهم بعضاً، كسروا الآنية، أكلوا طعاماً مسموماً، أمسكوا بالتيار الكهربائي فصعقوا، الأب صامت، هل هذا أب؟ مستحيل، الأب له أمر وله نهي، فإذا قلت: الله لم يأمر ولم ينه، ممكن أن تكون الآن قضية معقدة، ليست مغطاة بالتشريع، الله عز وجل عطلناه عن أمره ونهيه، الله ماذا قال؟ قال:

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

[سورة النساء الآية: 59]

 معنى ذلك: أنه ما من قضية متنازع فيها إلى يوم القيامة, إلا وفي الكتاب والسنّة ما يغطي حكماً لها، لكن أقول: علمه من علمه وجهله من جهله.
 إذاً: كل من عطل ذات الله عن أمره ونهيه, أو عطله عن ثوابه وعقابه.

هذا سوء الظن بالله :

 إذا قال لك: إن الله عز وجل يعطي النعم من ليس أهلاً لها، معنى ذلك: أنه ليس عنده حكمة، وليس عنده عدل، معناها أن الإنسان المنحرف يكرمه والمستقيم يعاقبه، يقول لك مثلاً شخص: هذا ملكه نحن ليس لنا علاقة، ممكن أن نعبده طوال حياتنا ويضعنا في جهنم, ما هذا الكلام؟ أهكذا ظنك بالله؟ أنت من الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء, ينصر أعداءه ويقويهم، ويخذل أولياءه ويضعفهم، ويجعل الدائرة تدور على أوليائه, ويضع من استنفذ عمره كله في طاعته في النار، ومن ناصبه العداء في الجنة، وتقول: يفعل ما يشاء, ويفعل ما يريد، الملك ملكه، هكذا ظنك بالله؟ والله من ظن هذا الظن, لا يعرف الله أبداً إطلاقاً، هذا سوء ظن بالله، أساساً الله عز وجل قال:

﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 154]

 هناك أناس كثيرون نحن عبيد بملكه، إن شاء عذبنا، وإن شاء رحمنا، من غير ضابط.
 الله قال:

﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة هود الآية: 56]

 حيث ما جاءت على مع لفظ الجلالة، فتعني: أن الله ألزم نفسه بالاستقامة، قال:

﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة هود الآية: 56]

 قال:

﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾

[سورة سبأ الآية: 17]

 انظر: كم هي دقيقة؟ قال:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[سورة النساء الآية: 147]

 قال:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة الآية: 7-8]

 قال:

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾

[سورة غافر الآية: 17]

 قال:

﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 77]

 ولا نقير ولا قطمير:

﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾

[سورة الروم الآية: 9]

﴿إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾

[سورة لقمان الآية: 16]

من هؤلاء الذين لم يقدروا الله حق قدره ولم يعظموه حق تعظيمه؟ :

 فمن عطله عن أمره ونهيه, هناك بعض القضايا ليس لها حكم شرعي، يا أخي شيء يحيّر، أفيدونا، إذا قال: هناك قضايا ليس لها حكم شرعي, معنى ذلك: أنه ما قرأ القرآن, لم يقرأ:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

[سورة المائدة الآية: 3]

 لم يقرأ:

﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 38]

 لم يقرأ:

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

[سورة النساء الآية: 59]

 من عطله عن أمره ونهيه وثوابه وعقابه، نسبه إلى ما لا يليق به، ونسبه إلى ما يتنزه عنه، وأن ذلك حكم سيء مما حكم به عليه، وأن من نسبه إلى ذلك فما قدره حق قدره، وما عظمه حق تعظيمه، كما قال تعالى في حق منكري النبوة.
 هل من الممكن الله عز وجل يخلق الخلق ويدعهم بلا أمر ولا نهي؟ الآية الكريمة من أدق الآيات:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 91]

 عطلوا ذات الله عن الأمر والنهي، فمعنى ذلك: أن الله ليس له تعليمات, ليس له توجيهات، خلق الخلق سدى, قال تعالى:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾

[سورة القيامة الآية: 3]

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾

[سورة المؤمنون الآية: 115]

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

[سورة القيامة الآية: 36]

 الجامعة مثلاً: أليس فيها فحص ولا شهادات؟ هذا داوم, هذا لم يداوم، هذا سرق كتاباً من المكتبة، هذا قرأ الكتاب، طالب قرأه وطالب سرقه هل يستويان؟ لا يوجد حساب؟ هذا يتنزه عنه إنسان لا خالق الأكوان:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 91]

 وقال تعالى في حق منكري المعاد والثواب والعقاب:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

[سورة الزمر الآية: 67]

 يعني ذلك أنه هناك حساب، وتسوية حسابات، وقوف بين يدي الله، إنسان يعيش على أنقاض الناس، وإنسان يعيش الناس على أنقاضه كالأنبياء، هل يستويان؟ إنسان يعيش على أنقاض الناس, والأنبياء عاش الناس على دعوتهم, وعلى جهدهم, وعلى بطولتهم, وعلى بذلهم وعطائهم:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية الآية: 21]

ما أسباب انقباض الناس؟ :

 ما أسباب انقباض الناس؟ لأنها بعيدة عن التوحيد، إذا رجل بعيد عن الله, وسمع ما يقوله الأقوياء, وكيف يتحدون الشعوب الضعيفة؟ كيف يعيشون على أنقاض العالم؟ سيختل توازن الإنسان, لكن بالتوحيد يستعيد توازنه:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

[سورة إبراهيم الآية: 42]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 196-197]

هذا الذي يجب أن ينتظره الإنسان :

 أيها الأخوة, لله عز وجل في كل وما قضاه وقدره الحكمة البالغة، حكمة ما بعدها حكمة، ولكن نحن إما أن نكشف طرفاً منها أو أن نعجز عن فهم هذه الحكمة، كمثل هذا الرجل الذي جعل من بيت النبوة دار دعارة سلمان رشدي، كيف سمح الله له بهذا؟ حبيبه سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم، كيف سمح لإنسان ساقط حقير من أن يجعل من بيت النبوة بيتاً للدعارة؟
 عشرون ألف بريطاني أسلموا بسبب هذا الكتاب، لما قرؤوا هذا الكتاب لم يصدقوه، فبحثوا عن الحقيقة وأسلموا، الله عز وجل له حكمة بالغة, قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 112-113]

 سمح الله عز وجل أن تنشر كتب, فيها ضلالات، فيها انحرافات، فيها اتهامات، فيها طعن، فيها غمز، فيها لمز، وتطبع طبعات كثيرة جداً لحكمة بالغة، هذه الكتب تعني اللقاحات للمؤمنين، اللقاح جرثوم ولكنه ضعيف، الجسم يهيىء مصلاً مضاداً لهذا الجرثوم، فلما تظهر شبهات وضلالات، المؤمن يبحث عن جواب، عن رد، يضاعف جهده، يسأل علماءه، يتحقق يدقق فيقوى إيمانه، لذلك دائماً الله عز وجل يوظف الشر للخير المطلق.
 هل تصدقون: أن أربعين ألف جندي أمريكي أسلموا في حرب الخليج؟ لأنك أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد، الإنسان عليه أن ينتظر حكمة الله عز وجل, لعل الله عز وجل حينما قال:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾

[سورة القصص الآية: 5]

من هو أكمل الناس عبودية لله عز وجل؟ :

 كل اسم له تعبد مختص به، كل اسم من أسماء الله الحسنى له تعبد خاص به، علماً ومعرفةً وحالاً، وأكمل الناس عبودية لله عز وجل هو: المتعبد له في جميع أسمائه وصفاته، أي يعبد اسم الله الحليم فيكون حليماً، ويعبد الحكيم فيكون حكيماً، ويعبد القوي فيكون قوياً في دين الله، ويعبد الرحيم فيرحم الخلق، ويعبد اللطيف فيتلطف في الخلق، ويعبد العدل فينصف في أحكامه، كل مؤمن إذا عبد الله بكل أسمائه حق العبادة فهو في الصف الأول، لا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، كمن يحجبه التعبد باسم القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم، الله قدير، فهو إذا بطش بطش، أعبده باسم القدير، وأعبده باسم الحليم الرحيم.
 وقد يحجبه اسم المعطي عن اسم المانع، أو اسم المانع عن اسم المعطي، وقد يحجبه اسم الرحيم عن اسم المنتقم، أو المنتقم عن الرحيم، ويحجبه اسم التودد والبر عن اسم العدل والجبروت والعظمة والكبرياء، يجب أن تعبد الله بكل أسمائه، ما دمت قد عرفت طرفاً من كمالاته من خلال أسمائه، ينبغي أن تعبده بكل أسمائه.
 قال: وهذه طريقة الكمّل من السائرين إلى الله عز وجل، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال تعالى:

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[سورة الأعراف الآية: 180]

 ادع الله باسم الرحيم تارة ليرحم العطشى، ادع الله باسم الجبار المنتقم لينتقم من الظالمين، وادع الله باسم اللطيف ليتلطف بنا، وادع الله باسم المعطي ليعطينا، اعبد الله بكل أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى.
 والدعاء -كما تعلمون- يكون دعاء مسألة, ودعاء ثناء, ودعاء تعبد، فهو يدعو عباده ، يعرفونه بأسمائه وصفاته، وأن يثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، ادع الله بأسمائه داعياً، وادعوه مثنياً عليه، وخذ حظاً من هذه الأسماء.

هذا ما عده العلماء في دعاء يونس عليه الصلاة والسلام :

 سيدنا يونس عندما وقع في بطن الحوت, نادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، أثنى على الله، فعدّ العلماء الثناء دعاء، والدليل:

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 76]

 لم يقل: يا ربي أخرجني، قال:

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 87]

 قال تعالى:

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 88]

هذا ما يحبه الله :

 آخر نقطة في الدرس: الله عز وجل عليم يحب كل عليم، يحبك أن تكون فهماً حصيفاً عاقلاً محصلاً للعلم، الله يحب العلماء، إن الله عالم يحب كل عالم.
 الحقيقة: لن تستطيع أن تتقرب إليه إلا بأسمائه، الله رحيم يحب الرحيم.
 إنسان يشاهد حيواناً دُهِسَ, وما زال على قيد الحياة، يحمل الحيوان, ويركب سيارة خاصة، ويذهب إلى مستشفى بيطري ويعالجه هذه رحمة، ليس له علاقة بالحيوان، لا يوجد أي نفع يأتيه منه، الله عز وجل غفر لبغي سقت كلباً، الله يحب الرحيم, جواد يحب كل جواد، الله لا يحب البخيل، إذا أردت أن يحبك الله تقرب له بأسمائه، هو جواد كن جواداً يحبك الله، هو عليم اطلب العلم يحبك الله، هو رحيم ارحم من في الأرض يرحمك الله، هو عدل كن عادلاً مع أولادك مع من حولك مع موظفيك يحبك الله عز وجل، جميل يحب الجمال، تنظف, رجّل شعرك، تعطر, اجعل ثيابك نظيفة، حاول أن يكون هناك ألواناً منسجمة في ثيابك، لك مظهر مقبول براق، الله يحبك، إن الله جميل يحب الجمال، بعض الناس فهموها فهماً آخر: يملأ عينيه من الحسناوات، ويقول لك: إن الله جميل يحب الجمال! هذا فهم شيطاني.
 عفو يحب العفو، الله يكره المنتقم بالمعنى الأرضي، أما المنتقم بمعنى كاسم من أسمائه الحسنى، هو الذي يقمع الظالمين يقمعهم ويوقفهم عند حدهم، حيي يحب الحياء وأهله، هذا الوقح المتعالي المتعجرف لا يحبه الله، يحب الحيي.
 كان عليه الصلاة والسلام أشد حياءاً من العذراء في خدرها، بر يحب الأبرار، شكور يحب الشاكرين، صبور يحب الصابرين، حليم يحب الحلماء، لأنه يحب خلقه, يتوب عليهم, ويغفر لهم, ويعفو عنهم, ويصفح عنهم، ويحب من يعفو ويتوب ويصفح من عباده.

خلاصة القول :

 أيها الأخوة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وضحت لكم هذه الحقائق: الذات تقتضي أسماء، والأسماء تقتضي صفات، والصفات تقتضي أفعال، والأفعال تقتضي مفاعيل، فمن عطّل فعل الله عن مفعوله, وصفاته عن أفعاله, وأسمائه عن صفاته, وذاته عن أسمائه, فقد ألحد، الله عز وجل لا يمكن أن يصف نفسه بصفة لا معنى لها, ما دام سمّى نفسه العدل، فصفته أنه يعدل، ويعدل له فعل، والفعل هو أنه سينتقم من الظالم وسينصف المظلوم، وهناك شواهد كثيرة جداً:
 إنسانة تسكن في بيت أبيها، فجاء الأخ من بلد راقٍ جداً, معه ثروة طائلة, احتلّ البيت, غيّر ترتيبه، جدده تجديداً كاملاً، فرشه بالأثاث، ومعه زوجة ومعه أولاد، لا يريد أخته، وأخته لها حصة في البيت، عمل على طردها، قال لها: اذهبي لعند أهلك، عند أخوتك، بيتها تسكن فيه، استولى على البيت وجدده وفرشه، وهيأ كل شيء ليعيش مع زوجته وأولاده حياة ناعمة في هذا البيت, وطرد أخته، بعد أسبوع من سكناه في البيت, دخلت زوجته الحمام، فارقت الحياة، وعنده أولاد، فصار يرجو أخته أن تعود إلى البيت لترعى الأولاد، يرجوها ويخاف ألا تقبل, الله عدل، طبعاً الزوجة ماتت في أجلها، لكن انتقم منه انتقاماً شديداً:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج الآية: 12]

 تعامل مع الله بهذا الفهم الدقيق، الله له ذات واسم وصفة وفعل ومفعول، فإياك أن تقع تحت طائلة العدل، إياك أن تتعامل مع الله على أنه لا يعلم, أو على أنه لا يرحم, أو على أنه لا يعدل, إياك:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج الآية: 12]

 أيها الأخوة, هذه المنزلة منزلة شهود الأسماء والصفات.
 الشيء الدقيق في الدرس: لا تستطيع أن تتقرب إلى الله إلا أن تشتق من أسمائه خلقاً تتقرب به إليه، هو عادل يحب العدل، هو كريم يحب الكرم، هو عليم يحب العالم، هو جميل يحب الجمال، هو رحيم يحب الرحيم، هو حليم يحب الحليم، لا تتقرب إلى الله إلا أن تشتق من أسمائه خلقاً يكون وسيلة لك إليه هكذا, الله لا يقرب إلا الكامل، أما الأقوياء يقربون أي إنسان أعلن الولاء، أما ملك الملوك لا يقرب إلا الكامل؛ بقدر انضباطك يقربك الله، بقدر ورعك.
النبي الكريم كان جائعاً, رأى على السرير تمرة فأكلها، -هكذا قرأت-، قُطع الوحي عنه أسبوعين.
 الله يحب الورع، قال أبو حنيفة النعمان: ما وقف في ظل بيت مرتهن عنده، لئلا ينتفع بالرهن، من شدة الورع، وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

دعاء الختام :

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018