وضع داكن
26-02-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 062 ب - اسم الله المتين 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  الله عز وجل خلق الإنسان ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم المتين، فالله سبحانه وتعالى قوي متين، أي لا يحتاج في إمضاء حكمه إلى جند أو مدد، ولا إلى مُعين أو عضد، لأن الله سبحانه وتعالى قوي بذاته، متين بذاته، والمتين هو القوي.

﴿ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2)﴾

[ سورة الحديد ]

أيها الإخوة؛ الإنسان بفطرته يُحِبّ القوي، لأنه في الأصل ضعيف، قال تعالى:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾

[ سورة النساء ]

خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، ولو خلقه قوياً لاستغنى بقوته-كلام دقيق جداً-خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه إلى الله فيسعد بافتقاره، ولو خلقه قوياً لاستغنى بقوته عن الله فشقي باستغنائه، لذلك الإنسان يُحبّ القوي، ويلتفت إليه، فالله سبحانه وتعالى صاحب الأسماء الحسنى، فمن القوة قوي، من الغنى غني، من الحكمة حكيم، من الرحمة رحيم، من اللطف لطيف، فكلما اشتدت معرفتك وزادت بأسماء الله الحسنى اشتدّ حبك له، وقد قيل: أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً.
 

أزمة أهل النار في النار هي أزمة علم:


كلما توسعت في معرفة أسماء الله الحسنى ازددت حباً له، لذلك قال بعض العلماء: من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه.
أي دائماً الخلل في الطاعة وراءه خلل في التصور، الخلل في الطاعة وراءه خلل في المعرفة، والأزمة دائماً أزمة علم، بل إن أزمة أهل النار في النار هي أزمة علم، والدليل وقالوا وهم في النار:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

[ سورة الملك ]

لأن جِبلتك بُنيت على أن تُحبّ ذاتك، وأن تُحبّ سلامتك، وأن تُحبّ كمالك، وأن تُحبّ استمرار وجودك، فانطلاقاً من جِبلتك وفطرتك أنت تُحبّ الخير لنفسك، أين الأزمة؟ أزمة علم فقط.
 

ما من تصرف إلا وراءه تصور فإن صحّ التصور صحّ التصرف:


الآن إذا عرفت أن الله قوي متين، وأن الأمر كله بيده، تتجه إليه، تتكل عليه، تُقبِل عليه، تخطب ودّه، تُطيع أمره، أزمة علم، ما من تصرف إلا وراءه تصور، إن صحّ التصور صحّ التصرف، فأي خلل في حياتنا أساسه نقص في العلم، ونقص في التوحيد.
أي من باب الحوار لو ملك الواحد منا رؤية رسول الله لكان في مقامه، لأنه من جِبلتنا، لأنه خَلَقه الله عز وجل بخصائصه، وخصائصه كخصائصنا، الفرق فرق معرفة، لو أتيح لإنسان أن يعرف الله كما عرفه النبي الكريم لأقبل على الله كما أقبل عليه النبي الكريم، أزمة معرفة، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك.
 

من حمد الله ووحده وكبّره فقد عرفه:


دقق:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)﴾

[ سورة الكهف ]

دقة الآية أي بنون بلا مال عبء كبير، ومال وفير بلا بنين وضع صعب جداً، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآن الله عز وجل سيقيّم لك زينة الحياة الدنيا، قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ﴾ معنى ذلك أن المال وأن البنين ليسا باقيين، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ .
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ كما قال العلماء: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، حمدته، ووحدته، وكبّرته فقد عرفته، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك هذه المعرفة فاتك كل شيء.
 

الوعد العظيم الذي وعد الله به عباده المؤمنين يمتص عندهم كل متاعب الحياة:


لذلك إذا عرفت أن الله قوي متين، وأن الأمر كله بيده قطعت الرجاء عمن سواه،  أي أدق شيء بحياة المؤمن أنه يُعَلِّق كل أمله بالله، يُعلِّق كل رجائه بالله، كل ثقته بالله، كل ثقته بما عند الله، فلهذا الله عز وجل قال:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[ سورة القصص ]

مرة أخ من باب الدعابة قال لي: المؤمن شأنه كشأن الناس جميعاً، ليس يتميز عليهم بالسعادة، أي أراد أن يُثير مشكلة، فقلت له: وضع المؤمن كما تقول، إذا كان هناك ارتفاع أسعار تناله، إذا كان هناك حر شديد يعاني من هذا الحر، كما تفضلت، قلت له: المؤمن يعاني ما يعاني الآخرون، إلا أن المؤمن يتميز عليهم، يشبه إنساناً عنده أولاد كثيرون، وبيته صغير، وبيته بالأجرة، ودخله محدود، ويعاني ما يعاني، له عم ليس عنده أولاد، ومعه مبالغ فلكية، أي مثلاً خمسمئة مليون، ومات بحادث فجأة، فكل هذه الأموال آلت إليه، لكن إجراءات المالية، وبراءات الذمة تحتاج لوقت طويل، خلال سنة لم يقبض درهماً واحداً لكنه دخل في الأمل، كلما رأى قصراً رائعاً يقول: سأشتريه، وكلما رأى مركبة فارهة يقول: سأشتريها، دقق بالآية: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي الوعد العظيم الذي وعد الله به عباده المؤمنين، هذا الوعد يمتص كل متاعب الحياة، الآية مرة ثانية: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ .
 

الله عز وجل قوي متين من عرفه زهد فيما سواه:


المؤمن يعاني ما يعاني، ويعاني كالناس جميعاً، إلا أن الله خصّه بوعد كريم، خصّه بجنة عرضها السماوات والأرض، هذا الوعد، وهذا الأمل، وهذا التطلّع إلى ما عند الله من خير ينسيه كل متاعب الحياة، فإذا عرفت أن الله قوي متين تبددت أمام ناظريك كل العقبات، ومعنى القوة أن هذه القوة في كل المجالات، الله عز وجل يقول:

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165)﴾

[ سورة البقرة ]

أي يجوز أن نقول يوجد بالجمال قوة، يقول لك: جمال أخّاذ، يوجد بالكرم قوة، كرم منقطع النظير، يوجد بالغنى قوة، يوجد بالحب قوة، لذلك الله عز وجل قوي بمعنى أنه قوي بكل صفات الكمال، قل: ﴿الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ أي النتيجة الطبيعية أنك إذا عرفت الله زهدت فيما سواه.
أي إنسان جائع جوعاً شديداً، وعنده طعام من أيام، وهناك بداية تغير المذاق، وغير شهي إطلاقاً، لكنه جائع، لا يوجد قوة يمكن أن تصرفه عنه إلا بطعام نفيس، الطعام النفيس يُزَهّده بهذا الطعام الذي لا يستسيغه، من عرف الله زهد فيما سواه.
 

مواقف الإنسان البطولية تأتي من معرفته بالخالق سبحانه:


أنا أرى أن المشكلة الكبرى نقص في معرفة الله، نقص في معرفة ألوهيته، بيده الأمر، دخلت مرة لجامع كبير، يوجد فوق المحراب آية بحجم كبير جداً، لكنك إذا قرأتها اقشعرّ جلدك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10)﴾

[ سورة الفتح ]

لا تشعر بالإحباط، هؤلاء الأقوياء عصي بيد الله، قال تعالى:

﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

[ سورة هود ]

أي ما معنى فرعون؟ أي قتْل الإنسان عند فرعون كقتل ذبابة، أن يقف السحرة أمامه، ويقولون كلاماً لا يستطيع الإنسان أن يقوله لأقل موظف في جهاز قوي، قال تعالى:

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)﴾

[ سورة طه ]

هذه المواقف البطولية من أين تأتي؟ من معرفتك بالله.
 

معرفة أسماء الله الحسنى تُسعد الإنسان في الدنيا والآخرة:


أنا لا أبالغ إذا قلت لكم: إذا كان الإسلام هرماً، وقد قُسِّم إلى أربعة أقسام، قسمه الأعلى هو العقيدة، إن صحت العقيدة صحّ العمل، وإن فسدت العقيدة فسد العمل، وأهم شيء بالعقيدة أن تعرف الله، وأهم شيء بمعرفة الله أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، فإذا عرفت أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى توجهت إليه، واعتمدت عليه، وأنبت إليه، وأقبلت عليه، واستعنت به، عندئذٍ تسعد في الدنيا والآخرة، هناك شيء يسمى الآن مصيري.
أي طالب نجح من السابع للثامن نجاحاً عادياً، الآن دقق حادي عشر ثاني عشر، الآن علاماتك بالثاني عشر تحدد مصيرك، طبيب، مهندس، صيدلي، أي بمقاييس بلدنا علاماتك بالثاني عشر تحدد مصيرك.
أحياناً يكون هناك أمراض كثيرة، كلها أمراض طارئة، والإنسان يشفى منها، لكن هناك بعض الأمراض تحدد مدى بقائه في الدنيا، يقول لك: مرض عضال.
 

معرفة أسماء الله الحسنى تُحَدد علاقة الإنسان مع ربه:


أنا أرى أن معرفة أسماء الله الحسنى تُحَدد علاقتك مع الله، أي وهذا كلام أسميه حقيقة مرة لكنها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، مادمت تُعلِّق الأمل على غير الله، مادمت تتجه إلى غير الله، مادمت ترى أن طاعة زيد أكبر عندك من طاعة الله، مادمت ترى أن إرضاء الزوجة أكبر عندك من إرضاء الله، مادام الاتجاه إلى غير الله فالطريق إلى الله مسدود.

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾

[ سورة التوبة ]

أي الطريق إلى الله ليس سالكاً، ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
 

من تعلّق بغير الله عز وجل شدد الله عليه:


الآن الله عز وجل يغار عليك، إذا تعلقت بغيره شدّد عليك، إذا تعلقت بغيره ألهم هذا الآخر أن يُسِيء إليك، لأنه يغار عليك، وهذا شيء ثابت، لمجرد أن تعقِد الأمل على ابنك مثلاً تجعل هذا الابن منتهى آمالك، ومحط رحالك، الذي يحصل يتجنس، ويرفض العودة، وقد يضنّ عليك باتصال هاتفي في العام مرة، لأنك علقت الأمل به،

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ   قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلامِ أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ».  ))

[ صحيح البخاري ]

ولكن أخ وصاحب في الله، هذه تجربة دقيقة جداً، حينما تعقد الأمل على زوجتك، تضع كل أملك فيها تُخَيّب ظنك، لماذا خيّبت ظنك؟ تأديباً من الله عز وجل، لأنه الله يغار عليك أن تتعلق بغيره، وهذا معنى الشرك الخفي، الشرك الخفي أن تعتمد على غير الله، من نحن أمام الصحابة الكرام؟ قمم البشر، وفيهم سيد البشر، فلما اعتمدوا على عددهم وكثرتهم في حنين خذلهم الله عز وجل، قال:

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾

[ سورة التوبة ]

أي المؤمن لأنه يرى أن الله هو القوي، وهو المتين، لا يعلق الأمل على غيره، ولا يخاف من غيره، أي أن تتحدى الأقوياء تحدياً صارخاً، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ*إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
 

المؤمن للمؤمن متواضع جداً ولغير المؤمن عزيز عفيف:


والله أيها الإخوة؛ يوجد بنفس المؤمن من العزة ما لو وزّعت على أهل بلد لكفتهم، عزيز، وقد وجّه النبي المؤمنين قيل: ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، ونبهنا وقال:

(( عن حذيفة بن اليمان: لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلّ نفسَهُ. ))

[  الترمذي: حسن غريب ]

وعلمنا أن المؤمنين:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾

[ سورة المائدة ]

متواضع إلى أقصى درجة، يقول سيدنا عمر حينما تولى الأمر وكان شديداً فخاف الناس شدته، يقول لأبي ذر: والله يا أبا ذر في قلبي من الرحمة ما لو علموها لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، ثم يقول: اعلموا أيها الإخوة أن هذه الشدِّة قد أُضعفت، وإنما تكون على أهل البغي والعدوان، أما أهل التقوى والعفاف فأنا أضع لهم رأسي ليطؤوه، المؤمن لمؤمن متواضع جداً، لغير المؤمن عزيز، فلذلك إما أن تكون عبداً لله، أو أن تكون عبداً لعبد لئيم، استمعوا لهذه الآيات:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾

[ سورة المائدة ]

أحياناً يكون إنسان عنده عزة وهو مستَخدم، يكون هناك مدير عام منبطحاً لمن هو أقوى منه.
 

خيارات القوي في العمل الصالح لا تُعَدّ ولا تحصى:


لكن الآن الشيء الدقيق جداً أن الله قوي متين، وهذا المعنى الدقيق لا يتعارض مع سعي الإنسان لأن يكون قوياً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. ))

[  صحيح مسلم  ]

((المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله)) يُستنبط من هذا أنه إذا كان طريق القوة، طريق أن تكون قوياً، إما بمالك أو بمنصبك، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تُعدّ ولا تحصى، إن كنت قوياً بالمال بإمكانك أن تفتتح مأوى للعجزة، مأوى للمسنين، معهداً شرعياً، مستشفى، مستوصف، أن تُزوج الشباب، أن ترعى الأرامل، أن تُطعم الجياع، إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تُعدّ ولا تحصى، إذا كنت قوياً مالياً، وإذا كنت قوياً في العلم، تُعلِّم العلم، تنشر هذا العلم، وإذا كنت قوياً في منصبك بجرة قلم تُحِقّ حقاً، وتُبطل باطلاً، بتوقيع تُقِرّ معروفاً، وتُزيل منكراً.
 

كلمة المسلمين ليست العليا وللآخرين عليهم ألف سبيل وسبيل:


أيها الإخوة؛ انطلاقاً من اسم القوي المتين:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)﴾

[ سورة الأنفال ]

للطرف الآخر، ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ الذي حصل أنهم أعدوا لنا ولم نُعدَّ لهم، كنا في غفلة لمئتي عام، هم في صحوة، وفي عمل دؤوب حتى استكملوا القوة العظمى، ففرضوا ثقافتهم، وإباحيتهم، وانحرافهم على شعوب الأرض، وهذا نقص خطير في حياة المسلمين، هذه الصحون هذا غزو فضائي، كانوا يجبروننا بالقوة المسلحة على أن نفعل ما يريدون، الآن لا يحتاجون لا إلى طائرات، ولا إلى مدافع، ولا إلى صواريخ، ولا إلى حاملات طائرات، يحتاجون إلى محطة إباحية فقط يبثونها، تجد بيوتات المسلمين إلى ساعة متأخرة من الليل غارقة في هذه المشاهد الرخيصة، أي قيام ليل؟ أي ذكر؟ أي صلاة في المسجد؟ أنا لا أتكلم عن فئة قليلة عرفت ربها، وعرفت دينها، أتكلم عن السواد الأعظم من المسلمين، أي مليار وخمسمئة مليون مسلم لا وزن لهم في الأرض، والواحد منهم كألف سابقاً، يوم كان المسلمون مع الله عز وجل، بينما الألف من هؤلاء الذين يعيشون معنا كأف، مليار وخمسمئة مليون لا وزن لهم؟ ليس أمرهم بيدهم؟ ليست كلمتهم هي العليا؟ للطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل؟ لذلك ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . 
 

على المؤمن أن يتخلّق بكمالات الله عز وجل:


هناك شيء آخر: 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾

[ سورة الشورى ]

انطلاقاً من أن تتخلّق بكمال مشتق من اسم القوي المتين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ تذلُّل، خنوع، تضعضع، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، أو إلى قوي فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لكن لا يوجد عدوان: 

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)﴾

[ سورة الشورى ]

يقول لك: سأكيل له الصاع صاعين، كلام غير شرعي، الشرعي: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ إذا غلب على ظنك أن العفو يُصلح هذا الذي اعتدى عليك وعفوت عنه أجرك عند الله، يعفو لحكمة، يعفو حينما يرى أن العفو قد ينقذ أخاه من الشقاء فيعفو عنه.
أيها الإخوة؛ لابدّ من أن نتخلّق بأخلاق مُشتقة من كمالات الله، وأن نتقرب بهذه الأخلاق إلى الله، ملخص اسم القوي المتين: ((المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف)) .بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور