الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى المُقتدِر:
أيها الإخوة الأكارم؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم المقتدر.
ورود اسم المُقتدِر في القرآن الكريم:
اسم الله المقتدر سمّى الله نفسه به في قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42)﴾
وقال أيضاً:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)﴾
ورد في بعض الآثار: ابتغوا الرفعة عند الله ، الإنسان أحياناً قد يصل إلى الرفعة عند الناس، لكن هذه الرفعة زائلة، يموت ينتهي كل شيء، الموت يُنهي كل شيء، يُنهي قوة القوي، يُنهي ضعف الضعيف، يُنهي وسامة الوسيم، يُنهي دمامة الدميم، يُنهي غنى الغني، يُنهي فقر الفقير، يُنهي صحة الصحيح، يُنهي مرض المريض، يُنهي كل شيء، ولكن الذي عرف الله، واستقام على أمره، وتقرب إليه له يوم القيامة ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ، ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ*فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ .
ورود اسم المُقتدِر في الآيتين التاليتين مطلقاً منوناً مقترناً بالعلو والفوقية:
الاسم أيها الإخوة؛ ورد في الآيتين مطلقاً منوناً، وقد ورد مقترناً بالعلو والفوقية، العلو والفوقية تزيد الاسم إطلاقاً على إطلاقه فقال تعالى:
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)﴾
أنت إذا عرفت الله أنت مع من؟ أنت مع القوي، أنت مع القادر، أنت مع القدير، أنت مع المقتدر، قادر، قدير، مقتدر، كل شيء بيده.
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾
أقوى الأقوياء في الدنيا في قبضته، كن فيكون، زل فيزول، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ كمال على كمال، قوة على قوة، هذه الآية بمفردها كافية في إثبات اسم المقتدر، ولم يرِد هذا الاسم في حديث ثابت.
أما في اللغة، المُقتدِر لغة اسم فاعل من اقتدر، يقتدر، اقتداراً، فهو مقتدر، الأصل قدّر، أصل اقتدر قدّر، يُقدّر، وأصل الأصل قَدَر، قَدرَ ثلاثي، وأفعال اللغة العربية في الأصل بُنيت على الثلاثي، الثلاثي فعل مجرد، الرباعي مزيد بحرف، الخماسي مزيد بحرفين، السداسي مزيد بثلاثة أحرف، قَدرَ، قَدّر، اقتدر خماسي، هو أكثر مبالغة من القادر والقدير، المقتدر الوسط في كل شيء، بالأساس المقتدر وسط في كل شيء، رجل مقتدر الخَلق أي وسطه معتدل، كامل الأوصاف كما يقولون، ليس بالطويل ولا بالقصير، والمُقتدِر على الشيء هو المتمكن منه تمكّن إحاطة وقوة تامتين، والمهيمن عليه بإحكام كامل وقدرة فائقة، أحياناً يكون بمكان رجل قوي متمكن، معلوماته دقيقة جداً، معه سلطة مطلقة، نقول: هذا الرجل في هذا المكان هو الرجل الأول، أو القوي، أو القادر، أو القدير، أو المقتدر، لا يُعصى له أمر.
قال البيهقي: المُقتدِر هو التام القدرة الذي لا يمتنع عليه شيء ، أحياناً يكون الحاكم قوياً مقتدراً في بلده طبعاً، أما في بلاد أخرى ليس له عليها أي سلطة، أي قدرته ليست تامة، والآية الكريمة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عرفوه حقّ معرفته، ما وصفوه حقّ صفته.
المُقتدِر يقتدر على الأقوياء لا على الضعفاء فقط:
الآن قَدَره أي عرف قَدَره، قَدَره من التقدير، وقَدَرَه من التعظيم، ومنها ليلة القدر:
﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾
في هذه الليلة قدّر فيها الإنسان ربه، لذلك إذا قدّرت ربك وعرفته خير لك من ألف شهر، ألف شهر أي ثمانون عاماً عبادة جوفاء، أما هذه الليلة التي عرفت فيها الله عز وجل تعدل عند الله أن تعبده ألف شهر، المُقتدِر أيضاً من الاقتدار، وهو الاستيلاء على كل من أعطاه الله حظاً من قدرة، المُقتدِر يقتدر على الأقوياء لا على الضعفاء فقط، يقتدر على أقوى الأقوياء.
أيها الإخوة؛ والمُقتدِر القادر لما في البناء من معنى التكلف والاكتساب، الآن كتب غير اكتتب، كتب لمرة وحدة، أما اكتتب جعل الكتابة له حرفة، أي اكتتب مُكتتب محترف، متفوق، يعلم أسرار الكتاب، عبارته متينة، ناصعة، فيها بلاغة.
المُقتدِر بدايته من التقدير ونهايته من القدرة:
الآن إذا قلنا: الله مُقتدِر ما معنى ذلك؟ قال: الله مُقتدِر هو الذي يُقدِّر الأشياء بعلمه، يوجد علم أول شيء، ويُنَفذها بقدرته، أي علم مطلق، وقدرة مطلقة، فالمُقتدِر يجمع دلالة اسم الله القادر والقدير معاً، اسم الله القادر هو الذي يُقدِّر المقادير في علمه، وعلمه المرتبة الأولى من قضائه وقدره، والله قدّر كل شيء قبل تصنيعه وتكوينه، ونظم أمور الخلق قبل إيجاده وإمداده، فالقادر يدل على التقدير.
عفواً هذا المسجد، يقدر المهندس يقول لك: يحتاج إلى كذا طن وسبعمئة وثمانين كيلو، وأربعمئة وخمسين غرام إسمنت، لا يوجد مهندس بالأرض يستطيع أن يعطي التقدير الدقيق، يقول لك: بحدود خمسين طناً مثلاً، بحدود، أحياناً يزيد، أحياناً ينقص، التقدير الأول العلم المسبق الدقيق، فالمُقتدِر من التقدير من العلم الدقيق، والمُقتدِر من القدرة من القوة التامة، علم وقدرة، تخطيط وتنفيذ.
القدير هو الذي يخلق بقدرته المطلقة وفق تقدير سابق، وفق علم سابق، أحياناً يكون هناك تخطيط دقيق جداً، يأتي التنفيذ مطابقاً للتخطيط مئة بالمئة، إذاً المُقتدِر فيه معنى العلم المسبق، القطعي، المطلق، الكامل، ومعنى القدرة القوية، المطلقة التي تُنَفِّذ هذا التخطيط، أي أحياناً الإنسان يخطط، لكن لا يستطيع أن يُنَفِّذ، الآن نقول عن أعدائنا: ما كل شيء خططوه استطاعوا تنفيذه، إذاً قدرتهم ليست تامة، إما أن تقديرهم كان خاطئاً، أو أن التقدير جيد لكن نشأ مستجدات لم تكن في الحسبان، الآن أعداء المسلمين الأقوياء فقدوا الحسم، كانوا فيما مضى يخططون، ويُنفذون، ويحسمون الأمر لصالحهم، وانتهى الأمر، الآن يخططون، يبدؤون في التنفيذ، تنشأ مستجدات تحول بينهم وبين التنفيذ، إذاً ليسوا مقتدرين، الله وحده المُقتدِر، فإذا كنت معه من يستطيع أن يصل إليك؟ من يستطيع أن ينال منك؟ إذا كنت مع القوي فأنت القوي، فالمُقتدِر بدايته من التقدير، ونهايته من القدرة.
المُقتدِر لا يعجز عن شيء فكل شيء بيده:
أيها الإخوة؛ الجمع بين اسم الله القادر والقدير معاً هو أبلغ منهما في الدلالة على الوصف، أي هناك قادر اسم فاعل، وهناك قدير اسم فاعل مبالغ به فعيل، وهناك مُقتدِر أبلغ من قادر ومن قدير، أي المُقتدِر أعلى درجة.
﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)﴾
من أين تأتي قوة المسلم الحقيقية؟ أنه مع المُقتدِر، أن المُقتدر ينصره، يؤيده، يحفظه، يهزم أعداءه، من هنا لا يوجد حلّ لمشكلات المسلمين إلا أن يصطلحوا مع المُقتدر لأنه المُقتدر على أعدائه، وقالوا: المُقتدر هو المُقتدر على كل شيء من الأشياء، يُحييه ويُفنيه بقدرته، لا يعجز عن شيء، قال تعالى عن فرعون وقومه:
﴿ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42)﴾
أقوى الأقوياء بيد الله، كن فيكون، زل فيزول.
اعتماد الإنسان على الوسيلة وهذا أحد أسباب ضعفه:
قال بعض العلماء: المُقتدر هو المُتمكِّن من الفعل بلا واسطة، أنت مُتمكِّن أن تصل إلى حلب، ولكن بواسطة؛ بسيارة، مُتمكن أن تصل إلى أمريكا ولكن بالطائرة، مُتمكن أن تجلب الماء، لكن بعد حفر البئر، فالإنسان يعتمد على الوسيلة، وهذا أحد أسباب ضعفه، الإنسان لا يوجد عنده كن فيكون، هناك شح مياه، لا يملك الإنسان قراراً بإنزال المطر، أما الله عز وجل كن فيكون، زل فيزول، كنا في بلد في إفريقيا أمطار هذا البلد في الليلة الواحدة ضعف أمطار دمشق في عام بأكمله، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ أي:
﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)﴾
فرعون وراء سيدنا موسى وقومه، والبحر أمامه، فرعون قوي، جبّار، متكبر، حاقد، متغطرس، وسيدنا موسى نبي من أولي العزم، ضعيف، معه شرذمة من بين إسرائيل خائفون:
﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
بحر أصبح طريقاً يبساً، مشوا فيه فلما خرجوا منه تبعهم فرعون، في منتصف الطريق عاد الطريق بحراً.
من كان مع الله كان الله معه:
أنا أعتقد أن أقوى الأقوياء بثانية ينتهي عند الله، لا تقلق الأمر بيد الله عز وجل، أي هؤلاء الذين رفعوا شعار لا إله، وعاشوا سبعين عاماً ينشرون الإلحاد في الأرض، من دون حرب، من دون أي مواجهة، هذا الكيان تداعى من الداخل.
﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)﴾
كن فيكون، زل فيزول.
بالمناسبة يوجد ببعض معامل الحديد رافعات كهربائية، أي رافعة يوجد حولها وشيعة كهربائية، الوشيعة الكهربائية تمغنط المكان، فهذه الرافعة تسري بها الكهرباء تصير عندها قوة جذب، توضع فوق كتلة حديد كبيرة جداً تجذبها، ترفعها لتنقلها من مكان إلى مكان، الآن دققوا: لا يوجد قوة يملكها إنسان ينزع قطعة منها، أما العامل على هذه الرافعة يوجد معه مفتاح إذا ضغطه واحد على عشرة من الميلي، وقطع الكهرباء كله يسقط، والأقوياء كذلك يحتاجون من الله إلى أمر، يكون يملأ الدنيا رعباً، وطغياناً، وغطرسة، يصبح على المنفسة أربع سنوات ونصف، ولم يمت بعد، على المنفسة، هذا مُقتدر، فإذا كنت مع المُقتدر، إذا كنت مع الله كان الله معك.
كن مع الله ترَ الله معــك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطـاك من يمنعه؟ ثم من يعطي إذا ما منعك؟
الله عز وجل قادر على إصلاح الخلائق على وجه لا يقدر عليه إلا هو:
المُقتدِر هو المُتمكن من الفعل بلا واسطة، فالعلة الغائية لا تليق بجلال الله عز وجل، نحن كبشر مقهورون بالوسيلة، نخترع ميكروسكوباً كي نرى الذي لا تراه عيننا، فنحن رأينا الأشياء الدقيقة بواسطة، ونخترع تليسكوباً لنرى النجوم البعيدة التي لا تراها أعيننا، فنحن كبشر مقهورون بالواسطة.
أيها الإخوة؛ لذلك ينبغي لهذا الإنسان أن يعرف الله، لأن المُقتدر هو الذي يقدِر على إصلاح الخلائق على وجه لا يقدِر عليه إلا الله، أعرف رجلاً عنده ابن مُنحرف انحرافاً شديداً، جعل حياة أسرته جحيماً لا يطاق، انحراف، ورعونة، ووقاحة، لا يوجد قوة تُهيمن على هذا الشاب، لكن أثناء قيادته لمركبة دهس طفلة وتوعده أهلها بالقتل، فقبع في البيت، لم يكن هناك قوة تقهر هذا الشاب، يتطاول على والده، وعلى أمه، وعلى أقربائه، وعلى من معه في العمل، لا يصوم، يفطر جهاراً، وقح، فبهذا الحادث أصبح ذليلاً خائفاً يتوارى عن الأنظار.
من لم يستجب لله هيأ الله له علاجاً مُرّاً:
أحياناً إنسان لا تستطيع أن توجهه إطلاقاً، الله يهيئ له علاجاً مُرّاً، لذلك حينما قال الله عز وجل لنبينا:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)﴾
إن لم يستجب لك دعه لي، شيء مخيف:
﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12)وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾
سرّ محبة الناس والتفافهم حول القوي لا لأنه قوي بل ليحتموا بقوته:
أيها الإخوة؛ الإنسان يحب القوي بصراحة، هذا شيء من طبعه، ومن فطرته، أي إذا وُجِدَ إنسان قوي بمجموعة من الناس، ترى الناس يلتفون حوله، ويرمقونه بأبصارهم، ويدعونه إلى ولائمهم، ويقدمون له الهدايا اتّقاء لشره، من أجل أن يطمئنوا إلى أنه لن يسحقهم، هذا شأن البشر، القوي يقدسونه، يُعظمونه، يُنافقون له، خوفاً منه، وقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رَجُلًا استَأذَنَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا رَآهُ قال: بئسَ أخو العَشيرةِ، وبِئسَ ابنُ العَشيرةِ! فلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في وجهِه وانبَسَطَ إليه، فلَمَّا انطَلَقَ الرَّجُلُ قالت له عائِشةُ: يا رَسولَ اللهِ، حينَ رَأيتَ الرَّجُلَ قُلتَ له كَذا وكَذا، ثُمَّ تَطَلَّقتَ في وجهِه وانبَسَطتَ إليه! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا عائِشةُ، مَتى عَهِدتِني فحَّاشًا؟ إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِندَ اللهِ مَنزِلةً يَومَ القيامةِ مَن تَرَكَه النَّاسُ اتِّقاءَ شَرِّه. ))
شرّ الناس عند الله من اتّقاه الناس مخافة شره، هناك تعبير في دمشق مشهور: نوم الظالمين عبادة، ينام الظالم يريح الناس، والنبي الكريم حينما رأى جنازة قال:
(( عن أبي قتادة: مستريح، أو مُسْتَراح منه، فقالوا: يا رسول الله ما المستريحُ وما المستَراح منه؟ فقال: العبد المؤمنُ يستريح من نَصَب الدنيا، والعبد الفاجرُ يستريح منه العبادُ والبلادُ، والشجر والدواب. ))
فالإنسان يحب القوي، الحقيقة سرّ محبة الناس والتفاف الناس حول القوي لا لأنه قوي ولكن كي يحتموا بقوته، لأنه يلبي عندهم حاجة.
المؤمن واثق من المستقبل لأنه مع القوي سبحانه:
الآن المؤمن لماذا هو لا يُنافق؟ لأنه مع القوي، لماذا هو واثق من المستقبل؟ مع القوي.
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)﴾
مستحيل أن تكون مع القوي وتكون ضعيفاً، أحياناً يكون هناك شرطي مع وزير، يمشي بالعرض، يقول لك: أنا سائق الوزير، يستمد قوة من قوة الوزير، يمكن يتطاول على أكبر الموظفين بالوزارة، أنا سائق الوزير مثلاً، فالإنسان الضعيف أحياناً يستمد قوته من القوي.
الآن مثلاً ببعض المجتمعات طفل صغير لا تستطيع أن تكلمه كلمة واحدة، هو ضعيف جداً لكن أبوه قوي جداً، فالطفل ضعيف، يمكن أن تضربه، أن تسحقه، ولكن تخشى والده، فهذا الطفل ليس قوياً بذاته، هو قوي بقوة أبيه، هذا شيء من واقع الحياة، قوي بقوة أبيه لا بذاته، المؤمن سرّ قوته على الرغم من ضعفه أنه قوي يستمد قوته من الله، فإذا أردت أن تكون أقوى الأقوياء فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أقوى الأقوياء معك سلاح الدعاء، سلاح الدعاء يجعلك أقوى من أقوى الأقوياء، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ سيدنا هود تحدّى قومه، قال:
﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
أساس العلاقة بين الإنسان وربه التوكل على الله:
ملخص الملخص: هناك وحوش مفترسون، لكن مربوطون بأزمّة مُحكمة بيد قوي، منصف، رحيم، فالإنسان الضعيف علاقته ليست مع الوحوش، مع الذي بيده أزمّتها، فإذا رضِي الله عنك أبعدهم عنك، وإذا غضِب عليك أرخى بعض الحبال فوصلوا إليك، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ*إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
كن مع الله ترَ الله معــك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطـاك من يمنعه؟ ثم من يعطي إذا ما منعك؟
هذه ملة طه خذ بها.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق