وضع داكن
16-04-2024
Logo
الدرس : 6 - سورة ابراهيم - تفسير الآية 32 الأرض
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

الكون بابٌ واسعٌ كبير من أبواب معرفة الله سبحانه وتعالى :


أيها الإخوة المؤمنون ؛ وصلنا في الدرس الماضي في سورة إبراهيم عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام إلى قوله تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ (32)وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ(33)وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ .

أيها الإخوة الأكارم ؛ خلق الله سبحانه وتعالى الكون ، وبثَّ في الكون آياتٍ دالَّةً على عظمته ، فإذا قرأت في هذا الكون عرفت الله عزَّ وجل ، والكون بسمائه ، وأرضه ، وشمسه ، وقمره ، وليله ، ونهاره فيه بابٌ واسعٌ كبير من أبواب معرفة الله سبحانه وتعالى ، أي هذا الكتاب يقرؤه كل إنسان ، صفحاته كبيرة ، كلماته كبيرة ، حروفه كبيرة ، أينما تحرَّكت ، حيثما ذهبت تُطَالِعُكَ آيات الله عزَّ وجل ، فربنا سبحانه وتعالى في هذا المقطع من سورة إبراهيم يذكِّرنا ببعض الآيات الدالَّة على عظمته ، فهو سبحانه وتعالى يقول : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ .. فكلمة السماوات والأرض إنما تعني الكون كلَّه ، لأننا على الأرض وما سوى الأرض سماء ، هذا الكون أو هذه الأرض التي نحن عليها ما حجمُها ؟ 

 

الحكمة من جعل الأرض قراراً :


تعلمون أنَّ اليابسة هي قارَّاتٌ خمسة ، إفريقيا ، وآسيا ، وأمريكا ، وأوروبا ، وأستراليا ، هذه القارات الخمس لا يزيد حجمها جميعاً عن خُمُسِ البحر ، والبحر أربعة أخماس ، وحجم الأرض بالنسبة إلى الكون كذرَّةٍ في هواء غرفة ، لو أنَّك كَنَسْتَ غرفةً في الشتاء ، وكانت أشعَّة الشمس داخلها ترى بعض الذرات العالقة في سماء الغرفة ، ما حجم الأرض بالنسبة إلى الكون إلا كحجم هذه الذرَّة التي لا وزن لها بالنسبة إلى بيتك أو إلى مدينتك ؟

فهذه الأرض التي نحن عليها جعلها الله قراراً بمعنى أنَّ الأشياء مرتبطةٌ بها ، لولا نظام الجاذبية لما استقرَّ شيءٌ على الأرض ، فالله سبحانه وتعالى من فضله العميم أنه جعلها قراراً .

وشيءٌ آخر أنه جعلها مستقرة استقراراً تاماً بحيث تبني عليها البيت فوق البيت فوق البيت ، وترتاح وتطمئن إلى سكونها ، وما الزلازل التي تحدث في بعض بقاع الأرض إلا دليلٌ على استقرارها ، لو أن الأرض مهتزةٌ كالزلزال لاستحال العيش عليها .

يعرفنا الله سبحانه وتعالى بعض النعم بأضدَّادها أحياناً ، وبضدِّها تتميَّز الأشياء ، لولا أن الأرض تهتز هزاً عنيفاً ، هذا الهز يقوِّض كل ما عليها لما عرفت نعمة سكونها التام واستقرارها .

والله سبحانه وتعالى جعلها قراراً بمعنى ثالث ، وهو أن جميع الحاجات التي أنت محتاج لها بثها الله فيها ، محتاجٌ إلى الهواء ، وإلى الماء ، وإلى ماء عذب ، وإلى معادن ، وإلى طعام ، وإلى شراب ، وإلى حيوانات ، وإلى مواد ، وإلى سهول ، وإلى جبال ، الله سبحانه وتعالى جعلها قراراً تستقر عليها لتوافر كل الحاجات فيها ، وجعلها قراراً بمعنى أنها مستقرة ، وجعلها قراراً بمعنى أن كل شيءٍ عليها مُنْجَذِبٌ إليها .

 

امتداد الأرض وتحركها نعمة من نعم الله عز وجل :


شيءٌ آخر .. أما شكل الأرض فهو شكلٌ كروي ، وهو الشكل الوحيد الذي تمتد عليه الخطوط من دون أن تقف ، أي ليس للأرض حروف ، المكعب له حرف ، والهَرَم له حرف ، ومتوازي المستطيلات له حروف ، لكن الأرض بشكلٍ دائري ، قال تعالى :

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

[ سورة الرعد ]

أي جعلها ممتدة ، جعلها متصلة ، أينما سرت تعود إلى نقطة البدء .

وشيءٌ آخر ؛ جعل ربنا سبحانه وتعالى الأرض متحركة حركاتٍ عدة ، يقول ربنا عزَّ وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)  ﴾

[  سورة الحج ] 

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾

[  سورة النمل ]

تدور حول نفسها ، وتدور حول الشمس ، ويدور محورها المائل حول نفسه في كل خمسة وعشرين ألف عام ، ويدور مستوي دورانها حول نفسه ، وقد أحصى العلماء لها دوراتٍ عديدة لا نعرف إلا بعضها ، فربنا سبحانه وتعالى خلق الأرض التي نعيش عليها ، وقال في آيةٍ أخرى :

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)  ﴾

[ سورة طه  ]

إذاً أودع الله سبحانه وتعالى تحت الثرى ثرواتٍ ثمينةً وكثيفةً وهائلةً ، والله سبحانه وتعالى كما يقول :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) ﴾

[  سورة فاطر ]

أي الأرض لها مسارٌ حول الشمس ، لا تحيد عن هذا المسار ، لا تحيد عنه بقدرة قادر ، لولا أن الله سبحانه وتعالى يحرِّكها لخرجت عن مسارها ، ولو أنها خرجت عن مسارها لانتهت ، لارتطمت بكوكبٍ آخر وانتهت الحياة من على ظهرها ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ حتى إن مسار الأرض حول الشمس يأخذ شكلاً إهليلجياً ، هناك بعدٌ أصغر وبعدٌ أكبر ، وفي البعد الأصغر يزيد جذب الشمس للأرض ، ولولا أن الله سبحانه وتعالى يزيد من سرعتها كي ينشأ من هذه السرعة قوةٌ نابذةٌ تكافئ القوة الجاذبة لانجذبت الأرض إلى الشمس ، ولانتهت الحياة من على ظهرها ، ولو أن الأرض انجذبت إلى الشمس كما يقول بعض العلماء ودخلت فيها لتبخَّرت في ثانيةٍ واحدة ، من الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا ؟ معنى تزول أن تخرج عن مسارها ، ومنه زوال الشمس عن كَبِدِ السماء ، ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿ إِنَّ اللَّهَ - هل عرفته - يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾ ؟

 

في الأرض أجسام صلبة وسائلة وغازية وهذا من فضل الله عز وجل :


شيءٌ آخر ؛ نحن على سطح الأرض نستنشق الهواء ، ونستعمل الماء ونشربه ، ونبني على الأرض الصلبة ، إذاً في الأرض عناصر صلبة ، وعناصر سائلة ، وعناصر غازية ، من الذي جعل العناصر التي خلقها الله في الأرض متفاوتةً في درجة انصهارها ؟ لو أن العناصر كلها متساويةٌ في درجة انصهارها لكانت الأرض كلها إما جسماً صلباً ، وإما سائلاً ، وإما غازاً ، الأرض منوَّعة فيها أجسام صلبة ، فيها صخر ، فيها حديد ، فيها أجسام سائلة ، فيها عناصر غازية ، هذا أيضاً من فضل الله عزَّ وجل .. 

 

الأرض نفسٌ تُسَبِّحُ لله عزَّ وجل :


﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63)  ﴾

[ سورة الحج ]

 أما رأيت هذه الآية أيها الإنسان ؟ والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)  ﴾

[ سورة الإسراء ]

أي أن الأرض نفسٌ تُسَبِّحُ لله عزَّ وجل .. ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ ﴾   ، أما يستحي الإنسان أن يكون الجماد أعقل منه ؟ أما يستحي الإنسان أن يكون الجماد أقرب إلى الله منه ؟

 شيءٌ آخر مما يؤكد أن الأرض نفسٌ ، قال تعالى :

﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) ﴾

[  سورة الدخان ]

الأرض تتبارك بالمؤمن ، فإذا مات غير المؤمن ما بكت عليه السماوات ولا الأرض ، أما السماوات فما سوى الأرض.

قلت لكم قبل قليل : إن السماوات والأرض وهذه العبارة وردت في كتاب الله مئات المرَّات ، وكأن الله سبحانه وتعالى يعني بالسماوات والأرض الكون ، والكون ما سوى الله ، كان الله ولم يكن معه شيء ، فالكون مُحْدَثٌ من قِبَلِ الله عزَّ وجل .

 

فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ : آية من آيات الله الدالة على عظمته :


شيءٌ آخر ؛ قال تعالى :

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)  ﴾

[ سورة الواقعة  ]

العلماء فهموا هذه الآية على ثلاثة مستويات :  مواقع النجوم هذه الفراغات ، هذا الفضاء الخارجي الذي لا يعلم إلا الله إلى أين يمتد ، أحدث معلوماتٍ عرفها الإنسان عن مجرةٍ بعدها عن الأرض ثمانية عشرة ألف مليون سنة ضوئية ، مع أن القمر يبعد عنا ثانيةً ضوئيةً واحدة ، والشمس تبعد عنا ثماني دقائق ، وقطر المجموعة الشمسية كلها ثلاث عشرة ساعة ، ودرب التبَّانة أي المجرة التي نحن فيها طولها كلها مئة وخمسون ألف سنة ضوئية ، أما هذه المجرة التي عثر عليها علماء الفلك فهي تبعد عنا ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية ، ومعنى أنها تبعد عنا ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية ، أي أن ضوءها قد وصل إلينا الآن ، وكانت قبل ثمانية عشر ألف مليون سنة ضوئية في هذا المكان الذي رأيناها منه ، قال ربنا عزَّ وجل : ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ هذا الفراغ ، هذا الفضاء الخارجي لا يعلم إلا الله أين ينتهي ، لا يعلم إلا الله كم يمتد ، كلما تقدم العلم عرف العلماء بعض المجرات الجديدة ، بل إن بعض المجرات لا تُرى بالتلسكوبات ، وإنما تعرف ببعض الإشعاعات الصوتية التي تلقَّتها بعض الأجهزة ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ ..

المعنى الثاني أن مواقع النجوم ، هذه النجوم الكبيرة لها مواقع كبيرة ، فنجم قلب العقرب حجمه بحجم الشمس والأرض مع المسافة بينهما ، وهناك نجومٌ في السماء يزيد حجمها على حجم شمسنا آلاف المرات ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ..

والمعنى الثالث أنها مواقع ، وليست موقعاً واحداً ، إن هذه النجوم لها مسارات تسير وفق نظامٍ دقيق ، ما من نجمٍ في السماء إلا وينطلق في مساره حول كوكبٍ آخر ، وهذه آيةٌ كبرى لأن الله سبحانه وتعالى جعل هذا الكون متجاذباً فيما بينه وفق قانونٍ دقيق تحكمه المسافة والكتلة ، أو مربع جداء الكتلتين ، هذا القانون قانون التجاذب لولا حركة النجوم لتجمع الكون كله في كتلةٍ واحد وانتهت الحياة ، تنشأ بالدوران القوى النابذة التي تكافئ القوى الجاذبة ، يبقى الكون على ما هو عليه بفضل الدوران الدائم .

والله سبحانه وتعالى حينما وصف السماء قال :

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) ﴾

[  سورة الطارق  ]

بمعنى أن أي كل كوكبٍ في السماء ينطلق في مسارٍ ويرجع إلى نقطة البدء ، إذاً جميع المسارات دائرية أو بيضوية .. ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾   ، لولا هذه الحركة الدائبة من النجوم لأصبحت النجوم كلها في كتلةٍ واحدة .


السماوات والأرض من خلق الله الذي يدعونا لعبادته وطاعته :


شيءٌ آخر ؛ حجم الكون لا يعلمه أحد ، فإذا سأل سائل : من خلق الله عزَّ وجل ؟ نقول له : أأحطت أنت بالكون أولاً ؟ أعرفت نهاية الكون ؟ أوصلت إلى حدود الفضاء الخارجي ؟ أعرفت عدد المجرَّات التي خلقها الله عزَّ وجل على سبيل الحصر ؟ أوصلت إلى نهاية الكون حتى تطرح هذا السؤال ؟ الكون فيما يبدو لنا لا نهاية له ، هو له نهاية لأنه مخلوق ، ولكن فيما يبدو لنا لا نهاية له ، فلذلك قال بعض العلماء : إن في الفضاء الخارجي ثقوباً سوداء فيها ضغطٌ مرتفعٌ جداً ، لو دخلته الأرض لأصبحت كالبيضة ، لو دخلت الأرض في بعض هذه الثقوب السوداء لأصبح حجمها كحجم البيضة بالوزن نفسه ، فلا يحيط بهذه الآيات إلا الله سبحانه وتعالى ، ولو أمضينا الساعات الطوال ، والأيام والشهور ، والسنوات والحِقَب لا نستطيع أن نصل إلى تعداد آيات الله التي بثها الله في الأرض ، إنما هي إعطاءُ القليل خيرٌ من ترك الكثير ، يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ أي هل عرفته ؟ هل عرفت أن السماوات والأرض من خلق الله عزَّ وجل ؟ هذا الذي يدعوك لعبادته ، يدعوك لطاعته ، يدعوك لجنةٍ عرضها السماوات والأرض ، هو الذي خلق السماوات والأرض ، أما قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ له معنى دقيق ، لو أن الله سبحانه وتعالى قال : خلق الله السماوات والأرض ، وبين قوله تعالى : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ مسافةٌ شاسعة ، إن تقديم لفظ الجلالة في هذه الآية يعني أن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده تقديمٌ على سبيل القصر والحصر ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ وخلق السماوات والأرض هو نعمةٌ ذكرها العلماء ألا وهي نعمة الإيجاد ، وفي آيةٍ أخرى :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)﴾

[  سورة الأنعام  ]

نحن موجودون لهذه النعمة التي أوجدها الله عزَّ وجل .

شيءٌ آخر ؛ ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ خلقاً أولياً ، وسوف يعيد الخلق مرةً ثانية لقوله تعالى :

﴿ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) ﴾

[ سورة الروم ]

خلق السماوات والأرض فحقق أسماءه الحسنى ، جَسَّدَ أسماءه الحُسنى في خلق السماوات والأرض ، وفي إعادة الخلق سيتحقق العدل المُطْلَق ، فالفقير والغني ، والقوي والضعيف ، والصحيح والمريض ، كل هؤلاء سينالون جزاء أعمالهم بالتمام والكمال . 

 

الله تعالى هو من أوجدنا وأمدنا :


﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ أما إنزال الماء من السماء فهذه نعمةٌ أخرى يتفضل الله بها علينا وهي نعمة الإمداد ، أوجدنا وأمدنا ، أمدنا بنِعْمَةِ الطعام والشراب ، ونعمة الطعام والشراب أساسها أنه : ﴿ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ الله سبحانه وتعالى الذي خلق السماوات والأرض هو نفسه أنزل من السماء ماءً ، الذي خلق أمد ، الذي خلق رَزَقَ .

﴿ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ وإنزال الأمطار من السماء موضوعٌ دقيقٌ جداً ، تدخل فيه أشعة الشمس ، يدخل فيه البحر من تبخُّر ماء البحر ، وتشبُّعِ الهواء ببخار الماء ، وتجميع السحاب ، وتحريك السحاب ، وتفاوت السحاب ، وعصر السحاب ..

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14)  ﴾

[ سورة النبأ  ]

عن طريق اختلاف درجات الحرارة ، وعن طريق اختلاف الشحنات الكهربائية بين السحب ، إن إنزال المطر من السماء موضوع معقّد جداً ، لكن في الآيات شيء يُلْفِتُ النظر هو أن الله سبحانه وتعالى ثبَّت أشياء في خلق السماوات والأرض وحرَّك أشياء ، فدورة الأرض حول نفسها ثابتة منذ أن خلقت ، ودورتها حول الشمس ثابتة منذ أن خلقت ، وحركة الشمس ثابتة ، وأشياء وأشياء تَثْبُت لا تتغير ولا تتبدَّل ، هذا الثبات من أجل انتظام الحياة ، ولكن في الأرض أشياء أخرى حرَّكها الله سبحانه وتعالى إن منها إنزال المطر .

 

عملية إنزال المطر عملية بالغة التعقيد :


عملية إنزال المطر عملية بالغة التعقيد ، ولكنك أيها الإنسان لا تعرف متى تنزل المطر ، قد تشِحُّ السماء بالماء ، وقد تنزل الأمطار كأفواه القُرَب ، وقد ينزل في ليلةٍ واحدة ما يهْطل في عامٍ بأكمله ، إذاً الأشياء التي ثبَّتها الله عزَّ وجل من أجل انتظام الحياة في الأرض ، والأشياء التي حركها من أجل أن يبقى الإنسان معلَّقاً بالله عزَّ وجل ، لو أن الله سبحانه وتعالى ثبَّت هطول الأمطار على الأرض لاستغنى الإنسان عن ربه وشقي باستغنائه ، ولكن الله سبحانه وتعالى رحمةً بالعباد لم يجعل للأمطار نظاماً ثابتاً ، تكون الأمطار غزيرة في عام ، وفي عامٍ آخر تَشِحُّ السماء من أجل أن يتضرع الخلق إلى الله عزَّ وجل .

الماء ، هذا الماء الذي أنزله الله من السماء ، ماءٌ طاهر ، لا لون له ، لا طعم له ، لا رائحة له ، هذا الماء يتبخَّر بدرجاتٍ متدنية ، فهو يتبخر في الدرجة الرابعة عشرة ، ولولا هذه الدرجة إذا نظَّفت أرض البيت بالماء يبقى هذا الماء طوال الشتاء ، ولكن رحمة الله سبحانه وتعالى جعل تبخُّر الماء في درجاتٍ دُنيا ، وجعلته يغلي في درجة مئة ، وهذا من فضل الله عزَّ وجل كي نستعين به على إنضاج طعامنا ، والله سبحانه وتعالى جعله يتبخَّر ، ولولا تبخُّرُهُ لما أُشْبِعُ الهواء ببخار الماء ، والهواء فيه نسبةٌ من الرطوبة ، وهذه مهمةٌ جداً في إنبات النبات ، النبات لا ينضج إلا بثلاثة شروط ، توافر الرطوبة ، والحرارة ، والضوء ، تبخُّرُ الماء أي تشبع الهواء ببخار الماء هو الذي يعين على إنبات النبات .

 

الماء آية من آيات الله الدالة على عظمته :


شيءٌ آخر ؛ تعلمون أننا إذا برَّدنا الماء ينكمش ، إلا في الدرجة ( +4 ) فما دون إذا بردنَاهُ يزداد حجمه ، ومن ازدياد حجمه تقل كثافته ، إذاً يطفو الماء المتجمد على سطح البحار ، إذاً تبقى البحار دافئة ، وتبقى الأسماك حية ، ويذوب هذا الجليد السطحي فتعود البحار إلى وضعها السائل ، وتعود عملية التبخر كما كانت ، ولولا هذه الظاهرة لانعدمت الحياة من على سطح الأرض ، ظاهرة أن الماء إذا بلغ درجة (+4) يزداد حجمه إذا برَّدته .

والماء كما تعلمون لا ينضغط ، وإذا تمدد لا شيء في الأرض يقف في وجهه ، إنه يستطيع أن يشُقَّ أقسى أنواع الفولاذ ، لذلك يستخدمون الماء الآن في بعض مقالع الرُخام ويبرِّدونه فيتمدد فيشقُّ الرخام ، بهذه الطريقة يستفيدون من هذه الخاصَّة بقلع الرخام من الجبال .

 شيءٌ آخر ؛ هذا الماء الذي لا طعم له ، ولا رائحة له ، ولا لون له ، هذا الماء الذي لا ينضغط ، والذي إذا تمدد لا يقف عند حد ، هذا الماء له صفة النفوذ ، ولولا هذه الصفة لما عاش النبات ، إن الماء يمرُّ من أدقِّ المسامات ومن أدق الأوعية والماء أيضاً له صفاتٌ أخرى . 

 

مبادئ العقل البشري :


﴿ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ ﴾ .. هذه الباء كما يقول العلماء للسببية ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ ﴾ لذلك الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيءٍ سبباً ، فالنبات لا ينبت إلا بالماء أخرج به ، إنه دَلَّكَ على الأسباب ، ثم أمرك أن تتوكَّل على رب الأرباب ، دلك على الأسباب ..﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ ﴾ .. لذلك هذا الفكر البشري لا يفهم الأشياء بلا سبب ، ولا يفهمها بلا غاية ، ولا يقبل أن تكون متناقضة ، وهذه المبادئ الثلاث هي مبادئ العقل البشري ؛ مبدأ السبَبِيَّة ، مبدأ الغائيَّة ، مبدأ عدم التناقُض ، إنك لن تستطيع أن تسكت عن مصباحٍ متألقٍ في بيتك وقد عدت إلى البيت بعد أن خرجت منه وأطفأت بنفسك كل المصابيح ، فإذا عُدت إلى البيت ورأيت مصباحاً متألِّقا فمعنى هذا أن إنساناً دخل إلى البيت ، وأشعل هذا المصباح ، لا يستطيع عقلك أن يفهم تأَلُّقَ المصباح إلا بسبب ، كما أنك إذا اشتريت آلةً لا تستطيع أن تفهم بعض أجزائها إلا بالغاية التي صنع من أجلها ، هكذا طبيعة الإنسان .

 

الثمرات التي خلقها الله اقتصادية ومتناسبة مع حاجة الإنسان :


يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ ﴾ باء السببية ﴿ مِنْ الثَّمَرَاتِ ﴾ .. أنواع الثِمار ، هذه الثمرات التي خلقها الله سبحانه وتعالى ، أولاً كما يقول علماء الاقتصاد : اقتصادية ، بمعنى أن شجرة التفَّاح ، أن هذه الشجرة لو أنتجت أربع تفاحات في العام هذا الإنتاج لا يكفي ، لا أحد يزرع الأشجار ، لابدَّ من أن يكون عدد الثمار عدداً اقتصادياً يغطي كل نفقات المزرعة ، فمن منا فكَّر في هذه الناحية .

إن أشجار التفاح ، أشجار الكرز ، أشجار الدرَّاق ، العنب ، حجم الإنتاج حجم اقتصادي ، بمعنى أن الفلاح يَدْأَبُ ويتعب ويجني بعد هذا أرباحاً معقولةً تجعله متفرِّغاً لهذا العمل. 

لو أن الدجاجة باضت في العام بيضة ، لكان ثمن البيضة خمسمئة ليرة ، أو مئة ليرة ، لا أحد يشتري هذا البيض بهذا السعر ، إذاً كون الدجاجة تبيض كل يومٍ بيضةً هذا اسمه في علم الاقتصاد : إنتاج اقتصادي ، بعد قليل سيمرُّ معنا أن في كل كيلومتر مكعب من البحر أربعة كيلو من الذهب ، إذا كان ثمن كيلو الذهب ثلاثمئة ألف ، فمعنى ذلك أن لدينا في كل كيلومتر مكعب من البحر مليون ليرة أو أكثر ، ولكن لا تستطيع استخراج غرام واحد من الذهب إلا إذا عالجت مئتين وخمسين مليون لتر من ماء البحر ، ومعالجة هذا الماء بهذه الكثافة أغلى من ثمن غرام الذهب ، إذاً ربنا عزَّ وجل جعل هذه الثمرات بكميةٍ اقتصادية .

شيءٌ آخر ؛ لو أن هذه الشجرة تموت كل عامين ، إلى أن تصبح شجرة تحتاج إلى سبع سنوات ، تثمر عامين وتموت ، قضية غير اقتصادية ، لكن أشجار البلح أو التمر تعيش سبعة آلاف عام ، وأشجار الزيتون تعيش أربعة آلاف عام ، وهناك أشجارٌ كثيرة معمِّرة ، وأقل أنواع الأشجار عمراً تعيش عشر سنوات أو عشرين سنة أو ثلاثين سنة ، وأيضاً عمر الشجرة متناسب مع حاجة الإنسان .

شيء آخر .. سهولة الإشراف عليها ، تزرع الشجرة وتسقيها وانتهى الأمر ، ما يجري في داخلها من نمو الخلايا وتفرُّع الجذور ، ولكل جذر جذير وله قلنسوة ، وله مواد تذيب الصخر الذي أمامه ، وكيف تأخذ الشجرة غذاءها من التُراب ، وكيف تأخذ حاجتها من الهواء عن طريق الأوراق ، وكيف تنمو إلى الأعلى ، وكيف تتفرَّع ، وكيف تنعقد الأزهار ، وتنعقد الثمار ، هذا شيءٌ لا دخل لك به .

حدَّثني رجل مختص بالزراعة قال لي : الشيء الذي يلفت النظر أن الشجرة إذا امتنع البستاني عن ريِّها بالماء ما الذي يحدث ؟ تستهلك الشجرة أول ما تستهلك ماء أوراقها ، أول شيء ، لذلك بعد أيامٍ عِدَّة أو بعد أسابيع تَذْبُلُ أوراقها ، وهذا تنبيهٌ لصاحبها ، كأنها تقول لك : أنا عطشانة من ذبول أوراقها ، فإذا لم يسقها البستاني استهلكت ماء أغصانها الصغيرة ، فأغصانها الكبيرة ، ففروعها ، فجِذْعِها ، وآخر ماءٍ تستهلكه الشجرة ماء الجذور ، وهذا عكس ما يتبادر إلينا ، إذا امتنع البستاني عن ري الشجرة بالماء ، بحسب المنطق يجب أن تأخذ ماء الجذور ، فلو استهلكت ماء الجذور ويبِسَت الشجرة تموت فوراً ، لكن رحمة الله بالإنسان جعل هذه الشجرة تسلُك طريقاً عكسياً ، تستهلك ماء الأوراق أولاً ، ثم ماء الأغصان ، وماء الفروع ، وماء الجذع ، وآخر شيءٍ تستهلكه ماء الجذور ، فإذا استهلكته يبِسَت وماتت ، أي أن البستاني يستطيع أن يتلافى أمره في كل هذه المراحل عدا المرحلة الأخيرة . 

 

عالم النبات يحوي آيات لا يصدِّقها العقل :


﴿ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ .. وحجم الشجرة وحجم الثمرة حجمٌ منطقي ومعقول ، انظر إلى حجم التفاحة لو أنه أكبر ، لو أن التفاحة كالبطيخ ، قطعت نصفها وتركت نصفها الثاني لليوم الثاني ، فإذا هو مُسْوَد ، ذهبت شهيَّتك ، حجم التفاحة يمكنك من أكلها في دفعةٍ واحدة ، انظر إلى حجم كل ثمرة ، إلى حجم الزيتون ، إلى حجم التفاح ، إلى حجم الدراق ، إلى حجم العنب ، لو كان العنب كالبطيخ بهذا الغشاء الرقيق مستحيل أن نأكلها ، كيف نأكل العنب ؟ جعل الله سبحانه وتعالى كل فاكهة في حجمٍ مناسب ، ولو كان حجم البطيخ كالجوز مثلاً كيف تأخذ بأصبعك اللب الداخلي ؟ مستحيل ، انظر إلى الحجوم تجد أن الحجوم مناسبة جداً .

شيء آخر ؛ غلاف الثمار ، غلاف الدراق ، غلاف الإجاص ، غلاف التفاح ، غلاف البطيخ غلافٍ قاسٍ ، يضعون في السيَّارة ما يزيد عن خمسة طن من البطيخ ، هذا الذي في الأسفل يبقى سليماً بفضل قساوة هذه القِشرة ، البطيخ ماء مجمَّد ، البطيخ ماء مجمّد في شرايين ، لو عصرت البطيخ لكانت نسبة الماء ثمانية وتسعين بالمئة ، جعل لها هذه القشرة الصلبة لتحفظها ، موضوع القشور ، موضوع ارتباط الفواكه بالأم ، بحث قائم بذاته من المُصَمِّم ؟ تمسك التفاحة بكل قوَّتك لا تنقطع ، فإذا نضجت ما إن تضع يدك عليها حتى تصبح في كفك ، ما الذي أضعفها ؟ الله سبحانه وتعالى .

لو أن الله عزَّ وجل خلق كل هذه الفواكه ولم يخلق البذور ما كنا أحياء إلى هذه الساعة ، خلق مع الإنسان كميَّاتٍ ضخمة من الطعام والشراب نفدت ، أما البذور فهي لاستمرار الحياة ، والبذور لها وضعٌ اقتصادي .

حدثني رجل أن غراماً من بذور البندورة يُنْبِتُ طناً من البندورة ، الغرام ينبت أضعافاً مضاعفة ، الحقيقة عالم النبات يحوي آيات لا يصدِّقها العقل .

ثم إن طعم هذه الفاكهة ، لو كان طعماً كريهاً لا نأكلها ، لو كان شكلها قبيحاً لا نأكلها ، لو كانت لها رائحة كريهة لا نستخدمها ، لو كانت ذات شكلٍ جميل وطعمٍ طيب ورائحة فوَّاحة وليس فيها غذاء كيف نتحرَّك ؟ أين الطاقة ؟ ما الذي جمع في الفاكهة الطعم والشكل والرائحة والقِوام والغذاء ؟ وهذه المواد التي نطرحها من الفواكه مواد مفيدة جداً ، لذلك يُخْطِئ من يتناول الفاكهة عصيراً ، لأن هذا التفل مفيدٌ جداً في امتصاص أكثر ما في الأمعاء من مواد دهنية وكوليسترول ، أي كما خلقها الله عزَّ وجل لا ينبغي أن نغيِّرَ خلق الله عزَّ وجل . ﴿ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾


وظيفة البحار :


شيءٌ آخر : ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾ أي هذه البواخر التي تمخُر عباب البحار ما الذي جعلها تطفو على سطح البحار ؟ إنها من الحديد ، أمسك قطعة من الحديد وألقها في الماء ترسب في أسفله ، ما الذي جعل الباخرة تطفو ؟ إنه القانون الذي كشفه بعض العلماء ، وهو أن في الماء قوةً تدفع الأشياء نحو الأعلى ، فإذا أزاحت السفينة ماءً أقل من حجمها طَفَت على وجه سطح الماء ، قوة الدفع التي في الماء نحو الأعلى من خلقها ؟ لولا أن الله خلقها لما رأيت سفينةً على البحار ، ولكانت البحار أماكن قَطْع بين القارَّات إنها هي الآن هَمْزاتُ وصل ، إن أجدى الطرق في العالم هي الطرق المائية ، لا تعبيد ، ولا تزفيت ، ولا صيانة ، ولا عناية ، ولا تحديد ، ولا مسارات ، بحر ، إذا صنعت السفينة تمخُرُ في عبابه حيثما تريد ، فالبحار لها وظيفةٌ ، وهي همزة اتصالٍ بين القارات ، إذاً : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾ .

أذكر لكم بعض الأرقام عن البحر : يوجد في الكيلومتر المكعب من مياه البحر خمسة وثلاثون مليون طن من الأطنان من مِلح الطعام ، ولا يزال العلماء حتى الآن في حيرةٍ في تفسير سبب ملوحة مياه البحر ، في مياه البحر ما يزيد على ثمانية وستين معدناً من هذه المعادن ؛ الكبريت ، والكالسيوم ، والبوتاسيوم ، والفسفور ، واليود ، والحديد ، والألمنيوم ، والرَصاص ، والقصدير ، والنحاس ، والذهب ، بمئات الأطنان في كل كيلومتر مكعب ، ما هذه الآية الكبرى التي خلقها الله عزَّ وجل ، مياه البحار ؟

جعل الله سبحانه وتعالى الأرض متفاوتة في ارتفاعها ، لو سوِّيَت لغمرتها البحار من كل جانب ، لم يبق على وجه الأرض قطعةٌ يابسة ، لو سويت هذه المرتفعات مع المنخفضات ، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل مرتفعاتٍ ، ومنخفضات ، وودياناً ، وسهولاً ، وما شاكل ذلك . 

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾ لكن بأمره ، فإذا ظن الإنسان أنها تجري بأمره هو غرقت ، صنعت في القرن التاسع عشر باخرة من أضخم بواخر العالم ، وقد زوِّدَت بأحدث ما في الحضارة الغربية ، من أثاث ، ومن ثريات ، ومن فخامة ، وفي أول رحلةٍ لها من بريطانية إلى أمريكا غرقت ، غرقت لأنهم قالوا حينما صنعوها : إن القدر لا يستطيع إغراق هذه الباخرة ..﴿ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾ فإذا ظن الإنسان أنها تجري بأمر الإنسان غرقت .

صنعوا قاعدة استخراج نفط في بحر الشمال ، والمشروع فوق حدّ الخيال لضخامته ، مدينةٌ فوق سطح البحر ، وظنوا أن هذه المدينة صامدة ، جاءتها عاصفةٌ بحريةٌ فكسَّرتها ، كلما قال الإنسان : أنا ، حَجَّمَهُ الله سبحانه وتعالى ، هذه الباخرة التي غَرِقَتْ كان غرقها درساً من السماء إلى الأرض .

 

تخزين المياه بقدرة الله سبحانه وتعالى وهذا من رحمته :


﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ ﴾ .. والحضارات نشأت مع الأنهار ، ما قيمة الشام بلا مياه بردى والفيجة ؟ ما قيمة مصر بلا نهر النيل ؟ ما قيمة أوروبا بلا نهر الدانوب ؟ ما قيمة أمريكا بلا نهر الأمازون ؟ ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْأَنهَارَ ﴾ مياهٌ عذبة ، أين مستودعاتها ؟ مستودعاتها تفوق حد الخيال .

إن جبالاً بأكملها ، في هذه الجبال أنواع منوعة من الصخور ، يقولون : هذه مياه معدنية ، فيها كالسيوم ، فيها مغنيزيوم ، فيها بوتاسيوم ، فيها أملاح ، فيها مواد ، فيها يود ، فيها فلور ، لماذا ؟ لأن الله سبحانه وتعالى حينما خَزَّنَ مياه الأنهار في الجبال حَلَّ فيها بعض الصخور من أجل أن تغدو هذه المياه صالحةً للشرب ، لذلك مياه التحلية في بعض دول النَفْط يكررون مياه البحار ويحلّونها ، هذه المياه ليست صالحةً للشرب ، لأنها مياه مقطَّرة ، أما مياه الآبار ، مياه الأنهار ، مياه الينابيع مياه معدنية ، فيها يود من أجل الغدة الدرقية ، فيها كلور من أجل الأسنان ، فيها كالسيوم من أجل العِظام ، مياه معدنية ، أي هذه المياه آيةٌ من آيات الله عزَّ وجل ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) ﴾

[  سورة الحجر  ]

أي تخزين الماء آيةٌ أخرى ، لو أن الله سبحانه وتعالى وَكَلَ إلينا تخزين مياهنا عن كل عام لاحتجنا إلى بيوت بحجم بيوتنا ، ولكن الله من رحمته تولَّى هو تخزين هذه المياه ، وقال تعالى : ﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ فعذوبة الأنهار ، والمعادن المنحلة فيها ، وطولها ، نهر النيل من أطول أنهار العالم ، ونهر الأمازون من أكثف أنهار العالم ، ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية هذه كثافة نهر الأمازون ، والله سبحانه وتعالى بَثَّ في كل مكانٍ أنهاراً كي يعيش الناس من حولها .

والجُزُر التي خلقها الله ، في كل جزيرةٍ ينبوع ماء ، وهذا الينبوع لابدَّ من أن تكون خزَّاناته في مكانٍ آخر غير الجزيرة ، ولابدَّ من أن تكون المياه تسير في أقنيةٍ تحت البحر ، هذا كلامٌ قطعي ، جزيرةٌ منبسطة فيها ينبوع ماء لابدَّ من أن يكون هذا الماء يسير إليها من تحت سطح البحر من خزانٍ مرتفعٍ يقع في اليابسة ، في بعض الدول أربعة آلاف جزيرة ، في كل جزيرة ينبوع ماءٍ يتناسب مع حجم الجزيرة ، هذه قشرة تبرَّدت أم أنّ خلقاً محكماً ؟ أن أنّ تسخيراً من قبل الله عزَّ وجل ؟

 

التفكُّر عبادةٌ من أرقى العبادات :


على كل الذي أرجوه أن الله سبحانه وتعالى ذَكَرَ في هذا الكتاب الكريم آياتٍ كثيرة ، ما ذكرها باطلاً إنما ذكرها كي نفكِّر فيها ، والتفكُّر في هذه الآيات عبادةٌ من أرقى العبادات ، إن أوسع الأبواب لمعرفة الله عزَّ وجل باب الكون ، والآيات التي تدلُّك عليه حولك ، حيثما تحركت ، أينما جلست ، كيفما التفت تجد الآيات تحيط بك من كل جانب ، قال تعالى :

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)  ﴾

[ سورة الذاريات  ]

عوِّد تفكيرك أن يجول في ملكوت السماوات والأرض ، عوِّد نفسك أن تعرف الله من خلال آياته ، لأنك إذا عرفته عَظَّمْتَهُ ، وإذا عظمته استقمت على أمره ..

﴿ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)﴾

[ سورة فاطر ]

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[  سورة آل عمران  ]

لا عبادة كالتفكُّر ، تفكر ساعةٍ خير من عبادة ستين عاماً ..

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)  ﴾

[ سورة الزمر ]

أردت من هذا الدرس أن تكون هذه الحقائق بين أيديكم نموذجاً لتفكُّرنا في خلق السماوات والأرض ، أي خلق السماوات والأرض ، المطر ، النبات ، البحر ، الأنهار ، هذه آياتٌ بيِّناتٌ دالةٌ على عظمة الهق سبحانه وتعالى .

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور