وضع داكن
20-04-2024
Logo
الدرس : 01 - سورة فاطر - تفسير الآيات 1 - 2 قدرات الإنسان غير محدودة - الرحمة
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

كل سعادة الإنسان في التفات نفسه إلى الله عز وجل:


أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الدرس الأول من سورة فاطر، ومع الآية الأولى، وهي قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .. 

أيها الإخوة الأكارم؛ كل سعادة الإنسان في التفات نفسه إلى الله عز وجل، وللنفس قوانين، من أبرز قوانينها أنها تلتفت إلى المحسن؛ يا داوود ذكّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبّ مَن أحسن إليها، والآية الأولى تذكّر الإنسان بأن كل النعم التي يَنعم بها إنما هي من الله عز وجل.

 

العبرة في معرفة المنعِم لا في معرفة النعمة:


سأضع بين أيديكم صورة، لو كنتَ في مجلسٍ فيه أربعون شخصاً، وأحدهم قد أسدى إليك معروفاً جليلاً، لا تدري، ولا تشعر إلا وأنت ملتفت إليه، قد تنسى الباقين، قد لا تعبأ بكلامهم، لا تلتفت إلى صورهم، كلَّك منصرف إلى هذا المحسن، هذه طبيعة النفس، يا داوود! ذكّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب مَن أحسن إليها، الشرك خطره أنه يوهمك أن هذه النعم مِن زيد أو عبيد، ومِن فلان أو علان، وهي في حقيقتها من الله وحده، فإذا تحققت أَن كل النعم بدءاً من نعمة الإيجاد، إلى نعمة الإمداد، إلى نعمة الصحة، إلى نعمة الفراغ، إلى نعمة الطمأنينة، إلى نعمة سلامة الأعضاء، إلى نعمة الأهل، إلى نعمة الأولاد، إلى نعمة المأوى، إلى نعمة العقل، إلى نعمة الهدى، إلى نعمة التوفيق للهدى، إلى نعمة التطبيق، إذا أيقنت أن كل هذه النعم هي من الله بشكل طبيعي وعفوي ووَفق قوانين النفس تلتفت إلى الله عز وجل.

النعم كما قلت من قبل: ليس هناك مشكلة في وجودها أو عدم وجودها، النعم موجودة، لا يختلف على وجودها اثنان، ولكن المشكلة، أن المؤمن يعزوها إلى الله عز وجل وحده، وهذا هو الحق، بينما غير المؤمن تتوزع نفسه بين شركاء لله كثيرين، لذلك جاءت الآية الأولى: ﴿الْحَمْدُ﴾ ، هذا الموقف الذي تمليه عليك فطرتك، الامتنان، الشكر، الحمد، معرفة الجميل، هذا الموقف الأخلاقي الفطري يجب أن يكون لله عز وجل، لأنه صاحب النعم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، هذه المشكلة، لا نختلف على وجود النعم، مَن منا لا يعلم نعمة البصر؟ نعمة السمع؟ نعمة العقل؟ لو اختلَّ هذا العقل أين مصيرنا؟ نعمة عمل الأعضاء، نعمة أن القناة الدمعية للعين سالكة، لو أنها أُغلقت لاضطررت أن تمسح خدك باليوم آلاف المرات، لو أن البصر ضَعُف، لو أن السمع ضَعُف، ماذا يحصل؟ لو انثقبت الأمعاء، لو تعطل الكبد، لو تعطلت الكليتان، لو مرضت الزوجة، لو جاء ولد غير سليم، ما منا أحد يختلف على النعم، ولكن أهل الإيمان يعرفون المنعم من خلال النعم، وأهل الشرك والكفر لا يرون هذه النعم إلا من شركاء لله عز وجل، فلذلك جاءت هذه الآية لتؤكد لهذا الإنسان أن كل ما يتمتع به من نعم إنما هي من الله عز وجل. 

إذاً: ينبغي للقلب أن يلتفت إلى الله، لأن الله سبحانه وتعالى هكذا جبل النفس الإنسانية.

 

لكلّ مخلوق خصائصه:


﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وصف الله ذاته بأنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .. أي خالقها، وموجِدُها، ومبتدئها، خالقها من عدم، وقد يضيف بعض العلماء على معنى الفاطر أن الله سبحانه وتعالى خلق الأشياء وخلق خصائصها. 

مَن أعطى الحديد قساوة ومتانة؟ من أعطى النبات نمواً؟ من أعطى هذه الفاكهة غذاءً تتغذى به؟ شيء خطيرٌ جداً فضلاً عن وجود الأشياء، خصائص الأشياء، مَن أعطى للمعادن خصائصها؟ من أعطى لأشباه المعادن خصائصها؟ مَن أعطى لهذه العناصر التي تزيد على المئة خصائصها؟ من جعل لكل عنصر له درجة انصهار ودرجة تجمد؟ لو أن هذه العناصر اتفقت في درجة انصهار واحدة، وفي درجة تجمد واحدة، لرأيت الكون كله صلباً، أو سائلاً، أو غازاً، مادام الكون فيه أشياء صلبة، وأشياء سائلة، وأشياء غازية فهذا من تقدير عزيز عليم، حكيم خبير، فلذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعها، وخالقها، وخالقها على خصائص معينة، خلق الكون بما فيه من عناصر، وخلق لكل عنصر خصائصه، الطلاب يدرسون في التعليم الثانوي في علم الفيزياء الخصائص الفيزيائية لكل معدن، والخصائص الكيميائية، هذه الخصائص مَن صممها؟ من صمم أن الرصاص يتمدد إذا برد؟ كيف نوفق بين المعدن القاسي وبين الحجر القاسي؟ كيف نثبت المعدن في الحجر لولا الرصاص؟ ينصهر بدرجة مئة، فإذا صببته في حفرة، ووضعت في هذه الحفرة قطعة معدن، هذا الرصاص إذا برد يتمدد، فإذا تمدد أصبح المعدن والحجر قطعة واحدة، مَن أعطى الرصاص خصائصه؟ من أعطى الذهب خصائصه؟ من أعطى الفضة خصائصها؟ من أعطى كل إنسانٍ طباعاً؟

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)﴾

[ سورة المعارج  ]

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾

[  سورة النساء  ]

﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)﴾

[ سورة الأنبياء ]

من جعل هذا الحيوان أليفاً؟ لماذا تقفز من عقرب صغير ولا ترتعد فرائصك من جمل كبير؟ مَن ذلّل الجمل؟ من ذلّل الأنعام؟ من ذلّل القطة في البيت؟ فأرة أصغر منها تملأ البيت رعباً، وقطة أكبر منها تملأ البيت أنساً، من أعطى كل حيوان طباعه؟ لو أنه ركَّبَ طباع السباع في الغنم كيف نأكلها؟ كيف نرعاها؟ كيف نتعامل معها؟ لا تنسوا كلمة:

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72)﴾

[ سورة يس ]

الطائر مذلل، الطيور محببة، القوارض ليست محببة، مع أن للقوارض شكلاً انسيابياً، لكنها مُنفّرة، من أودع في هذه الحُب أو الأنس وأودع في الأخرى النفور؟ يضيفُ بعض علماء التوحيد، إلى كلمة (فاطر) أنه خلق الأشياء، وأعطاها خصائصها المادية والمعنوية، ومن هنا قول الله عز وجل:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾

[ سورة الروم ]

 

أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ: أول آية وصف فيها الله شكل الملائكة:


﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وجعل بين السماوات والأرض، جعل رُسُلاً ينقلون أوامر السماء إلى الأرض، ويرفعون أعمال العباد إلى السماء، إِنهم الملائكة: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ ..بين السماء والأرض، وهذه الآية أول آية وصف فيها الله عز وجل شكل الملائكة، قال: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾


قدرات الإنسان غير محدودة:


أما كلمة: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ ..فسرها المفسرون بأن الله سبحانه وتعالى يزيد عددهم إذا شاء، أو يزيد أجنحتها إذا شاء، وقد قال بعض المفسرين: إن هذه الآية مطلقة، جعل الناس في طول متوسط،و: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قد يزيد الإنسان طولاً، وقد يزيده ذكاءً، وقد يزيده نضارةً، وقد يزيده ذاكرةً، وقد يزيده حكمةً، وقد يزيده قوةً، وقد يزيده شجاعةً: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ وهذا شيء واقع، تحس أن هناك أناساً متفوقين في ذاكرتهم، متفوقين في قدراتهم، هناك قدرات زائدة عن الحد المتوسط يتمتع بها بعض الناس، من منح الناس هؤلاء الفئة العبقرية هذه الزيادة؟ ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ ..ويجب أن تعلموا أيها الإخوة أن قدرات الإنسان لا كما يظن بعض العلماء محدودة، ومدموغة بحدّ لا تتجاوزه، بل إن قدرات الإنسان مفتوحة، فكلما ازددت إيماناً تألق ذهنك، وانطلق لسانك، وقويت عزيمتك، الذي يظن أن طاقات الإنسان أو قدراته الخاصة محدودة منذ الولادة وحتى الموت هذا إنسان جبري، لكن الله سبحانه وتعالى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قد يجعل من الضعف قوةً، ومن ضعف التفكير ذكاءً، ومن ضعف الذاكرة حفظاً، والإنسان له أن يطلب. 

ذكرت لكم مرةً قصةً تركت في نفسي أثراً كبيراً، وتعطي هذه القصة للإخوة المستمعين شحنة من الحماس ليس لها مثيل، ذكرت لكم أن رجلاً من صعيد مصر يبلغ من العمر خمسة وخمسين عاماً، تاقت نفسه وهو في هذه السن المتقدمة إلى أن يكون عالماً، وهو لا يقرأ ولا يكتب، فركب دابته، وساقها إلى مصر، إلى القاهرة، وسأل بعض الباعة: أين الأزعر؟ الأزعر، لا يعرف اسمه، فقال له صاحب الدكان: يا أخي اسمه الأزهر، اسمه: الأزهر الشريف، اذهب من هذا الطريق، هذا الرجل تعلّم القراءة والكتابة، ثم تعلّم تلاوة القرآن، ثم حَفِظ القرآن، ثم تدرج في سنوات الأزهر الأولى، فالثانية، فالثالثة، ويذكر تاريخ الأزهر أن هذا الرجل عاش ستة وتسعين عاماً، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، وكان من علمائِهِ الأجلاء، وترك آثاراً كبرى: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ تشكو من ضعف الذاكرة؟ الله قادر على أن يزيد ذاكرتك دقةً ومتانةً، تشكو من ضعف النطق؟ 

﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)﴾

[ سورة طه ]

تشكو من ضعف العزيمة؟

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)﴾

[ سورة الفاتحة  ]

إذا آمنت أن قدراتك محدودة فهذا هو اليأس القاتل، وهذا هو الباطل، الله عز وجل موجود، فإذا منحك شيئاً زادك على أقرانك، زادك مكانةً، زادك تألقاً، زادك حكمةً، زادك جرأةً، زادك شجاعةً، زادك علماً.

﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)﴾

[ سورة طه ]

ليسَ عندنا في الإسلام حكم ثابت: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يخلق من الضعف قوة، يخلق من التفرق جمعاً، من العداوة حباً، فهذه الآية في السياق لها معنى، وإذا نُزِعت من السياق قانون من قوانين الله عز وجل: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قد يعينك على حفظ القرآن، وأنت في سن متأخرة، قد يعينك على غض البصر، قد يعينك على أن تقف موقفاً شجاعاً، بعد أن ألفت مواقف النفاق، قد يعينك على أن تنطق بالحق: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. ))

[ صحيح مسلم  ]

لا تدّعي أنك عاجز، إذاً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ أنت تعتقد أن العلاقة لن تصلح مع أهلك ، ويزيد هذه العلاقة حباً ومتانةً، ووداً، وإخلاصاً، إذا استقمت على أمر الله، تعتقد أنت أن هذا المحل طاقته محدودة، لا يكفي لأسرتين: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ قد يجعل الناس تهفو إلى هذا المحل. 

هذه الآية تبثُّ التفاؤل، تبثُّ الثقة بالله عز وجل، أيّ شيء خلقه من قدرته أن يزيده، يزداد علمك، والله قادر على أن يزيدك مالاً، إذا كنت ترى أن دخلك محدود، ولا أمل لك في الزواج فهذا يأس: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ هو الخلّاق العليم، هو الرزاق الكريم، هو الفعّال لما يريد، هو الغفور الودود، ذو العرش المجيد، هو كل شيء. 

 

إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ:


أرادت هذه السورة، بل أراد الله عز وجل من خلال هذه الآيات أن يلفتك إليه، أنْ يا عبدي أنا المحسن، أنا صاحب كل النعم، التفت إلينا، دع السِّوى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

أي قدرته تتعلق بكل ممكن، تتعلق بكل شيء، أي قادر على أن ينهي هذا الورم الخبيث بلا دواء، وهناك آلاف الحالات، واسألوا الأطباء، ورم خبيث، قادر على أن يشفيك منه تماماً، لأن الله على كل شيء قدير، قدرته تتعلق بكل شيء، ما من شيء يمكن أن تقول: هذا لا يكون، بل يكون، قدرته تتعلق بكل شيء، مهما بدا لك عظيماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ هذا معنى قوله تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)﴾

[ سورة الشعراء ]

 

آثار رحمة الله:


﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ..

أيها الإخوة الأكارم؛ رحمة الله عز وجل من أسرار الله، شيء عجيب عجيب، كيف نعرِّفها؟ و الله من المستحيل أن نعرِّفَها، لكن يمكن أن نرى آثارها. 

أعددت لكم كلمة حول هذه الرحمة، لأنها شيء عظيم يكثر ذكره في القرآن الكريم.

﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ(56)﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران  ]

ما هي الرحمة؟  أهي التجلي؟ أهي السكينة؟ أهي السعادة؟ أراد الله سبحانه وتعالى بهذه الآية أن يقطع كل شُبهة قوةٍ في السماوات والأرض، وأراد أن يُلفتك إلى قوة الله وحده، مهما كان في الأرض من قوى كلها قوى خُلَّبيّة، لا تقدم ولا تؤخر، أراد الله بهذه الآية أن يقطعك عن شبهة كل قوة السماوات والأرض، وأن يلفتك إلى قوة الله وحده: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ .

 

لا فاتح للرحمة ولا ممسك لها إلا الله:


أراد الله سبحانه وتعالى أن يبعدك عن شبهة أية رحمة مما سواه، وأن يصلك برحمته وحده تعالى، أراد الله عز وجل بهذه الآية أن يوصد أمامك كل بابٍ أرضي، وأن يفتح لك باب السماء، دعك من السِّوى، دعك مما سوى الله، دعك من الأغيار، دعك من الشركاء، دعك ممن حولك، ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ رحمة الله تجدها في ذاتك، في نفسك، في تكوينك، في طباعك، في عقلك، في قدراتك، في تكريم الله لك، فيما سخر الله لك مما في السماوات والأرض، في الذي فوقك، في الذي تحتك، فيمن عن يمينك، فيمن عن شمالك، فيما أنعم الله عليك مما تعلم، ومما لا تعلم، رحمة الله في كل شيء، في كيانك، في أسرتك، في أهلك، في عملك، في عقلك، في عضلاتك، في جوارحك، رحمة الله واسعة.

 

رحمة الله بادية في المنع والعطاء:


هذه الرحمة تتمثل في المنع أحياناً، رحمة الله عز وجل تكون أظهر ما تكون في المنع، ربما كان المنع عين العطاء، وربما كان العطاء عين المنع، وإذا فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، ربما أوحشك من خلقه ليؤنسك بذاته، لذلك: 

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)﴾

[  سورة البقرة  ]

رحمة الله عز وجل تجدها في كل شيء، فلو أعطاك الله كل شيء، وحجب عنك رحمته لم يعطك شيئاً، ولو حرمك الله من كل شيء، وتجلّى عليك برحمته لم تفقد شيئاً، لها سر، نحن نعرفها بآثارها، أما طبيعتها فغير معروفة، قد يعطيك الله كل شيء، من صحة، إلى مال، إلى قوة، إلى جاه، ويحجب عنك رحمته، فإذا أنت من أشقى الناس، وقد يحجب عنك المال، لك دخل قليل، ويحجب عنك الصحة أحياناً، ويحجب عنك رغد العيش أحياناً، فإذا أنت في جنة عرضها السماوات والأرض.

 

مَن فَقَدَ رحمةَ الله لم يجد شيئاً ومَن وجد رحمةَ الله لم يفقد شيئاً:


ما سر هذه الرحمة؟ ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ ..أي للنعم، إذا أعطاك الله إياها، وأمسك رحمته عنك انقلبت إلى نقم.

والمحن، إذا فتح الله لك باب الرحمة معها انقلبت إلى نعم، هناك أسرار؛ ينام الإنسان على الشوك مع رحمة الله فإذا هو فراش وثير، وينام على الحرير، وقد أُمسكت عنه رحمة الله فإذا هو شوك القتاد. 

في أحد الفنادق كتبت لوحة فوق السرير، إذا أرقت، وتقلبت على السرير، وتأخر عنك النوم، فلا تشتكِ من السرير، اشتكِ من ذنوبك، لأن الذنوب تُقلق، وتؤرق، أي تنام على الحرير وقد أُمسِكتْ عنك رحمة الله، فإذا هو الشوك، فإذا هو الفراش الخشن، وتنام على الشوك، وعلى الأحجار، وفي خيمة متواضعة، فإذا هي مهاد مريح، الشيء الذي يغيّر رحمة الله عز وجل، تعالج أعسر الأمور مع رحمة الله فإذا الأمور كلها سهلة هينة، وتعالج أيسر الأمور، وقد تخلت عنك رحمة الله، فإذا هي مشقة وعسر، لذلك يقال: "اللهم إني أعوذ بك مما أهتم له، ومما لا أهتم له" ، شيء سخيف جداً يقلب حياتك جحيماً، وقد تمر بأعظم الأهوال ورحمة الله معك فإذا هي سهلة، هذه الآية دقيقة جداً: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ تخوض أشد المخاوف والأخطار مع رحمة الله، فإذا أنت في أمن وسلام، وتعبر دون رحمة الله المناهج والمسالك فإذا هي الهوالك، في الطريق الواضح المضاء، في رابعة النهار، ولك مركبة من أحدث المركبات تقع مشكلة تقضي على معظم ركابها، وقد تمر بأهوال شديدة، وبطرق وعرة، ومع ذلك سلامة وراحة، الأصل أن تنال رحمة الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ .

 

كل أنواع الضيق مع رحمة الله تغدو يسراً وسعادة:


لا ضيق مع رحمة الله، إنما الضيق في إمساكها، كل أنواع الضيق مع رحمة الله تغدو يسراً وسعادة، ولا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن، اسأل إنساناً فقد حريته عشرة أعوام، إذا كان مع الله عز وجل، وفي رحمة الله عز وجل، يقول لك: قطعة من الجنة، وهو لا يكذب، ولا يبالغ، وإنسان يتقلّب في أفخر البيوت، إذا كان الله ليس راضياً عنه فهو من أشقى الأشقياء، لا يتسع عليك مكان مع إمساك الرحمة، ولو تقلبت في أعطاف النعيم، ومراتع الرخاء، وأنت في أعطاف النعيم ومراتع الرخاء إذا غابت عنك رحمة الله عز وجل، فإذا المكان جحيم لا يطاق، وإذا النعيم شقاء، وإذا النعم نِقَم، لو دخلت إلى قلب تجلّى اللهُ عليه بالرحمة لرأيت ينابيع السعادة، والرضا، والطمأنينة تتفجر من خلاله، وإذا دخلت إلى قلب حُجِبت عنه رحمة الله لرأيت القلق، التعب والنصب، والكد، والمعاناة، إذا فُتحت أبواب رحمة الله، وغُلّقت جميع الأبواب، وأوصدت جميع النوافذ، وسُدت جميع المسالك، فهي الفرج، والفسحة، واليسر، والرخاء، وإذا أُغلق باب الرحمة، وفُتِحت جميع الأبواب، وجميع النوافذ، وجميع المسالك، فإذا هي الضيق، والكرب، والشدة، والقلق، والمعاناة، حتى الآن لم نستطع تعريف رحمة الله، أتحدث عن آثارها فقط. 

إذا رحمك الله عز وجل يسعدك بأية زوجة، وبأي دخل، وبأي صحة، وبأي قوام، وبأي مهنة، وإذا غابت عنك رحمة الله تضيق عليك الأرض بما رحبت، لو اقترنت بأجمل فتاة على وجه الأرض قد تغدو مصدر شقاء، لو كان لك أكبر دخل، مصدر شقاء، إذاً هناك سر، هذا ما قاله أحد العارفين بالله: لو يعلم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيوف، تفتح لك أبواب الرحمة، ويضيق الرزق، ويضيق السكن، ويضيق العيش، تخشن الحياة، يشوك المضجع فإذا أنت في رخاء وراحة، وطمأنينة، وسعادة. ويمسك الله رحمته، ويفتح لك أبواب الرزق كلها، ويقبل عليك كل شيء فلا جدوى، ضنكٌ، وحرجٌ، وشقاوةٌ، وبلاءٌ، المال والولد، والصحة والقوة، والجاه والسلطان، هذه حظوظ الدنيا.

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)﴾

[ سورة الكهف ]

المال والولد، والصحة والقوة، والجاه والسلطان، تصبح مصادر قلقٍ، وتعبٍ، ونصبٍ، ونَكَدٍ، وجهدٍ، إذا أُمسِكت عنها رحمة الله، وإذا فتح الله أبواب رحمته، كانت هذه مصدر سكن، وراحة، وسعادة وطمأنينة، يبسط الله الرزق مع رحمته، فإذا الرزق متاع طيب، رغد في الدنيا، وزاد في الآخرة، ويمسك الله رحمته مع وفرة الرزق، فإذا الرزق نفسه مسارُ قلقٍ، وخوفٍ، وحسدٍ، وبغضٍ، وقد تحس بالحرمان ببخلٍ أو مرضٍ، وقد تتلف نفسك بإفراط، واستهتار.

 

الرزق بين مصاحبة الرحمة ومفارقتها له:


الآن تطالعنا حالة جديدة، الرزق نفسه إذا رافقته رحمة الله أصبح رغداً في الدنيا، وزاداً في الآخرة، وأصبح مصدر سعادة وسرور، الرزق نفسه إذا غابت عنه رحمة الله عز وجل أصبح هذا الرزق مصدر حسدٍ، ولغط، وبغضاء، وعداوة، وربما حُرِم الإنسان رزقه ببخله أو بمرضه، وربما انقلب عليه بإفراطه، واستهتاره. 

يمنح الله الذرية مع رحمته، فإذا هذه الذرية زينة الحياة الدنيا، مصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة للأجر بالخلف الصالح، ويمسك رحمته فإذا هذه الذرية بلاءٌ، ونكدٌ، وعَنَتٌ، وشقاءٌ، وسهرٌ بالليل، وتعب بالنهار، يقول أحدهم: البلاء من الأولاد، وقد يكون الولد رحمة من الله عز وجل، كلمة رحمة عجيبة، تقريباً أردت أن أعرفها تعريفاً مبسطاً، جهاز كهربائي، بلا كهرباء عبء، مع الكهرباء أصبح مكيفاً، أصبح ثلاجة، أصبح غسالة، أصبح مسجلة، أصبح يقدم لك خدمة كبيرة، إذا أُلغيت هذه الطاقة، أصبح قطعةً من حديد، وعبئاً عليك، رحمة الله عز وجل تسري في الولد فإذا هو سعادة، تمنع رحمة الله عن الولد فإذا هو مصدر بلاء، وشقاء، وفي آخر الزمان يكون الولد غيظاً، والمطر قيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، ويغيظ الكرام غيظاً، رحمة الله إذا دخلت في بيت صار هذا البيت جنةً، على صغره، وعلى خشونته، وعلى بساطته، وإذا غابت رحمة الله عن بيت كبير كَبير مجهز بأوفر الأثاث، وكلِّ جهاز، أصبح البيت قطعة من جحيم، الزوجة، إذا تجلى الله على الزوجين برحمته عاشا في جنة، فإذا تخلت عنهما رحمة الله عز وجل عاشا في نكدٍ وخصومة.


الرزق بين مصاحبة الرحمة ومفارقتها له:  


رحمة الله سرٌّ من أسراره:

ما هي رحمة الله؟ سرّ من أسراره، أي إذا وُجِدت لا تحتاج معها إلى شيء، وإذا فُقِدت أنت في حاجة إلى كل شيء، الصحة والقوة مع رحمة الله نعمة وحياة طيبة، والتذاذ بالحياة، والصحة والقوة نفسها إذا حجبت عنها رحمة الله عز وجل أصبحت بلاء يسلطه الله فينفق صاحب الصحة والقوة صحته وقوته فيما يُحَطم جسمه، ويُفسد روحه، ويذخر السوء ليوم الحساب، فهذه القوة، وهذه الصحة إما أن تشيع فيها رحمة الله عز وجل فإذا هي موظفة للدنيا والآخرة، وإذا غابت عنها رحمة الله أصبحت هذه الصحة وتلك القوة مصدر شقاء وتعاسة وعذاب في الآخرة. 

إن الله يعطي القوة مع رحمته، فإذا هذه القوة أداة إصلاح، ومصدر أمن، ووسيلة لادخار العمل الصالح في الآخرة، ويمسك الله رحمته مع هذه القوة والجاه، فإذا هذا الجاه يصبح أداة للطغيان، والعدوان، والاستكبار، ولعذاب النار يوم القيامة. 

لعل في هذه الأمثلة ما يكفي، رحمة الله شيء عجيب، إذا سرت في أي شيء جعلته جنة، وإذا غابت عن أي شيء مهما كان عظيماً جعلته جحيماً، لذلك لما قال ربنا عز وجل: 

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

[ سورة الزخرف ]

النبي عليه الصلاة والسلام ماذا آتاه الله؟ آتاه رحمة من عنده، أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني، لي ساعة مع ربي لا يسعني فيها نبي مرسل ولا ملك مقرب.

فلو شاهدت عيناك من حســننا          الذي رأوه لما وليت عنا لغيـرنـــــا

ولو سمعت أذناك حسن خطابنا          خلعت عنك ثياب العجب وجـئتنا

ولو ذقت من طعم المحبـــــة ذرة          عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبـنـا

ولو نسمَتْ من قربنا لك نسمـــة          لمِتَّ غريبــــاً واشتـياقـــــــاً لقربنـــا

[ أبي المواهب الشاذلي ]

* * *

هذه رحمة الله، الشيء الذي لا يصدق أنها قريبة من كل محسن، في متناول أيديكم جميعاً، يكفيكم توبة نصوح، وعمل صالح لوجه الله، فإذا أنت تتعرض لهذه الرحمة، يكفيك أن تُخْلص لله عز وجل، أن تعقد صلحاً معه، أن تتوب توبةً نصوحاً، أن تلتفت إليه، أن تؤدي صلواتك بخشوع، يكفيك ذلك، فإذا قلبك غنيّ، وإذا قلبك مطمئن، وإذا أنت تستمتع بأكلة خشنة أضعاف ما يستمتع به أصحاب الأموال الطائلة بأفخر الولائم، تستمتع بهذا البيت وأولادك وأهلك أضعاف ما يستمتع به أولو الحول والطول وقد اختاروا أجمل الزوجات، وعندهم أنجب الأولاد. 

 هذه رحمة الله يجب أن نبحث عنها، واقرأ قول الله تعالى فإنك واجدها: 

﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19)﴾

[ سورة الذاريات ]

أيها الإخوة الأكارم؛ ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ممكن نضع إنساناً بصحراء، والله عز وجل يتجلى عليه برحمته، فهو من أسعد الناس، وأن نضع إنساناً في أفخر بيت، ونطعمه أطيب الطعام، ومع ذلك يقول لك: كاد قلبي يُعصر، ضاقت نفسي، هذا معنى قول الله عز وجل.

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾

[ سورة التوبة ]

هؤلاء الثلاثة الذين تخلّفوا عن الجهاد، وقاطعهم النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع أصحابه الكرام: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ وقد تقف أمام الموت فتقول: مرحباً بلقاء الله عز وجل، واكربتاه يا أبت، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه. 

سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام افتقد أحد أصحابه بعد معركة أحد، فسأل عنه، فكلف رجلاً أن يبحث عنه، ذهب إلى ساحة المعركة، فإذا هذا الصحابي الجليل على وشك الموت، في النزع الأخير، فقال هذا الصحابي: أميت أنت أم حي؟ قال: بل أنا مع الأموات، أَمَا اسمع أيها الأخ ما قال هذا الصحابي وهو في النزع الأخير، قال: أبلغ رسول الله مني السلام، وأبلغ أصحابه مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم عند الله، إذا خُلِصَ إلى نبييكم وفيكم عين تطرف. 

أنا أتصور أن هذا الصحابي كان في قمة سعادته، وهو في النزع الأخير، اسأل أطباء القلب عن حالات الوفاة التي يشاهدونها كل يوم، لطم للوجوه، وصراخ بالويل، وبكاء وسلوك أطفال، من شدة الخوف من الموت، ما هذه الرحمة؟ تواجه بها الموت فهو كأطيب ما يكون، وتواجه من دون هذه الرحمة لذائذ الحياة فإذا هي شقاء في شقاء: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ﴾ يكفي أن يكون الإنسان في غضب الله، خذ المال، وخذ الجاه، وخذ الصحة، واركب المركبات، وطِرْ في السماوات، وغُص في أعماق البحار، وتنقل من بيت إلى بيت، ومن منتجع إلى منتجع، ومن بلد إلى بلد، ومع كل ذلك فهو في شقاء.

 أيها الإخوة الأكارم؛ البطولة أن تستحق رحمة الله، إذا جاءتك رحمة الله جاءك كل شيء، وما فقدت شيئاً، وما فاتك شيء، ولا تندم على شيء، وإذا غابت عنك رحمة الله ما نلت شيئاً، ولا حصّلْتَ شيئاً، وفاتك كل شيء: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ..﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ .

 

الاستقامة ثمن الرحمة:


يا أيها الإخوة الأكارم؛ كل هذا الوصف والثمن بسيط، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ ثمن هذه الرحمة في أيديكم جميعاً، يكفي أن تستقيم على أمر الله، غُضّ بصرك عن محارم الله، اضبط لسانك، اضبط أذنك، أنفق من مالك، صلِّ والناس نيام، اقرأ القرآن، وانتهى الأمر، تشعر بهذه الرحمة، إن لم تقل: أنا أسعد الناس فهذا الدين باطل، يجب أن تقول في أي ظرف، في أي بيئة، في أي مكان، في أي زمان، قبل الزواج، وبعد الزواج، قبل الغنى، وبعد الغنى، في بحبوحة، وفي ضيق، في صحة، وفي مرض، يجب أنا تقول: أنا أسعد الناس لأني عرفت الله عز وجل، لأنك إذا عرفت الله تجلى الله على قلبك، ما معنى إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، ماذا في المسجد؟ هل فيه كؤوس شاي؟ هل فيه أطباق حلويات؟ لا يوجد شيء إطلاقاً، لا تجد كرسياً في المسجد، تجلس على الأرض، ومع ذلك يتجلى الله على قلب المصلين، وعلى قلب رواد المساجد برحمة، يقول لك أحدهم: صار معي زاد، يخرج من بيت الله وهو منتشٍ، يبقى يومين، أو ثلاثة، أو أربعة، وهو محتفظ بهذه السعادة، الثلاثاء والأربعاء تتناقص، يأتي يوم الجمعة فيشحن مرة ثانية، وهكذا، فلذلك: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .

 

رحمة الله تسعد كل مخلوق:


 كلمة أخيرة حول هذه الآيات مادام الله عز وجل أراد أن يُلفتنا إلى ذاته العلية، وأراد أن يبلّغنا أنّ كل هذه النعم التي أنتم فيها إنما هي من عندِي، وأنكم إذا التفتم إليّ تسعدون، وأن الرحمة كلها بيدي، وأن هذه الرحمة كالكهرباء تسري في كل شيء، فإذا هو يتحرك، وإذا حجبت عن أي شيء فإذا هو جماد ميت، هذه الرحمة إذا سعينا إليها بإخلاصنا، وتوبتنا، وطاعتنا، وأعمالنا الصالحة، هذه الرحمة كفيلة أن تقلب الحياة إلى نعيم، حتى في أقسى الظروف، هناك من يقول لك وهو صادق: إنه مرّ بأقسى الظروف، وأصعبها، وأخشنها، ومع ذلك كان سعيداً، وحينما جاءه الرخاء، وحُجبت عنه رحمة الله صار شقياً، إذاً رحمة الله تسعد كل مخلوق، وهي التي وعدنا الله بها: ﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ..الراحمون يرحمهم الله، ما معنى هذا الحديث؟ أي إذا خدمت الناس، وأخلصت لهم، ونصحتهم، وقدمت لهم شيئاً من ذاتك، من علمك، من مالك، من جهدك، رحمك الله عز وجل، أسعدك، أي إذا أردت أن تسعد فأسعدِ الآخرين، هذا معنى قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عن جابر:

(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى.  ))

[ صحيح البخاري ]

إذا كنت سمحاً بالبيع والشراء تحس بتجلٍّ، تحس بمكانتك، إذا كنت متشدداً وقاسياً تكون بعيداً عن رحمة الله عز وجل، في كل شيء إذا كنت محسناً تحس بسعادة، الأمر بسيط جداً، هذه السعادة يَصعب وصفها، أما إذا كنت أخلاقياً، كنت محسناً، كنت متساهلاً، أميل للين، تشعر أن الله عوضك عما فقدته سعادة في قلبك، هذه الرحمة، فلذلك هذه الرحمة يجب أن تكون شيئاً واضحاً في حياتنا، إذا جاءت فأنت بخير، وإن غابت عنك لم تُحَصّل شيئاً. 

 

رحمة الله بين أيديكم:

 

1 ـ الرحمة بالتوبة:

مرة ثانية لشدة حرصي على هذه الفكرة، رحمة الله بين أيديكم وفي متناولكم، ويكفي أن تتوب إلى الله توبةً نصوحاً، يكفي أن تعقد مع الله صلحاً، يكفي أن تتجه إليه، يكفي أن تخلص له، يكفي أن تُنْفق في سبيله أي شيء، حتى تشعر برحمته، وقد ملأت قلبك، وسَرَتْ في جوارحك، وشَعَّتْ في نفسك، فإذا أنت إنسان متميّز، لست كبقية الآخرين، لست كهؤلاء الناس الذين تفسدهم النعمة، وتسحقهم المصيبة، هؤلاء الذين يتضعضعون أمام الأغنياء، هؤلاء المنافقون، هؤلاء المنهزمون، هؤلاء الخانعون، هذه الصفات الخسيسة الدنيئة أنت بعيد عنها، لأن الله قد رحمك، الراحمون يرحمهم الله. 

2 ـ الرحمة برحمة الخَلق:

 آخر شيء: "إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي" ، أيّ إنسان مهما كان، تقول لي: فلان ليس مسلماً، أي إنسان إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي، حتى الحيوانات، حتى النبات، ارحمْه، اسقِه ماءً، قلّمه في وقت التقليم، ارحم النبات، وارحم الحيوان، وارحم الإنسان تأتِكَ رحمة الله، وإذا جاءتك رحمة الله سعدت بالله سعادة لا تقوى متاعب الدنيا كلها على تقويضها، وإذا حرمك الله هذه السعادة فلا تستطيع نعم الدنيا كلها أن تسعدك، الشقاء والسعادة بيدك، إذا اقتربت من الله جاءتك رحمته فأنت أسعد الناس، وإذا ابتعدت عنه بالمعاصي غابت عنك رحمته فأنت أشقى الناس، هذا ملخص مُلخص الملخص. 

 

الابتعاد عن رحمة الله يعني اللعنَ:


إذا أقبلت على الله بطاعته جاءتك رحمته فسعدت بها في الدنيا والآخرة، وإذا ابتعدت عنه بمعصية غابت عنك رحمة الله، وهذا معنى اللعن.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)﴾

[ سورة البقرة ]

ما معنى إبليس اللعين؟ إبليس ملعون أي بعيد عن رحمة الله، بعيد عن نور الله، عن تجلّي الله، عن سكينة الله، عن رحمة الله، فالأمر بيدنا، الإنسان مخير، إذا عصيت الله جاء الحجاب بينك وبين رحمة الله، أطعته كُشِف الحجاب، هذا ملخص ملخص الدروس كلها.

 

لا أحد يستطيع أن يمنع نعمة الله عن أحدٍ:


آخر شيء: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ لا تستطيع قوى الأرض مجتمعةً على أن تمنعك رحمة الله عز وجل، وإذا كانت بيدك قوى الأرض كلها، وغابت عنك رحمة الله فأنت أشقى الناس: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور