الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أعظم شهادة على الإطلاق شهادة الله عز وجل:
أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في اسم الشهيد، الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)﴾
﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ والمطلق على إطلاقه، وفي آية ثانية يقول الله عز وجل:
﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98)﴾
كأن هذه الآية مخصصة للإنسان، ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ .
وفي آية ثالثة:
﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)﴾
إذاً أعظم شهادة على الإطلاق شهادة الله عز وجل.
آية رابعة:
﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)﴾
الآية الخامسة:
﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)﴾
أنت تحت المراقبة، الله عز وجل بالمرصاد، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾
الله حاضر وشاهد، ويَعلَم ويُعلِم.
الله عز وجل حاضر وشاهد لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء:
لذلك قال بعض العلماء: الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء، والشهيد الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، والشهيد مُطّلع على كل شيء، مُشاهِد له، عليم بتفاصيله.
أيها الإخوة؛ قال بعض العلماء: إذا كان العلم مطلقاً فالله عليم، أما إذا أُضيف علم الله إلى الأمور الباطنة، المستترة، الخفية فالله خبير، أما إذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو شهيد.
عليم، خبير، شهيد، الله عز وجل حاضر وشاهد، ويشهد يوم القيامة، الله شهيد يشهد لعباده يوم القيامة، يُشهدهم أعمالهم، فقد قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)﴾
يُشهِدهم أعمالهم.
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)﴾
تسمية النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن الكريم شاهداً وشهيداً:
النبي عليه الصلاة والسلام سماه الله في كتابه شاهداً وشهيداً، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)﴾
وقال تعالى:
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41)﴾
تقديم المال في القرآن على النفس لأن تقديم المال أهون على النفس من تقديم الروح:
الآن المؤمن الذي يُقدم أثمن شيء يملكه، حياته، هذا المؤمن يسمى شهيداً، الله عز وجل قدّم المال على الأنفس، هذا الذي يجاهد بماله ونفسه، أي يُقَدم ماله، ويُقدم نفسه، وقد قدّم الله المال على النفس لأن تقديم المال أفضل.
﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88)﴾
في مواطن كثيرة جداً قدّم الله تقديم المال على تقديم النفس، لأن تقديم المال أهون على النفس من أن تُقدم ذاتها، إلا في آية واحدة قدّم الله النفس على المال.
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾
هنا قدّم الأهم، في الآيات الكثيرة قدّم الأسهل.
أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان:
أيها الإخوة؛ من الآيات التي تشير إلى معنى الشهيد:
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾
الله مع المؤمن، معه في حركته، في سكنته، في عطائه، في منعه، في صلته، في قطعه، في غضبه، في رضاه، الله عز وجل يقول:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220)﴾
أيها الإخوة؛ ورد في بعض الآثار:
أن يا موسى أتحب أن أكون جليسك؟ فقال: كيف ذلك يا رب؟ أنت رب العالمين، قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ، سيدنا الصديق في الغار قال:
(( عن أبي بكر الصديق: قلتُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحن في الغارِ لو أنَّ أحدَهم ينظرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنا تحتَ قَدَمَيْهِ، فقال: يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما. ))
[ سنن الترمذي حسن صحيح غريب أخرجه البخاري، ومسلم والترمذي واللفظ له ]
الله شهيد، والحمد لله أن الله شهيد، والحمد لله على وجود الله.
إخواننا الكرام؛ أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان، أي شهيد، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان، الله عز وجل شهيد أي حاضر، يَعلَم ويُعلِم، لا تخفى عليه خافية، ولا تخفى عليه حركة ولا سكنة.
نصر الله للضعيف الفقير شهادة من الله لخلقه أن الأمر بيده:
الآن لو دخلنا في بعض التفاصيل، كيف يَشهد الله لخلقه أنه لا إله إلا هو؟ قال بعضهم: عرفت الله من نقض العزائم، إنسان يملك خبرات واسعة، علمه عميق، خبراته واسعة، بأسه شديد، يُحكِم الأمر، يسدّ كل الثغرات، ثم يُؤتى من مأمنه فلا يتحقق هدفه، عرفت الله من نقض العزائم.
﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)﴾
الله شهيد، أب ترك خمسة أولاد، أكبر الأولاد استولى على كل ثروة والده، وجعل إخوته الصغار تحت جناحه، حرمهم كل شيء، كيف يشهد الله أن هذا الأخ الأكبر كان ظالماً وأن إخوته الصغار مظلومون؟ وفَّقَ الله الصغار، ودمّر الكبير، حتى اضطر الكبير أن يعمل عندهم موظفاً، شهِد الله له أنه ظالم، وشهد لإخوته أنهم مظلومون، هذا يحصل كثيراً في شؤون الزواج والشراكة، الزوج المظلوم يُوَفّق بزواج ناجح بعد انفصام الزواج الأول، والشريك المظلوم يُوفّق بعمله بعد انفصام الشركة.
أيها الإخوة؛ نصر الله للضعيف الفقير شهادة من الله لخلقه أن الأمر بيده، افعل ما تشاء، تكلم ما شئت، اعمل ما شئت، لكن الأمر بيد الله، أوضح مثل: أنت حينما تُقرض قرضاً ربوياً، قدمت مئة ألف والفائدة عشرة في المئة، والمبلغ رُدّ لك مئة وعشرة آلاف، أما إذا أقرضت قرضاً شرعياً بلا فائدة، قدمت المئة ألف، وعادت لك بعد سنتين مئة ألف، وقد ضعُفت قيمتها الشرائية، أنت بالآلة الحاسبة القرض الحسن فيه خسارة، وبالآلة الحاسبة القرض الربوي فيه ربح، أما بالقرآن:
﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾
أن الله شهيد، أن هذا القرآن كلامه، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ .
الحكمة من ضعف الأنبياء في بداية دعوتهم أن يكون الإيمان بهم إيماناً حقيقياً:
تصور أن اللهم صلّ عليه نبي هذه الأمة، رسول هذه الأمة، سيد البشر، سيد الخلق، حبيب الحق، كان في أول الدعوة ضعيفاً، كان يمر على عمار بن ياسر وهو يُعذّب، لا يستطيع أن يُخَلِّصه، ضعيف، ما الحكمة من أن الأنبياء في بداية الدعوة كانوا ضِعافاً؟ ليُثمّن الذي آمن به، لا يملك الدنيا،
(( عن أبي هريرة: يا مَعْشَرَ قريشٍ ! أَنْقِذُوا أنفسَكم من النارِ، فإني لا أملكُ لكم من اللهِ ضَرًّا ولا نفعًا، يا مَعْشَرَ بني عبدِ منافٍ! أَنْقِذُوا أنفسَكم من النارِ؛ فإني لا أملكُ لكم من اللهِ ضَرًّا ولا نفعًا، يا مَعْشَرَ بني عبدِ المُطَّلِبِ! أَنْقِذُوا أنفسَكم من النارِ؛ فإني لا أملكُ لكم من اللهِ ضَرًّا ولا نفعًا، يا فاطمةُ بنتَ مُحَمَّدٍ! أَنْقِذِي نفسَكِ من النار؛ فإني لا أملكُ لكِ ضَرًّا ولا نفعًا، إنَّ لكِ رَحِمًا، وسَأَبُلُّها ببَلَالِها. ))
نبي كريم، نبي صادق، نبي الله عز وجل، معه وحي السماء، ومع ذلك لا يملك أن يوقف العذاب عن أحد إخوانه، يقول:
(( عن جابر بن عبد الله: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صبراً يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. ))
[ حسن صحيح أخرجه الحاكم والطبراني ]
إذاً ضعْف الأنبياء في بداية دعوتهم لحكمة بالغةٍ بالغة، ليكون الإيمان بهم إيماناً حقيقياً، لأنهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً، لذلك عمار بن ياسر كان يُعذَّب، وتُعذَّب أمه، وما كان النبي يملك إلا أن يقول: ((صبراً يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)) .
الله شهيد، والله لا إله غيره، في فتْح مكة فتَحَ النبي صلى الله عليه وسلم مكة المكرمة، ومعه عشرة آلاف رجل، معهم السيوف المتوهجة، وكان بإمكانه أن يُلغي وجودهم، قال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
أي الله لا إله إلا هو وشهيد انظر في بداية الدعوة، وكيف انتهت الدعوة، لذلك الأمور بخواتيمها، قال تعالى:
﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾
الله شهيد وواحد أحد، فرد صمد:
﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾
الله شهيد، يشهد لعباده أنه لا إله إلا هو، قال تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
تقوية الضعيف المؤمن وتدمير القوي الكافر شهادة من الله لخلقه أن الأمر بيده:
قد يكون الإنسان قوياً، وقد يكون ذكياً، وقد تكون خيوط كل شيء بيده، ومع ذلك يُدمره الله، وقد يكون الآخر ضعيفاً لا حيلة له، ومع ذلك يقويه الله عز وجل، فتقوية الضعيف المؤمن وتدمير القوي الكافر شهادة من الله عز وجل لخلقه أن الأمر بيده، الله عز وجل لا كما يتوهم بعض المتوهمين أنه يشهد لعباده يسمعون كلامه، لا، الأمر بيده فحينما يُدَمِّر الظالم القوي، ويقوي المؤمن الضعيف، حينما يُوفِّق المظلوم، هذه شهادة الله لعباده أن الأمر بيده.
أي العوام لهم كلمات أحياناً رائعة، يقول لك أحدهم: لا يوجد إلا الله، والله كبير، لا يوجد إلا الله والأمر بيده، والله كبير، أي هذه البلاد الشرقية التي رفعت شعار لا إله، وتملك من القنابل النووية ما تستطيع تدمير الأرض، كيف تداعت من الداخل بلا حرب وبلا قتال؟ كيف أصبحت دولة أقل من الدول الأخرى؟ سبعون عاماً من القوة والغطرسة تتلاشى.
﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)﴾
الله يشهد لعباده الأمر بيده، سيدنا عمر رضي الله عن عمر جاءه رسول من معركة نهاوند، فقال: حدثني ما الذي حصل؟ قال له: مات خلق كثير، اذكر بعضهم؟ ذكر بعضهم، من أيضاً؟ قال: إنك لا تعرفهم، فبكى، بكى وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم؟ الله شهيد، لا تقلق، إذا كنت على حق لا تقلق.
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)﴾
1 ـ عمله لا يختلف أمام الناس وبينه وبين نفسه:
علامة المخلص لله، الآن دخلنا في موضوع آخر، الله شهيد يرى المُخلِص من غير المخلص، يرى الصادق من غير الصادق، يرى المستقيم من المنحرف، فالله عز وجل شهيد، فكيف يشهد الله لهذا العبد المؤمن أنه يُقدِّم عملاً خالصاً له؟ قال العلماء: علامة المخلص أن عمله لا يختلف أمام الناس وبينه وبين نفسه، ليس هناك مسافة بين خلوته وجلوته، ولا بين سره وجهره، ولا بين باطنه وظاهره، ولا بين ليله ونهاره، واحد، المؤمن واحد، لا يختلف، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ. ))
المؤمن واضح الذي في قلبه على لسانه، والذي يُعلنه في قلبه، لا يوجد مسافة أبداً، ولا يوجد موقف مزدوج، موقف معلن، موقف حقيقي، لذلك المخلص عنده توحد، ليس هناك مسافة بين أقواله وبين أفعاله، ولا بين ظاهره ولا بين باطنه، ولا بين خلوته وجلوته، هذه حالة من حالات المخلص، والله يشهد له بذلك.
2 ـ عمله لا يزداد مع المدح ولا ينقص مع الذم:
المخلص له صفة ثانية، عمله لا يزداد مع المدح، ولا ينقص مع الذم، هو هو، أي إن مدحته يبتغي وجه الله، إن ذممته يبتغي وجه الله، قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾
هذا هو المخلص.
3 ـ المخلص يعود عليه من الله السكينة والراحة:
لكن شيء دقيق جداً وثالث المخلص يعود عليه من الله السكينة، يسميه الناس الثواب، رفعت عملاً إلى الله تبتغي به وجه الله عاد من الله عليك راحة نفسية، سمِّها سكينة، سمِّها راحة، سمِّها انشراحاً، لأن الله عز وجل حبب إلينا الإيمان، وزيّنه في قلوبنا، وكرَّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان.
الله عز وجل يشهد للمخلص إخلاصه حينما يوفقه ويسعده في حياته وعمله:
أيها الإخوة؛ الله عز وجل يشهد للمخلص إخلاصه حينما يوفقه، وحينما يسعده، وحينما يأخذ بيده، فالمؤمن حيال هذا الاسم العظيم الله شهيد ينبغي أن يكون دقيقاً في فهمه، كما أن الله سبحانه وتعالى لا تغيب عنه شاردة ولا واردة، إذا كنت أنت مدير مؤسسة، مدير مستشفى، مدير جامعة، مدير مدرسة، صاحب شركة، ينبغي أن تكون دقيقاً في جمع الحقائق، ينبغي أن تعلم كل شيء، ينبغي أن تُدير هذا العمل إدارة ذكية، ينبغي أن تعرف من حولك، هذا من تطبيقات اسم الشهيد لأن الله يعلم، ويُعلِم، وينبغي أن تُحَاسِب، الله عز وجل حاضر، ويَعلم، ويُعلِم.
فكلما غاب المرء عن عمله وجرى في غيبته ما لا يُحمد عقباه لا يكون مشتقاً هذا الكمال من الله عز وجل، أنت كإنسان تعمل بإدارة مدرسة، إدارة جامعة، إدارة مؤسسة، ينبغي أن تجمع الحقائق اليقينية، وأن تبني على هذه الحقائق القرار.
هذا من تطبيقات اسم الشهيد، ونحن دائماً وأبداً نقول: ينبغي أن تتقرب إلى الله بكمال مشتق منه، أي إنسان أب لا يدري ما يجري في البيت، البنت غابت لا يعلم أين هي، عند إحدى صديقاتها، هكذا قالت، لا يعرف أين ابنه، لا يعرف ماذا يجري في غيبته، هذا ليس بأب، الله عز وجل شهيد، لا تغيب عنه شاردة ولا واردة، والمؤمن إذا أدار عملاً ينبغي أن يستقصي الحقائق والمعلومات الدقيقة، وأن يبني على هذه المعلومات القرار، أما أن يتخذ قراراً بلا دراسة، بلا معلومات، قد يظلِم، هذا ليس من شأن المرء المؤمن.
العاقل من أعلم من حوله بأخطائهم إن كان يقودهم لما فيه صلاحهم:
شيء آخر؛ الله عز وجل يُشهد الإنسان عمله، وأنت كمؤمن عندما يكون حولك إنسان تُبيّن له خطأه بصورة انفرادية، أنت ينبغي أن تُعلِم من حولك بأخطائهم إن كنت تقودهم إلى ما هو فيهم صلاحهم، أي إنسان غافل عما يجري، لا يعلم ما يجري، هذا ليس مؤهلاً ليقود هذه المركبة إلى جانب الأمان.
أيها الإخوة؛ الآن علامة المخلص أنه لا يبحث أبداً عن تقدير الناس، ولكن لسان حاله يقول: إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، ومن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.
على الإنسان أن يتقرب من الله عز وجل بكمال مشتق من كماله:
إخواننا الكرام؛ لا أكتمكم أحد أكبر أسباب الانضباط أن تشعر أن الله معك، يشهد عملك، يشهد حركاتك وسكناتك، يسمع أقوالك، يرى حركتك، عليم بك، لذلك الإيمان ضابط، الإيمان يردع،
(( عن أبي هريرة: الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن. ))
[ صحيح الجامع: صحيح: أخرجه أبو داود ]
أيها الإخوة؛ تعلّمنا أنه لابدّ من أن تشتق كمالاً من كمالات الله تتقرب به إليه، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾
أي تقرّب إليه بكمال مشتق من كماله، أو إنك إن تعرفت إلى أسمائه الحسنى أقبلت عليه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ كمال الله كمال مطلق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق