وضع داكن
16-04-2024
Logo
الدرس : 2 - سورة المؤمنون - تفسير الآيات 1 – 11 ، قد أفلح المؤمنون
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

إعادة وتذكير :


 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثاني من سورة المؤمنون .

بسم الله الرحمن الرحيم  : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾ ..

في الدرس الماضي أيها الإخوة تحدثنا كيف أن الفلاح في أن تكون مؤمناً ، وكيف أن هذا الفلاح محقق ، بينما كل نجاحٍ فيها قد يكون محققاً في الدنيا أو قد لا يكون ، والذي يؤكِّد هذا التحقق كلمة قد في مطلع هذه السورة : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ وبينت لكم في الدرس الماضي كيف أن هناك موانع للفلاح ، فالظلْم مناقضٌ للفلاح ، لقوله تعالى :  

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾

[ سورة يوسف ]

إذا رأيت إنساناً استطاع أن يأخذ ما ليس له بذكاءٍ ، أو بحيلةٍ ، أو بقوةٍ ، أو بطريقةٍ من الطرق ، وهو يظن نفسه بهذا ناجحاً ، أو ذكياً ، أو فالحاً ، فالله سبحانه وتعالى يردُّ عليه : ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ ..

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)﴾

[ سورة المؤمنون  ]

بينت لكم في الدرس الماضي موانع الفلاح ، وبينت لكم فيه أيضاً عوامل الفلاح: 

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)﴾

[  سورة البقرة  ]

﴿ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)﴾

[  سورة المائدة ]

ثم بينت لكم كيف أن الفلاح هو ما قاله الله عزَّ وجل في هذه الآية ، وفي آيتين أخريين : 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)  ﴾

[ سورة الأعلى  ]

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) ﴾

[  سورة الشمس  ]

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ، وحينما تنطبق مقاييس الفلاح عند الإنسان مع مقاييس الفلاح عند الله ينجح الإنسان في تحقيق مهمته ، كل إنسان له مقاييس للفلاح ؛ أهل المال يظنون الفلاح بجمع المال ، وأهل القوة يظنون الفلاح بتسلُّم مراكز القوة ، وأهل العلم الظاهري يظنون الفلاح بنيل أعلى الدرجات العلمية في الدنيا ، فإذا انطبقت مقاييس الفلاح عندك مع مقاييس الفلاح في كتاب الله فأنت مؤمنٌ مهتدٍ ورب الكعبة ، أما إذا اختلفت المقاييس فهذا هو الضلال بعينه ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : عن أبي ذر الغفاري:

(( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ . ))

[ ضعيف الجامع  ]

عن عبد الله بن عمرو بن العاص :

(( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَرُزِقَ كَفَافًا ، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ  . ))

[ صحيح مسلم ]

وهؤلاء المؤمنون ، بينت لكم في الدرس الماضي كيف أن الصفة قيد ، وكيف أن الفلاح لا ينطبق على المؤمنين فقط ، ينطبق على المؤمنين ، وهذه صفاتهم صفةً صفة ، فكلما أضفت صفةً ضاقت الدائرة ، وقد ضربت لكم المثل ، أنك إذا قلت : إنسان ، هذه الكلمة تتسع لخمسة آلاف مليون ، فإذا قلت : إنسان مسلم ، تضيق الدائرة حتى تشمل ألف مليون ، فإذا قلت : إنسان مسلم عربي ، ضاقت الدائرة حتى شملت مئة مليون ، فإذا قلت : إنسان عربي مسلم مثقف ، ضاقت الدائرة حتى شملت المليون مثلاً ، فإذا قلت : إنسان مسلم عربي مثقف طبيب ، قد تشمل الدائرة مئتي ألف ، فإذا قلت : طبيب قلب .. كلما أضفت صفةً ضاقت الدائرة .. فمن أجل أن تحقق الفلاح يجب أن تكون مؤمناً ، وأن تنطبق عليك كل هذه الصفات التي وردت في هذه السورة .

 

منزلة الصلاة وأهميتها في الإسلام :


﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ من هم المؤمنون ؟ ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ .. لأن أساس السمو الاتصال بالله عزَّ وجل ، فأي دينٍ لا اتصال فيه إلى الله عزَّ وجل فهذا الدين لا خير فيه ، والذي يعتنق ديناً ولا يصلي كأنه لم يعتنق ديناً ، لذلك رأيُ علماء الفقه في تارك الصلاة أنه إذا تركها إنكاراً لحقها فقد كفر ، ومن تركها تهاوناً فقد فسق .. فهؤلاء المؤمنون أفلحوا لأنهم في صلاتهم خاشعون ، والصلاة كما بينت في الدرس الماضي الصلاة مناجاة ، والصلاة قرب ، لقول الله عزَّ وجل : 

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) ﴾

[ سورة العلق  ]

 والصلاة ذكر لقول الله عزَّ وجل : 

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾

[ سورة طه  ]

 والصلاة عقلٌ ، ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ،  والصلاة وعيٌ ، لقول الله عزَّ وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) ﴾

[ سورة النساء ]

 والصلاة خشوعٌ لقول الله عزَّ وجل : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾ .. والصلاة عروجٌ إلى الله عزَّ وجل ، الصلاة معراج المؤمن ، عن بريدة :

((  العَهدُ الَّذي بيننا وبيْنَهمُ الصَّلاةُ فمَن تَركهّا فقدْ كَفَرَ . ))

[ الحاكم : المستدرك على الصحيحين  : حكم المحدث : صحيح  ]

وأساس الدين اتصالٌ بالخالق وإحسانٌ إلى المخلوق ، جوهر الدين هذان الشيئان .

 

من صفات المؤمنين الخشوع في الصلاة : 


العلماء قالوا : الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها ، ولكن من فرائضها ، من فرائض الصلاة أن تكون خاشعاً ، ومكان الخشوع هو القلب ، ومظهر الخشوع الأعضاء ، فمن وقف في الصلاة ، وأكثرَ التلفُّت يمنةً ويسرة ، وعبث بثوبه ، أو بأصابعه ، أو بأدواته ، فهذا لم يخشع ، والخشوع حينما تقف بين يدي عظيم تعرف ما الخشوع ، إنك إذا دخلت على إنسانٍ ذي شأنٍ عند الناس ؛ وقد لا يكون ذا شأنٍ عند الله ، إذا دخلت على إنسانٍ ذي شأن عند الناس ترى نفسك تقف أمامه بأدبٍ ، وخشوعٍ ، وسكينةٍ ، ووقارٍ ، ولا تلتفت إلى شيءٍ آخر ، فكيف إذا وقفت بين يدي ملك الملوك ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾ أي إذا كنت مؤمناً فقد نلت كل شيء ، فيا رب ماذا فَقَدَ من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ 

 

الفلاح بمقياس الناس ومقياس الشرع :


﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ .. بمقياس الناس ، إذا اشترى الإنسان أرضاً ، ثم شقّ أمامها الشارع ، فارتفع سعرها أربعين ضعفاً ، هذا في نظر الناس قد أفلح ، وإذا كان للإنسان تجارةٌ رائجةٌ جداً فهذا في نظر الناس قد أفلح ، وإذا تسلَّم منصباً رفيعاً فهو في نظر الناس قد أفلح ، وإذا رزق زوجةً ممتازةً في نظر الناس قد أفلح ، وأما في نظر الواحد الديَّان : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ .. فهل أنت مؤمن ؟ وليس في مقياس السماء فلاحٌ إلا أن تكون مؤمناً ، وأن تصلي خاشعاً ، وأن تزكي نفسك ، لأنه : 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

[ سورة الشمس  ]

أردت أن أعيد على أسماعكم ، ما ذكرته في الدرس الماضي كي تأتي الآيات في انسجامٍ تام ، لأن هذا الآيات كالعِقد الثمين ، كالسلسلة الثمينة آخذٌ بعضها برقاب بعض .

 

من صفات المؤمنين الإعراض عن اللغو :


ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾ .. قال بعض العلماء : اللغو هو الشيء المباح الذي لا جدوى منه في الآخرة ، فهذا مقياس دقيق جداً ، أي عمل لو أنه محرم يوجد  آيات أخرى تحرمه : 

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)  ﴾

[  سورة البقرة ]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾

[ سورة المائدة  ]

المحرمات لها موضوع آخر . 

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)  ﴾

[ سورة الأنعام ]

 هنا اللغو المباحات التي لا تتصل بالآخرة ، لا يستمر أثرها إلى الآخرة ، هذه لغو ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال : عن أبي هريرة  :

(( إن أصدق بيتٍ قاله لبيد :  ألا كل شيٍ ما خلا الله باطلُ .  ))

[ صحيح البخاري ]

فربما ضاق أحدكم ذرعاً بهذا التفسير ، ساعة لك وساعة لربك كما يقول عامة الناس ، الحقيقة كل شيءٍ ما خلا الله باطل ، لكن هذا الشيء الذي يرضي الله منوَّع جداً ، فإذا جلست مع زوجتك تبتغي أن تؤنسها ، وأن تدلها على الله ، فهذا العمل متصل بالآخرة ، وإذا انطلقت إلى عملك لتكسب قوت يومك ، لتطعم صغارك ، فهذا العمل له علاقة بالآخر .. عن المقدام بن معدي كرب  :

(( ما أطعمتَ نفسَك فهو لك صدقةٌ  ، وما أطعمت ولدَك فهو لك صدقةٌ  ، وما أطعمت زوجتَك فهو لك صدقةٌ  ، وما أطعمت خادمَك فهو لك صدقةٌ . ))

[ صحيح الترغيب  : حكم المحدث : صحيح ]

فهناك أعمال كثيرة ، إذا ذهبت لتشتري طعامًا هذا الطعام يعينك على طاعة الله فهو ليس من اللغو ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾ الأعمال المباحة التي لا جدوى منها ، يوجد قصة مترجمة عن ( الإلياذة لهوميروس ) إذا قرأتها ، وقرأت تاريخ الإغريق قبل آلاف السنين ، ربما أضيف إلى معلوماتك شيءٌ لم تكن تعرفه من قبل ، ولكن ما أثر هذه القصة في علاقتك بالله ؟ أو في علاقتك بالناس ؟ أو في مكانتك عند الله ؟ هناك أعمال مباحة ليست ذات شأن ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: 

(( إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ الأُمورِ  ، و أَشرافَها  ، و يَكرَهُ سَفْسافَها . ))

[  صحيح الجامع  : خلاصة حكم المحدث  : صحيح ]

قد تجلس مع أسرتك ، ويطرقون بحثاً لا جدوى منه ، فلانة الفلانية وفلان الفلاني من تزوج ؟ ولمَ تزوج ؟ لماذا طلق ؟ ولماذا لم يطلق ؟ وماذا قدم لها من مهر ؟ ولماذا نشب خلافٌ بينهما ؟ وأين أسكنها ؟ وكيف أثث البيت ؟ هذا كلامٌ لا جدوى منه ، طبعاً إذا كان هناك ذم صار هناك غيبة أيضاً ، لو أنك تطرقت إلى بعض الصفات المذمومة لكـان هذا غيبة ايضاً ، فحتى لو لم تنطق بالغيبة ، وأمضيت السهرة في قيل وقال ، وفي معلومات سخيفةٍ لا تقدم ولا تؤخِّر فهذا لغو ، والمؤمن يترفع عن اللغو ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : عن أبي هريرة  :

(( من  حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يَعنيهِ . ))

[  شرح كتاب الشهاب  : خلاصة حكم المحدث  :  حسن  : أخرجه الترمذي   ]

فالأعمال المباحة ، لو أن هناك غيبة أو نميمة أو فحشاً أو استخفافاً بالآخرين أو سباباً أو إيذاء أو تعريضاً أو سخرية ، وقعت في الحرام ، قالت له : قصيرة ، إن صفية قصيرةٌ يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : 

(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ  : حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ  : ما يسرُّني أني حكيتُ رجلًا وإنَّ لي كذا وكذا  . قالت  : فقلتُ  : يا رسولَ اللهِ  ، إنَّ صفيَّةَ امرأةٌ وقالت بيدِها هكذا ! كأنها تعني  : قصيرةٌ  ، فقال  : لقد مُزِجَتْ بكلمةٍ لو مُزِجَ بها ماءُ البحرِ لَمُزِجَ  . ))

[ سنن الترمذي  ، حسن صحيح  ]

ما قلت : قصيرة ، ولا طويلة ولا أي شيء من هذا القبيل ، إنما قلت : فلان تزوج فلانة ، وفلانة كان قد خطبها فلان قبله ، كلامٌ لا طائل منه ، ولا جدوى منه ، هذا في موضوع الزواج والطلاق ، وفي موضوع الأعمال ، فلان اشترى ، وفلان باع ، وفلان ربح ، وفلان خسر ، وفلان هو وأخوه في خصومةٍ شديدة ، وفلان سافر ، وخالد قدم من السفر ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)﴾ هذا لغو القول ، وهناك لغو الفعل ، أي يوجد أفعال لا جدوى منها ، أي الإنسان أحياناً يبالغ بالعناية بحاجاته الخاصَّة مبالغة ليس لها رصيد في الآخرة إطلاقاً ، فربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)﴾ ..

 

اللغو هو كل عملٍ لا يتصل بالآخرة ولا يتصل بدنيا ليس لها علاقة بالآخرة :


بعض المفسرين يقول : اللغو كل ما سوى الله ، وبعضهم يقول : المباحات التي لها علاقةٌ بالآخرة ليست من اللغو ، فكل واحد منا له عمل ، هذا العمل أساسي ، لأنه منه يكسب قوت يومه ، وكسب الرزق ضروري لاستمرار الحياة ، وقد قال سيدنا أبو ذر رضي الله عنه : " حبَّذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي " ، فإذا طالع المهندس كتباً هندسية ليكون متفوقاً في عمله ، لأنه مؤمن ، والمؤمن الأضواء عليه مسلَّطة ، فإذا كان في عمله خلل أو تقصير ، أو في معلوماته نقص ، تطاول الناس على دينه ، فإذا تفوَّق عليهم ، فإذا قرأ كتب الهندسة واطلع على أحدث المقالات في إنشاء العمارات ، فهذا ليس من اللغو ، والطبيب إذا طالع كتباً جديدة ، ومقالاتٍ حديثة في اختصاصه حتى بدا كمؤمن متفوق على أقرانه ، لأنه إذا تفوق نظر الناس إلى دينه نظرةً كبيرة ، ونظرة إكبارٍ وإعجاب ، فمطالعته لهذه الكتب لها مساسٌ بالآخرة بطريقةٍ مركبة لا بطريقةٍ بسيطة ، وإذا اشترى الإنسان ثياباً ، واعتنى بهندامه ، فإذا كان عنده لقاء أو اجتماع أو حفلة بدا وكأنه مقبول لئلا ينظر الناس إليه شزراً ، فالوقت الذي تمضيه في شراء الثياب ، وفي العناية بمظهرك الخارجي ، من دون إسرافٍ ، من دون كبر ، من دون تبذير ، هذا الوقت أيضاً ليس من اللغو ، أي اعمل لآخرتك ، وأصلح دنياك ..  كان عليه الصلاة والسلام كأنه شامةٌ بين الناس ، قال : 

(( عن سهل ابن الحنظلية الأنصاري ، عن قيسٍ التَّغلبيِّ وكان جليسًا لأبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه بدِمَشْقَ- أنَّه كان رجُلٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُقالُ له : ابنُ الحَنظليَّةِ الأنصاريُّ ، وكان رَضِيَ اللهُ عنه رجُلًا متوحِّدًا قلَّما يُجالِسُ الناسَ ، إنَّما هو في الصَّلاةِ ، فإذا انصرَفَ فإنَّما هو تسبيحٌ وتهليلٌ وتكبيرٌ حتَّى يأتيَ أهلَهُ ، قال : فمرَّ بنا يومًا ونحنُ جُلوسٌ عِندَ أبي الدَّرداءِ ، فسلَّمَ ، فقال له أبو الدَّرداءِ : كلمةٌ ينفَعُ اللهُ بها ولا تضُرُّكَ ، فقال : بعَثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سريَّةً ، فلمَّا قدِمَتْ جاء رجُلٌ حتَّى جلَسَ في المجلِسِ الذي فيه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، فقال لرجُلٍ إلى جنْبِهِ : لو رأيْتَنا حينَ لَقِينا العدُوَّ ، فطعَنَ فلانٌ فلانًا ، فقال : خُذْها وأنا الغلامُ الغِفاريُّ ، كيف ترَى؟ قال : ما أراهُ إلَّا قد أبطَلَ أجْرَهُ ، قال آخَرُ : ما أرى بأسًا؛ فتنازَعوا في ذلكَ حتَّى سمِعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، فقال : سُبحانَ اللهِ! لا بأسَ أنْ يُحْمَدَ ويُؤْجَرَ ، قال : فَسُرَّ بذلك أبو الدَّرداءِ ، وجعَلَ يقولُ : أأنتَ سمِعْتَ هذا مِن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟ قال : فجعَلَ يقولُ : نعم ، حتَّى إنِّي لَأَقولُ وهو يرفَعُ رأسَهُ إليه : لَيَبْرُكَنَّ على ركبتَيْهِ ، قال : فمرَّ بنا يومًا آخَرَ ، فسلَّمَ ، فقال له أبو الدَّرداءِ : كلمةٌ تنفَعُنا ولا تضُرُّكَ ، قال : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المُنفِقُ على الخيلِ في سبيلِ اللهِ كالباسِطِ يدَيْهِ بالصَّدَقةِ ولا يَقبِضُها ، قال : فمرَّ بنا يومًا آخَرَ ، فسلَّمَ ، فقال له أبو الدَّرداءِ : كلمةٌ تنفَعُنا ولا تضُرُّكَ ، قال : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : نِعْمَ الرجُلُ خُرَيْمٌ الأسديٌّ لولا طولُ جُمَّتِهِ ، وإسبالُ إزارِهِ ، قال : فبلَغَ ذلك خُرَيْمًا؛ فأخَذَ شَفرةً ، فقطَعَ شَعرَهُ -جُمَّتَهُ- إلى أنصافِ أُذنَيْهِ ، ورفَعَ إزارَهُ إلى أنصافِ ساقَيْهِ ، قال : ثمَّ مرَّ بنا يومًا آخَرَ ، فسلَّمَ ، فقال له أبو الدَّرداءِ : كلمةٌ تنفَعُنا ولا تضُرُّكَ ، فقال : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ : إنَّكم قادمونَ غدًا على إخوانِكم؛ فأصلِحوا رِحالَكم ، وأصلِحوا لِباسَكم؛ حتَّى تكونوا كالشَّامَةِ في الناسِ؛ فإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ ولا التَّفحُّشَ . ))

[ ابن حجر العسقلاني  : الأمالي المطلقة :  خلاصة حكم المحدث  : حسن ]

إذا أصلح بيته بحيث جعل غرفة للفتيات ، وغرفة للشباب ، فهذا من السنة ، النبي الكريم قال : 

(( مُروهم بالصلاةِ لسَبعٍ ، واضْرِبوهم على تَركِها لعَشْرٍ ، وفَرِّقوا بينَهم في المَضاجِعِ . ))

[ شعيب الأرناؤوط  : زاد المعاد  : حكم المحدث  : حسن ]

هذا ليس من اللغو ، إذا اعتنى أحـدنا في ببيته ، وجعله مريحاً لأهله ، هذا ليس من اللغو ، وليس من العمل العابث ، لا ، المؤمن ليس إنساناً يعيش على هامـش الحياة ، كما يتصور الناس ، إنسان ساذج يرضيه كل شيء ، لا ، إنسان مذوق ، المؤمن له ذوق رفيع ، وأموره منضبطة ، وبيته مرتب ، ومحله التجاري مرتب ، أما هذا المؤمن الذي يصلي ، وعند الناس مؤمن ، ومحله فوضوي ، والغبار ، والحاجات متداخلة ، والفئران ترعى في الدكان ، وأما غير المؤمن المحل نظيف ، ليس هذا من الدين في شيء ، يجب أن تكون نظيفاً ، مرتباً ، منضبطاً ، ربنا عزَّ وجل وصف أهل الدنيا قال : 

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)﴾

[  سورة الكهف ]

 فإذا اعتنى الإنسان بحياته عناية طبَّق فيها الشرع ليس هذا من اللغو ، لكن اللغو العمل الذي لا يمتُّ إلى دنيا ، ولا يمتُّ إلى دين ، هناك شيءٌ من الدنيا يتصل بالدين ، فمن أجل أن تكسب ودَّ زوجتك وودَّ أولادك لا بدَّ من أن تنفق عليهم ، والإنفاق يحتاج إلى كسب للمال ، ولا بدَّ من وقتٍ تصرفه في كسب المال ، هذا الوقت بهذه النية العالية كأنه عبادة ، حينما تكسب المال من أجل أن تكفي زوجتك وأولادك ، وأن تجعلهم يعتزُّون بك ، وأن يرونك إنساناً تكرمهم ، هذا الكسب للمال ليس من اللغو ، حتى هذا الذي يعتني بجسمه من أجل أن يبقى نشيطاً قوياً هذا الوقت الذي يبذله ليس من اللغو ، أي كل شيء يتصل بدنيا مشروعة ، هذه الدنيا تُهيَّأ للآخرة ليس من اللغو ، أما العمل المباح الذي لا طائل منه ، والذي لا يتصل بالآخرة بطريقةٍ من الطرق فهذا لغوٌ يجب الإعراض عنه .

أحياناً لقاؤك مع الناس هناك لقاء من نوع اللغو ، هناك أشخاص لا يستمعون إليك ، ولا يعبؤون لتوجيهاتك ، ولا يقيمون لك وزناً ، وإذا زرتهم لا بدّ من أن يغلقوا الحديث بكلامٍ سخيفٍ تافه ، ولا يسمحون لأحدٍ أن يتكلَّم معهم ، فما الجدوى من زيارتهم ؟ لا جدوى منها ، أعرض عن هذه الزيارة ، أما إذا زرت إنساناً يُصْغي إليك ، ويستمعُ إليك ، ويقدِّر دينك وعلمك ، هذا إذا زرته ، إذا عدته مريضاً ، أو إذا زرته بعد أن جاء من السفر ، أو إذا أقدم على عمل ، هذه الزيارة ربما تركت فيه أثراً كبيراً ، وهذا ليس من اللغو ، المؤمن دائماً له هدفٌ كبير ، هدفه الكبير أن يقرب الناس إلى الله عزَّ وجل ، لو أن لك جاراً في عملك أصابه مرضٌ فزرته في المستشفى ، أو في بيته ، وأخذت له هدية ، ثمن هذه الهدية ليس من اللغو ، لأنك بهذه الهدية قرَّبت قلبه إليك ، ومهَّدت له أن يلقي لك أُذناً صاغية يستمع بها إلى الحق ، أي المؤمن له أهداف بعيدة جداً ، قد يذهب مع صديق له يمضي معه ساعات طويلة في السوق يشتري له بعض الحاجات ، وهو في غنى عن هذه الحاجات ، وليس عنده وقت يصرفه في شراء هذه الحاجات ، لكنه إذا فعل هذا ألَّف قلب صديقه فجعله يميل إليه ، هذا ليس من اللغو ، أي المؤمن عنده حكمة واسعة جداً ، ربما زار فلاناً ، وعاد فلاناً ، وقدم هدية لفلان ، وعاون فلاناً ، وانطلق إلى هذا العمل ، واعتنى ببيته حتى يجعله مريحاً لأهله وأولاده ، هذا كله ليس من اللغو ، ولكن اللغوَ العمل الذي لا يتصل بالآخرة ، أو لا يتصل بدنيا تكون عوناً على الآخرة ، بالضبط هذا هو التعريف الدقيق للغو ؛ كل عملٍ لا يتصل بالآخرة ، ولا يتصل بدنيا ليس لها علاقةٌ بالآخرة .. أو لو أنه اتصل بدنيا لها علاقة بالآخرة لا يعد هذا العمل لغواً ، لا ، هذا له عند الله عزّ وجل أجرٌ على قدر صلته بالآخرة ، أو على قدر صلته بدنيا لهـا صلةٌ بالآخرة .

الإنسان قد يجلس مع أولاده ، أو مع زوجته ، أو مع جيرانه ، وقد يبحثون شأن العمارة ، وبعد أن يبحثوا الموضوعات المطروحة في جدول الأعمال يذكرهم بآيةٍ قرآنية أو بحديثٍ شريف ، فكأن هذه الجلسة المباركة لفَتَتْهم إلى الله عزَّ وجل ، فجُلوسه معهم ليس لغواً ، المؤمن إيجابي ، ليس سلبياً ، ليس انطوائياً ، ليس انعزالياً ، ليس منعزلاً عن الناس ، طبيعة المؤمن طبيعة إيجابية ، طبيعة منفتحة ، طبيعة ودودة ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ ، عندنا لغو في الأقوال ، وعندنا لغو في الأفعال ، وعندنا لغو في الأعمال ، فالمؤمن يعرف ، له هدف واضح ، فأي شيءٍ من قولٍ أو فعلٍ يتصل بهدفه البعيد فهو يفعله بنيةٍ عالية ، بنية أن يرضي الله عزّ وجل .

 

من صفات المؤمنين الإنفاق :


﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ .. قد يقول بعضكم : لمَ لم يقل الله عزَّ وجل : والذين هم للزكاة منفقون ؟ فاعلون ، أجاب بعض العلماء : بأنك إذا طلبت من إنسان أن يشرب الدواء ، فقال لك : إني سأشربه ، أو قال : إني فاعلٌ ذلك ، كلمة فاعلٌ ذلك أشدُّ توكيداً من قوله : إني سأشربه ، فالزكاة هنا إنفاق بعض المال الذي أوجبه الله عزَّ وجل ، وفي آياتٍ أخرى :

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) ﴾

[  سورة المعارج  ]

 هذا نصاب الزكاة ، وفي آية ثانية : 

﴿ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) ﴾

[ سورة الذاريات  ]

 استنبط النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الآية قوله :  إِنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ  ، أي الزكاة أن تدفع جزءاً من مالك تعبيراً عن صدق إيمانك ، لأن الزكاة تسمى في آيات أخرى الصدقات : 

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)  ﴾

[ سورة التوبة ]

 وسميت الصدقةُ صدقةً لأنها تعبر عن صدق صاحبها ، فالزكاة إنفاق ، والإنفاق يؤكِّد الإيمان ، الإيمان تصديق وإقبال ، وهذا الشيء خفي ، لكن العمل الصالح يؤكد هذا الشيء الخفي ، وهو الإيمان ، فكأن الزكاة والإنفاق هما المظهر العملي للإيمان ، الإيمان له مظهر قلبي هو التصديق ، ومظهر شعوري هو الإقبال ، وله مظهر عملي هو العمل الصالح ، والالتزام بشرع الله عزّ وجل ، لذلك هؤلاء المؤمنون هم للزكاة فاعلون .. والله سبحانه وتعالى يقول : 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

[ سورة التوبة  ]

أي الله عز وجل في عليائه يقول : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ، أي هذا الشيء معروف عندما يدفع الإنسان من ماله الحلال ، من ماله الذي كسبه بالحلال ، كسبه بعرق جبينه ، وكدِّ يمينه ، ينفق هذه الألف ليرة ، هذه الخمسمئة ليرة ، وكان بالإمكان أن ينفقها على نفسه ، وعلى أولاده ، وعلى طعامه وشرابه ، حينما ينفق هذا المال يبتغي به إرضاء الله عزَّ وجل فإن الله يتجلَّى عليه ، لذلك لا يوجد مؤمن يدفع زكاة ماله إلا ويحس برحمة الله تنصبُّ على قلبه ، هذا الشعور صعب ينقل للآخرين ، لكن كل شخص دفع زكاة ماله يشعر بالسكينة ، يشعر بالرحمة ، وكأن الله سبحانه وتعالى تجلى على قلبه وغمره برحمةٍ لم يذق أحلى من طعمها : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ لا يسمى المؤمن فالحاً إلا إذا كان في الصلاة خاشعاً ، وإلا إذا كان عن اللغو معرضاً ، سبحان الله ! اللغو يُذهِب وقار المؤمن ، الموضوعات السخيفة ، الموضوعات التي لا طائل منها ، الاهتمامات الفرعية ، الجزئية ، الانغماس في ضلالات ، ومتاهات ، وترُّهات الحياة ، هذا من شأنه أن يضعف مكانة المؤمن عند الله عزَّ وجل ،  فالمؤمن يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيها ، أما إنسان يجلس بمجالس فيها ذكر للدنيا شهواتها وانحرافاتها ، ثم يشعر أنه هو بعيد عن الأجواء المقدسة  .

 

من صفات المؤمنين حفظ الفرج :


﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) ﴾ .. قلت لكم من قبل : إن ربنا سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغة جعل بعض الأحكام الشرعية متوافقاً مع بعض النظم الوضعية ، فأي تشريع أرضي يحرم السرقة ، والسارق يعاقب ، في بلاد تقطع يده ، في بلاد يسجن ، لكن السارق في أي مكان في العالم يحاسب إذا ضبط طبعاً ، لكن يوجد أشياء لا يوجد شرع أرضي يحاسب عليها ، موضوع إطلاق البصر ، أي أن تنظر إلى امرأةٍ في الطريق متبرجة ، ليس في قوانين الأرض كلها قانونٌ واحدٌ يحرِّم عليك ذلك ، أي هذه مما انفرد به الدين فالإنسان حينما يغض بصره عن محارم الله ، الطبيب أحياناً تأتيه امرأةٌ مريضة ، الطبيب المؤمن يغض بصره إلا عن المكان الذي يعالجه ، لكن الله سبحانه وتعالى يقول : 

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) ﴾

[ سورة غافر ]

أحياناً العين تخون صاحبها ، وتختلس نظرةً من مكانٍ لا يحقُّ للطبيب أن يراه ، هناك أطباء ورعون يضعون قماشاً أبيض فوق المريضة لئلا يقع بصرهم على شيءٍ لا يحل لهم ، هذه الإجراءات ، إنسان بمحله التجاري قد تأتيه امرأةٌ لتشتري ، هناك من يغضُّ بصره عنها ، وهناك من يتأمل محاسنها ، الإنسان بالمركبة العامة أحياناً تركب إلى جانبه امرأة ، إما أن يختلس النظر إليها ، وإما أن يعرض عنها ، فهذه أشياء مما ينفرد بها الدين ، لذلك هذا يؤكِّد محبتك لله عزَّ وجل وإخلاصك له ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ توجد آيات أخرى ، ربنا عزَّ وجل قال فيها : 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[ سورة النور ]

 وكأن الله سبحانه وتعالى رسم لنا طريق حفظ الفرج إنه غض البصر ، والنظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس ، فمن تركها في سبيلي أذقته حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاني ، من ترك هذه النظرة في سبيل الله أذاقه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لك : عن جرير بن عبد الله  :

(( سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن نَظَرِ الفُجَاءَةِ فأمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي . ))

[ صحيح مسلم ]

 و عن بريدة بن الحصيب الأسلمي :

(( يا علِيُّ ، لا تُتبِعِ النَّظْرةَ النَّظْرةَ ؛ فإنَّ لك الأُولى ، وليست لك الآخِرةُ . ))

[ شعيب الأرناؤوط  : المسند لشعيب  : حكم المحدث : حسن لغيره ]

يوجد أمكنة يكون هناك درج مثلاً ، الإنسان ينتظر حتى تصعد المرأة الدرج ، أحياناً يكون هناك مصعد ، لا يختلي بامرأة في المصعد ، ينتظر ، فالمؤمن الله غال عليه كثيراً ، فلذلك يأخذ احتياطات كثيرة جداً ، بحيث لا يخلو بامرأة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه  :

(( لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا . ))

[ ابن عبد البر  : التمهيد  : حكم المحدث : ثابت ]

 وكل الأحداث الخطيرة التي تؤدِّي إلى الطلاق وإلى خراب البيوت أساسها النظرة ، فربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ فحفظ الفرج إذاً طريقه غض البصر ، هنا : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ كيف يحفظ فرجه ؟ بغض بصره ، إذا غض بصره الله عزَّ وجل يحفظه ، لكن إذا الإنسان أطلق بصره في الحرام ربما قاده هذا البصر إلى الزنا ، ربما انتهى به إلى الزنا ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)  ﴾

[ سورة الإسراء ]

 لم يقل : ولا تزنوا ، قال : ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾   أي هذه الشهوة كأنها صخرةٌ متمكنة في قمة جبل فأنت إذا دفعتها نحو الوادي بإمكانك أن تدفعها أو ألا تدفعها ، ولكنك إذا دفعتها فلا بدَّ من أن تستقر في أعماق الوادي ، أي هذه الشهوة إذا أطلقت من عقالها ، إذا تفلَّتت من صاحبها قادته إلى الهلاك ، وقد تقوده إلى الجريمة ، وقـد تقوده إلى تطليق زوجته ، وله منها سبعة أولاد من أجل هذه النظرة ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾  .

 

نقاط ضعف الرجل :


الحقيقة أن الرجل عنده نقطتا ضعف ، موضوع النساء وموضوع المال ، والمؤمن محصَّن ضد هاتين النقطتين ، يكون شخصية علمية كبيرة يؤتى من النساء ، يشترى بالمرأة ، يبيع دينه ، وعرضه ، ووطنه ، وأمته بامرأةٍ ، وقد يبيع دينه ، ووطنه ، وأمته بدرهمٍ ودينار ؛ ولكن المؤمن محصنٌ من جهة النساء بغض البصر ، ومن جهة المال بالعفَّة .

 

ما من شهوة أودعها الله فينا إلا جعل لها قناةً مشروعةً نظيفة :


﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ﴾ لأن الله عزَّ وجل لا يوجد شهوة أودعها فينا إلا جعل لها قناةً مشروعةً نظيفة ، شهوة النساء لها طريق الزواج ، شهوة المال لها طريق الكسب ، شهوة العلو في الأرض لها طريق العلم : 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) ﴾

[  سورة المجادلة  ]

أتحب أن تكون متفوِّقاً ؟ أتحب أن تبلغ درجاتٍ عليةً في المجتمع ؟ تعلَّم : 

﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾

[ سورة الزمر ]

 وقال سبحانه : 

﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)﴾

[ سورة طه ]

فشهوة النساء قناتها الزواج ، وشهوة المال قناتها الكسب المشروع ، وشهوة العلو في الأرض قناتها العلم الشرعي ، لذلك سُئل الإمام الشافعي من قِبَلِ شاعر قال : 

يدٌ بخمس مئين عسجدٍ وديت           ما بالها قطعت في ربع دينارٍ ؟

* * *

أي يد بخمس مئين أي بخمس مئات من الدنانير ، وُدِيَتْ أي كانت ديتها ، ما بالها قطعت في ربع دينار ، لو أن يداً سرقت ربع دينار لقطعت ، ولو أن يداً قطعت بحادث ديتها خمسمئةٍ دينار ذهبي ، مبلغ ضخم جداً ، ما بالها قطعت في ربع دينار ؟ فقال الإمام الشافعي:  

عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها             ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري

* * *

لما كانت أمينة كانت ثمينة ، فلما خانت هانت . 

 

الزواج مشروع وفيه افتخار :


إذاً : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ﴾ .. مباح له أن ينظر إلى امرأته بأيَّة نية ، ولو بشهوة ، لأن هذا مباح له ، ليس ملاماً ، الزواج مشروع ، والزواج فيه افتخار ، والدليل عندما يتزوج الإنسان يوم العرس ، من السنة المطهرة أن يكون هناك إعلان وإشهار لهذا النكاح ، الآن يشهرونه بهذه الأبواق التي يطلقونها في أثناء سيرهم ، وكانوا قديماً يشهرونه بالطبول ، والنبي علَّم بعض الأنصار كيف يهزجون : 

أتيناكم أَتيناكم فحيّونا نحيّيكم              ولولا الحبة الخضراء لمـا جئنا لواديكم

* * *

أي من السنة إشهار النكاح ، ومن السنة إخفاء الخِطبة : ﴿ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ الإنسان يجلس مع أهله في بيته مطمئناً ، ناعم البال ، لكن لو لمحت شاباً يكلم فتاة في الطريق ، وإنساناً أصدر صوتاً خفيفاً لاضطربا ، لأن عملهما غير مشروع ، خارج النظام الاجتماعي ، خارج الشرع الشريف ، خارج الطريق المشروع ، خارج القواعد الصحيحة.

 

النظر إلى المرأة خارج الحدود المشروعة اعتداء على حدود الله :


﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾ .. معتد ، أي هذا الذي ينظر إلى امرأةٍ لا تحل له يعتدي عليها ، ويعتدي على نفسه ، معتدٍ ، مطلق الاعتداء ، يعتدي على نفسه ، يحرمها من الإقبال على الله عزّ وجل ، ويعتدي على هذه المرأة ربما أغواها ، وربما منَّاها ، وربما جعلها تعيش في أحلام وهو لا ينوي الزواج منها ، هذا عدوان ، لذلك أكثر الناس في أحوالهم ، في أعمالهم ، إذا كان هناك امرأة يبالغون في التلطف لها ، يسمعونها كلمات معسولة ، هذا ليس من الإيمان في شيء ، هذه ليست امرأتك ، لطفك الزائد ، ونعومتك ، ومزاحك اللطيف اجعله لزوجتك ، وليـس لامرأة جالسة بجانبك في الدائرة ، كل ما عندك من ذكاء ومن لطف هذا ادخره لزوجتك ، هنا القناة مسموحة ، لكن الإنسان يمزح ، ويسمع ، ويتلاطف زيادة مع امرأةٍ لا تحل له ، هذا صار نوعاً من الإغواء ، هذا عدوان ، تعتدي على عواطفها ، تعتدي على مشاعرها ، تجعلها تتمنى أن تكون زوجاً لها ، وأنت متزوج ، تجعلها تبالغ في زينتها ، هذا كله عدوان ، تعتدي على نفسك ، وتعتدي عليها في الوقت نفسه ، لذلك المؤمن لا يعتدي ، أي يحل له أن يكون مع امرأته لطيفاً ، من الملاحظ أن الإنسان المنحرف المقصر لطيف جداً مع أية امرأة لا تحل له ، أما مع زوجته فهو فظ ، ليس هذا من الدين في شيء ، قال عليه الصلاة والسلام : عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم  : 

(( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأِهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأِهْلِي  . ))

[ صحيح الترمذي   ]

فالإنسان مباح له أن يتلطف مع امرأته  ، مباح له ، أن يملأها كلمات لطيفة  ، يملأ مسامعها كلمات لطيفة وليس مباح له أن يتلطف مع امرأة لا تحل له ، ولا يحل لامرأةٍ أيضاً أن تلين القول لرجلٍ لا يحل لها : 

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)﴾

[ سورة الأحزاب  ]

أشياء دقيقة جداً قد تنتهي بخراب البيوت ، قد تنتهي بالطلاق ، قد تنتهي بتشريد الأولاد من أجل كلمةٍ لطيفةٍ قالـها الرجل لامرأةٍ لا تحل له ، لذلك إذا كنت مأموراً بغض البصر فأنت بالامتناع عن كل كلامٍ لطيف مع امرأةٍ لا تحل لك من باب أولى ، إذا كنت مأموراً أن تغض بصرك عن محارم الله ، لذلك هذا المزاح اللطيف مع النساء في أماكن عامة ، في دوائر مثلاً ، في مناسبة ، في زيارات ، هذا ليس من أخلاق المؤمن ، يفعل هذا حتى لا يُقال عنه جلف ، أرضِ الله عزّ وجل ، أرضِ الله ولا تعبأ بكلام الناس ، هكذا الشرع .

 أحياناً الإنسان تحضر امرأة إلى البيت ، وتكون زوجته خارج البيت ، يقول لها : تفضلي يا أختي ، استحياء منها ، هذا عمل غير إسلامي ، جاءت من مكان بعيد ، ولو جاءت من آخر الدنيا ما دام لا يوجد امرأة في البيت لا يحق لك أن تقول لها : تفضلي ، لأنه : (( لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا )) هذه قضايا دقيقة جداً ، الإنسان من أين يؤتى ؟ معظم المسلمين لا يشربون الخمر ، في أغلبهم ، ولا يلعبون القِمار ، ولا يزنون ، ولا يسرقون ، ولكن المأخذ الذي يأخذهم منه الشيطان النساء ، لذلك : عن أسامة بن زيد  :

(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ  . ))

[ صحيح البخاري ]

فليس للإنسان حق يتساهل بسلام ، بنظرة ، بابتسامة ، بكلام ، بتعليق ، بكلمة ، هذا كله قد يأتي إلى ما هو أكبر منه ، وقد ينتهي بالزنا ، وقد ينتهي بالطلاق ، وقد ينتهي بقطيعةٍ مع الله عزَّ وجل ، الآية دقيقة جداً : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾ أترون معي كيف أن الدين كلَّه حياء ؟ هل من كلامٍ أرق من هذا الكلام ؟ هذا الكلام هل يخدش حياء إنسان ؟ هل يخدش حياء طفل ؟ ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ يدخل وراء ذلك كل أنواع الانحرافات ، الزنا ، وغير الزنا ، والزنا المثلي ، كل أنواع الانحرافات التي تسمعون عنها وتقرؤون عنها ، كل هذا دخل في هذه الآية : ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ هذه القناة مشروعة ، هذا الطريق مشروع ، ما سوى هذا الطريق كله ممنوع : ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ هذا معتدٍ ، يعتدي على نفسه بحرمانها من الاتصال بالله عزَّ وجل ، ويعتدي على هذه الفتاة التي هي أخته في الإنسانية بإغوائها .

 

من صفات المؤمنين حفظ الأمانة :


﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ .. الأمانة موضوع دقيق جداً ، يقول الله عزّ وجل : 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) ﴾

[ سورة الأحزاب ]

هذه الأمانة كما يسميها علماء التوحيد أمانة التكليف ، أنت على هذه الدنيا إنسان لك هويَّة معينة ، أودع الله فيك الشهوة ، ومنحك حرية الاختيار ، وفوق هذا وذاك سخَّر لك ما في السماوات والأرض ، ومنحك العقل ، وأنزل على أنبيائه الشرع ، فالشرع ، والعقل ، والكون ، وحرية الاختيار ، والشهوة ، هذه كلُّها مقومات التكليف ، أي أودع نفسك أمانةً بين يديك كي تزكيها : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾ هذه أرقى أنواع الأمانات ، وهي التي عناها الله بقوله : ﴿ إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ وهناك أمانة التبليغ ، هذه الأمانة حملها الرسل والأنبياء ، فبَلَّغوا رسالات الله : 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)﴾

[  سورة الأحزاب  ]

حينما تنقل للناس الحق دون تزييفٍ ، ولا تعديلٍ ، ولا تطويرٍ ، ولا تغييرٍ ، ولا إضافةٍ ، ولا حذفٍ فأنت قد بلَّغت الأمانة ، وأنت عندما تقف على باب النبي عليه الصلاة والسلام تقول : أشهد أنك بلغت الأمانة ، وأدَّيت الرسالة ، ونصحت الأمة ، وكشفت الغُمة ، وجاهدت في الله حق الجهاد .. هذه أمانة التبليغ . 

هناك أمانة الأداء ، أي الأمانة التي أوكلت للعلماء ، وقد أخذ الله عليهم العهد ليبيِّنونَّه للناس ولا يكتمونه ، أن تبيِّن الحق للناس من دون أن تكتمه هذه أيضاً أمانة الأداء . 

وهناك أمانة الواجب ، كلٌ منا له عمل يقوم به ؛ فالنجار ، والخيَّاط ، والمدرس ، والطبيب ، والصيدلي ، كل هؤلاء لهم أعمال ، فإما أن يؤدي هذا العمل أداءً صحيحاً ليس فيه تقصيرٌ ، ولا خلل ، ولا غش ، وإما أن يقصِّر ، أو يخل ، أو يغش ، عندئذٍ يكون قد خان الأمانة .

 فأمانة التكليف ، وأمانة التبليغ ، وأمانة الأداء ، وأمانة الواجب ، وهناك أمانة المجالس ، الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ ، حتى إذا حدَّثك أخوك حديثاً ، ثم سمع وقع خطواتٍ فالتفت فهذا الحديث بالأمانة ، لو لم يقل لك : احفظ هذا الحديث ، لا تنقله عني ، مادام قد التفت لوقع خطواتٍ فالحديث بالأمانة ، هذا أمانة المجلس ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : عن عبد الله بن عمر  :

(( كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ ، والأمِيرُ راعٍ ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِهِ ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ ، فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ . ))

[ صحيح البخاري ]

فالزوجة راعية في بيت زوجها ، والخادم راعٍ في مال سيده ، والرجل راعٍ في أولاده ، والموظف ، والطبيب ، والمدرس ، والمعلم ، وأصحاب الصنعات ، وأصحاب الأعمال ، كلهم عليهم أن يرعوا الأمانة : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ فهؤلاء المؤمنون يصفهم الله عزّ وجل بأنهم : ﴿ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ فيجب أن ترعى أمانة التكليف ، ويجب أن ترعى أمانة الأداء ، ويجب أن ترعى أمانة العمل ، العمل أمانة ، أصحاب المصالح ، كما قال عليه الصلاة والسلام : عن تميم الداري  :

(( الدِّينُ النَّصِيحَةُ . قُلْنا : لِمَنْ ؟ قالَ : لِلَّهِ ، ولِكِتابِهِ ، ولِرَسولِهِ ، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ . ))

[ صحيح مسلم ]

فالكذب ، والتدليس ، والغُش ، وتبديل النوعية ، والكذب في اسم البضاعة ، وفي منشئها ، ومصدرها ، وفي نوعها ، والتلاعب بثمنها ، وبعددها ، ونوعها ، هذا كله خيانة لأمانة العمل ، والطبيب إذا أراد أن يبتز المريض ، والصيدلي إذا محا تاريخ انتهاء الدواء ، خان الأمانة ، والمحامي إذا كان مقتنعاً بأن الدعوى خاسرة كلياً ، ثم يقبل أن يتوكل بها ليبتز من أموال الموكل ، وكل مصلحة من المهن الراقية أو غير الراقية ممكن أن يكـون فيها أداء للأمانة ، أو خيانة للأمانة ، فربنا عزَّ وجل يقول : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ وأيضاً أمانة المجالس ، وأيضاً الأمانة أي الوديعة التي تودع عندك ، هذه أداؤها من الأمانة ، فالأمانة واسعة جداً ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول : عن أنس بن مالك  : خَطَبَنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال في خُطبتِه :

(( لا إيمانَ لِمَن لا أمانةَ له، ولا دينَ لِمَن لا عَهْدَ له . ))

[ الدار قطني  :الأحاديث المختارة:  حكم المحدث  :المرسل أصح ]

أي كل إنسان يخون أمانة التكليف ، أو أمانة التبليغ ، أو أمانة الأداء ، أو أمانة الواجب – العمل - أو أمانة المجلس ، أو أمانة الأسرة .. ليس منا من وسع الله عليه ثم قتَّر على عياله ، خان الأمانة ، هذه ربطت نفسها معه فأكل ولم يطعمها ، ولبس ولم يلبسها ، خان الأمانة ، كل من خان هذه الأمانة فلا إيمان له ، بنص قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ ..((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ)) ..  عاهدت ، من علامات النفاق نقض العهد ، كما قال عليه الصلاة والسلام : 

(( المسلمون عندَ شروطِهم . ))

[ ابن العربي  : عارضة الأحوذي  : حكم المحدث : ثابت ]

اتفقت معه على كذا وكذا وكذا ، انتهى الأمر : ((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))   .

 

من صفات المؤمنين الحفاظ على الصلاة :


﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) ﴾ .. لعظم شأن الصلاة بدأ الآيات بالصلاة : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) ﴾ وأنهاها بالصلاة ، لكن هنا الحفاظ على نوعية الصلاة ، على الاتصال بالله ، على الخشوع لله ، أما هنا الحفاظ على أوقات الصلاة ، وعلى ركعاتها ، وسُننها ، وفرائضها ، هنا : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ .. أما هنا : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ يحافظون على فرائضها ، وسُننها ، وعلى خشوعها ، وعلى أدائها في أوقاتها ، ولكن يضيف بعض العلماء إلى هذه المُحافظة إنهم باستقامتهم على أمر الله يحافظون على الاتصال بالله عزَّ وجل ، من خرق استقامته مع الله عزَّ وجل أخلَّ بصلاته ، تصبح صلاته جوفاء شكلية لا جدوى منها .

 

الجنة جزاء من اتصف بصفات المؤمنين :


﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾ .. من انطبقت عليه هذه الآيات استحق دخول الجنة بنص هذه الآية .. في صلاتهم خاشعون ، عن اللغو معرضون ، للزكاة فاعلون ، لفروجهم حافظون ، لأماناتهم وعهدهم راعون ، على صلواتهم يحافظون : ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) ﴾ .

ونرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع تفسير هذه الآيات في الدرس القادم .

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور