وضع داكن
22-02-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 060 أ - اسم الله الحق 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الحق:


أيها الإخوة الأكارم، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحق.
 

ورود اسم الحق في القرآن الكريم والسنة الشريفة:


هذا الاسم العظيم كثير التداول، ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾

[ سورة المؤمنون ]

وفي قوله تعالى:

﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)﴾

[ سورة الأنعام ]

وفي قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)﴾

[ سورة الحج ]

وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال:

(( عن عبد الله بن عباس: كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا قام من اللَّيلِ يتهجَّدُ قال: اللَّهمَّ لك الحمدُ أنت الحقُّ، وقولُك الحقُّ، ووعدُك الحقُّ، ولقاؤُك حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حقٌّ، والسَّاعةُ حقٌّ، ومحمَّدٌ حقٌّ، والنَّبيُّون حقٌّ، اللَّهمَّ لك أسلمتُ وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفِرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت المُقدِّمُ وأنت المُؤخِّرُ، لا إلهَ إلَّا أنت – أو قال: لا إلهَ غيرُك. شكَّ سفيانُ – قال سفيانُ: وزاد فيه عبدُ الكريمِ: ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بك. ))

[ صحيح البخاري ]

 

تداول كلمة حق تداولاً كثيراً:


أيها الإخوة؛ كلمة حق متداولة تداولاً كثيراً جداً، قال تعالى:

﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3)﴾

[ سورة الأحقاف ]

قال علماء التفسير: أي أن خلق السماوات والأرض، أي أن الحق لابس خلق السماوات والأرض، خلقتا بالحق، وسوف يتضح المعنى بدقة من آيات أخرى، لأن الله عز وجل حينما وصف كتابه الكريم بأنه:

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)﴾

[ سورة الزمر ]

من معاني هذه الكلمة أن كل آية تنثني على أختها فتفسرها، الآية الأولى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85)﴾

[ سورة الحجر ]

 

الحق نقيض الباطل:


الآن ما هو الحق؟ قال: هو نقيض الباطل، لماذا؟ قال: لقوله تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)﴾

[ سورة ص ]

خلقها بالحق، وما خلقها باطلاً، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أي لو فرضنا إنساناً بنى بناء على الشاقول، هذا البناء على الشاقول أي أنه سوف يبقى، أي بناء ثابت، بناء لا ينهار، هذا هو الحق الشيء الثابت، الشيء الموجود والثابت، ولو أشاد إنسان بناء بلا شاقول، الجدار مائل، هذا البناء باطل لأنه سينهار.

﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾

[ سورة الإسراء ]

فالحق هو الشيء الموجود والثابت، أما الباطل قد يكون موجوداً إلى حين، الشرق الذي رفع شعار: لا إله، بقي سبعين عاماً ثم انهار، لأن الله سبحانه وتعالى كان يقول: ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ زهوق صيغة مبالغة، أي أكبر باطل معه قنابل نووية بعدد مخيف انهار، ومليون باطل ينهار، مليون فكر منحرف، مليون عقيدة منحرفة، مليون فرقة ضالة تنهار، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ فإذا بُنِي البناء على الشاقول فهو بناء حق، لأنه موجود وسيستمر، أما إذا بُنِي من دون شاقول هذا البناء باطل، لأنه الآن موجود ولكن سوف ينهار، فالحق نقيض الباطل.
 

الحق الشيء الموجود والثابت:


شيء آخر؛ معك جهاز كهربائي مروحة، فتوجهت بهذه المروحة من أجل أن تعمل إلى مأخذ كهربائي، وضعت فيها القابس فما دارت، هذا المأخذ باطل، هو مأخذ على الشبكية لكن لا يوجد فيه كهرباء، توجهت إلى مأخذ آخر وضعت المقبس فدارت المروحة، نقول: هذا المأخذ حق، واضح تماماً؟ الحق الشيء الموجود والثابت، والباطل قد يكون موجوداً إلى حين لكن لابدّ من أن ينتهي، لابدّ من أن يُعدم.
 

الحق الشيء الهادف المرتبط بأهداف نبيلة:


الآن الآية الثانية:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39)﴾

[ سورة الدخان ]

أنتم تعلمون حينما يُقام معرض لأسبوعين، معظم الأجنحة إن كان الوقت صيفاً من القماش، أو من ورق مقوى، من مواد رخيصة جداً، قضية أسبوعين، لكن حينما نبني جامعة، قد يستغرق بناؤها عشر سنوات، هذا البناء وجد ليبقى، وله هدف كبير، هدفه الكبير إنشاء قادة للأمة، نشر العلم، تخريج علماء، أطباء، علماء نفس، علماء اجتماع، علماء تربية، علماء فلك، علماء رياضيات، علماء فيزياء، علماء كيمياء، تخريج مدرسين، موجهين، اختصاصيين، خبراء في المعامل، هذا البناء له هدف كبير، له هدف عظيم، له هدف نبيل، أما السيرك ما أهدافه البعيدة؟ يعمل قوة يمتع الإنسان، هذا البناء أسبوعان، فصار الحق الشيء الهادف، مرتبطاً بأهداف نبيلة، والعابث شيء ليس له هدف، أحياناً إنسان-وإن كان هناك تحريم بالموضوع-يلعب النرد للساعة الثالثة بالليل، ماذا فعل؟ يا ترى تَعَلّم؟ ازداد علماً؟ ازداد قرباً؟ ارتقى مستواه؟ ارتقى دخله؟ ارتقى علمه؟ ارتقت وظيفته؟ مضيعة للوقت، نقول: لعب النرد شيء عابث، أما أن تعكف على كتاب فتقرأه، كتاب أساسي في الدين، نقول: شيء هادف، حينما تأتي إلى مسجد لتحضر درس علم نقول: شيء هادف، مقدس، أما حينما ينطلق الإنسان إلى ملهى، شيء عابث، يستمع إلى مغنٍ، ويرى راقصة، هناك فرق كبير، فصار الحق الشيء الثابت، نقيضه الباطل، والحق الشيء الهادف، نقيضه العابث، فالحق ليس لعباً أي عابثاً، وليس باطلاً، ثلاث آيات أعيدها على مسامعكم.
الآية الأولى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي الحق لابس خلق السماوات والأرض.
الآية الثانية التي تُفسر الحق: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ الباطل الشيء الزائل، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ .
الآية الثالثة: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ*مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ .
 

معاني الحق في اللغة:

 

1 ـ الشيء المستقر والموجود والثابت:

أيها الإخوة؛ الحق في اللغة اسم فاعل، فعله حقّ يَحِقّ حقاً، يُقال: حققت الشيء، أُحِقه حقاً إذا تيقنت أنه موجود، الحق الشيء المستقر، والموجود، والثابت. 

2 ـ المطابقة:

الحق بمعنى المطابقة، كلامه حق أي طابق الواقع، هناك إنسان ارتكب عملاً جئنا بشاهد شَهِد، نقول: شهادته حق، لأنها مطابقة للواقع. 

3 ـ الشيء الذي لا يزول وهو خلاف الظلم:

الحق الشيء الثابت، والحق الذي لا يزول، والحق هو العدل، والحق خلاف الظلم، والاعتقاد الحق الشيء المطابق للواقع، مثلاً شخص قال: أعتقد أن البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق، لأن البعث سيكون، والثواب سيكون، والعقاب سيكون، والجنة ستكون، والنار ستكون. 

4 ـ الإسلام:

الحق في القرآن الكريم له استعمالات كثيرة، الحق هو الإسلام لأنه دين الواحد الدّيّان.

 5 ـ العدل:

الحق هو العدل، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)﴾

[ سورة النساء  ]

6 ـ الحكمة والصدق والحساب والجزاء:

الحق هو الحكمة، العمل الحكيم عمل حق، والصدق، والوحي، والقرآن، والحقيقة، وأيضاً الحساب والجزاء، قال تعالى:

﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)﴾

[ سورة النور  ]

7 ـ الله سبحانه وتعالى متصف بالوجود الدائم لا شيء قبله ولا شيء بعده:

الآن الله عز وجل هو الحق، الحق هو الله سبحانه وتعالى، لأنه متصف بالوجود الدائم، لا شيء قبله، ولا شيء بعده.

﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)﴾

[ سورة الحديد ]

هو الباقي على الدوام إلى أبد الآبدين. 

8 ـ المتصف بالوجود الدائم وبالحياة والقيومية:

الحق هو المتصف بالوجود الدائم، وبالحياة والقيومية، قال تعالى:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

والبقاء، فلا يلحقه زوال، ولا فناء، وكل أوصاف الحق كاملة جامعة للكمال والجمال والعظمة والجلال، قال تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62)﴾

[ سورة الحج ]

بربكم كم ملة وكم اتجاه وكم طائفة ظهرت في الأرض؟ كلها تلاشت، والإسلام باقٍ كالطود الشامخ، لأن الإسلام حق، وأي فرقة ضالة باطلة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ . 

9 ـ الحق هو الذي يُحِقّ الحق بكلماته:

الحق هو الذي يُحِقّ الحق بكلماته، كلام الله حاسم، لذلك قال تعالى:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

[ سورة الشعراء ]

القلب السليم هو القلب الذي لا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله، إذاً يُحِقّ الحق بكلماته، ويقول الحق، إذاً وعده وعد حق، ودينه حق، وكتابه حق، وما أخبر عنه حق، وما أمر به حق.

﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)﴾

[ سورة يونس ]

وفي قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)﴾

[ سورة الأنعام ]

وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي هنيئاً لمن كان مع الحق، والويل لمن كان مع الباطل، هنيئاً لمن كان مع الثابت، والدائم، والباقي، والكامل، الحق نقيض اللعب، والكامل.
 

من كان مع الحق كان في قمة النجاح والتألق والفلاح:


أيها الإخوة؛ الملخص أن الله سبحانه وتعالى هو الحق، وكلامه هو الحق، ووعده هو الحق، ووعيده هو الحق، وأفعاله هي الحق، أي الإنسان حينما يكون مع الحق في قمة النجاح، في قمة التألق، في قمة الفلاح، في قمة الفوز، في قمة العقل، في قمة الذكاء، صار الحق الشيء الموجود، والباطل الشيء المفقود، الحق الشيء الموجود، والباطل الشيء المعدوم، بهذا المأخذ ليس هناك كهرباء، وضعنا القابس المروحة لم تدر، معنى هذا أنه باطل، بمأخذ آخر يوجد حق.
أيها الإخوة؛ كتوضيح الحق الشيء الموجود، واعتقاد وجوده، واعتراف بوجوده، هو ما يعنيه الحق، والشيء المعدوم حينما يتوهم الإنسان شيئاً غير موجود، ولا يطابق الواقع، أي للتوضيح؛ ما هو العلم؟ بتعريف مختصر: الوصف المطابق للواقع، كل شيء خلاف الواقع جهل، أنا راكب مركبتي، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، انظر إذا فهمت هذا التألق فهماً تزيينياً هذا فهم باطل، هو الحقيقة هذا التألق تحذيري، أن الزيت نقص في المحرك، فإن فهمت هذا التألق فهماً تزيينياً هذا فهم باطل، أما إذا فهمت هذا التألق فهماً تحذيرياً هذا فهم حق، أوقفت المركبة فوراً، أضفت الزيت، تابعت الرحلة، حققت الهدف، فإذا فهمته فهماً تزيينياً احترق المحرك، وتعطلت المركبة، وألغي الهدف، ودفعت مبلغاً كبيراً جداً لإصلاح المحرك.
 

العاقل من كان فهمه للأحداث فهماً حقيقياً لا فهماً موهوماً:


البطولة أن يكون فهمك للأحداث فهماً حقيقياً لا أن يكون فهماً موهوماً، وأنا في بداية كل درس أقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم. 
أنتم لا تتصورون الجاهل لا يملك أية معلومات، معه معلومات كثيرة جداً لكن كلها غلط، تصوراته عن الكون، والحياة، وما بعد الموت، كلها أشياء غير صحيحة، تصوره عن المرأة غير صحيح، عن الزواج، يقول لك: الزواج قيد، ابقَ حراً، الإنسان أحياناً يكون معه مئات بل ملايين التصورات الخاطئة وهذا الخطأ في تصوراته سوف يهلكه.
أي مثلاً لو شخص توهم أن هذا الأستاذ قبل الامتحان بيومين تقدم له هدية ثمينة يعطيك الأسئلة، أمضى العام الدراسي كله مرتاحاً، هذا التوهم باطل، فلما طرق بابه قبل الامتحان بيومين، ومعه هدية ثمينة، وطلب منه الأسئلة، صفعه صفعتين، وركله بقدمه، ورسب طبعاً، لأنه توهمَ وهماً باطلاً، أما لو علِم أن الأستاذ نزيه، ولن يحابِي أحداً، هذا العلم هو الحق، توهم أن القاضي ينحاز بهدية أخرى، هذا وهم باطل، أخطر شيء بالحياة أن تعيش الباطل.
 

الجاهل من توهم أن الشيطان أجبره على عمل ما وهو لا علاقة له:


أيها الإخوة؛ مثلاً كلما زلت قدم إنسان يقول لك: الله يلعن الشيطان، الشيطان ليس له علاقة، اسمع الآية:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)﴾

[ سورة إبراهيم ]

أنا ليس لي سلطة عليكم: ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ شخص ذهب إلى مركز شرطة ليشتكي على إنسان، يرتدي ثياباً بيضاء جميلة جداً، غالية جداً، ووسائل رائعة، وقع في حفرة مياه سوداء آسنة، قال له: تشتكي على من؟ قال له: على فلان، قال له: هل دفعك؟ قال له: لا والله حرام ما دفعني، هل شهر عليك مسدساً وقال لك انزل بها؟ قال له: لا والله، قال له: هل أمسكك وأنزلك بها؟ قال له: لا والله، لمَ تشتكي عليه؟ قال له: قال لي: انزل، هذا يحتاج إلى مستشفى مجانين، وكل إنسان يظن أن الشيطان أجبره على عمل يكون واهماً، وجاهلاً، ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ .
 

مثل يوضح الآيتين التاليتين:


الآن يوجد عندنا ملمح لطيف جداً في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116)﴾

[ سورة النساء ]

يوجد عندنا آيتان، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية الثانية:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)﴾

[ سورة النساء ]

ما وجدت مثلاً يوضح هاتين الآيتين كهذا المثل: نحن في دمشق، أحد التجار له مبلغ كبير جداً في حلب، واستحقاقه يوم السبت، الساعة الواحدة، ركب قطار حلب، الآن سيرتكب أخطاء كثيرة، ركب بعربة من الدرجة الثالثة وبطاقته من الدرجة الأولى، هذا غلط، مع هذا الغلط القطار في اتجاهه إلى حلب، ركب مع شباب غير منضبطين، أزعجوه كثيراً بمزاحهم، وصياحهم، ونِزاعهم، فانزعج كثيراً، وهذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، كان جائعاً تلوّى من الجوع، ولم يعلم أن هناك عربة مطعم، هذا أيضاً فاته، هذا خطأ ثالث، ركب بعكس اتجاه القطار، أصيب بالدوار، هذه غلطة رابعة، لكن القطار باتجاه حلب، وسيكون في الساعة الثانية عشرة، وسيأخذ المبلغ، أما هناك خطأ لا يُحتمل، وهناك خطأ لا يُغفر أنه ركب قطار درعا، المتجه نحو الجنوب، هنا لا يوجد مليونا ليرة.
 

الأحمق من اتجه إلى إنسان ضعيف لا يملك شيئاً ولم يتجه إلى الخالق سبحانه:


ما هو الشرك؟ أن تتجه إلى معدوم، إلى ضعيف، إلى محكوم من قِبَل الله عزّ وجل، حينما تتجه إلى الله، الله عنده كل الخير، عنده التوفيق، عنده السعادة، عنده الأمن، عنده التيسير لأمورك، عنده الحفظ، عنده التأييد، عنده النصر، عنده كل شيء، وإذا اتجهت إلى غيره لا يوجد عنده شيء.

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[ سورة فاطر ]

أحمق إنسان، أغبى إنسان، من يتجه إلى إنسان آخر،

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ   قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلاً لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ».  ))

[ صحيح البخاري ]

ولكن أخ وصاحب في الله، حتى يجمع الله بيننا.
 

العاقل من يفهم الأحداث فهماً توحيدياً لا فهماً أرضياً:


أحياناً نحن نمر بأحداث خطيرة، وتقلبات سريعة، واختناقات، وانعطافات، وظروف دقيقة، البطولة لا أن تطّلع على الأخبار، أن تفهمها، لا أن تفهمها فهماً أرضياً، أن تفهمها فهماً توحيدياً.
أذكر أنه قبل عشرين سنة نشبت حرباً أهلية في بلد عربي، واستمرت عشر سنوات، وأودت بحياة مئتي ألف، وانتهت ولم ينتصر أحد، هناك تفسير لهذه الحرب الأهلية تفسير دولي أن هذا البلد نما نمواً مالياً كبيراً جداً حتى نافس المراكز المالية العالمية، فالعالم الغربي هو الذي حطّمه، هذا تفسير دولي، جيد، هناك تفسير آخر، تفسير طائفي أن هناك نزاع طائفي قديم من عام ألف وتسعمئة وستين، هذا النزاع الطائفي من حين لآخر يرتفع أواره فينشأ القتال، هذا تفسير طائفي، وهناك تفسير عربي أنه ساحة صراع بين القوى العربية المتنازعة، هذا تفسير ثالث، وهناك تفسير رابع، تفسير نسواني أن هذا البلد حكمته عين، لكن هناك تفسير قرآني:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

[ سورة النحل ]

بطولتك أن تفهم الحدث فهماً توحيدياً، الزلزال حتماً اضطراب القشرة الأرضية، لكن والزلزال فضلاً عن هذا التفسير القريب العلمي هو علاج إلهي، وعقاب إلهي، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾

[ سورة هود ]

فالبطولة أن نفهم الأمور فهماً صحيحاً.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور