وضع داكن
13-01-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 048 أ - اسم الله السميع 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  مِن أسماء الله الحسنى السميع:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم السميع.
هذا الاسم أيها الإخوة؛ ورد في قي القرآن الكريم قريباً من خمسين آية في كتاب الله، قال تعالى:

﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)﴾

[ سورة الشورى ]

وقال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)﴾

[ سورة النساء ]

وقد اقترن هذا الاسم مع اسم العليم في ثلاثين آية، ومع اسم البصير في عشر آيات، ومع اسم القريب في آية واحدة، وقد ورد أيضاً في صحيح البخاري من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أصحابه يرفعون أصواتهم في الدعاء فقال:

(( عن أبي موسى الأشعري كُنَّا مع النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ في سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بالتَّكْبِيرِ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا علَى أَنْفُسِكُمْ، إنَّكُمْ ليسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهو معكُمْ قالَ وَأَنَا خَلْفَهُ، وَأَنَا أَقُولُ: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ، فَقالَ يا عَبْدَ اللهِ بنَ قَيْسٍ: أَلَا أَدُلُّكَ علَى كَنْزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ، فَقُلتُ: بَلَى، يا رَسولَ اللهِ، قالَ: قُلْ: لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ. ))

[ متفق عليه ]

اربعوا أي أشفقوا.

(( وقد روى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح صلاته فيقول: عن أبي سعيد الخدري: أعُوذُ بالله السميع العليم من الشَّيطانِ الرجيم. ))

[ أبو داود: رواته ثقات ]

 

التعريف اللغوي للسميع:


معنى السميع؛ الصيغة أولاً صيغة مبالغة، كلكم يعلم أن لغتنا العربية من أرقى اللغات المتصرفة، بمعنى أن هناك نظام الأسر، يوجد مصدر، يوجد فعل ماض، فعل مضارع، فعل أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم مكان، اسم زمان، اسم آلة، اسم تفضيل، صفة مشبهة باسم الفاعل، اسم الفاعل على نوعين، اسم فاعل من ثلاثي، ومن رباعي، واسم فاعل مبالغ به، كأن تقول: فلان غفور، أو أن الله غفور كثير المغفرة، أو غافر، هناك فعول، هناك فعيل، هناك مِفعال، مِفضال، هناك فَعِل، حَذِر، هناك صيغ مبالغة كثيرة، فاسم السميع صيغة مبالغة من اسم الفاعل سامع، والفعل سمِع يسمع سمعاً، الآن نحن كما تعلمون هناك صفة ذات، وصفة أفعال، فالله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)﴾

[ سورة البقرة ]

السمع هنا الأذن صفة ذات، وصفة فعل:

﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)﴾

[ سورة الأحقاف ]

إما أن السمع صفة ذات الأذن، أو أن السمع صفة فعل الاستماع.
 

الطاعة مع الصبر طريق الإنسان إلى النصر:


الآية الثانية الفهم:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)﴾

[ سورة البقرة ]

أما المؤمن، المؤمنون يقولون:

﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)﴾

[ سورة البقرة ]

أيها الإخوة؛ الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر.

﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

[ سورة إبراهيم ]

تصوروا أن الله سبحانه وتعالى، الإله العظيم، خالق السماوات والأرض يصف هو مكر هؤلاء الكفار بأن الجبال تزول من مكرهم، ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ثم يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ هل تصدقون أن مشكلات العالم الإسلامي تُحَل بكلمتين، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أما إن تعصوا وتصبروا ليس بعد المعصية والصبر أي القهر إلا القبر، معصية وصبر تنتهي إلى القبر، أما الطاعة مع الصبر طريق إلى النصر، ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ وكأن هذه الآية تصف حال المقصرين ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أما المؤمنون ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ .
 

مقياس سماع كلام الله عز وجل تطبيقه والاستفادة منه:


أيها الإخوة؛ الآن يوجد وقفة متأنية عند مفهوم السمع في القرآن الكريم، يا ايها الذين آمنوا:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)﴾

[ سورة الأنفال ]

تماماً كما لو قال لك أحدهم: على كتفك عقرب شائلة، بقيت هادئاً، متوازناً، مرتاحاً، ابتسمت، التفت نحوه، قلت له: أنا أشكرك على هذه الملاحظة، وأسأل الله أن يُمكّنني أن أكافأك عليها، الذي يقف بهدوء، ويبتسم، ويتكلم بفصاحة، ويجيب عن هذا الذي أدى له هذه الملاحظة بهذا الجواب هل تصدقون أنه فهم ما قال له؟ مستحيل! لو فهم ما قال له لقفز، وصرخ، وخلع معطفه، وبحث عن العقرب ليقتلها أليس كذلك؟ فكل إنسان يسمع لا يستجيب هو عند الله لم يسمع، هذا المفهوم الدقيق، هو عند الله لم يسمع، من علامات السمع أن تستجيب، هذا الكلام ينقلنا إلى حقيقة، هذه الحقيقة أن الإنسان بحسب بنيته يدرك، ينفعل، يتحرك.
هذا القانون جاء به عالم من علماء النفس، علاقتك مع المحيط وفق هذا القانون، أوضح مثل: تمشي في بستان رأيت ثعباناً، علامة صحة إدراكك أنه ثعبان تضطرب، اضطرابك، خوفك، صياحك، دليل أنك فهمت أنه ثعبان، والانفعال والاضطراب ينقلك إلى الحركة، إما أن تفِر منه، أو أن تحاول قتله، إدراك، انفعال، سلوك، فأي إدراك ما رافقه انفعال الإدراك غير صحيح، وأي انفعال ما رافقه سلوك الانفعال غير صحيح، فأي إنسان استمع إلى القرآن الكريم ولم يستجب معنى ذلك أنه عند الله لم يستمع، يا أيها الذين آمنوا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ ما سمع، الآية إذاً: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي لا تكونُ سامعاً عند الله إلا إذا استجبت لما سمعت، مقياس السماع التطبيق.
 

مراحل هداية الخلق هي:

 

1 ـ الهدى البياني:

الآية الثانية:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)﴾

[ سورة التحريم ]

صغت بمعنى أصغت، علامة حسن الإصغاء أن تستجيب، من هنا الله عز وجل من حكمته البالغة أنه إذا أراد هداية الخلق هناك مراحل؛ أول مرحلة: الهدى البياني، وأنت معافى، صحيح، سليم، مرتاح، لا يوجد عندك مشكلة، الله عز وجل يُسمعك الحق من خلال خطبة مسجد، درس يُلقى، كتاب يُقرأ، ندوة تشاهدها، أسمعك الله الحق، فأكمل موقف مع الهدى البياني أن تستجيب.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾

[ سورة الأنفال ]

إذا دعاكم لحياة خُلِقتم من أجلها، إذا دُعيتم إلى حياة أبدية، لكم فيها ما تشاؤون، فيها: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. قال أبو مُعاويةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ: (قُرَّاتِ أعْيُنٍ). ))

[ متفق عليه  ]

 إذا دُعيتم إلى حياة أبدية في جنة عرضها السماوات والأرض استجيبوا، فالدعوة بيانية، بأعلى درجات السلامة، والراحة، والسرور، يُسمعك الله الحق، بطولتك أن تستجيب لما سمعت، إن استجبت فقد سمعت، وإن لم تستجب لم تستمع. 

2 ـ التأديب التربوي:

الإنسان لو لم يستجب الله عز وجل من رحمته أنه يُخضِعه لأسلوب آخر، التأديب التربوي:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

[ سورة السجدة ]

يوجد شدائد، يوجد فقر، يوجد قهر، يوجد مرض، يوجد قلق، يوجد حزن،

(( عن أبي هريرة: عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل.  ))

[ صحيح البخاري ]

 

ثمن الجنة حسن الظن بالله عز وجل:


صدقوا أيها الإخوة؛ وأقول لكم دائماً: حُسن الظن بالله ثمن الجنة، كل الشدائد التي ترونها وتسمعونها من أجل سوق الناس إلى ربهم، من أجل أن يستحقوا جنة عرضها السماوات والأرض.

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[ سورة القصص ]

﴿ وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)﴾

[ سورة طه ]

وهناك آية:

﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)﴾

[ سورة الأنعام ]

أي لا يمكن أن تُساق المصيبة إلا لحكمة بالغةٍ بالغة.

﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)﴾

[ سورة آل عمران ]

(( عن أبي ذر الغفاري عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا. ))

[ صحيح مسلم ]

ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام كن فيكون، كلام واضح.

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾

[ سورة الشورى ]

ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر، قال تعالى: 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)﴾

[ سورة النساء ]  

3 ـ الإكرام الاستدراجي:

أيها الإخوة؛ ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لكن أحياناً الإنسان تأتيه الشدة فلا يستجيب، إن جاءه الهدى عليه أن يستجيب، إن جاءه التأديب التربوي عليه أن يتوب، فإن لم يستجب وقد جاءه الهدى، ولم يتب وقد جاءه البلاء هناك أسلوب آخر؛ الإكرام الاستدراجي، إكرام، قوي، غني، أرباح طائلة، تفوّق، سمعة، مُتع، وهناك معاص، إذا رأيت الله يُتابع نِعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره، هذا اسمه إكرام استدراجي، بالإكرام الاستدراجي الموقف الكامل أن تشكر، بالدعوة البيانية أن تستجيب، بالتأديب التربوي أن تتوب، بالإكرام الاستدراجي أن تشكر. 

4 ـ القصم:

لم تستجب، ولم تتب، ولم تشكر، نعوذ بالله! القصم:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾

[ سورة الأنعام ]

هذه الآية تلغي الحيرة، يا أخي! بلاد كالجنات، أموال لا تأكلها النيران، بيوت، مركبات، نساء، ملاه، كل شيء بأعلى درجة، معاص، وآثام، وإباحية، وشذوذ، يا رب، وعدوان، وظلم، ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ هدى بياني، تأديب تربوي، إكرام استدراجي، قصم.

من كان فيه ذرة خير أسمعه الله عز وجل الحق:


هناك تساؤل أن يا رب يوجد بلاد بعيدة، ويوجد شعوب شاردة ما وضعها يوم القيامة؟ قد يقول أحدنا: ما جاءها من نذير كيف تُحَاسب؟ الآية الدقيقة:

﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)﴾

[ سورة الإسراء ]

لكن بعضهم قال: العقل هو الرسول، العقل يكفي أن تعرف الله به، والفطرة تكفي أن تكشف بها خطيئتك، أنت مبرمج، أنت مفطور، مجبول على معرفة الخطأ ذاتياً، الآن استمعوا لهذه الآية:

﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)﴾

[ سورة الأنفال ]

مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الإنسان ذرة خير إلا ويُسمعه الله الحق، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ .
 

الآيات المتعلقة بذات الله عز وجل نفوض شرحها له:


الآن الله عز وجل سميع، متصف بالسمع كوصف ذات ووصف فعل، أنت إذا كنت سميعاً، عندك جهاز تستمع به، وإذا كنت سميعاً تفهم ما يُقال لك، فالله عز وجل-ولله المثل الأعلى-﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، الله عز وجل سميع، وكلمة سميع تعني صفة ذات، وصفة فعل، لكن نحن تعلمنا أن أكمل موقف في بضع آيات تشير إلى صفات الله عز وجل أن نفوض في شرحها لله عز وجل، الله سميع والسمع صفة زائدة على ذاته بلا كيف، وبلا تجسيد، إن نفينا السمع عن الله عطلنا هذه الصفة بلا تعطيل، وبلا تجسيد، ولكن بالتفويض، وممكن بالتأويل، بالتأويل قضية خلافية، أما بالتفويض متفق عليه.
فالآيات المتعلقة بذات الله عز وجل وبصفاته نحن نُفَوّض الله عز وجل في معناها، أنا مؤمن أن الله سميع، لأنه أخبرني أنه سميع فقط، أنا مؤمن أن الله سميع، لأنه أخبرني في كتابه أنه سميع، أي إن تحركت هو بصير، إن تكلمت هو سميع، إن أضمرت شيئاً هو عليم، تتكلم سميع، تتحرك بصير، تسكت تأتيك خواطر معينة، أنا سأهيئ له مقلباً كبيراً، عليم، تتكلم سميع، تتحرك بصير، تسكت عليم، هكذا أخبرني الله عز وجل، فالأكمل أن أفوض معنى هذه          الصفات إلى الله عز وجل.
لذلك قال بعض العلماء: هو سميع بلا تكييف، وبلا تشبيه، وبلا تحديد، والله عز وجل يَسمع، ويُسمِع، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ﴾ يَسمع ويُسمع، يَسمع: يجيب الدعاء، ويُسمع: يُبَلغ الحق، وإذا قال الإمام في الصلاة: سمع الله لمن حمده، أي يا عبدي أنا أسمعك، موقف دقيق، مؤثر جداً، يا عبدي أنا أسمعك، تقول: ربنا لك الحمد، والشكر، والنعمة، والرضا، حمداً كثيراً طيباً مباركاً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وأنس بن مالك: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من قلْبٍ لا يخشعُ، ومن دعاءٍ لا يُسْمَعُ، ومن نفْسٍ لا تشبعُ، و من علْمٍ لا ينفعُ. وأعوذُ بك من هؤلاءِ الأرْبَعِ. ))

[ صحيح الجامع: صحيح ]

 

من انغمس بالملذات والشهوات إنسان ميت لا يسمع ولا يستجيب:


﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾

[ سورة فاطر ]

هنا القبر قبر الشهوة، هذا مقبور بحبّ المال، ميت.

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾

[ سورة النحل ]

مقبور بحبّ الملذات، مقبور بشهوة النساء، مقبور بشهوة جمع المال، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ أما الشركاء:

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾

[ سورة فاطر ]

أما الإله العظيم يسمع ويستجيب.
 

استجابة الله عز وجل دعاء المضطر والمظلوم ولو لم يكن مؤمناً:


﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)﴾

[ سورة مريم ]

حدثني أخ، كنت في طريقي إلى اللاذقية مرة، وجدت جامع بين طرطوس واللاذقية جميل جداً، صليت فيه، فإذا رجل يدعوني إلى مكتبه في المسجد، حدثني قال: أنا بنيت هذا المسجد، أقسم لي بالله قال لي: قبل عشرين سنة كنت في طريقي إلى بلد غني، وأنا في الطائرة ولم أحرك شفتَي نويت أن الله إذا أكرمني سأبني له مسجداً، بعد عشرين عاماً الله أكرمه، القصة طويلة، وكان شبه مستحيل أن يُبنى هذا المسجد بسبب أن هذه المنطقة غير منظمة، ليست منطقة منظمة، ليست حتى خاضعة للتنظيم، لكن بقدرة قادر استطاع أن يبني هذا المسجد في مكان جميل، وحقق أمنيته، أحياناً أنت لا تحتاج أن تحرك شفتيك، ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ هل هناك أعظم من هذا؟ وأنت ساكت إذا أضمرت نية طيبة يعلمها الله، ويستجيب لها.

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)﴾

[ سورة الأنبياء ]

في بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

[ سورة الأنبياء ]

بأي عصر، بأي مصر، بأي ظرف، بأي مكان، بأي زمان، قانون.

﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62)﴾

[ سورة النمل  ]

المضطر يُستجاب له، ولو لم تتوافر فيه شروط الدعاء، المضطر يُستجاب له برحمة الله، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ المظلوم يُستجاب له، ولو لم يكن مؤمناً.
 

دعاء المؤمن قبل الفجر دعاء مستجاب:


لكن آخر شيء:

(( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ. ))

[ صحيح مسلم ]

ما قولكم؟ الله عز وجل في عليائه، في عظمته، يقول: يا عبادي سلوني، أنا أستجيب لكم، هل منكم من سائل؟ من مستغفر؟ من تائب؟ من طالب حاجة؟ هذه نصيحة أزجيها لإخوتي الكرام، قبل الفجر، يوجد مشكلة، يوجد قضية معقدة، يوجد شبح مصيبة، يوجد مرض لا تعرف نوع التحليل سيكون يا ترى حميداً أم خبيثاً؟ قم قبل الفجر واسأل ربك ما تحب.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور