وضع داكن
22-02-2024
Logo
الدرس : 8 - سورة المؤمنون - تفسير الآيات 93 – 118 ألم يعرفوا رسولهم
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

من صفات المؤمن أنه لا يستعجل ما أخَّره الله ولا يستبطئ ما عَجَّله الله :


أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثامن والأخير من سورة المؤمنون .

وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى : ﴿ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) ﴾ .. هذه الآيات وحتى نهاية السورة تشبه شيئاً سيحْصُل ، ومن رحمة الله بنا أنه عرض علينا مشهداً لما سيكون ، فمن تقريب هذه الفكرة أن بعض ملوك اليابان أرسل إلى بلاد الغرب طائفةً من الطلاب ليحصّلوا تعليمهم العالي ، بعضهم انغمس في اللهو ، وما لا علاقة له بالدراسة ، ولم يحرز النجاح المطلوب ، فلما عاد إلى بلده شَكَّل ملك اليابان محكمةً ، وحاكم هؤلاء الطلاب وأعدمهم ؛ فلو أنه أرسل وجبةً أخرى ، وأعلمهم مصيرهم إن لم يدرسوا الدراسة المطلوبة فهذا الإعلام المسبق لما سيكون رحمةً بهم .

نحن لو أطلعنا إنساناً يُدَخِّن ، أريناه صوراً دقيقةً لآفات الدخان ، هذه الصور من نوع أننا نطلعه على شيء لابد من أن يصل إليه ، فلو فَكَّر وأحكم عقله في الموضوع لامتنع من تلقاء ذاته عن شرب الدخان مثلاً .

الآن أمامنا مجموعة آيات تُمَثِّل مشهداً من مشاهد يوم القيامة ، هذا المشهد يبين وضع المذنب المُقَصِّر ، وكيف أن النار تلفح وجهه ، وكيف يقول وهو يتلقَّى العذاب ، وما هي أُمْنِيَّاتُه ، فهذه المشاهد لابدَّ من أن يصل إليها كل كافر ، فقد عرضها ربنا في وقتٍ مبكر ، ونحن في الدنيا رحمةً بنا ، يقول الله سبحانه وتعالى يُعَلِّمُ النبي عليه الصلاة والسلام كيف يدعو ربَّه : ﴿ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴾ أي هؤلاء الكُفَّار يتوعَّدهم الله سبحانه وتعالى بالهلاك ، فيا رب إذا أريتني بأمّ عيني هلاك الكفار فلا تجعلني بينهم ، لا تجعلني منهم ، اجعلني بعيداً عنهم لئلا يُصيبني ما توعدتهم به .. ﴿ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴾ الإنسان أحياناً بدافع من رغبته قد يكون له قريب ، قد يكون له صديق منحرف ، آكل المال الحرام ، معتدٍ ، مغتصب ، لـه انحرافاته الخطيرة ، ويزداد قوةً ، ومَنَعَةً ، وشأناً و .. و .. فالإنسان يقول : يا رب ما تفسير هذه القصة ؟ ألا تعاقبه ؟ اطمئن ، لابدَّ من أن يعاقبه الله عزَّ وجل ؛ إن عاجلاً أو آجلاً ، فإيَّاك أن تتسرع في طلب العقاب ، ربنا عزَّ وجل يقول : 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

[ سورة الأنعام ]

هذه ( ثم ) للتراخي ، للترتيب على التراخي ، وفي آية ثانية : 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69)﴾

[  سورة النمل  ]

ربنا سبحانه وتعالى إما أن يبطش بالكافر مباشرةً بعد انحرافه ، وإما أن يؤخِّرَهُ لحكمةٍ بالغة ، فأنت أيها المؤمن لا تستعجل عقاب الله سبحانه وتعالى ، إما أن يأتي وتراه رأي العين ، وإما ألا يأتي ، أما هو لابدَّ من أن يُنزل الله عقابه بالكافر ، إن لكل سيئةٍ عقاباً ، إن لكل حسنةٍ ثواباً ، فالإنسان أحياناً يرى شخصاً منحرفاً ، معتدياً ، ظالماً ، يُسْرِعُ الله سبحانه وتعالى ويعاقبه عقاباً أليماً ، ويبطش به ، هذه تُغَطِّيها تلك الآية : ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وأحياناً أُخرى قد ينحرف الإنسان ، وقد يطغى ، وقد يبغي ، وقد يأخذ ما ليس له ، وقد يعتدي ، وقد يغتصب ، وقد يستعلي ، وقد يتكبَّر ، والله سبحانه وتعالى يُرْخي له الحبل ، ولكنه إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ .. 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

[  سورة البروج  ]

فأنت أيها المؤمن لا ينبغي أن تتمنى ، ولا أن تنتظر ، ولا أن تترقب ، ولا أن تستعجل ، من صفات المؤمن أنه لا يستعجل ما أخَّره الله ، ولا يستبطئ ما عَجَّله الله سبحانه وتعالى ، أنت عبد ، فالله سبحانه وتعالى يُعَلِّمُ النبي عليه الصلاة والسلام ، يعلمه أن يدعو بهذا الدعاء قال : ﴿ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) ﴾ أي يا رب إذا أردت أن تُنْزِل عقابك بهؤلاء المنحرفين لا تجعلني بينهم لئلا يُصيبَني ما يصيبهم ، وطبعاً هذا تحصيل حاصل ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول : 

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾

[ سورة الأنبياء ]

 

قدرة الله لا يعتريها عجزٌ :


﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾ .. أي هذا الوعد الإلهي كأنَّه واقع ، ولكن كما يقولون قضية زمن .. ﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾ الإنسان قائم بالله عزَّ وجل ، لو أن الله سبحانه وتعالى قَطَعَ عنه الإمداد لحظةً واحدة لأصبح جثةً هامدة ، لو أنه جَمَّدَ نقطةً من دمٍ في بعض شرايين دماغه لأصبح مشلولاً ، في مكانٍ آخر لأصبح مجنوناً ، في مكانٍ ثالث لفقد السمع ، في مكان رابع لفقد البصر ، في مكان خامس لفقد الذاكرة ، فالإنسان ضعيف . 

أخ كريم توفِّي - رحمه الله تعالى - خرج من معمله إلى بيته لم يعرف أين بيته ، بقي ساعةً ونصف يجوب في سيارته أطراف المدينة إلى أن ذهب إلى بيت ابنه قال له : يا بني أين بيتي ؟ يوجد فقد ذاكرة كُلي ، وفقد ذاكرة جُزئي ، فالإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل ، أي جهاز ، أي غدة ، أي مكان في جسمك محتمل يصير فيه نمو عشــوائي - مرض خبيث – محتمل يصير قصور مفاجئ في وظيفة الكليتين ، انتهى ، أمامه متاعب لا حصر لها ، فالإنسان قيامه ، دماغه ، قلبه ، شرايينه ، رئتاه ، كليتاه ، معدته ، أمعاؤه ، عضلاته ، عظامه ، ذاكرته ، عقله ، بيد الله عزَّ وجل ، أهله ، أولاده ، ماله كلُّ شيءٍ بيد الله عزَّ وجل .

 

من صفات المؤمن مقابلة السيئة بالإحسان :


﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ .. هذا حال المؤمن يُقابل الإساءة بالإحسان .. ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، يوجد آية أخرى : 

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴾

[ سورة فصلت ]

أحد الأصحاب الكرام تكلّم معه رجل بكلامٍ مُقْذع فقال ببساطةٍ وبهدوءٍ : يا أخي إن كنت مخطئاً غفر الله لي ، وإن كنت أنت غفر الله لك .. ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ ..

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)﴾

[  سورة آل عمران  ]

يجب أن تَكْظُمُ غيظك ، وأن تعفو عن الناس ، وأن تُحسن إليهم .

 

الله تعالى أعلم بالخلق كلهم :


﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾ .. هؤلاء المعارضون ، هؤلاء المشكِّكون ، هؤلاء الجاحدون الذي يصدُّون عن سبيل الله ، يحيكون لك ما يحيكون ، يدبِّرون ما يدبرون ، يمكرون ما يمكرون ، هؤلاء نعلمهم نحن ، أعلم بك منهم ، أي كفاك طمأنينةً أن الله يعلم ما يفعلون ، أن الله محيطٌ بأفعالهم ، محيطٌ بمكرهم ، محيطٌ بكيدهم ، يدُ الله فوق أيديهم ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾   أي بما يصفونك يا محمد ، أنت رسول ، ويصفونك بأنَّك لست برسول ، معلمٌ مجنون ، ساحرٌ ، كاهنٌ ، شاعرٌ ..﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) ﴾ .

 

الاستعاذة بالله لتلافي وسوسة الشيطان :


﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) ﴾ الهَمْز بعضهم قال : الوسوسة ، وبعضهم قال : ساعة الغضب التي يُصْبِحُ فيها الإنسان كالحيوان بدافعٍ من وساوس الشياطين ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) ﴾ .. ليس للإنسان من طريقةٍ يتلافى فيها وساوس الشياطين إلا أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، هذه قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، هذه أجدى دواء للوساوس ، كلَّما نابك وسوسةٌ قل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، اقرأ المعوذتين .. 

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ﴾  

[  سورة الفلق  ]

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)  ﴾

[  سورة الناس  ]

 الاستعاذة بالله ، طبعاً لا يكفي أن تقول بلسانك : أعوذ بالله ، الأمر أعقد من ذلك ، لابدَّ من أن تلتجئ إلى الله ، لابدَّ من أن تقبل عليه ، لابدَّ من أن تحتمي بجنابه ، لابدَّ من أن تستجير به ، إذا فعلت ذلك أجارك الله ، وأعاذك ، وأنقذك ، وأغاثك . 

 

سكرات الموت مشهد مِن مشاهد يوم القيامة :


أما مشاهد يوم القيامة فقد بدأت الآن ، ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ﴾ بعضهم قال : إن الإنسان إذا جاءه الموت لابدَّ من أن يعرف مقامه في الآخرة ، إما أن يرى مقامه في جنةٍ عرضها السماوات والأرض ، وإما أن يرى مكانه في النار ، في دركات النار ، لذلك حينما يُشْرِفُ الإنسان على الموت يعرف مكانه في الآخرة ، إما في جنةٍ يدوم نعيمها ؛ أو في نارٍ لا ينفد عذابها ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ﴾ .. بعضهم :

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8)﴾

[ سورة الجمعة ]

تفرون منه .. أي كأنَّه يلحقكم .. فإنَّه ملاقيكم ، الإنسان أحياناً يفاجأ ، يكون متوقعاً أن يموت من هذا المرض ، يعتني بصحته عنايةً بالغة ، فإذا هو يفاجأ بأنه يموت بحادث ، وهذا الشيء وقع كثيراً ، فالإنسان لا يعرف كيف يموت ، يا ترى يموت بمرض ؟ بحادث ؟ الله أعلم .. 

ولست أبالي حين أُقتل مسلماً على       أي جنبٍ ألقى في الله مصرعي

* * * 

من لم يمُت بالسيف مات بغيره          تنـوَّعت الأسـباب والمـوت واحد

* * *


  أجمل ساعةٍ في حياة المؤمن ساعة لقاء ربه :


حينما يكون الإنسان مع الله عزَّ وجل فهو في سعادةٍ ما بعدها سعادة ، النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الغزوات تفقَّد أحد أصحابه ، واسمه الربيع فقال : أين الربيع ؟ ندب أحد أصحابه ليبحث عنه في أرض المعركة ، أحد أصحاب النبي الكريم توجَّه إلى أرض المعركة يبحث عن الربيع بين القتلى والجرحى ، فإذا هو بين القتلى لكنه لم يمت بعد ، أي في النزع الأخير ، فقال : إن النبي عليه الصلاة والسلام يُقْرِئك السلام ، وقد بعثني أبحث عنك ، فهل أنت يا ربيع بين الأموات أم بين الأحياء ؟ فقال الربيع : إنني من الأموات ، ولكن أَقْرِئ رسول الله مني السلام ، وقل له : جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبياً عن أمته .

هذه حاله ، هو في أرض المعركة يلقى النزْعَ الأخير وحاله من أسعد الحالات ، فالإنسان ليكن عمله في الدنيا عملاً طيباً بحيث لو جاءه الموت قال كما قال سيدنا بلالٌ رضي الله عنه حينما قالت له ابنته : وا كربتاه يا أبت ، قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة ؛ محمداً وصحبه .

أنا الذي أتصوره أن أجمل ساعةٍ في ساعات حياة المؤمن حينما يَلْقى الله عزَّ وجل .. بل الرفيق الأعلى .. ينبغي أن يكون هذا اليوم هو اليوم الموعود ، هو اليوم المنتظر ، لذلك قالوا : الموت تحفةُ المؤمن .

 

تعريف اليقين :


﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ﴾ .. قال ربنا عزَّ وجل : 

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) ﴾

[  سورة الحجر ]

اليقين هو الموت ، ولم يقل الله عزَّ وجل : واعبد ربك حتى يأتيك الموت ، قال : ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ بمعنى أن الموت سُمِّيَ يقيناً لتَيَقُّنِ وقوعه .. كل مخلوقٍ يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت :

الليل مهما طال فلابدَّ من طلوع الفجر           والعمر مهما طال فلابدَّ من نزول القبر

* * *

لذلك البطل هو الذي يَعُدَّ لهذه الساعة العُدَّة ، هو الذي يعمل من الصالحات ، هو الذي يستقيم على أمر الله ، هو الذي يتعرَّف إلى الله في الرَّخاء ، هو الذي يَحْضُر مجالس العلم ليتعرف إلى الله ويطبِّق ما فيها من قواعد ، من شرائع ، من مواعظ ، من حكم ، من أوامر ، من نواهٍ . 

وسمِّي الموت يقيناً لشيءٍ آخر ، هو أن كل شيء سمعته في الدنيا يصبح عند الموت يقيناً ، نقول الآن : يوجد جنة ، ويوجد نار ، ويوجد حساب ، ويوجد صراط ، ويوجد عذاب ، ويوجد ملائكة ، ويوجد زبانية ، ويوجد جهَنَّم ، هذا الكلام كله الذي يقوله الناس في الدنيا عند الموت تصبح هذه الأخبار حقائق ، سمي الموت يقيناً لتيقُّن وقوعه ، وسمي الموت يقيناً لأن كل شيءٍ فيه يصبح يقيناً :

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) ﴾

[ سورة الإسراء  ]

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)  ﴾

[ سورة ق  ]

 

ندم الكافر يوم القيامة وتمني الرجوع إلى الدنيا ليصحح خطأه :


﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ .. نَدم .. 

﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)  ﴾

[ سورة الزمر ]

يا ليتني أعود إلى الدنيا فأستقيم على أمر الله ، يا ليتني أعود إلى الدنيا فأعمل الصالحات ، يا ليتني أعود إلى الدنيا فأتعلَّم كتاب الله ، يا ليتني أعود إلى الدنيا فأجعل بيتي إسلامياً كما أراد الله عزَّ وجل ، يا ليتني أعود إلى الدنيا لأُحرر دخلي من الحرام ، يا ليتني أعود إلى الدنيا لأُنفق المال فيما يُرضي الله ..﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ تركت أموالاً يا ربِّ ، لعلي أعود إلى الدنيا فأنفقها في طاعتك ، تركها لأولاده ، وأولاده صرفوها وأنفقوها في معصية الله ، أي أغلب الظن أن الإنسان إذا ترك أموالاً طائلة ، ولم يترك ذريةً صالحة أغلب الظن أن هذه الأموال تُنْفَق على المعاصي ، يصف المؤمن حينما يوضع في النعش بأن روحه ترفرف فوق النعش وتقول : " يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبَن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلَّ وحرم ، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعةُ علي " .. ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾ يقول بعضهم : إن الميِّت يُخاطب الملائكة الذين قبضوا روحه ، وكلمة ربِّ اعتراضية ، كما لو أن الأب أخذ ابنه ليضربه فالطفل ينادي أمه .. ينادي إنساناً آخر يظن أنه سَيُخَلِّصه .. قال : ربِّ أي يا رب ، أرجعوني أيها الملائكة كما كنت في الدنيا ..﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ .. لعل هذا المال الذي تركته أنفقه في طاعة الله ، لعل هذا البيت الذي تركته أُسكنه من يرضي الله عزَّ وجل - طبعاً في دخول كبيرة جداً من البيوت ، لكن لا ترضي الله عزَّ وجل ، يقول لك : كل يوم ثلاثة آلاف ليرة ، لو أجرته إلى مؤمن – لكن يوجد دخول لا ترضي الله عزَّ وجل ، يوجد تجارات لا ترضي الله ، يوجد حفلات لا ترضي الله ، يوجد سـهرات لا ترضي الله .

 

كلّ إنسان رهين عمله إن جاءه الموت :


﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ﴾ .. كلا أداة نفيٍ وردعٍ ، هذا لن يحصل ، هذا بعد فوات الأوان ، هذا لن يكون ..﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾ أي هذه الكلمة التي قالها لا تُقَدِّمُ ولا تؤخِّر ، ولا تنفع ، ولا تُجدي ، ولا تؤثِّر ، وليس لها أي مفعول ، إنها كلمة هو قائلها ، إذا ساقوا مجرماً إلى الإعدام بعد أن صدر الحكم بإعدامه ، وتصدَّق الحكم ، وهو مرتكب جريمة ، إذا قال : خلصوني ، سامحوني ، اتركوني ، نقول له : هذه كلمة لا تقدم ولا تؤخر ، ولا تجدي ، ولا تفعل شيئاً ، ﴿ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾ فالإنسان لا ينبغي أن يُهْمِل أمر دينه في الدنيا حتى يأتي عليه يوم يتمنَّى أن يرجع إلى الدنيا ويقال له : ﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾ هذه هي المشكلة ، نحن الآن في الحياة الدنيا ، ومادام القلب ينبض فالباب مفتوح ، باب التوبة مفتوح ، باب الرقِي مفتوح ، باب المغفرة مفتوح ، باب الإصلاح مفتوح ، كل شيءٍ مفتوح الآن ، حتى إذا جاء الموت أُغلقت الأبواب ، وخُتِمَت الأعمال ، وجَفَّت الصحف ، ورفعت الأقلام ، وانتهى كل شيء ، وأصبح الإنسان رهينَ عمله .. 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ(41)﴾

[  سورة المدثر  ]

 

حياة البرزخ :


﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ .. هذا البرزخ .. 

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)﴾

[ سورة غافر  ]

من ستة آلاف عام ، وفي كل عام يوجد ثلاثمئة وخمسة وستون يوماً ، وكل يوم مرتان ، يُعْرضون على النار .. ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ هذا هو البرزخ ، البرزخ إما أن يكون روضةً من رياض الجنة ، وإما أن يكون حفرةً من حُفَرِ النار ، الإنسان بين الموت وبين يوم القيامة هناك مرحلةٌ تسَمَّى : البرزخ ، لكن بعضهم قال : يا ترى ومن ورائهم أم ومن أمامهم ؟ المفروض أن البرزخ من أمامهم ، الآن مات وأمامه برزخ ، قال بعضهم : كلمة من ورائهم تعني الإحاطة ..  

﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)﴾

[  سورة الكهف  ]

أي محاطين ، بعد أن يموت الإنسان لا يوجد حل آخر ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾ أي محيطٌ بهم برزخ إلى يوم يبعثون .

 

العلائق النسبيَّة في الدنيا فقط كي يكتسب الإنسان بها العمل الصالح :


﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ .. أي هذه النفوس التي خلقها الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ أرادها جعل نظام الأسرة ، جعل نظام الزوجين ، هذا أبٌ ، وهذه أم ، وهؤلاء أولادهما ، الأولاد يتزوجون ، هذا صهر ، وهذا ابن أخ ، وهذا ابن أخت ، وهذه عمة ، وهذه خالة ، هذه العلائق النسبيَّة جعلها الله في الدنيا كي يكتسب الإنسان بها العمل الصالح ، يكون الطفل صغيراً يحتاج إلى رعاية ، إلى عناية ، إلى توجيه ، إلى تربية ، فأن يكون للإنسان أب ، وأم ، وزوجة ، وأخ ، وأخت ، وعم ، وخال ، وعمة ، وخالة ، وابن أخ ، وابن أخت ، وابن خالة ، وابن عمَّة ، هذه العلاقات النسبية جعلها الله في الدنيا كي نتواصل ، كي نتراحم ، كي نكسب الأعمال الصالحة ، كي يُعين الابن أباه حينما يكبر ، وكي يعين الأب ابنه حينما يكون صغيراً ، لكن انتهى العمل بقي الجزاء ، لذلك ليس في يوم القيامة أنساب ، يبدو أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام قالت : أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ لا يا أم المؤمنين ، إن أحداً لا يعرف أحداً يوم القيامة .. لكن فيما سوى هذه المواضع الثلاث ؛ على الصراط ، وإذا الصحف نشرت ، وعند الميزان ، في هذه المواقف الثلاث لهول الموقف لا يعرف أحدٌ أحداً يوم القيامة .. وفيما سوى ذلك ربما وقعت عين الأم على ابنها ، تقول له : يا بني جعلت لك صدري سقاءً ، وبطني وعاءً ، وحجري وطاءً فهل من حسنةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم ؟ فيقول : يا أماه ليتني أستطيع ذلك ، إنما أشكو مما أنت منه تشكين ..﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ لا يوجد أنساب ، ولا يوجد تساؤل ، هنا التساؤل بمعنى السؤال ، الإنسان أحياناً يسأل أباه أن يعطيه مالاً ، والأب أحياناً يسأل ابنه أن يعطيه مالاً ، والأخ يسأل أخاه بيتاً ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) ﴾ .


الناس يوم القيامة فريقان :


1 ـ من ثقلت موازينه :

﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ .. أعماله الطيبة كثيرة ، له استقامته في الدنيا ، له أعمال الخير ، يدلُّ على الخير ، يتصدَّق بماله ، يدل الضال في أرض الضلالة ، يفرغ من دلوه في إناء المستسقي ، يميط الأذى عن الطريق ، يعود المريض ، ينفق من ماله ، يرد لهفة الملهوف ، مثل هؤلاء الأشخاص موازينهم ثقيلة ، دعا إلى الله ، جعل الله هداية بعض الناس على يديه ، طبعاً هذه الدعوة تحتاج إلى وقتٍ ، وإلى جهدٍ ، وإلى صبرٍ ، وإلى تَحَمُّلٍ ، طبعاً هذه الأعمال الطيبة تجعل موازينه ثقيلة : ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ ي أفلحوا في الدنيا ، وحققوا الهدف من خلقهم ، وفازوا بها ، وجعلوها جسراً إلى الآخرة . 

2 ـ من خفت موازينه :

﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ .. أكبر خسارةٍ أن تخسر نفسك .. رأس مالك نفسك ، فإذا خسرتها خسرت كل شيء ، وإذا ربحتها ربحت كل شيء ، تربح نفسك إذا عرَّفتها بربها ، تربح نفسك إذا دللتها على الله عزَّ وجل ، إذا ألزمتها سبيل الاستقامة ، إذا حملتها على فعل الخيرات ، تربح نفسك ، وإلا تخسرها ، ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ أعماله قليلة ، كل وقته وجهده لمصالحه ، لكسب المال ، للتمتع بالدنيا ، لتوسعة البيت ، لتزيينه ، للذهاب إلى النزهات ، لإقامة الولائم ، للانغماس في الملذَّات ، لا يعنى بأمر الله كثيراً ، لا يهتم أكان في طاعةٍ أم في معصية ؟ أكان فيما يرضي الله أم فيما يسخطه ؟ لكن الذي يعنيه أنه يحقق رغبته ، يلَبِّي شهوته ، يُمتع نفسه ، يقول لك : الدنيا لا يوجد فيها شيء ، خذ منها قدر ما تستطيع ، هكذا شعار بعض الناس ، وكما قال الشاعر :

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي          فدعني أبادرها بما ملكت يدي

* * *

متع نفسك ، الآن أنت شاب ، من الآن ليوم الله يفرجها الله ، بعض الناس هكذا ﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(103)﴾ الإنسان يخسر بيتا أحياناً ، البيت يحترق ، يخسر سيارة ، أحياناً يخسر رأس ماله كله ، أحياناً يخسر أولاده ، هناك مصائب كثيرة ، لكن رأس مالك أنت ، أنت رأس مالك ، فإذا خسرت نفسك أعدَّ الله لك حياةً أبديةٍ فخسرت هذه الحياة الأبدية وكان المكان في عذابٍ أليم ، هذه أكبر خسارة ، لذلك : عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ  :

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا ، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأماني . ))

[ الترمذي  : حكم المحدث  : صحيح ]

 

قبح الكفار والنار تلفحهم :


﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ .. تأتيه لفحةٌ من لهيب النار : ﴿ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ إذا نظرت إلى رأس غنم مشوي تراه مكَشِّراً ، أسنانه ظاهرة ، حينما احترق جلده ، انكمشت عضلات جلده فكَشَّر عن أنيابه ، معنى كالح : حينما تأتيه لفحة النار ينكمش جلده فتظهر أسنانه بشكلٍ قبيح : ﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ .

 

عتاب الله للكافرين :


اسمعوا العتاب الإلهي : ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ آيات القرآن ألم تكن تتلى علينا ؟ بلى والله ، تتلى علينا صباحاً ومساءً ، القرآن أليس بين أيدينا ؟ ألا نسمعه صباح مساء ؟ ألم نسمع تفسيره ؟ ما موقفنا منه ؟ ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ الآيات الكونية أليست ظاهرةً جلية ؟ هذه الشمس من أوقدها ؟ وهذا القمر من جعله في هذه المعارج والمواقع ؟ وهذه الأمطار من أرسلها ؟ وهذه الرياح من صرَّفها ؟ وهذه البحار من أوجدها ؟ وتلك الجبال من أقامها ؟ وهذه الحيوانات من خلقها ؟ وهذا الطعام الذي تأكله من أعدَّه لك ؟ ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾ عندنا آيات كونية ، ويوجد آيات قرآنية ، فالآيات الكونية تتلو نفسها علينا صباح مساء ، هذا كأس الماء هو آيةٌ من آيات الله ، طفلك الذي أمامك آيةٌ من آيات الله ، الفاكهة التي تأكُلها آيةٌ من آيات الله ، الهواء الذي تستنشقه آيةٌ من آيات الله ، وآيات القرآن الكريم : ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ يقول لك : أخي هذا القرآن للأموات وليس للأحياء ، يقرأ على الأموات ، وفي مناسبات الموت ، الآن دعنا في سرور ، إذا ذكرت لهم آية أو حديثاً عن الآخرة تشاءموا ، دعنا في سرور .

 

إيثار الضّال شهوته على طاعة ربه :


﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ .. الشقْوَة أضيفت إليهم ، أي الشقوة هنا الشهوة ، سماها الله شقوة لأن الشهوة تؤدي إلى الشقوة " ألا يا رب شهوة ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً " .. فلأن هذه الشهوة تؤدي إلى الشِقوة سماها الله شِقوة : ﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنَا ﴾ أي آثرنا شهواتنا على طاعة ربنا ، نحن مخيَّرون ، اخترنا شهواتنا على طاعة ربنا ، آثرنا حظوظ أنفسنا ، آثرنا المُتَع الرخيصة يا رب ، هكذا ..﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ﴾ لم نبحث عن الحق ، الحق كان جلياً ، كان واضحاً ولكن تعامينا عنه ، ما بحثنا عنه ، لم نعبأ به ، بحثنا عن الدنيا ، عن الدرهم والدينار :﴿ وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) ﴾ .

 

الله تعالى سخر للضال كل شيء ليعود إلى الطريق المستقيم ولكنه أبى :


﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) ﴾ .. إذا طُلب منك طلباً لا يُعْقَل أن يحَقق ، لا تقول له : لا ، بل تقول له : اخرج من هنا : ﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ ..

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38)﴾

[ سورة الأنبياء  ]

ما هذه أخرجنا منها ؟ كنتم في الدنيا وعُمرتم فيها عمراً كافياً : 

﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)﴾

[ سورة فاطر ]

عمرتم في الدنيا ثمانين عاماً ، سبعين عاماً ، ستين عاماً ، ستين ربيعاً ، ستين خريفاً ، ستين صيفاً ، ستين شتاء ، ستين مرة أكلت فواكه في الصيف ، وستين مرة فواكه الشتاء أكلتها ، ورأيت الرياح ، والأمطار ، والثلوج ، والربيع ، والخريف ، وجاءك أولاد ، وكبروا أولادك ، وزوَّجتهم ، وجاءهم أولاد ، وصرت جدّاً ، عُمِّرتم ما يكفي للتذَكُّر ..﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ الله عزَّ وجل أرسل الأنبياء ، وأنزل القرآن الكريم ، وسخَّر العلماء ، وأرسل بعض المصائب حتى يُذَكِّرنا ، وجعل الشيب ، جعل ضعف البصر ، وضعف السمع ، وضعف القوى ، يقول لك : أنا لم أكن هكذا ، كنت أنشط من ذلك ، طبعاً ربنا عزَّ وجل بأسلوب لطيف قال لك : يا عبدي اللقاء قَرُب فانتبه ، هيئ نفسك .

 

الضّال إنسان وصل مع ربه إلى طريق مسدود :


﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)﴾ .. هذا كلام لا يُجْدي .

تكلمنا من درسين سابقين : لا تصل إلى طريق مسدود ، هذا الطريق مسدود ، قل : ﴿ أَخْرِجْنَا مِنْهَا ﴾ ، وقل : ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾ ..

وقل : 

﴿ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)﴾

[ سورة الأنعام  ]

وقل : 

﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)﴾

[ سورة الزمر ]

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27)﴾

[  سورة الفرقان ]

هذا الكلام لا يجدي : ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) ﴾ أي ابتعدوا ، ولا تكلمون .

 

سخرية الكفار من المؤمنين في الدنيا ولكن البطولة من يضحك آخراً :


﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) ﴾ .. أحياناً ينشأ الشاب في طاعة الله فيسخر منه إخوانه ، أصدقاؤه ، أقاربه ، قد يسخر منه أبوه وإخوته في البيت ، يقولون له : تَشَيَخ ، لم يعد يفهم شيئاً ، ابتعد عن سهراتنا ، طمس قلبه بالدين ، لم يعد يرى شيئاً ، ﴿ وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ كنتم تظنون أنكم أنتم الأذكياء وهم الأغبياء ، كنتم تظنون أنكم أنتم الرابحون وهم الخاسرون ، كنتم تظنون أنكم أنتم الفائزون ، وهم المخففون ، كنتم تظنون أنكم أنتم الذين تعرفون كيف تكون الحياة وهم لا يعرفون ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) ﴾ كانت السخْرِيَة عليهم قد أنستكم ذكر الله عزَّ وجل ، كنتم معنيون بالسخرية منهم ، تمضون أوقاتكم في الحديث عنهم ، يقول لك : محدود ، تتحدثون عن ورعهم على أنه غباء ، تتحدثون عن إحجامهم عن مباهج الدنيا على أنه ضيق أفق ، تتحدثون عن خوفهم من الله عزَّ وجل على أنه حالة مرضية ، تتحدثون عن استقامتهم على أنه قابضها ، إذا شخص مستقيم خاف أن يأخذ ورقة ليست له : أخي قابضها زيادة ..﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾ وهذا يحصل ، المؤمن دائماً أهل الكفر والضلال والبغي والعدوان يسخرون منه ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) ﴾ هؤلاء الذين انغمسوا في ملذات الدنيا إلى قمة رؤوسهم كانوا خاسرين ، هؤلاء الذين أقبلوا على الدِرهم والدينار ، وعبدوا شهواتهم من دون الله هم الخاسرون ، لذلك ربنا عزَّ وجل قال : 

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34)  ﴾

[  سورة المطففين  ]

 

الأحمق من يضيع الآخرة الأبدية من أجل أيامٍ معدوداتٍ في الدنيا : 


﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾ .. ربنا عزَّ وجل يسأل ، هذا سؤال دقيق جداً ، لو فرضنا سمعت شخصاً دخل إلى بيت لكي يسرق ، ثم تفاجأ بصاحب البيت ، فنشبت معركة بينهما فقتل صاحب البيت ، فأُخذ للمحاكمة ، حكم عليه بالإعدام ، ما هو المبلغ الذي سرقه ؟ يقول لك : والله إنه خمسون ليرة ، هل من المعقول أن يضحي بحياته كلها من أجل خمسين ليرة ؟ ما أغباه ! ومهما كان المبلغ كبيراً فإنه خاسر ، هذه الآخرة الأبدية ، هذه الحياة السرمدية ، هذه السعادة الكبرى ، هذه الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض ، ضيعتموها من أجلِ أيامٍ معدوداتٍ في الدنيا : ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾ ..

 

الوقت أثمن شيء يملكه الإنسان :


اسمعوا الجواب ، عاش ثلاثًا وثمانين سنة : ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، تَمُرُّ الدنيا على الإنسان يوم القيامة وكأنها يومٌ ، ونحن الآن كل واحد له عمر ، تقول له : يا أخي كم هو عمرك ؟ يقول : ثلاث وأربعون ، كيف مضوا ؟ يجيبك : والله البارحة كنت طالباً صغيراً ، الذي في الأربعين من العمر يقول لك : البارحة كنت صغيراً ، والذي في الثلاثين يقول القول نفسه ، والذي في الخمسين كذلك ، في الدنيا تمضي الأيام سريعاً كلمح البصر ، أما في الآخرة كل العُمُر يمضي وكأنَّه يومٌ أو بعض يوم : ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾ اسأل الملائكة الذين وكِّلوا بِعَدِّ الأيام ، يأتي الجواب : ﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾ .. هذه إن حرف نفي ، أي ما لبثتم إلا قليلاً ، أي أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا ، أي ضَحَّيتم بهذه الآخرة العظيمة من أجل أيامٍ معدودةٍ في الدنيا : ﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لو أنكم تعلمون حقيقة الدنيا لما استهلكتم الوقت في تُرُّهات الأباطيل ، ولا في سفاسف الأمور ، لو كنتم تعلمون حقيقة الدنيا ، والله الذي لا إله إلا هو حتى المؤمن إذا واجه الموت فإنه سيندم على ساعةٍ مضت لم يذكر الله فيها ، أثمن شيءٍ هو الوقت ، هذا الوقت رأس مالك ، ما مضى فات والمؤَمَّل غيب ولك الساعة التي أنت فيها ، لذلك احرصوا على الوقت ، استهلكوا الوقت فيما يرضي الله عزَّ وجل :  

(( عن عبد الله بن عباس قال : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرجلٍ وهو يَعِظُه  : اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ : شبابَك قبل هَرَمِك ، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك ، وغناك قبل فقرِك ، وفراغَك قبل شُغلِك ، وحياتَك قبل موتِك . ))

[ أخرجه المنذري الترغيب والترهيب إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما  ]

هذه الخمس اغتنمها قبل الخمس ﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(114)﴾ .

 

أحد أسباب الإيمان باليوم الآخر أن اسم الحق لا يتحقق إلا بعد الموت تحقُقاً كاملاً :


الآن السؤال : ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ .. أي هكذا الدنيا فيها قوي وفيها ضعيف ، هذا القوي أكل مال الضعيف وانتهى الأمر ؟ لا يوجد شيء بعد هذا ؟ لا يوجد حساب ؟ لا يوجد جزاء ؟ لا توجد محاكمة ؟ لا يوجد ثواب ؟ لا يوجد عقاب ؟ لا يوجد يوم آخر ؟ هكذا تنتهي الحياة بالموت ولا شيء بعد الموت ؟ هكذا تظنون ؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ فيكم القوي ولا يُحاسب ؟ وفيكم الضعيف ولا يُعطى حقه من القوي ؟ فيكم الغني الذي يبدد أمواله على شهواته ؟ وفيكم الفقير الذي يبحث عن طعامٍ فلا يجده وهكذا ينتهي الأمر ؟ أحد أسباب الإيمان باليوم الآخر أن اسم الحق لا يتحقق إلا بعد الموت تحقُقاً كاملاً .

 

محاسبة الناس جميعاً يوم القيامة :


﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ ﴾ .. تعالى عن أن يخلق الخلق عبثاً ، تعالى عن أن يخلقنا بلا حساب .

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) ﴾

[ سورة القيامة  ]

لا توجد مسؤولية ؟ وعدتها إن سجلت لك هذا البيت باسمك ألا تطلقها ، فلما كتبت لك البيت طلَّقتها وليس هناك إلهٌ يحاسب ؟ 

إذا جـار الأمـيـرُ و حـاجـباه          وقاضي الأرضِ أسرفَ بالـقضــــــاءِ

فـــــويـلٌ ثم ويــــــلٌ ثم ويــــلٌ          لقاضي الأرضِ من قاضي السماءِ

* * * 

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ أي تعالى عن أن يخلق الخلق عبثاً ، لابدَّ من حساب ، لابدَّ من جزاء ، لابدَّ من دينونة ، لابدَّ من أن يقف الناس جميعاً ليحاسبوا عن أعمالهم ، ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾ .. هذه (لا برهان له به ) سمَّاها علماء البلاغة قيداً توضيحياً ، وليس قيداً احترازياً ، أي لا يمكن أن يكون هناك برهانٌ لإلهٍ آخر ، لكن ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ ﴾ من شأن هذه الدعوى الباطلة أنه لا برهان عليها ، ﴿ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أحياناً تحاول أن تفهم لتحل قضية يقال لك : هذا الموضوع عند فلان ، وليس في إمكان أحدٍ أن يَحُلَّه إلا هو ، فهذا الموضوع الحساب عند الله وحده : ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ أي سوف يأتي الناس رب العالمين ؛ وسوف يحاسبهم على أعمالهم كلِّها ؛ إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر ، أي :

﴿  إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾

[  سورة الغاشية  ]

﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ الكافر لا يُفْلِح مهما قدم وأخر ، مهما علا ، مهما طغى وبغى ، فإنه لا يفلح .

 

اقتران المغفرة بالرحمة :


﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ .. يعلِّمنا ربنا سبحانه وتعالى كيف ندعوه : ﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ ﴾ المغفرة للسيئات ، والرحمة في التجلِّيات ﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ .

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور