وضع داكن
30-07-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 098 ب - اسم الله الرحيم 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  الرحيم رحمة الله الخاصة بالذين آمنوا وأقبلوا عليه والرحمن رحمته العامة لكل الخلق:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم الرحيم، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)﴾

[ سورة البقرة ]

هناك أدعية في القرآن الكريم وهي الأولى في الدعاء: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وقد تبين في درس سابق أن اسم الرحيم يعني رحمة الله الخاصة بالمؤمنين، بينما اسم الرحمن يعني رحمته العامة لكل الخلق، اسم الرحمن يعني رحمته العامة لكل الخلق وتأديبه للمقصرين، قال:

﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)﴾

[ سورة مريم ]

لكن اسم الرحيم يعني رحمته الخاصة بالذين آمنوا وأقبلوا عليه، لذلك من أدعية القرآن الكريم: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ الآية تشير إلى الرحمة الخاصة.

الكبر والاعتداد بالنفس والاستعلاء والاستكبار صفات تتناقض مع العبودية:


 آية ثانية:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)﴾

[ سورة البقرة ]

يتضح الإنسان أحياناً تزِلّ قدمه، لكن الفرق كبير جداً بين من يعصي الله كِبَراً واستعلاءً واستكباراً:

﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾

[ سورة الأعراف ]

وبين من يعصي الله غلبة، أي

(( عن أنس بن مالك: لو لم تكونوا تُذْنِبونَ لخِفْتُ عليكم ما هو أكبرُ من ذلِكَ؛ العُجْبُ العُجْبُ. ))

[ أخرجه البزار: حسن ]

ما الذي هو أكبر من الذنب؟ ((العُجْبُ العُجْبُ)) أي إنسان عنده كمية لبن قليلة جداً وجاءه ضيوف، فأضاف لهذا اللبن أربعة أمثال الكمية ماء فصار شراباً سائغاً للشاربين، لكن هذا اللبن لا يحتمل قطرة بترول واحدة، تَحَمَل أربعة أمثاله ماء، وصار شراباً سائغاً للشاربين، لكن لا يتحمل قطرة بترول واحدة، الكِبر، والاعتداد بالنفس، والاستعلاء، والاستكبار، هذه صفات تتناقض مع العبودية، لأن الرب رب، ولأن العبد عبد، شأن العبيد الافتقار إلى الله، وعندئذ ربنا يرفعهم، ويعزهم، ويوفقهم، ويتجلى عليهم، ويلقي هيبتهم في قلوب الخلق، وشأن الرب أنه كبير، وأنه جبّار: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقوله سبحانه وتعالى عن أهل الجنة:

﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)﴾

[ سورة الطور ]

 

اسم الرحيم من أقرب الأسماء للمؤمن:


أعتقد أنه لا يوجد اسم أقرب للمؤمن من اسم الرحيم، كلمة رحمة والله لا أملك أن أشرحها، أي مطلق عطاء الله، أحياناً الصحة رحمة، أي معافى، الأجهزة تعمل بانتظام، الإنسان معه قوته، معه سمعه، بصره، عقله، حركته، نشاطه، أجهزته، أي جهاز بالجسم لو أصابه خلل تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، فما من دعاء أكثر النبي منه كهذا الدعاء:

(( عن عبد الله ابن عمر: اللَّهمَّ إنِّي أسألُك العافيةَ في الدُّنيا والآخرةِ، اللَّهمَّ أسألُك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنيايَ وأَهلي ومالي، اللَّهمَّ استر عورتي، وقالَ عثمانُ: عوراتى وآمِن رَوعاتي، اللَّهمَّ احفظني من بينِ يديَّ، ومن خَلفي، وعن يَميني، وعَن شِمالي، ومن فَوقي، وأعوذُ بعظَمتِك أن اغتالَ من تحتي. ))

[ صحيح أبو داود ]

﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)﴾

[ سورة الطور ]

فالصحة رحمة، وراحة البال رحمة:

﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴾

[ سورة محمد ]

والزوجة الصالحة رحمة، والأولاد الأبرار رحمة، والسمعة الطيبة رحمة، والتيسير رحمة، والسكينة رحمة، والتجلي رحمة، والقرار السديد رحمة، والنظرة الثاقبة رحمة، والموقف الحكيم رحمة، والرضا عن الله رحمة، وامتلاك الحكمة رحمة، وامتلاك الرؤية الصحيحة رحمة.
 

الله عز وجل خلقنا ليرحمنا ويسعدنا:


ماذا أقول؟ مطلق عطاء الله، بدءاً من الصحة، وانتهاءً بالسكينة، كلها رحمة الله، فالله عز وجل خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، والدليل:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)﴾

[ سورة هود ]

وعند النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عن محجن بن الأدرع: أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ دخلَ المسجدَ، إذا رجلٌ قد قَضى صلاتَهُ وَهوَ يتشَهَّدُ، فقالَ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ يا اللَّهُ بأنَّكَ الواحدُ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يَلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، أن تغفِرَ لي ذُنوبي، إنَّكَ أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: قَد غَفرَ اللَّهُ لَهُ، ثلاثًا. ))

[  صحيح النسائي ]

أي يا رحمن يا رحيم برحمتك نستغيث.

(( وعند ابي داود رضي الله عنه أنه عن واثلة بن الأسقع الليثي أبو فسيلة صلَّى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ علَى رجلٍ منَ المسلمينَ فأسمعُهُ يقولُ: اللَّهمَّ إنَّ فلانَ ابنَ فلانٍ في ذمَّتِكَ وحبلِ جوارِكَ فقِهِ فِتنةَ القبرِ وعذابَ النَّارِ وأنتَ أَهْلُ الوفاءِ والحقِّ فاغفِر لهُ وارحمهُ، إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيمُ. ))

[ صحيح أبو داود ]

أي من أعظم الأدعية أن تقول في دعائك: يا رب إنك أنت الغفور الرحيم، الغفور عفو عما مضى، والرحيم عطاء، أنت أحياناً تُنظف الإناء مما علق به من قاذورات، ثم تملؤه شراباً لذيذاً، فالرحيم عطاء والغفور مسامحة، ومن دعاء ابن مسعود:

(( عن عبد الله بن مسعود  وكان يُعلِّمُنا كلماتٍ ولم يكن يُعلِّمْناهنَّ كما يُعلِّمُنا التشهدَ، اللهمَّ ألِّفْ بين قلوبِنا، وأصلحْ ذاتَ بينِنا، واهدِنا سُبُلَ السلامِ، ونجِنا من الظُّلماتِ إلى النُّورِ، وجنِّبْنا الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بطنَ، وباركْ لنا في أسماعِنا وأبصارِنا وقلوبِنا وأزواجِنا وذرياتِنا، وتبْ علينا إنك أنت التَّوابُ الرحيمُ، واجعلْنا شاكرِينَ لنعمتِك، مُثْنينَ بها، قابلِيها، وأَتمَّها علينا. ))

[ أبو داود: خلاصة حكم المحدث: سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح] ]

 

من أحبه الله عز وجل ألقى محبته في قلوب خلقه:


أيها الإخوة؛ ومما ورد في الرحمة الخاصة الذي تضمنه اسم الله الرحيم قوله تعالى في شأن موسى:

﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)﴾

[ سورة الأعراف ]

أي مطلق عطاء الله أن تكون في رحمة الله ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
وعن أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)﴾

[ سورة الأنبياء  ]

(( وعند البخاري من حديث عائشة  فِي رِوَايَةٍ: قَالَتْ: تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِي فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا»؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا». ))

[ صحيح البخاري ]

أي إذا الله رحم الإنسان عاش في سعادة، عاش في توفيق، عاش في هيبة، إذا أحبّ الله عبداً ورحمِه ألقى محبته في قلوب الخلق.
 

المؤمن من أتباع الأنبياء يبني حياته على العطاء لا على الأخذ:


أيها الإخوة؛ 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)﴾

[ سورة البقرة ]

أي المؤمن يبذل ماله، يبذل وقته، يربي أولاده، ينصح المسلمين، يقدم خدماته، لماذا يفعل هذا؟ يرجو رحمة الله، يرجو عطاء الله، أنا أضرب مثلاً بسيطاً لو أن ملكاً كلف معلماً أن يعطي ابنه بعض الدروس، فهذا المعلم أفقه ضيق جداً، بعد عشرة دروس قال للابن: أين الأجرة؟ قال له: أستاذ كم تريد؟ قال له: كل درس ألف، بعد دقيقة قال له: هذه عشرة آلاف، لكن مسكين هذا المعلم لو لم يطلب من الابن لأعطاه الأب بيتاً، ومركبة، ودخلاً مستمراً، ملك، عطاء الملك يتناسب مع الملك، فعندما لا يتحرك الإنسان إلا بالأجر، لا يلقي كلمة إلا بالأجر، لا يقبل أن يؤدي نصيحة إلا بالأجر المُسبق، يكون لا يعرف الله، أي حياة المؤمن مبنية على العطاء، بالتعبير المعاصر استراتيجيته العطاء، أساساً الهرم البشري الكبير يقع على قمته زمرتان؛ الأقوياء والأنبياء، دقق الفرق، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، لذلك المؤمن من أتباع الأنبياء، يبني حياته على العطاء، أي يسعد إذا أعطى:

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)﴾

[ سورة الإنسان ]

والله الذي لا إله إلا هو أحياناً إذا قدمت عملاً صالحاً وقال لك شخص: كم تريد؟ كأنه طعنك، ماذا أريد؟ أريد رضوان الله عز وجل، لا أريد شيئاً، أي لا يفهم المادي هذا الموقف، يراه أفقاً ضيقاً، وهناك بساطة، وهناك سذاجة، لماذا لا تأخذ؟

المسلم يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه:


أيها الإخوة؛ 
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾ من هنا يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ المسلم يرجو رحمة الله، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، والآية الكريمة:

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)﴾

[ سورة النساء ]

أي لما الإنسان يقول له: يا رب اغفر لي، يا رب تب عليّ، يا رب سامحني، الله عز وجل لحكمة بالغة يُلقي في روعه أنه غفر له، وأنه تاب عليه.
 

من كمال الله أنه إذا غفر لك يشعرك أنه غفر لك وتاب عليك:


قال بعض العلماء: من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حجّ له، من وقف في عرفات ولبّى ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حجّ له، لماذا؟ لأنه من كمال الله أنه إذا غفر لك يُشعرك أنه غفر لك، وإذا تاب عليك يملأ قلبك طمأنينة، إذا تاب عليك يملأ قلبك ثقة بعطائه، وفي آية أخرى:

﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)﴾

[ سورة المائدة ]

ماذا تنتظر؟

إلى متى أنت باللذات مشغول                وأنت عن كل ما قدمت مسؤول؟

[ البوصيري ]

* * *

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـــا            فإنا منحنا بالرضـا مــن أحبنـــــــا

ولذ بحمانا واحتــــــمِ بجنــابنـــا            لنحميك مما فيه أشـرار خلقنـــــــا

وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغــــل            وأخلص لنا تلقى المسـرة والهنــــا

وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن           فما القرب والإبعـاد إلا بأمرنـــــــا

فيا خجلي منه إذا هـو قال لــــي:           أيا عـبدنــا مــا قــرأت كتابنــــــــا

أما تستحي منا ويكفيك ما جـرى           أما تختشـي من عتبنا يوم جمعنــــا

أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً            وتنظـــر ما بـــــــه جـاء وعدنـــــا

فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــاً            وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا

فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا            الذي رأوه لما وليــــت عنــا لغيرنـا

ولو سمعت أذناك حسن خطابنـا            خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــا

ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة           عذرت الذي أضحـــــى قتيلاً بحبنــا

ولو نسـمت من قربنا لك نسمــة            لمـــــــت غريباً واشتياقـاً لقربنــــــا

فما حبنا سهل وكل من ادّعــــى            سهــولته قلنا لـــــــه: قــــد جهلتنــــا

[ علي بن محمد بن وفا ]

* * *

 

الولاء والبراء أحد أركان الإيمان بالله تعالى:


أيها الإخوة؛ الذي أريده في الدرس الثاني من كل اسم علاقة المؤمن بهذا الاسم، علاقة المؤمن بهذا الاسم الرحيم هو امتلاء القلب برحمة الولاء للمؤمنين، ورقة الوفاء لهم التي تدفع إلى حبّ المؤمنين، أنت من؟ أنت مسلم، يجب أن يكون ولاؤك للمؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وينبغي أن تتبرأ من الكفرة والملحدين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، تجد إنساناً أحياناً يذهب إلى الغرب يستغرِب، ينتمي إليهم، يتمنى قوتهم، يتمنى نصرهم، يزدري أمته، هذا انتهى، لأن أحد أركان الإيمان الولاء والبراء، أن توالي المؤمنين، أن تحمل همهم، أن تتألم لألمهم، أن يبكيك حالهم المأساوي، لا أن تشمت بهم.
إذاً المؤمن المُوحد لهذا الاسم الرحيم ينبغي أن يمتلئ قلبه رحمة الولاء، ورقة الوفاء التي تدفع إلى حبّ المؤمنين، وبغض المنحرفين، وأسوتنا في ذلك هو سيد الخلق أجمعين، قال تعالى دقق:

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾

[ سورة التوبة ]

أي المؤمنون وضعهم لا يرضي الآن، كبا بهم الجواد، اصطلحت عليهم المصائب، أعلن العالم كله حرباً عليهم، وأنت كمؤمن توالي المؤمنين، تدافع عنهم، تحمل همهم، تتألم لألمهم، تفرح لانتصارهم، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
 

الطاعة تدفع إلى الرحمة والعفو والمغفرة:


كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً بأصحابه، رفيقاً، حبيباً، قريباً، صديقاً،

(( روى البخاري من حديث مالك بن الحويرث أنه قال: أتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في نَفَرٍ مِن قَومي، فأقَمنا عِندَه عِشرينَ لَيلةً، وكان رَحيمًا رَفيقًا، فلَمَّا رَأى شَوقَنا إلى أهالينا قال: ارجِعوا فكونوا فيهم، وعَلِّموهم، وصَلُّوا، فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فليُؤَذِّنْ لَكُم أحَدُكُم، وليَؤُمَّكُم أكبَرُكُم. ))

[ صحيح البخاري ]

الشاهد: ((...وكان رَحيمًا رَفيقًا، فلَمَّا رَأى شَوقَنا إلى أهالينا، قال: ارجِعوا فكونوا فيهم، وعَلِّموهم، وصَلُّوا، فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فليُؤَذِّنْ لَكُم أحَدُكُم، وليَؤُمَّكُم أكبَرُكُم)) .
أيها الإخوة؛

(( وعند مسلم من حديث عياض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبه: أهل الجنة ثلاثة؛ ذو سلطان مقسط، متصدق، مُوفَّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى، ومسلم وعفيف متعفف ذو عيال. ))

[ صحيح مسلم ]

فالطاعة تدفع إلى الرحمة والعفو والمغفرة، وتوحيد الله بهذا الاسم يقتضي أن تنتمي للمؤمنين.
 

معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المؤمن:


أيها الإخوة؛ أريد أن أؤكد لكم أن الإسلام يشبه مثلثاً مُقَطَّعاً إلى أربعة مقاطع، المقطع الأعلى هو العقيدة، العقيدة أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن تؤمن بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، وأن تؤمن بأسمائه الحسنى وبصفاته الفضلى، وأن تؤمن أنه:

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[ سورة البروج ]

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63)﴾

[ سورة الزمر ]

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾

[ سورة الزخرف  ]

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)﴾

[  سورة هود ]

هذا الإيمان يقع على رأسه معرفة أسماء الله الحسنى، معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المؤمن، لكن آلية هذه المعرفة ينبغي أن تعرف الله حتى تُقبل عليه، أي لو أن إنساناً عَقَدَ عقْدَ زواجه ولا يوجد عنده بيت، وتأخر الدخول لعدم وجود البيت، وتململ أهل الزوجة، وكاد العقد أن يلغى وأن يفسخ، وهو في حيرة من أمره، فسمع عن رجل صالح عنده بيت يريد أن يعطيه لطالب علم وهو طالب علم، هذه الفكرة يرقص لها طرباً، يذهب إليه، يَعرض عليه، ما الذي دفعه إلى هذا المحسن؟ أنه علم أنه يبغي أن يعطي ذلك البيت لطالب علم، هذا مثل للتقريب، أنت حينما تعلم أن الله قوي وأنت ضعيف تتقوى به، أن الله غني وأنت فقير، أن الله كريم وأنت مفتقر إلى عطائه، أنت حينما تعرفه تُقبِل عليه، وتزهد فيمن سواه، علامة المؤمن موحد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، تُقبل عليه وتزهد فيمن سواه، فلذلك الرحمة أن ينالك عطاء الله عطاءً شاملاً كاملاً يجمع بين الدنيا والآخرة.
 

الرحمة أن ينالك عطاء الله عطاءً شاملاً كاملاً يجمع بين الدنيا والآخرة:


إخواننا الكرام؛ معظم الناس الذين شردوا عن الله خطهم البياني صاعد صعوداً حاداً، وعند الموت هذا الخط الصاعد ينهار انهياراً مريعاً، عند الموت فقد كل شيء، فقد ماله، أهله، مكانته، أولاده، بيته، مركبته، مكتبه التجاري، فقد كل شيء، إلا أن المؤمن-ودققوا في هذا المثل-خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، لذلك أنا حينما أرى إنساناً محسناً في الدنيا أدعو له بهذا الدعاء، أقول له: اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة، أي في الدنيا الله متعك بصحة، متعك بأهل، بأولاد، لك بيت تؤوي إليه، لك مكانة، لك سمعة، وافته المنية فهو في جنة عرضها السماوات والأرض، أي اتصلت نعم الدنيا مع نعم الآخرة.
 

من ذكره الله عز وجل منحه نعمة الأمن والسكينة والحكمة:


لذلك أيها الإخوة حينما قال الله عز وجل:

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

[ سورة العنكبوت ]

ذكر الله أكبر ما في الصلاة، المعنى الذي أردده كثيراً قال علماء التفسير: ذكر الله لك وأنت تصلي أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن أكبر عطاء إلهي:

﴿  وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

[ سورة الأنعام ]

منحك الحكمة:

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾

[ سورة البقرة ]

منحك السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، منحك الرضا عن الله عز وجل، منحك التوفيق، منحك التأييد، منحك النصر، منحك الحفظ.
 

عطاءات الله عز وجل التي يعطيها للمؤمن لا تُعدّ ولا تحصى:


والله أيها الإخوة؛ عطاءات الله عز وجل التي يعطيها للمؤمن يصعب أن توصف، يعيش في سعادة، في ثقة، في طمأنينة، في قوة شخصية، في عزّ، في إباء، أي الآية الكريمة:

﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)﴾

[ سورة المنافقون ]

ونحن يومياً في دعاء القنوت، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لذلك: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ .
 

العاقل من يفرح برحمة الله عز وجل له:


الآن اقرأ هذه الآية:

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

[ سورة الزخرف ]

يقولون: بيل غيتس يملك تسعين ملياراً، رحمة الله خير من التسعين ملياراً، الدولة الفلانية يوجد عندها نفط يقدر بأربعمئة وخمسين مليار برميل احتياطي، والنفط كان بستة دولارات صار بمئة وخمسين دولاراً، يقول لك: صاروا فوق الريح مثلاً، يذهب شخص لبلد من بلاد النفط يقول لك: الأموال لا تأكلها النيران: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى بيتاً، إذا رأى شيئاً من حطام الدنيا يقول:

(( عن أنس بن مالك: اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الأَنْـصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ. ))

[ صحيح البخاري ]

﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ يقول لك: شخص معه وكالة مادة غذائية، أرباحه اليومية مليون ليرة، مليون يومياً، ماذا يأكل؟ له وجبة طعام صغيرة، هذا هو رزقه، وكسبه سيحاسب عليه، أي لا تفرح بالكم، افرح برحمة الله عز وجل، هكذا الله علمنا: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ .
 

القلب القاسي أبعد قلب عن الله:


نحن أحياناً بخطأ فاحش إذا شخص مات نقول: مسكين مات، الله عز وجل قال:

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران ]

إن لم يمتلئ قلبك رحمة فالأمر خطير جداً، أبعد قلب عن الله القلب القاسي:

﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)﴾

[ سورة الزمر ]

قلوبهم كالحجارة، بل أشد منها قسوة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ .
الشيء الأخير، نحن نُقبل على الله إذا عرفنا أسماءه، والطريقة الفعّالة للتقرب منه أن تتخلّق بكمال مشتق من كمال الله، فإذا أردت رحمة الله فارحم خلقه، إن أردت عدل الله كن منصفاً، إن أردت عطاء الله كن معطياً، تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور