الخطبة : 0982 - الدروس و العبر التي يمكن أن نستنبطها من وقعة بدر - وعد الله . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0982 - الدروس و العبر التي يمكن أن نستنبطها من وقعة بدر - وعد الله .


2005-10-21

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النصر هاجس كل المسلم

 أيها الإخوة الكرام، العالم الإسلامي يقترب من مليار وأربعمئة مليون مسلم، وأنا لا أعتقد أن واحداً من هؤلاء لا يتمنى أن ننتصر، فالنصر هو الهاجس الأول في نفس كل مسلم، لأن للمسلمين واقعاً لا يُحسدون عليه أبداً، فقد تكالبت عليهم أمم الأرض، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ـ مليار وأربعمئة مليون ـ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ، قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ: حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ))

 

[ أبو داود، أحمد ]

النصر لا يأتي من الأرض

 أيها الإخوة الكرام، نحن في ذكرى معركة بدر الكبرى، وقد وقعت هذه المعركة في السابع عشر من رمضان، ووقائع هذه الوقعة لا تخفى على مسلم، ولكن ما الدروس والعبر التي يمكن أن نستنبطها من موقعة بدر ؟
 أيها الإخوة الكرام،
 ما دمنا نعتقد أن هناك نصراً يأتينا من الأرض فالطريق إلى النصر مسدود، ما دمنا نعتمد على زيد أو عبيد، ونرضي فلاناً، ونرضي علاناً، ونتقوى بهذه الجهة، ونساند هذه الجهة، مادمنا نعتقد أن النصر يأتي من الأرض فالنصر طريقه مسدود، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 126]

 لو أن الله قال: النصر من عند الله، فقد يكون من عند غيره، ولكنه سبحانه قال، والقرآن بلسان عربي مبين:

 

﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَناً عَرَبِيّاً ﴾

[ سورة الزخرف: الآية 3]

 الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إلا ﴾

 وإذا جاء النفي والاستثناء فالصياغة حصر وقصر:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 126]

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 160]

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: الآية 90]

 إذاً هناك في القرآن نظرية اسمها التسليط.

 

أسباب الفشل و الهزيمة

 أيها الإخوة الكرام، قبل أن نخوض في هذا الموضوع لابد من حقيقة تعد مقدمة لهذا الموضوع

 

 

عدم التعامل مع الله وفق سننه وقوانينه

 المسلم الواعي الذي نوّر الله قلبه وأيقظ فكره لا يتعامل مع الله تعاملاً مزاجياً عاطفياً طارئاً أساسه التمنيات، يتعامل مع الله تعاملاً علمياً وفق السنن التي سنها، ووفق القوانين التي قنّنها، مثلاً:
 تركب مركبة، وتوقفت فجأة، هناك أسلوب يتبعه المسلمون اليوم، وهو أنه يخرج من المركبة، ويرفع يديه إلى السماء، يا رب عليك بهم، فإنهم لا يعجزونك، يا رب اجعل تدميرهم في تدبيرهم، ويزدادون قوة، هذا أسلوب لا يقدم ولا يؤخر، افتح غطاء المحرك، وابحث أين الخلل ؟ أين المشكلة ؟ الدعاء من دون عمل استهزاء بالله عز وجل، الدعاء من دون حركة لا ينفع، قال سيدنا عمر لأعرابي أصيب جمله بالجرب: يا أخا العرب، ما تفعل بهذا الجمل الأجرب، فقال صاحب الجمل: أدعو الله أن يشفيه، فقال له: هلاّ جعلت مع الدعاء قطراناً ؟!
 سأل سيدنا عمر في الحج أناسًا فقراء: من أنتم ؟ فقالوا: نحن المتوكلون على الله، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله.
 أيها الإخوة الكرام، نحن في وضع لا نحسد عليه، فيما أرى أن خط المسلمين البياني وصل إلى القاع، ما العمل ؟
 أول شيء: ينبغي أن نتعامل مع الله وفق سننه، ونحن اللهِ لو دعونا ليلاً نهاراً، لو دعونا في كل صلاة، ولم نقدم لله أسباب النصر فلا يستجاب لنا، وفروا أوقاتكم، ووفروا حناجركم، ما لم نقدم لله أسباب النصر فلا يستجيب لنا.

 

 

لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

 أيها الإخوة الكرام، الفيصل في هذا الموضوع:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: الآية 11]

 فإن لم نغيّر فالله لا يغير:

 

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة: الآية 18]

 مادام الله يعذبنا فعذابه واضح، إنه بذنوبنا، فنحن أمة كأية أمة، لا شأن لها عند الله، شأننا عند الله إذا استجبنا له، أما إن لم نستجب، ولم نغير فالله لا يغير.
 إذاً أول نقطة في هذه الخطبة: تعاملْ مع الله بأسلوب علمي، تعاملْ مع الله بسننه، بقوانينه.

 

لا تتعامل مع الله بالتمنيات

 دققوا في هذه الآية:

 

 

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾

[ سورة النساء: الآية 123]

عصيان رسول الله

 أيها الإخوة الكرام، أول درس نستنبطه من معركة أُحُد ومن معركة حنين التي لم ينتصر فيها المسلمون، أنهم في أُحُد عصوا رسول الله:

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 33]

 مادامت سنتك يا محمد فيهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في علاقاتهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في حلهم، في ترحالهم، فهم في مأمن من عذاب الله:

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 33]

الخطأ السلوكي

 في أحد عصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم، لو أنهم انتصروا لسقطت طاعة رسول الله، وانتهت، لو أن الطالب غش على مرأى من المراقبين، ونجح لسقطت الدراسة، ولأصبح الذي يدرّس غبياً، ولو أن الله نصرهم على معصيتهم لرسول الله صلى الله عليه و سلم لسقطت طاعة رسول الله.

 

الخطأ العقائدي

 أما في حنين فقد قالوا: لن نغلب من قلة.
 إن الخطأ في أُحُد سلوكيّ، استراتيجي، أما الخطأ في حنين فهو إيديولوجي عقائدي، اعتقدوا أن كثرتهم تنصرهم، ونسوا ربهم، وفيهم رسول الله ، كان معهم، ولم ينتصروا، مع أن أصحابه نخبة البشر،

 

 

(( إن الله اختارني، واختار لي أصحابي ))

 

[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف]

 ولأنهم اعتمدوا على غير الله، اعتمدوا على قوتهم، أو على كثرتهم، أو على عددهم، وفي اللحظة التي تعتمد فيها على قوتك، أو على مالك، أو على تجمّعك، أو على أنصارك، أو على حلفائك فالنصر بعيد عنك بُعد الأرض عن السماء.
 إذاً الخطأ في حنين كان توحيديًّا، والخطأ في أُحُد كان سلوكيًّا، ولو انتصروا في حنين لسقط التوحيد، ولا معنى للتوحيد إطلاقاً.

 

عدم الأخذ بالأسباب

 أيها الإخوة الكرام، أما في بدر:

 

 

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 123]

 أي مفتقرون إلى الله، أنت حينما تقول: اللهم إني تبرأت إليك من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك، يا ذا القوة المتين، فأنت تقدم لله أسباب النصر.
 وفي هذه المناسبة أقول: المؤمن الكامل أيها الإخوة الكرام، يأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، كيف فعل النبي صلى الله عليه و سلم في الهجرة ؟ هيأ إنساناً لمحو الآثار، وإنساناً ليأتي بالأخبار، وإنساناً ليأتي بالزاد، واختار خبيراً للطريق ليس مسلماً، اختاره مشركاً، رجّح الخبرة على الولاء، وأخذ بكل الأسباب، سار باتجاه الساحل، وضلل المطاردين، قبع في غار ثور ليهدأ الطلب، فلم يدع ثغرة إلا أغلقها، وهو نبي الله.
 إذا كان في الأرض إنسان واحد يستحق النصر من دون أن يأخذ بالأسباب فهو رسول الله صلى الله عليه و سلم، ومع ذلك لم يسمح الله له أن ينتصر دون أن يأخذ بالأسباب، أما المسلمون اليوم فلا يفعلون شيئاً، إنهم قاعدون، ينتقدون، يتابعون الأخبار، يتأوهون، يتحسرون، انتهينا، العدو شرس، الهجمة شرسة، العدو غادر، إلى ما لانهاية من هذه الأقوال، لكن لا يوجد عمل، لا يوجد حركة، لا يوجد تضامن، لا يوجد تخفيف من هموم المسلمين، إذاً أيها الإخوة الكرام، يجب أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء.

 

الغرب يأخذ بالأسباب

 إنه من السهولة بمكان أن تأخذ بالأسباب، وأن تعتمد عليها، وأن تؤلّهها، وأن تستغني بها عن الله، هذا ما يفعله الغرب،

 

 

المسلمون يهملون الأسباب

 ومن السهل أيضاً ألا تأخذ بها، وتتواكل، و تفوض أمرك نفاقاً إلى الله، وتقول: ما بيدي شيء، كله ترتيب الله عز وجل، هكذا أراد الله، ماذا نفعل ؟ عَنْ عَوْفِ ابْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

 

[ أبو داود، أحمد ]

متى يسمح لك أن تقول: حسبي الله، ونعم الوكيل ؟

 حينما تُغلَب.
 للتوضيح: لو أن طالبًا ما درس، وقدم امتحاناً فلم ينجح، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، هذا كذب، وهذا أشد أنواع الكذب، أما حينما يدرس، ويصيبه مرض مفاجئ وقت الامتحان يحول بينه وبين أداء الامتحان فمسموح له في هذا الوضع بالذات أن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لا تقال هذه الكلمة إلا حينما تُقهَر، أما إذا كان بيدك أسباب فينبغي أن تتحرك.
 الشيء المؤلم أن الذين معهم الباطل، والذين معهم الشهوات، والذين معهم الظلام يعملون ليلاً ونهاراً، والذين معهم الحق، ومعهم وحي السماء، ومعهم الشمس لا يتحركون، أعداؤنا يعملون في الظلام، ونحن نائمون في الشمس.

 

معركة بدر تكاملة فيها أسباب النجاح

 أيها الإخوة الكرام، النقطة الأولى في بدر أنهم كانوا موحدين، وكانوا مفتقرين إلى الله، أخذوا بالأسباب، ثم توكلوا على الله، فإن لم تأخذ بها فقد عصيت، وإن أخذت بها واعتمدت عليها فقد أشركت، والبطولة أن تأخذ بها وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
 إن هذا درس نحتاجه كل ساعة في حياتنا، عندك سفر بمركبتك، تُجري لها مراجعة دقيقة تامة في كل أجزائها، وفي كل خصائصها، وبعد ذلك تقول: يا رب، أنت الحافظ، فإن اعتمدت على المراجعة، ولم تفتقر إلى الله لم تنفعك هذه المراجعة، وإن اعتمدت على الله، ولم تراجع لم ينفعك الاعتماد على الله، لذلك أرادك الله أن تكون إنساناً فذاً علمياً، خذ بالأسباب، و كأنها كل شيء، و توكل على الله، و كأنها ليست بشيء.
 هذا الدرس ينفعك في تجارتك، تشتري بضاعة سيئة بسعر عال، ولا تباع، وتخسر، فتقول: هكذا أراد الله !! هكذا شاء الله !! هذا قضاء !! لماذا لم تعتن بشراء البضاعة ؟ لمَ لمْ تبحث عن النوع الجيد والسعر المناسب ؟
 نحن عندنا مشكلة كبيرة أيها الإخوة الكرام، نعزو أخطاءنا إلى الله، وكل شيء نعده قضاء وقدراً، هو جزاء التقصير، أنا لا أسمح أن تقصر في أخذ الأسباب، و تقول: هكذا أراد الله، هذا كذب ودجل، الله عز وجل لا يأمر بالفحشاء.

 

 

أسباب النصر

 أيها الإخوة الكرام، ما هي أسباب النصر بشكل علمي موضوعي ؟ بشكل قوانين ؟
 النصر له سببان لا ثالث لهما، وكل سبب شرط لازم غير كاف، كيف ؟ هذه العبارة ما معناها ؟ عندك مثلاً رأس غاز، عندك أسطوانة غاز، كل واحدة من هاتين القطعتين شرط لازم غير كاف، رأس الغاز وحده لا يحقق نضج الطعام، والأسطوانة وحدها لا تحقق وحدها نضج الطعام، لابد من اجتماع الأسطوانة مع رأس الغاز.

 

 

السبب الأول: الإيمان:

 

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: الآية 47]

 وإذا قال خالق الأكوان:

 

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 فلزوال الكون أهون على الله من ألاّ ينصرهم:

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة غافر: الآية 51]

 إنه قانون وسنة راسخة ثابتة، لا تغيّر، ولا تبدل، و لا تطور، و لا تجمد، و لا تعدل، و لا تلغى، إنه الإيمان ؟

 

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات: الآية 173]

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: الآية 47]

ما هو الإيمان؟

 لكن أيّ إيمان ؟ إبليس مؤمن، قال:

 

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص: من الآية 81]

﴿ خَلَقْتَنِي ﴾

[ سورة ص: من الآية 76]

﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة ص: الآية 79]

 آمن به ربًّا، وعزيزاً، وخالقاً، وآمن باليوم الآخر، إذاً أيّ إنسان قال: هناك إله لهذا الكون فهو مؤمن، وقد يكون مجرماً، وقد يكون جباراً في الأرض.
 إن الإيمان الذي عناه الله عز وجل هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله فقط، هو الإيمان الذي يظهر في سلوكك، هو الإيمان الذي يظهر صدقاً وأمانة، وعفة ووفاء، و إنجازاً و رحمة، هو الإيمان الذي يظهر تواضعاً، هو الإيمان الذي يظهر خُلقاً كريماً، هو الإيمان الذي يُظهر ترافقه عبادة مخلصة.
 أيها الإخوة الكرام، الإيمان الذي يحملك على طاعة الله هو الإيمان الذي أراده الله، فلو أننا أمام ميزان له كفتان، فوضعنا في الكفة الأولى الشهوات، لو أردنا للتقريب أن يكون وزنها عشرة كيلو، فإيمانك التقليدي الساذج أن لهذا الكون إلهًا خمسة غرامات، ماذا تفعل هذه الغرامات الخمسة بعشرة كيلو ؟ ليس هناك قوة تصرفك عن شهواتك، أما حينما تؤمن الإيمان الذي أراده الله، حينما تطلب العلم، حينما تقرأ القرآن الكريم ، حينما تجلس في مجالس العلم، حينما تخالط المؤمنين، حينما تتقرب إلى الله، حينما تجاهد تزداد هذه القناعات إلى عشرة كيلو، فإذا وازت القناعاتُ الشهواتِ دخلتَ في الصراع، وقبل كل شيء تقع في حيرة، أفعل أم لا أفعل ؟ إن فعلت فسأغضب الله، وإن لم أفعل تفوتني هذه الشهوة، أما حينما تغدو قناعاتك مئة كيلو، وشهواتك عشرة كيلو دخلت في الأعماق، ونجوت من الصراع.
 أيها الإخوة الكرام، كلٌّ يدّعي أنه مؤمن، قضية الإيمان كأنها كلأ مباح يدّعيه كل إنسان، لكن الله عز وجل يقول:

 

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 179]

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 142]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: الآية 2]

 لذلك الله عز وجل يتولى تحجيم الإنسان، يتولى إرجاعه إلى حجمه الحقيقي، إلى حقيقته، لا إلى ادعائه، كل إنسان يدّعي أنه مؤمن كبير، لكن الله يضع له امتحاناً فيسقط، تغريه امرأة، تغريه صفقة صغيرة تخالف منهج الله عز وجل فيقول: أنا عندي أولاد، ماذا أفعل ؟ إنها بلوى عامة، فأنت حينما تسقط يلغى إيمانك.
 أيها الإخوة الكرام، في علم الاجتماع حينما ترى إنساناً أمامك دون أن تشعر تقيّمه من هيئته، من ثيابه، من ألوان ثيابه، من أناقته، من اختيار نوع الثياب، من هندامه، من شَعره، أما إذا كلمك تنسى هندامه، فإذا عاملك تنسى كلامه، فلذلك الله عز وجل يضع الإنسان في ظرف صعب ليكشفه على حقيقته، والله يتولى ذلك، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون: الآية 30]

 قيّم نفسك كما تشتهي، ولكن الله متكفل أن يعيدك إلى حجمك الحقيقي، قد يقول الشاب لأمه: أنا حينما أتزوج أنت سيدة المنزل، سأجعل زوجتي في خدمتك، فإذا تزوج، وسكنت أمه معه، وانحاز إلى زوجته، انحاز إلى شهوته، ونشب خلاف بين أمه وزوجته يقول لأمه: كل البلاء منك، أين كلامه السابق ؟ كلام فارغ، وإن تسعة وتسعين بالمئة مِن الذي يقوله الناس لا معنى له، كلام فارغ.

 

كل يدَّعي وصلاً بليلى  وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
***

 أيها الإخوة الكرام، إن الإيمان الذي أراده الله هو الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، وغير هذا الإيمان سمِّه ـ ولا تتحرج ـ إيمانًا إبليسيًّا، أما الإيمان الذي يحملك على طاعة الله فهو الإيمان الذي يستحق النصر، قال تعالى:

 

 

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: الآية 47]

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة غافر: الآية 51]

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات: الآية 173]

السبب الثاني:الإعداد:

جهاد النفس والهوى:

 الإعداد إن صح التعبير، إذا كان هناك جهاد النفس والهوى، وهذا عندي وبقناعتي كالتعليم الأساسي، التعليم الأساسي هو التعليم الأول، أن تتعلم القراءة والكتابة ومبادئ القواعد، مبادئ الجغرافيا، مبادئ التاريخ، جهاد النفس والهوى هو التعليم الأساسي.

 

الجهاد الدعوي:

 ثم الجهاد الدعوي، وهذا متاح لكل واحد منا، وفي الحديث:

 

 

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعلَّمَهُ ))

 

[البخاري عن عثمان]

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: الآية 52]

الجهاد البنائي:

 ثم الجهاد البنائي، قال تعالى:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 60]

 إن طائرة صنعت في عام ألف وتسعمئة وستين صالحة لسنة ألفين وأربعين، يمكن أن تخرج من أقصى مكان في الأرض، وتقصف أقصى مكان آخر، وتعود دون أن تتزود بالوقود، ومعظم مطارات العالم لا تحملها، هل أعدوا لنا أم أعددنا لهم ؟ هذا التقدم المذهل في كل شيء، يعملون ليلاً ونهاراً، وفي إحصاء دولي يعتصر القلب له أن البلاد النامية يعمل فيها الإنسان باليوم وسطياً سبع عشرة دقيقة في بلد، وفي بلد آخر سبعًا وعشرين دقيقة، بينما هو يعملون ثماني ساعات كاملة، هذا الجهد الكبير، يعملون ليلاً ونهاراً، تفوقوا، وامتلكوا أسباب النصر، وامتلكوا أطراف الأرض، وفرضوا إباحيتهم وثقافتهم، وكفرهم وإلحادهم على شعوب الأرض، وتحكموا بها.
 أيها الإخوة الكرام، الإعداد هذا سميته الجهاد البنائي، الجهاد الأول جهاد النفس، والجهاد الثاني هو الجهاد الدعوي:

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: الآية 52]

 والجهاد الثالث الجهاد البنائي، نحن دائماً نُكْبر والله، والناس جميعاً يُكْبرون من يموت في سبيل الله، ولكن يجب أن نتعلم كيف نعيش في سبيل الله، الموت في سبيل الله أكاد أقول: إنه سهل، إنسان آمن بالآخرة، وضحى بحياته، لكن البطولة أن تعيش في سبيل الله، أن تبني هذه الأمة، أن تبني مجدها، أن تبني قوتها، أن تطور صناعتها، أن تحل مشكلات الشباب فيها، أن تهيئ مساكن، أن تهيئ صناعات، الآن هناك حروب من نوع جديد من، هذه الحروب حرب قطع الغيار، لو منعت عن بلدٍ نامٍ قطع الغيار لجيشها لتعطل الجيش، لو منعت قطع الغيار عن طائراتها لتعطلت الطائرات، ويلٌ لأمة تأكل ما لا تزرع، ويل لأمة تلبس ما لا تنسج، وويل لأمة ـ أضفت هذه من عندي ـ تستخدم آلة لا تصنعها، وقطع غيارها ليس عندها، لذلك أيها الإخوة الكرام:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 60]

 هذا الجهاد البنائي، وإذا أتقنا الجهاد الأساسي الجهاد النفسي، وأتقنا الجهاد الدعوي، وأتقنا الجهاد البنائي ينتظر أن ننجح في الجهاد القتالي.
 أيها الإخوة الكرام، شرطان لازمان للنصر، إنهما الإعداد والإيمان، قال تعالى:

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: الآية 60]

 رحمة الله في كلمة:

 

﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

 فما كلّفنا أن نعد القوة المكافئة، بل كلفنا أن نعد القوة المتاحة

 

 

﴿ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾

 وقوله:

 

 

﴿ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

 جاءت القوة منكرة تنكير شمول، الإعلام قوة، ليس هناك محطة فضائية حتى الآن تنطق باللغة الإنكليزية وتغطي الغرب تعبر عن وجهة نظرنا أبداً، تشويه الحقائق في الغرب لا يصدق، هذا الطفل الذي قُتل، الفلسطيني درة، جعله الإعلام الغربي يهودياً، فمن يردّ عليهم ؟ لا منافس هنالك إطلاقاً.
 كنت في مؤتمر عٌقد في القاهرة، عنوانه: ( إنسانية الحضارة الإسلامية ) اشترك في هذا المؤتمر سبعون دولة، وألقيت المحاضرات الرائعة، وتلقيناها بالقبول، وصفقنا لها، واحتفلنا بها، وأكبرنا من ألقى هذه المحاضرات، فلما جاء دور مداخلتي قلت: نحن ما فعلنا شيئاً، لأننا جميعاً طرف واحد، والطرف المعني في هذا المؤتمر غائب هنا غياباً تاماً، فلو عبرنا عن وجهة نظرنا لهم بطريقة يفهمونها، وبأسلوب يقبلونه لكان أجدى من هذا المؤتمر.
 ماذا فعلنا ؟ نحن جميعاً طرف واحد، والطرف الآخر يرانا قتلة، يرانا جهلة، يرانا متخلفين، يرانا إرهابيين، يرانا لا نستحق الحياة، لا نستحق أن نكون أغنياء، أخذوا ثرواتنا، هكذا يرانا الطرف الآخر، وهذا لضعف إعلامنا، فالإعلام قوة.
 كنت أقسم بالله إن أفراد الجاليات الإسلامية في العالم لو طبقوا منهج الله لكان موقف الغرب من المسلمين غير هذا الموقف.
 إن رجلا هداه الله إلى الإسلام من أمريكا حجّ بيت الله الحرام، وألقى محاضرة في منى، وقال: نحن أقوى أمة في الأرض، فلو أقنعتمونا بإسلامكم كانت قوتنا لكم.
 فالإعلام قوة، والسلاح قوة، و الموارد البشرية قوة، والتنظيم قوة، والتخطيط قوة:

 

 

﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ﴾

[ سورة النساء: الآية 104]

 قلت قبل قليل: هم على بعدهم عن ربهم، وعلى جهلهم، وعلى بعدهم عن وحي السماء يعملون ليلاً ونهاراً، ونحن معنا وحي السماء، ومعنا ضوء الشمس ونحن نائمون ‍‍‍‍‍‍‍‍!!!
 أيها الإخوة الكرام:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 120]

 هذا كلام خالق الأكوان، أنت حينما تقرأ تصريحاً لقوي تعلم علم اليقين أنه يعني ما يقول، وأنه لابد من أن ينفذ ما يقول، لأنه قوي، فإذا قال ملك الملوك:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 120]

 كل هذا التفوق في الأسلحة والإعلام والأقمار، والقنبلة النووية والهيدروجينية، والذرية والانشطارية، والذكية والحارقة والخارقة، إلى ما هناك من قنابل تعطل الطاقات، وقنابل تعطل الاتصالات، وقنابل تهلك البشر، وتبقي الحجر، كل هذه الأسلحة المتطورة المذهلة تتعطل إذا كنت مع الله.

 

المعركة بين حقين لا تكون و المعركة بين حق وباطل لا تطول

 اسمعوا هذه الكلمة أيها الإخوة الكرام: إن المعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق:

 

 

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾

[ سورة البقرة: الآية 249]

 في الهجرة هذا النبي الكريم المطارد الذي أهدر دمه، و قد وُضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، يتبعه سراقة بن مالك، والنبي خائف مطارد ملاحق مهدور دمه، قال لسراقة: كيف بك يا سراقة إذا لبست سوار كسرى، ما هذه الثقة ؟ هذه الثقة، أي أنا سأصل، وسأؤسس دولة، وسأحارب أكبر دولتين، وسأنتصر عليهما، وستأتيني كنوزهما، ولك يا سراقة من هذه الكنوز سوار كسرى، مات النبي الكريم، ومات سيدنا الصديق، وفي عهد عمر جاءت كنوز كسرى، وبعث إلى سراقة، وكان شيخاً فانياً، قال: هذا سوار كسرى، يروى أنه لم يبق في المسجد مصلٍّ إلا و بكى:

 

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء: الآية 87]

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة: الآية 111]

 إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
 إذاً أيها الإخوة الكرام:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

[ سورة آل عمران: الآية 120]

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، العاقل من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والجاهل من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سينا محمد عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الوعد بالاستخلاف و التمكين للدين الذي ارتضاه

 أيها الإخوة الكرام: موضوع ذكرته كثيراً، لكن له علاقة بهذا الموضوع:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

[ سورة النور: الآية 55]

 كما قلت قبل قليل: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، فإن لم يحققها فالكرة في ملعبنا:

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم: الآية 59]

 وقد لقينا ذلك الغيّ.
 هذه واحدة:

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى ﴾

[ سورة النور: الآية 55]

أيّ دين وعد بتمكينه ؟

 الدين الذي وعد بتمكينه هو الدين الذي يرتضيه، وليس دين الفلكلور والأقواس الإسلامية، والزخرفة الإسلامية، والاهتمامات الإسلامية، والثقافة الإسلامية، والمشاعر الإسلامية، والأرضية الإسلامية، والخلفية الإسلامية، لكن ليس هناك إسلام حقيقي.
قصة أرويها دائماً، أن شاباً في أمريكا أُعجب بفتاة إعجاباً لا حدود له، فاستأذن والده بالزواج منها، فرفض والده أشد الرفض، بل هدده أن يتبرأ منه لو تزوجها، بعد حين سأل والده سؤالاً جديداً، لو أنها أسلمت يا أبت، فالأب وافق أن يتزوج ابنه منها إذا أسلمت، أعطاها أربعين كتاباً عن الإسلام باللغة الإنكليزية، وروحه متعلقة بها، هي طلبت منه إجازة أربعة أشهر كي تقرأ الكتب بعيداً عن ضغوطه، عدّ هذا الوقت بالثواني، مضت عليه هذه الشهور الأربعة، وكأنها أربعون عاماً، فلما انقضت هذه المدة، والتقى بها اللقاء الأول، أعلنت أنها أسلمت، فاختل توازنه من الفرح، ثم قالت له: لكني لن أتزوجك، لأنك بحسب ما قرأت لست مسلماً، هذه المشكلة، نحن بحسب ما في الكتاب والسنة لسنا مسلمين، بحسب المنهج، أما الإطار فإسلامي، الإطار فيه جوامع، فيه مؤتمرات، فيه كتب، فيه صلاة، فيه مسبحة، فيه عطر ومسك، يوجد كل شيء، لكنها مظاهر، أما السلوك اليومي، وكسب مال، وإنفاق مال، والأفراح، والأتراح، والزواج فعلى غير منهج الإسلام، الزواج غربي، و التجارة غربية، و الاستثمار غربي، و البنوك ربوية، وكل شيء محرم، حتى الأعمال الفنية كلها معاصٍ وآثام، وإنكار للذات الإلهية.
 فالإطار إسلامي أما المضمون فغير إسلامي:

 

﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾

[ سورة الإسراء: الآية 73]

 إن جهد الطرف الآخر أن نغيّر منهج ربنا، لكنه مقبول أن نبقى بإطاره، كل شيء ظاهري، لا يوجد مانع، أما التعامل اليومي، نظام الطلاق، كسب المال، التجارة، الزراعة، الصناعة، حتى الحفلات، لا تفتح مؤسسة أجنبية إلا إذا أهرقت الخمر في حفل الافتتاح، هذا تقليد مقدس، وزوال الكون أهون علينا من ألا نتبعه، فالمضمون ليس إسلامياً، أما الإطار فإسلامي، فلذلك أيها الإخوة الكرام:

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى ﴾

[ سورة النور: الآية 55]

 والله ركبتُ مرة طائرة تابعة لبلد إسلامي من دمشق إلى أبو ظبي، تفاجأت أن عشرة ركاب الطائرة لم يشربوا الخمر، الخمر مباح، وأنت في الجو، وأنت في قبضة الله، والخمر توزع ؟!
 فيا أيها الإخوة الكرام، نحن شكليّون، نحن فولكلوريون فقط، عندنا مظاهر إسلامية، أما التطبيق العملي اليومي فبعيدون عنه بُعد الأرض عن السماء، حفلاتنا مختلطة، النساء كاسيات عاريات، رجل مصمم أزياء يهودي يتحكم بأزياء المسلمات في العالم الإسلامي، لو أنه صمم أشياء تكشف كل مفاتن المرأة نطبقها، وكأنها وحي السماء، هكذا الموضة، هذا واقع المسلمين، من أجل مغنية تمّ ستة وثمانون مليون اتصال هاتفي، ومن أجل برنامج ساقط تم أربعة وستون مليون اتصال هاتفي في عشرين يومًا من دولة إسلامية، هذا الواقع.
 أيها الإخوة الكرام:

 

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى ﴾

[ سورة النور: الآية 55]

 أي دين وعد بتمكينه ؟ الذي يرتضيه، فإن لم يُمكن فمعنى ذلك أن الدين الذي نحن عليه لا يرتضيه، وأن فهمنا لهذا الدين، و تطبيقنا لهذا الدين، و عرضنا لهذا الدين لم يرض الله عز وجل.

 

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018