الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الولي:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الولي، هذا الاسم ورد مطلقاً معرفاً، معنى مطلق؛ كأن تقول: قلم، أيُّ قلم، أما إذا قلت: قلم المعلم، أضفت القلم إلى المعلم، أي قيدته بالمعلم، فإذا جاء الاسم مضافاً فهو مقيد، وإذا جاء غير مضاف فهو مطلق.
ورود اسم الولي في القرآن الكريم مطلقاً معرفاً ومقيداً:
إذاً هذا الاسم ورد مطلقاً مُعرّفاً في قوله تعالى:
﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9)﴾
ولا ولي سواه، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ورد مطلقاً مُعرفاً، وفي قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28)﴾
وقد ورد هذا الاسم مقيداً أي مضافاً في نصوص كثيرة كقوله تعالى:
﴿ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)﴾
وفي قوله سبحانه وتعالى:
﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)﴾
على المؤمن أن يتعامل مع المؤمن بالولاء ومع الآخر ولو كان قريباً بالواجب:
أيها الإخوة؛ وفي السنة الصحيحة كما في البخاري من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه قال:
(( عن عمرو بن العاص: سَمِعْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جِهَارًا غيرَ سِرٍّ يقولُ: إنَّ آلَ أبِي -قالَ عَمْرٌو: في كِتَابِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ بَيَاضٌ-لَيْسُوا بأَوْلِيَائِي؛ إنَّما ولِيِّيَ اللَّهُ وصَالِحُ المُؤْمِنِينَ. زَادَ عَنْبَسَةُ بنُ عبدِ الوَاحِدِ، عن بَيَانٍ، عن قَيْسٍ، عن عَمْرِو بنِ العَاصِ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ولَكِنْ لهمْ رَحِمٌ أبُلُّهَا ببَلَالِهَا أي أصِلُهَا بصِلَتِهَا. ))
أي أصِلُها بصلتها التي أُمرت بها، كلام دقيق، أنت مؤمن، من توالي؟ من تحب؟ من تعاشر؟ مع من تتعاون؟ مع من تعمل؟ مع المؤمنين، لكن لك أب، قد يكون هذا الأب ليس كما ينبغي، الله أمرك أن تَبَرّه، وأن تُحسن إليه، وأن تَصِله، الولاء شيء والواجب شيء آخر، أي أنا ولائي، محبتي، إخلاصي، تعاوني مع المؤمنين، ورد في بعض الأحاديث:
(( عن أبي سعيد الخدري: لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ. ))
أنت لا ترتاح إلا مع المؤمن، لأنه صادق، لأنه متواضع، لأنه مُنصف، لأنه رحيم، لأنه متعاون، تتعامل مع المؤمن بالولاء، وتتعامل مع الآخر ولو كان قريباً بالواجب.
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15)﴾
على المؤمن أن يؤدي واجبه لكل من يلوذ به أما قلبه مع المؤمنين الصادقين:
هناك واجبات، هناك حقوق، يجب أن تصِله، أن تُحسن إليه، أن تُقدم له ما يحتاج لأنه أبوك، أما إذا كان الأب مؤمناً يجتمع له الولاء والواجب، أما يوجد آباء على غير ما ينبغي، يوجد أقارب ليسوا كما ينبغي، يوجد أقارب لا يقبلون من ابنهم أن يكون مستقيماً مثلاً، هناك حالة موجودة، ينبغي أن يكون ولاؤك لله، ولرسوله، وللمؤمنين، وينبغي أن تؤدي واجبك لكل من يلوذ بك شئت أم أبيت، ((إِن آل أبي ليسوا بأوليائي، إِنما وَلِيِّيَ اللهُ وصالحُ المؤمنين ولكن لها رحم أبُلُّهَا بِبلالها أي أصِلُهَا بصِلَتِهَا)) التي أُمرت بها، هذا الكلام مُفاده أن المؤمن يتمتع بما يسمى بالولاء والبراء، يوالي المؤمنين، يحمل همهم، ينصرهم، يتعاون معهم، يتألم لألمهم، يسعد لسعادتهم، يفرح لمنجزاتهم، يدافع عنهم، أما أقرباؤه لهم حقّ عليه، يؤدي هذا الحق بالتمام والكمال، لكن قلبك مع المؤمن، لولا أن هناك حالات كثيرة جداً أن إنساناً تعرّف إلى الله، واستقام على أمره، ومن حوله من أقربائه ليسوا كذلك، يؤدي لهم واجب القرابة لكن ولاؤه للمؤمنين، هذا موقف متوازن، معتدل، هذا موقف تُؤدى فيه الحقوق، أما قلبك لا تملكه، قلبك مع المؤمنين، قلبك مع الصادقين، مع المتواضعين، مع المنصفين، مع المحبين لله ولرسوله.
أيها الإخوة؛ أما معنى الولي في اللغة هي صيغة مبالغة من اسم الفاعل الوالي، الوالي صيغة مبالغته الولي، فعله وَلِي، يلي، ولاية، والولي الآن هو الذي يلي غيره، فلان جالس هنا، الولي الذي إلى جانبه، الذي يلي غيره، بلا فاصل، أي ليس بينهما أحد، إنسان جالس بمكان من إلى جانبه تماماً هو الولي الذي يليه، ويكون هذا التقارب في المكان، أو النسب، أخوه، ابن أخيه، عمه، إما في المكان، أو في النسب، ويُطلق الولي على الوالد، أولياء الطلاب، أي الوالد، والناصر وليه نصره، والحاكم أولو الأمر، والسيد، فالسيد، والحاكم، والناصر، والوالد هو الولي، والذي يجلس إلى جانبك ليس بينك وبينه أحد هو الولي.
من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يُحِبّ التميز:
أما الولاية كمصدر تولي الأمر كقوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)﴾
من يتولى أمرك، من يدير شؤونك، من يرعاك، من ترجع إليه، من تستشيره، من تعتمد عليه، وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: إذا صنعَ لأحدِكم خادمُهُ طعامًا ثمَّ جاءَهُ بِهِ وقد وليَ حرَّهُ ودخانَهُ فليُقعدْهُ معَهُ ليأْكلَ، فإن كانَ الطَّعامُ مشفوهًا فليضع في يدِهِ منْهُ، أَكلةً أو أَكلتينِ. ))
أي لك خادم صنع لك طعاماً، ليأكل معك، من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل مع الخادم، أي ما كان يحب التميز.
كانوا في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم: عليّ ذبحها يا رسول الله، فقال الثاني: وعليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام.
دخل عليه أعرابي ما عرفه، قال: أيكم محمد؟ والله يُستنبط من هذه الحكاية-هي القصة القصيرة-آلاف الاستنباطات، لا يوجد تميز أبداً، أيكم محمد؟ فقال أحد أصحابه: ذاك الوضيء، وفي رواية: قال النبي الكريم: أنا ، لا يوجد أي تميز، هذا مجتمع المؤمنين، إذاً ((إِذا صنعَ لأحدكم خادمُهُ طعاماً، ثم جاء به وقد وليَ حرَّه ودخانه فليُقعده معه فليأكل)) .
العاقل من أعدّ لساعة الموت عدتها:
أيها الإخوة؛ لاشك أن الحياة محفوفة بالمخاطر، أي إنسان بكل قوته، وجبروته، وهيمنته، وحجمه المالي بثانية واحدة تتجمد قطرة دم في أحد أوعية دماغه يُصاب بالشلل، بمكان آخر يُصاب بالعمى، بمكان آخر يُصاب بفقد الذاكرة، أي لو أن الدم تجمّد في أي مكان احتشاء، جلطة، حادث سير أصبح مشلولاً، ركب طائرة وقد مات جميع ركابها، أي الحياة كلها مخاطر، لا يوجد إنسان يضمن أن يعيش ساعة، وقد يأتي الموت بأسرع من لمح البصر، قد يكون رجلاً فإذا به خبر، لُصِقت على الجدران نعوته.
لذلك من أقوال سيدنا عمر: واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، أي كل واحد يقرأ في اليوم عشرات النعوات، لكن لابدّ في أحد الأيام من أن يقرأ الناس نعوته، كل يوم يخرج من بيته قائماً على قدميه، لكن في مرة واحدة لابدّ منها يخرج في نعش ولا يعود، يدخل إلى المسجد كل يوم، لكن في مرة واحدة يدخل إلى المسجد في نعش لا ليصلي بل ليُصلى عليه، هنا البطولة أن تُعِد لهذه الساعة التي لابدّ منها عُدتها.
الحياة محفوفة بالمخاطر فعلى الإنسان أن يغتنم صحته وقوته قبل فوات الأوان:
لذلك الحياة محفوفة بالمخاطر، أحياناً فقر مفاجئ، ورد: بادِرُوا بالأعمال الصالحة، بادروا أي سارعوا، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ ـدقق؛ هل تنتظرون إلا فَقْراً مُنْسياً؟ فقر مفاجئ، الأسعار عشرة أضعاف، رأسمالك لا يسمح لك أن تستعيد هذه البضاعة بعد ارتفاع سعرها، كساد مفاجئ، جفاف، هل تنتظرون إلا فَقْراً مُنْسياً؟ أو غِني مُطغياً؟ غنى يحمل صاحبه على أن يعصي الله، بلاء هذا، أو مَرَضاً مُفسِداً؟ يُفسد على الإنسان حياته، يجعل حياته جحيماً لا يطاق، والله أسمع كثيراً فجأة فشل كلوي، يحتاج إلى زرع كلية، دخل في متاهة تنظيف الكلية، ثلاث مرات بالأسبوع، وكل مرة مبلغ ضخم، وثماني ساعات على السرير، وآلام، الإنسان إما أن يصاب بالفقر فينسيه كل شيء، وكاد الفقر أن يكون كفراً، أو غنىً يحمل الغني على معصية الله والكبر، أو مَرَضاً مُفسِداً؟ أو هَرَماً مُفنِداً؟ تقدمت به السن، يعيد القصة مئة مرة، ظلّه ثقيل، يكره الناس ومن حوله وجوده، يتهربون منه، أو موتاً مُجْهِزاً؟ أو الدجالَ؟ الذي يأتي إلى بلاد ليقيم فيها الحرية والديمقراطية، فإذا به يسفك الدماء وينهب الثروات، أو الدَّجَّالُ؟ فشَرُّ غائب يُنَتظَرُ، أو الساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ، دققوا في هذا: بادِرُوا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ هل تنتظرون إلا فَقْراً مُنْسياً؟ أو غِنى مُطغياً؟ أو مَرَضاً مُفسِداً؟ أو هَرَماً مُفنِّداً؟ أو موتاً مُجْهِزاً؟ أو الدجالَ؟ فشَرُّ غائب يُنَتظَرُ، أو الساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ.
إذاً هناك أخطار لا تُعَدّ ولا تُحصى، أخطار بالصحة، أخطار بالعمل، أخطار بالدخل، أخطار بالرزق، أخطار أُسرية، أخطار عامة، اجتياح، فقد الأمن، هناك مصائب لا تُعدّ ولا تُحصى، هذه المصائب تقلب حياة الإنسان إلى جحيم، إلى شقاء، لأسباب تافهة يقود مركبته أخذته سنة من النوم تدمرت حياته كلها، فجأة ورم خبيث، في ريعان شبابه.
أعرف إنساناً أخذ أعلى شهادة من فرنسا بالجيولوجيا، وتسلّم منصباً رفيعاً جداً، وله مكانة كبيرة، وبيت فخم، وزوجة، وكل شيء، فقد بصره، راعوه شهراً، يأتي موظف يعرض عليه المعاملات، ويعطي رأيه ويُوقّع، لكن بعدها سُرِّح، زاره صديق لي قال له: يا فلان! أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، وأن يرد الله لي بصري، فجأة فقد بصره، لذلك
(( من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام: اللهمَّ إنَّي أعوذُ بك من زوالِ نعمَتِك، وتَحَوُّلِ عافيَتِك، وفجْأةِ نقمتِك، وجميعِ سَخَطِك. ))
لك العتبى حتى ترضى.
من أطاع الله شعر براحة لا توصف لأنه بظلّ الله ورعايته:
إذاً هناك أخطار كثيرة تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، فمن الذي يحمي المؤمن؟ من يحفظه؟ من يربيه؟ من يرشده؟ من يرعاه؟ من يؤيده؟ من ينصره؟ من يدافع عنه؟ من ينبهه؟ إنه الله.
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)﴾
الإنسان إذا أطاع الله شعر براحة كبيرة، إذا أطاع الله شعر بالأنس، شعر بحماية الله، هو في ظلّ الله، هو في رعايته، معنى قوله تعالى:
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)﴾
أي برعايتنا، وبحفظنا، وبتوفيقنا، وبتأييدنا، وبنصرنا.
الله تعالى هو المتولي لأمور خلقه والقائم على تدبير ملكه:
أيها الإخوة؛ الله هو الولي، معنى الولي هو المتولي لأمور خلقه، القائم على تدبير مُلكه، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، كما قال سبحانه:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65)﴾
أي مثل بسيط: كتلتان مغناطيسيتان، وضعناهما على مستوٍ، وجئنا بكرة فولاذية، وضعنا هذه الكرة بينهما، أي في مكان لو أزحته واحداً من مئة من المليمتر تنجذب هذه الكرة الحديدية إلى إحدى الكتلتين، أما في مكان وسط هندسي دقيق جداً تتوازن جاذبيات كل كتلة تبقى في مكانها، هذه حالة، الكتلتان متساويتان في الحجم، لو كتلة أكبر وكتلة أصغر الحساب صار أدق، يجب أن تكون في مكان بين الكتلتين لكن ليس في المنتصف، في مكان يتناسب مع جذب الكتلة الأكبر، وجذب الكتلة الأصغر، لو كان هناك ثلاث كتل، أصعب، لو كان هناك أربع، أصعب، لو كان هناك خمس كتل متفاوتة في الحجم، وأنت يجب أن تضع كرة حديدية بين هذه الكتل الحسابات لا تنتهي، وقد يكون شيئاً مستحيلاً، وإن كانت هذه الكتل في الفراغ شيء أعلى، شيء أدنى، شيء أقرب، شيء أبعد، شيء أكبر، شيء أصغر، هذا يسميه العلماء التوازن الحركي.
الكون من آيات الله الدالة على عظمته:
هكذا الكون، مجرات، وكواكب، ونجوم، وكبير، وصغير، وكثيف، وغير كثيف، والمحصلة توازن حركي، هذا من آيات الله الدالة على عظمته، أي المحصلة يوجد توازن، الأرض، والقمر، والشمس، المجموعة الشمسية، وهناك مليون مليون مجرة، وبكل مجرة يوجد مليون مليون نجم وكوكب، والمحصلة توازن، بحسب قانون التجاذب الأكبر يجذب الأصغر.
الأرض تسير حول الشمس في مسار إهليلجي، طبعاً المسار الإهليلجي يوجد قطر أصغر وقطر أكبر، إذا انتقلت الأرض من القطر الأكبر إلى الأصغر، المسافة قلّت، بُعدها عن الشمس أصبح أقل، إذاً احتمال أن تنجذب إلى الشمس احتمال قائم، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، ما العمل؟ الله عز وجل بيده ملكوت كل شيء، يرفع سرعة الأرض من هذه السرعة الجديدة تنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة فتبقى في مسارها، قال تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)﴾
الآن حينما تنتقل من القطر الأصغر إلى القطر الأكبر المسافة زادت، واحتمال تفلت الأرض من جاذبية الشمس قائمة، ما الذي يحصل؟ يُخَفّض الله سرعتها، من هذه السرعة الجديدة القليلة تنشأ قوة نابذة أقل تُكافئ القوة الجاذبة الأقل تبقى في مكانها، لذلك: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ولاية الله لعباده على وجهين:
قال تعالى:
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)﴾
معنى دقيق جداً كالطبيب تماماً زار مريضاً، قرأ التحليل، الضغط مرتفع جداً، أعطى أمراً بإيقاف الملح فوراً، القضاء حُكم، والقدر علاج، أحياناً الضغط منخفض جداً يعطي أمراً بإضافة الملح الزائد إلى الطعام، الملح يحبس السوائل، الضغط يتوازن، أي وضع القضاء والقدر بشكل مبسط واضح، القضاء حكم، والقدر معالجة.
يرى الإنسان شارداً يُقدر له مصيبة تردّه إليه، الإنسان مقبل، يُقدر له عطاء يكرمه به، فالقضاء والقدر الله عز وجل نظر إليك، حكم عليك بحالة، هيأ لك علاجاً لهذه الحالة، إما تأديباً، أو تكريماً، هذا القضاء والقدر، أوضح مثل: طبيب مرّ على مريض وجد ضغطه مرتفعاً قال: أوقفوا الملح، لما علِم أن ضغطه مرتفع قال: أوقفوا الملح، العلم قضاء، وإيقاف الملح قدر، ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ وولاية الله لعباده على وجهين، وهذان الوجهان يأتي شرحهما إن شاء الله في درس قادم.
الملف مدقق