وضع داكن
18-04-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 074 ب - اسم الله الحفيظ 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  أكبر خصائص الإيمان أن الله مع المؤمن:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا مع اسم الحفيظ، والحقيقة الدقيقة أن أكبر أسباب الحفظ حفظ الله للمؤمن أن يكون المؤمن مع الله.

كن مع الله ترَ الله معــك          واترك الكل وحاذر طمعك

وإذا أعطاك من يمنـعه؟          ثم من يعطي إذا ما منعك؟

[ عبد الغني النابلسي ]

* * *

أيها الإخوة؛ في القرآن الكريم معيتان؛ معية عامة، ومعية خاصة، الله عز وجل مع كل الخلق، مع المؤمن، ومع الكافر، ومع الملحد، ومع الفاسق، ومع الفاجر، ومع الطائع.

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾

[ سورة الحديد  ]

أي معكم بعلمه، هذه معية عامة لكل الخلق، مع كل مخلوق، مع كل كائن، مع كل شيء، لكن المُعَوَّل عليه هو المعية الخاصة، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)﴾

[ سورة الأنفال  ]

إن الله مع الصادقين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)﴾

[ سورة التوبة ]

هذه المعية الخاصة المُعَوّل عليها، أي أن الله مع المؤمن يحفظه، أي أن الله مع المؤمن يوفقه، أي أن الله مع المؤمن ينصره، أي أن الله مع المؤمن يؤيده، فأحد أكبر خصائص الإيمان أن الله مع المؤمن.
 

المعية الخاصة أحد أكبر أسباب حفظ الله عز وجل للمؤمن:


الحقيقة التي أُرددها كثيراً إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ إذا كان الله معك من يستطيع في الكون أن ينال منك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ لو أنك تملك كل شيء فإن الله سبحانه وتعالى يُلقي البغضاء في قلوب الخلق.
أيها الإخوة، المُعَوّل عليه المعية الخاصة، لأن حفظ الله لك أحد أكبر أسبابه المعية الخاصة، إلا أن الحقيقة الدقيقة هي أن معية الله الخاصة التي يُعَوّل عليها لها ثمن:

﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾

[ سورة المائدة  ]

كل شيء له ثمن، من السذاجة أن تطمع بعطاء كبير بلا ثمن، الله عز وجل لا يُحابي خلقه أبداً، هناك قواعد دقيقة، فكلما كان المؤمن أكثر وعياً يطبق هذه القواعد لينال هذه النتائج.
إذاً المعية الخاصة هي المعية المُعَوّل عليها في الحفظ، الله عز وجل يحفظك إذا كنت معه، وإذا كنت معه كان معك، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء.

من اصطلح مع الله ألقى الله في قلبه الأمن والسعادة والطمأنينة:


أيها الإخوة؛ أحد أكبر أسباب التوجه إلى الدين، ما الذي يربطك بالدين؟ لماذا أنت تُقبِل على رب العالمين؟ لماذا تحرص على طاعة الله؟ سؤال؛ قد يقول قائل: إن أفكار الدين هي التي تشدني إليه، هذا الكلام صحيح إلى حدٍّ ما، أفكار الدين رائعة، الدين قدم لك تفسيراً عميقاً، دقيقاً، متناسقاً للكون والحياة والإنسان، أعطاك التفسير الجامع المانع، أعطاك التفسير الذي لن يظهر في المستقبل ما ينقضه، فالمؤمن يتمتع بما يسمى بالأمن العقدي، هناك حقائق صارخة ودقيقة للكون والحياة والإنسان.

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

[ سورة طه ]

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

[ سورة البقرة ]

الدين قدم لك تفسيراً علمياً، فلسفياً، صحيحاً، عميقاً، دقيقاً للحياة، للكون، للإنسان، ولكن الذي يشدك إلى الدين معاملة الله لك، معاملة الله لك المتميزة حينما تصطلح معه، وحينما تُنيب إليه، وحينما تُقبل عليه، وحينما تُؤثر طاعته على كل شيء، المعاملة المتميزة التي تشدك للدين هي أهم ما في السلوك إلى الله عز وجل، تشعر أن الله معك، تشعر أن الله يؤيدك، أن الله يحفظك، أن الله يلهمك الصواب، أن الله يلقي في قلبك الأمن، أن الله يلقي في قلبك السعادة، كل هذه المشاعر، وهذه التوفيقات، وهذه التكريمات بسبب صلحك مع الله.
 

المعاملة المتميزة التي تشدّ الإنسان للدين هي أهم ما في السلوك إلى الله:


الحقيقة الدقيقة أن الذي يشدك إلى الدين فضلاً عن أنه قدم لك تفسيراً عميقاً، دقيقاً، متناسقاً للكون، والحياة، والإنسان، أن الذي يشدك إلى الدين معاملة الله لك.
 لذلك هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ   قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».  ))

[ صحيح البخاري ]

لمجرد أن تتخذ قراراً بالصلح مع الله، بالإقبال على الله، بطاعة الله، بتقديم ما تملك في سبيل الله ترى معاملة تفوق حدّ الخيال، لذلك هنيئاً لمن عرف الله، هنيئاً لمن عامله، هنيئاً لمن خطب وده، حفظ الله لك أحد نتائج الإقبال على الله، الله عز وجل حفيظ، ويحفظ المؤمن من كل مكروه، من كل شيء مؤلم، من كل خطر.

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)﴾

[ سورة الطور ]

هذه الآية فيما يبدو موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام، ولكن العلماء قالوا: أية آية موجهة إلى النبي عليه الصلاة والسلام هي في الحقيقة موجهة لكل مؤمن بقدر إيمانه وإخلاصه واستقامته.
 

أحد أكبر نتائج الإيمان أن الله مع الإنسان يحفظه ويسدد خطاه:


أيها الإخوة؛ أنت متى تحافظ على استقامتك؟ أنت متى تسعى للحفاظ على ما أنت فيه؟ حينما تصل من خلال الدين إلى شيء ثمين، الذي وصل من خلال الدين إلى شيء ثمين ذاق طعم القرب، ذاق طعم الحب، ذاق طعم الإقبال على الله، ذاق طعم أن يكون الله معك، هذه النتائج الباهرة التي يُحَصّلها الإنسان هي التي تحمله على طاعة الله.
إنسان دُعِي إلى طعام، وجلس على الطاولة، لكنه لم يأكل لسبب أو لآخر، فإذا دُعِي ثانية زهد في هذا الطعام، لأنه ما أكله، وما ذاقه، أما إذا ذاق الإنسان طعم الطعام النفيس الذي قُدِّم له إذا دُعي ثانية يسارع إلى تلبية الدعوة.
فالإنسان حينما يصلي صلاة شكلية، وحينما يصوم صياماً شكلياً، وحينما يؤدي العبادات أداء شكلياً لأنه ليس مستقيماً على أمر الله يزهد في الدين، لا يبالي أصلى أم لم يصلِّ، لا يبالي أأطاع الله أم لم يطعه، لأنه محجوب بالمعاصي، محجوب بالعيوب، محجوب بالذنوب، أما إذا أخلص الصدق مع الله، أما إذا أطاع الله، أما إذا أقبل على الله يصل إلى نتائج عندئذٍ يحافظ عليها، يحافظ عليها فيحفظه الله، لابدّ من أن تقدم شيئاً، أن يتوهم الإنسان أنه بإمكانه أن يأخذ كل شيء من دون أن يقدم شيئاً، هذا سذاجة في الإنسان وغباء فيه، لابدّ من أن تُقدِّم شيئاً، هذا الذي تقدمه هو طاعة الله عز وجل.

﴿ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾

[ سورة الأحزاب ]

أنت متى تحافظ على ما أنت فيه؟ إذا وصلت إلى شيء نفيس، أحد أكبر نتائج الإيمان أن الله معك، أن الله قريب منك، أن الله يحفظك، أن الله يؤيدك، أن الله يسعدك، أن الله يُسدد خطاك.
 

بطولة الإنسان لا أن يصل إلى القمة بل أن يبقى فيها:


الآن أيها الإخوة؛ كلكم يعلم أن بلوغ القمة شيء يحتاج إلى جهد كبير، لكن البطولة لا أن تصل إلى القمة، أن تبقى فيها، أناس كثيرون في ساعة من ساعات الإقبال على الله يتألقون، ثم لا يتابعون سيرهم إلى الله، عندئذٍ يتراجعون، هذا الوضع الذي يتكرر أحياناً يُقبل ثم يُدبر، يتألق ثم يخبو، يتحرك ثم يسكن، هذا الوضع لا يرضي الله عز وجل.

(( عَنْ عَائِشَةَ  : أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».))

[ صحيح البخاري ]

فلذلك دقق في هذه الكلمة: ليست البطولة أن تصل إلى القمة، البطولة أن تبقى فيها، أنت حينما تحافظ على هذه الصلة من أن تنقطع، أنت حينما تحافظ على هذا التوثيق من أن ينقطع، أنت حينما تحافظ على هذا التأييد من أن يلغى تكون قد بلغت القمة وحافظت عليها.
 

أسباب حفظ الله للإنسان هي طاعته والتوكل عليه والاستقامة على أمره والإخلاص له:


أيها الإخوة؛ نحن في عالم الدنيا إنسان أحياناً يصل إلى منصب رفيع، يبذل جهداً كبيراً للحفاظ عليه، حينما يصل إلى دخل كبير يبذل جهداً كبيراً للحفاظ عليه، هذا شيء من طبيعة الإنسان، ولكن الحقيقة الدقيقة في هذا اللقاء الطيب أنك لن تحافظ على ما أنت فيه بأسباب أرضية بل بأسباب علوية، كيف؟ إنسان معه أموال طائلة، يضع الأقفال، يوثق، يسجل، يقدم كل سبب للحفاظ على هذا المال، لكن إن لم يكن مستقيماً على أمر الله الله عز وجل يُحبِط له كل هذه المساعي، وكنت أقول دائماً: الله عز وجل لا يجدي معه أن تكون معه ذكياً، يؤتى الحَذِر من مأمنه، يحفظك لا بأسباب أرضية، بل بأسباب علوية، أنت حينما تكون مستقيماً يحفظك، أنت ينبغي أن تأخذ بالأسباب ولكن حفظ الله عز وجل لا يكون بالأخذ بالأسباب وحدها، لابدّ من أن تأخذ بأسباب أرادها الله عز وجل أن تأخذ بها.
أنت حينما تستقيم، حينما تتوكل، حينما لا تسمح لدخلك أن يكون فيه شبهة، حينما تصل إلى مكاسب كبيرة عندئذٍ تسعى للحفاظ عليها لا بأسباب أرضية فقط، بل بأسباب علوية هي طاعة الله، والتوكل عليه، والاستقامة على أمره، والإخلاص له.
 

امتحان الله عز وجل للإنسان من أصعب الامتحانات:


أيها الإخوة؛ الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

[ سورة المؤمنون ]

أي الله عز وجل يمتحن الإنسان من أصعب الامتحانات، أحياناً تغلق أمام الإنسان كل الأبواب المشروعة، ويُفتح له باب غير مشروع، ضِعاف النفوس يقول لك: ماذا أفعل؟ أنا مضطر، طرق الكسب الحلال مغلقة، هناك طريق سهل للكسب الحرام، هنا الامتحان الصعب، فحينما ترى أن الأبواب كلها موصدة أمامك، وهناك باب واحد لا يُرضي الله مفتوح على مصراعيه اعلم أنك أمام امتحان صعب، ينبغي أن تنجح فيه، كيف تنجح؟ تقرأ قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2)﴾

[ سورة الطلاق ]

والله أيها الإخوة؛ لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآية لكفت، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ .

كن عن همومك معرضا         وكِلِ الهموم إلى القضــا

وأبشر بخــيـــــر عاجل         تنسـى به ما قـد مضـــى

فلرب أمـر مسخــــــــط         لــــــك في عواقبه رضـا

ولربما ضاق المضيــــق         ولربما اتّسع الـفضــــــا

الله يفــعل ما يشــــــــاء         فـــــلا تـــكن معترضـــا

الله عوّدك الــجميـــــــل         فقس على ما قد مضـــى

[ صفي الدين الحلي  ]

* * *

  

من يعلم الله منه الورع والحرص على طاعته يفتح له الأبواب المشروعة على مصارعها:


المؤمن الصادق لو أن كل أبواب الحلال مغلقة باب الحرام مفتوح يقول:

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾

[ سورة يوسف ]

﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16)﴾

[ سورة الحشر ]

فحينما يعلم الله منه هذا الورع، وهذا الحرص على طاعة الله، يفتح له الأبواب المشروعة على مصارعها، أنا أقول: أي إنسان يعاني من ضائقة، من ضائقة مادية، من مشكلة صحية، من مشكلة اجتماعية، من مشكلة في العمل، من مشكلة في البيت، عليه بهذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.
 

قانون العناية الإلهية يحمي الإنسان من المشكلات:


أيها الإخوة؛ كل بلد له خصوصية، كل مجتمع له خصوصية، الخصوصية أي من حركة الحياة تستنبط قواعد، قد تكون غير مشروعة، أي بلد له خصوصية، أو بتعبير آخر له تركيبة خاصة، فمن حركة الحياة تُستنبط قواعد، هذه القواعد إن فعلت كذا نلت كذا، إن لم تفعل كذا غضب الناس عليك، وإذا غضب الناس عليك أتعبوك، هذه القواعد في معظمها قد تكون غير صحيحة، وتتناقض مع منهج الله عز وجل، الآن دققوا لما إنسان يواجه مشكلة فإذا أراد حلّها وفق القواعد المستنبطة من حركة الحياة قد لا ينجح عند الله، قد يسقط، أما إذا طبق منهج الله، ولم يعبأ بهذه القواعد هناك حكمة بالغة بالغة يُخضِعه الله لقانون لا يعلمه، هذا القانون هو قانون العناية الإلهية، فينجو من هذه المشكلات، وينال رضوان الله عز وجل.
أي أحياناً تجد أنه يجب أن أفعل هذا حتى أنجو، هذا الفعل لا يُرضي الله عز وجل، فالذي لا يعبأ بمنهج الله، يطبق القواعد المستنبطة من حركة الحياة، ظناً منه أنها تُنجيه، هي لا تنجيه، لكن حينما يُصِرّ على طاعة الله، يُصرّ على منهج الله، أحياناً طبيعة الحياة تقتضي أن تفعل كذا، من أجل أن تنجو، من أجل أن تسلم، من أجل أن يقوى مركزك، وقد يكون هذا الفعل لا يرضي الله، فالمؤمن من حرصه على طاعة الله، وحرصه على إرضائه لا يُنَفذ هذه القاعدة، فيبدو أنه دمّر نفسه، لكن الله سبحانه وتعالى يُخضعه لقانون لا يعرفه هو قانون العناية الإلهية، فيزداد مركزه قوة، فلذلك إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله، هذه حقيقة مهمة جداً.
 

ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه:


من هنا نقول مرة ثانية:

كن مع الله ترَ الله معــك          واترك الكل وحاذر طمعك

وإذا أعطاك من يمنـعه؟          ثم من يعطي إذا ما منعك؟

[ عبد الغني النابلسي ]

* * *

الحقيقة التي لابدّ منها في موضوع الحفظ، الله متى يحفظك؟ ورد في بعض الأحاديث أنه

(( عن سالم عن أبيه مرفوعاً: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه. ))

[ رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعاً وقال غريب ]

هذه القاعدة قاعدة ذهبية كما يقولون، قانون، ((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه)) تركت هذا المنصب لله، تركت هذه الصفقة الكبيرة لأن فيها شبهة، تركت هذا المكسب الكبير لأنه فيه شبهة، تركت هذا العمل لأن الله لا يرضى عنه، ((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه)) أنا أتكلم الآن عن أسباب حفظ الله لك، الله حفيظ متى يحفظك؟ حينما تدع شيئاً لله، هناك صفقة كبيرة أرباحها طائلة، لكن البضاعة محرمة، أو طريقة التعامل محرمة، فيقول المؤمن: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ ، ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يركلها بقدمه، فالله عز وجل يكافئه على هذا الموقف البطولي بعطاء كبير في الدنيا قبل الآخرة.
أي أروي قصة: هناك فلاح أُعطي عشرون دونماً من أراضي إنسان أُخذت منه غصباً بسبب أو بآخر، هذا الفلاح له شيخ سعى إليه والفرحة تملأ نفسه، عاش كل عمره فقيراً الآن أصبح يملك عشرين دونماً، أرض زراعية، كاد يطير فرحاً، فشيخه قال له: يا بني إن هذا المال مغتصب، ولا يجوز أن تأخذه، كل هذا التألق وهذا الفرح انطفأ، قال له: هذا مال حرام لا تأخذه، فلما رآه قد علته الكآبة، قال له: يا بني اذهب لصاحب الأرض، لعله يبيعها لك تقسيطاً، افعل، حاولْ هذه المحاولة، فذهب إليه، قال له: أنا أُعطيت عشرين دونماً من أرضك، ولي شيخ قال لي: إن أخذها حرام، هل تبيعني إياها بالتقسيط؟ قال له: يا بني أنا أُخذ مني أربعمئة دونم، ولم يأتِ أحد إلا أنت، هذه هدية لك، ((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه)) .
مرة ثانية: زوال الكون أهون على الله من أن تدع شيئاً من أجله ثم يُضيعك.
 

الله عز وجل هو الوحيد معك ومع أهلك في وقت واحد:


الآن أنت مسافر، ماش، أهلك في بلد آخر، في بلدك الأصلي، يا ترى أثناء غيابك هل هناك مشكلة؟ هل هناك حادث؟ هل هناك مرض شديد؟ هل هناك إنسان اعتدى عليهم؟ ابنك بالطريق أصابه مكروه؟ هناك قلق دائم، فالنبي عليه الصلاة والسلام علّمنا هذا الدعاء:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه : كانَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا سافَرَ فرَكِبَ راحلتَهُ، قالَ بأصبَعِهِ ومدَّ شُعبةُ أصبعَهُ قالَ: اللَّهمَّ أنتَ الصَّاحبُ في السَّفرِ، والخليفةُ في الأَهْلِ، والمالِ، اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ من وَعثاءِ السَّفرِ، وَكَآبةِ المنقلَبِ. ))

[ صحيح النسائي  ]

أي لا يوجد جهة بالكون هي معك ومع أهلك في وقت واحد: ((أنت الرفيق في السفر، والخليفة في الأهل والمال)) والولد، ولازلنا في حفظ الله لهذا الإنسان.
الدعاء المشهور الذي كان النبي يدعو به:

(( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ لأَصْحَابِهِ: اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لا يَرْحَمُنَا. ))

[ صحيح الترمذي ]

هذا الدعاء من أدعية النبي التي كان يُكثِر الدعاء بها.
 

التولي والتخلي:


أيها الإخوة الكرام؛ الآن لابدّ من حقيقة دقيقة أنه من اعتمد على نفسه أوكله الله إياها، أنت بين كلمتين، إما أن تقول: أنا، وإما أن تقول: الله، إن قلت: أنا، تخلى الله عنك، وإذا قلت: الله، تولاك، أي أنت بين التولي والتخلي، تقول: أنا معي اختصاص، معي شهادة عليا، أنا من أسرة فلانية، أنا عندي خبرات متراكمة، أنا حجمي المالي كبير، إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، وإذا قلت: الله، تولاك الله، أنت بين التولي والتخلي.
 

الله حفيظ لا يخفى عليه شيء:


آخر شيء أيها الإخوة؛ من تطبيقات هذا الاسم أن الله حفيظ بمعنى لا يخفى عليه شيء، فالبطولة أن تُصَفّي قلبك من كل شيء لا يُرضي الله، عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة؟ ما منظر الله عز وجل؟ قلب المؤمن، طهِّر قلبك من كل حقد، من كل احتيال، من كل كراهية.
الشيء الثاني: الله عز وجل حفيظ، يحفظ عباده، وأنت كمؤمن اشتقّ من هذا الكمال كمالاً تقرّب به إلى الله، احفظ من حولك، احفظ أولادك، احفظ دينهم، احفظ عقيدتهم، احفظ عباداتهم، احفظ دراستهم، أي احفظهم بكل ما تملك حتى الله عز وجل يُكرمك بحفظهم بعد موتك.
أيها الإخوة الكرام؛ هذا الاسم من ألصق الأسماء الحسنى لحاجات الإنسان، ألا تتمنى أن يحفظك الله؟

(( عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ.  ))

[ الترمذي: حَسَنٌ صَحِيحٌ ]


الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور