وضع داكن
20-04-2024
Logo
الدرس : 04 - سورة فاطر - تفسير الآيتان 9 - 10، الآيات الكونية هي الطريق الوحيد لمعرفة الله.
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

ظاهرة الرياح والسحاب والمطر:


أيها الإخوة الأكارم؛ مع الدرس الرابع من سورة فاطر.

وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ .

أيها الإخوة الأكارم؛ ظاهرة السحاب، وظاهرة المطر، وظاهرة الرياح، وظاهرة إحياء الأرض بعد موتها، وظاهرة النبات، هذه كلها أشياء مشاهدة مِن قِبل جميع الناس، لكن الإيمان لا في مشاهدتها، فكل الناس يرونها، وكل الناس يلاحظونها، وكل الناس يؤمنون أن حياتهم متعلقة عليها، ولكن المؤمن يرى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً، كأن العقل البشري يصل إلى أن هذا النظام المُعجِز لابد له من خالق، لابد له من مصمم، لابد من عقل أول، لابد من خالق عظيم، لابد من رب كريم، لابد من مُسيّر حكيم، يأتي الجواب في القرآن لهذا الإنسان، الله الذي فعل هذا، كذا وكذا.

 يا أيها الإنسان هذا الذي تراه، هذا الذي تعاينه، هذا الذي تتوقف حياتك عليه أنا  أفعله﴿وَاللَّهُ الَّذِي﴾ هذا معنى قول الله عز وجل في هذه الآية، وفي كل الآيات المشابهة.

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[ سورة الرعد ]

﴿ وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)﴾

[ سورة النحل ]

كلمة الله الذي فعل كذا وكذا، أي هذه الظاهرة التي تراها رأي العين، هذه الآية التي يعرفها جميع الناس، لكن المؤمن يرى أن يد الله هي التي تحركها، المؤمن يرى أن الله هو الذي يفعل، أن الله هو الذي تفضل، أن الله هو الذي سيّر، أن الله هو الذي قدر، فهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ الله صاحب الأسماء الحسنى، أسماء الله الحسنى جمعت كلها في كلمة (الله) ، علَم على الذات الكاملة، فهذه الأسماء كلها تتلخص في وجود الله، وفي قدرته، وفي وحدانيته، وفي كماله، هناك أسماء قدرة، وهناك أسماء كمال، في وجوده، وفي قدرته، وفي كماله، وفي وحدانيته، فكل هذه الصفات مجموعة في قول عز وجل، أو في اسم الله الأعظم (الله) ، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، فهل عرفت مَن الذي يسيّر الرياح؟ هل عرفت أيها الإنسان من الذي ينزل الأمطار؟ هل عرفت أيها الإنسان من جعل هذه الأرض تهتز وتربو وتخضر وتزهر؟ الله.

 

الآيات الكونية من أجل معرفة الله:


﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ..يا أيها الإخوة الأكارم؛ حينما يسوق لنا ربنا جلّ وعلا في كتابه العزيز بعض الآيات الكونية ما معنى ذلك؟ ما المراد من ذلك؟ المراد أن يا عبدي إذا أردت أن تعرفني فهذا هو الطريق، إذا أردت أن تعرف عظمتي، إذا أردت أن تعرف قدرتي، إذا أردت أن تعرف تربيتي، إذا أردت أن تعرف علمي، إذا أردت أن تعرف حكمتي، أنت لا تراني، ولن تراني، لأن الله جلّ وعلا لا تدركه الأبصار، ولكن إذا نظرت إلى الكون فإنه أثر من آثاره، تتجلى فيه حكمتي، ورحمتي، وقدرتي، وعلمي، وخبرتي، ولطفي، وقوتي، وغناي، كل أسماء الله الحسنى تتبدى في الكون، بل إن بعضهم يقول: ما الكون إلا مظهر من مظاهر الكمال الإلهي، الكون مظهر لأسماء الله الحسنى، بالتعبير المعاصر الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى، أسماء الله الحسنى لن تراها رأي العين، ولكن ترى آثارها، فإذا أردنا أن نؤمن بالله حقّ الإيمان، إذا أردنا أن نتوصل إلى معرفة الله حقّ المعرفة، المعرفة التي لا نعصيه بها، المعرفة التي تحملنا على طاعته، هذا هو الطريق، لذلك في آيات أخرى يقول الله عز وجل:

﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6)﴾

[ سورة الجاثية ]

 

الكون بوضعه الراهن معجزة:


لو أنّنا رسمنا طريقاً وحيداً للطب، فأي طريق آخر لن يوصل المرءَ ليكون طبيباً، فلو قرأ طالب المجلات الطبية كلها فلن يكون طبيباً، شاءت حكمة الله أن يجعل من خلقه دليلاً عليه، شاءت حكمة الله أن يجعل الكون مظهراً لأسمائه، فإذا أردت أن تعرفه فكما جاء في الأثر: "حسبكم الكون معجزة" من دون خرق عادات، بوضعه الراهن، بوضعه الاعتيادي هو المعجزة. 

 

كروية الأرض وأثر ذلك على المخلوقات:


أولاً: هذه الأرض التي نحن عليها شاءت حكمة الله أن تكون كرة، وللشكل الكروي ميزات كثيرة، الخطوط على هذا الشكل لا تنتهي، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)﴾

[ سورة الرعد ]

الخط على جسم الكرة مستمر، تذهب من حيث أتيت، تدور، فشاءت حكمة الله أن تكون أرضنا كرة، وشاءت حكمة الله أن تكون بهذا الحجم، فلو كانت أكبر من هذا الحجم لأصبح وزن الإنسان عليها ثقيلاً جداً، ولو كانت أصغر من هذا الحجم لاستحالت الحركة عليها، إذاً:  شاءت حكمة الله أن تكون أرضنا كرة، ذات شكل كروي لميزات كثيرة قدرها الله عز وجل، التكوير يحتاج إلى شكل كروي. 

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)﴾

[ سورة الزمر ]

لو كانت الأرض مكعباً يأتي النهار فجأة، والليل يأتي فجأة، لكن هذا اللغز: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ لاحظ بعد صلاة الفجر كيف يتداخل النهار مع الليل، ولاحظ بعد أذانِ المغرب كيف يتداخل الليل مع النهار، لولا الشكل الكروي لما كان ذلك.

إذاً شاءت حكمة الله أن تكون أرضنا كرة، وأن يكون حجمها مناسباً، وشاءت حكمة الله أن تكون الأرض فيها قسم يابس، أرض صلبة، وفيها قسم مائع، سائل، إذاً هناك بحار، وهناك يابسة، هناك خمس قارات، وهناك بحار، لكن هناك حكمة رابعة هي أن نسبة البحار إلى نسبة اليابسة نسبة محكمة، لو كانت المسطحات المائية أقل مما هي عليه لأصبحت الأرض قاحلة جرداء، هذه المسطحات المائية الواسعة التي تزيد عن أربعة أخماس الأرض، هي التي تسبب الحياة على الخمس الأخير، إذاً: كرة بحجم معين، وبقِوام معين، وبتوزيع بين الماء وبين اليابسة معين. 

هناك شيءٌ خامس، تداخُل اليابسة مع المحيطات أيضاً فيها حكمة بالغة، كل المنخفضات – يقول لك- متمركزة فوق قبرص، أي هذه الجزيرة تؤدي أهدافاً كبيرة جداً في طبيعة الطقس، والمناخ، والأمطار، والرياح، هذه الجزر، هناك جزر في شمال إنكلترا، هناك جزر في بعض المحيطات، جزر شرقي إفريقية، جزر في المتوسط، هذه لها وظيفة كبيرة، إذاً فضلاً عن وجود اليابسة والماء، وعن نسبة الماء إلى اليابسة، تَوزُّعُ اليابسة مع الماء تَوَزُّعاً حكيماً هكذا، كيف تعرف الله عز وجل؟ من خلال التدقيق في آياته.


الغلاف الغازي:


شيء آخر؛ اللهَ عز وجل جعل للأرض غلافاً غازياً - هواء - هذا الهواء له ميزات كثيرة، أولاً: الهواء وسيط، وسيط لنقل الحرارة، وسيط لنقل البرودة، وسيط لنقل الصوت، ومع ذلك لا يشكل الهواء حاجزاً يمنع الرؤية، الهواء لطيف، وقد يتجلى اسم اللطيف في الهواء، شيءٌ موجود بيننا، وبين كل شخصين، لولا الهواء لما نُقِلَ صوتي إليكم. 

إنَّ رواد الفضاء وهم على سطح القمر كانوا بحاجة إلى جهاز لاسلكي ليستمع بعضهم إلى بعض، وهم إلى جنب بعضهم بعضاً، لا يوجد هواء إذاً لا يوجد صوت، إذاً نعمة الله عز وجل أن زود هذه الأرض بغلاف هوائي، هذا الغلاف الهوائي لو كان ثابتاً والأرض تدور لدمر كل ما على سطح الأرض، لأن سرعة الأرض حول نفسها تزيد على 1650كم في الساعة، ونحن نعرف أنّ أشد أنواع الأعاصير تدميراً للمدن بأكملها سرعتها 800 كم في الساعة، طبعاً سرعة 800 كم للرياح تدمر كل شيء بإذن ربها، فغلاف محيط بالأرض لكنه متحرك معها، هذا من نعمة الله عز وجل.

 

دوران الأرض:


الأرض تدور لو أنها كانت لا تدور لانعدمت الحياة مِن عليها، بكل بساطة، لأن الأرض كرة، سطح من سطوحها يقابل الشمس، والشمس مسلطة عليها آلاف السنين، بل آلاف ملايين السنين، لابد من أن ترتفع حرارتها إلى درجة مستحيلة، العلماء قدروها بـ 350 فوق الصفر، ولابد من أن تنخفض الحرارة في الطرف المقابل إلى 270 تحت الصفر، الصفر المطلق، تنتهي الحياة، إذاً شاءت حكمة الله أن تكون أرضنا كرة، وأن تكون بحجم معين، وأن تكون بقِوام معين، وأن يُوَزع فيها الماء واليابسة توزيعاً حكيماً، وأن تتداخل اليابسة مع الماء تداخلاً حكيماً، وأن تغلف بغلاف غازي هو الهواء، وكل صفات اللطف في الهواء، وفوق كل ذلك شاءت حكمة الله عز وجل أن تدور الأرض.

يا أيها الإخوة الأكارم؛ هذه أشياء بديهية، من مستوى الثانوي، الأرض تدور، لو أنها دارت على محورٍ موازي لمستوي دورانِها حول الشمس، الشمس هكذا، وهي تدور حول الشمس، هذا مستوي دورانها حول الشمس، لو أن الأرض تدور هكذا، حول محور يوازي مستوي دورانها حول الشمس، ما الذي يحصل؟ كأنها واقفة، هذه الدورة هكذا تجعل نصف سطحها مقابلاً للشمس، ونصفه الآخر بارداً، عديم الدفء والضوء، إذاً لو لم يكن هناك إله حكيم لدارت هكذا الأرض، ممكن أن تدور هكذا، لو أنها هكذا المحور عمودي على مستوي الدوران دارت هكذا، الشمس جاءت موازية لكل سطح الأرض انعدمت الفصول، ولما كان هناك فصول، لا يوجد صيفٌ، ولا شتاء، ولا ربيع، ولا خريف، لو كان المحور أفقياً لا نستفيد شيئاً، ولانتهت الحياة، لو كان المحور عمودياً تماماً لانعدمت الفصول، انعدم النبات، مَن الذي صمّم أن يكون محور الأرض مائلاً هكذا والشمس من هنا؟ الكرة مائلة وتدور هكذا، إذاً: أشعة الشمس تأتي إلى هنا عمودية، فيكون الصيف، وتأتي إلى هنا مائلة فيكون الشتاء، فإذا دارت الأرض دورة حول الشمس انعكست الآية فصارت أشعة الشمس عمودية هنا فيكون الصيف، ومائلة هنا فيكون الشتاء، تصميم مَنْ هذا؟ لذلك لي صديق ركب طائرة من شمال أمريكا إلى البرازيل رأى العجب العجاب، في شمال أمريكا، أو في أمريكا الشمالية حيث الصيف الحار، والناس على شواطئ البحار، ويرتدون الثياب الخفيفة، فلما طارت به الطائرة إلى جنوب الكرة الأرضية رأى العواصف والأعاصير والثلوج، في يوم واحد، شمال الأرض صيف، وجنوبها شتاء، وبالعكس، تصميم مَن؟ خلق مَن؟ ترتيب مَن؟ تنظيم مَن؟ الله سبحانه وتعالى، فإذا أردت أن تعرفه فهذا هو الكون يدلك عليه.

 

الليل والنهار:


الآن الليل والنهار الله عز وجل قال:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29)﴾

[ سورة الروم ] 

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)﴾

[ سورة فصلت ]

الليل يأتي بعد النهار، لأن الأرض تدور هكذا، والشمس من هنا فيكون النهار، الآن هذه الدورة لو أن الأرض دارت دورة كل مئة ساعة ممكن، لصار النهار خمسين ساعة، وأنت لك طاقة محددة، في أثناء النهار تنام، وتستيقظ، تنام والنهار قائم، يأتي الليل خمسين ساعة فتنام وتستيقظ، وتنام والليل قائم، من جعل سرعة دورة الأرض حول نفسها سرعة متناسبة مع طاقة الإنسان؟ الإنسان يعمل ثماني ساعات يأكل ويرتاح ساعتين أو ثلاثاً، يأتي الليل يسكن فيه، ينام ثماني ساعات، يصلي الفجر، يستيقظ تشرق الشمس، هذا التناسب بين قدرة الإنسان وطاقته ودورة الأرض حول نفسها.

هناك كواكب سيارة تدور دورة كل خمسين عاماً، تدور دورة في ساعتين، يوجد تنوع شديد جداً في الكواكب التابعة للمجوعة الشمسية، أما الأرض فتدور حول نفسها دورة كل 24 ساعة، مَن صمم ذلك؟ الله رب العالمين. 

 

كيف تتحرك الرياح؟


هناك شيء آخر؛ طبعاً كل هذا مقدمة لهذه الآية: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ ..الرياح كيف تتحرك؟ ما دامت الأرض تدور بمحور مائل إذاً هناك منطقة حارة، ومنطقة باردة، المناطق الحارة في الأرض، يوجد مناطق شمالية باردة، وخط الاستواء حار، والجنوبية باردة، وهناك صحارى في أعماق القارات، وهناك سواحل بحار، وهناك بحار، ما الذي يحصل؟ إنَّ الهواء كغيره من الأجسام يتمدد بالحرارة، وينكمش بالبرودة، فالهواء في المنطقة الباردة ينكمش، يزداد ضغطه، يقول لك: ضغط مرتفع، وفي الأماكن الحارة، يتمدد، ويتخلخل، ويقلّ ضغطه، ما دام هناك منطقة في الأرض باردة فالهواء فيها كثيف، مضغوط، ثقيل. 

أنا مرة في حج قبل الماضي حينما أقلعت الطائرة بنا من جُدة شعرت أن إقلاعها في زاوية صغيرة جداً، في دمشق أقلعت على نحوٍ ما، في جدة على نحوٍ آخر، سألت أحد الطيارين فقال لي: إِن الهواء ساخن هناك مخلخل، لا يحمل الطائرة، تحتاج الطائرة إلى مسافة طويلة جداً كي تقلع، وكي تصعد في الهواء، أما في دمشق فالحرارة أدنى من جدة، فالهواء إذا كان ساخناً يتمدد فيتخلخل فيقلّ ضغطه، فيقول لك: ضغط منخفض، مُنخفض جوي، وإذا برد الهواء، ويتكاثف يزداد ضغطه، ويثقل وزنه، فحينما تكون في الأرض منطقة باردة، هواؤها ثقيل، مضغوط، ومنطقة حارة هواؤها خفيف وممدد ينشأ اختلاف في الضغط، ودائماً الشيء المضغوط يهرب إلى المنطقة ذات الضغط الأقلّ، من هنا تنشأ الرياح، عندنا رياح تأتي من القطب الشمالي إلى خط الاستواء، ورياح تأتي من المناطق الحارة الساحلية إلى المناطق الباردة الداخلية، هذا هو سرّ تشكل الرياح على سطح الأرض، فمن صمم هذا؟ من جعل الهواء يتمدد؟ من جعل البرودة تجعل الهواء ينكمش؟ الله جلّ وعلا. 

إذاً: هل تعرف أيها الإنسان من صمم شكل الأرض؟ ومن صمم حجمها؟ ومن صمم سطحها؟ ومن وزع الماء فيها؟ ومن وزع القارات؟ ومن وزع الجزر؟ ومن جعلها متداخلة؟ ومن صمم الهواء فوقها؟ ومن صمم دورانها على محور مائل؟ ومن صمم الليل والنهار؟ وصمم الصيف والشتاء والربيع والخريف؟ من صمم كل هذا؟ مَن جعلها بسرعة مناسبة لطاقة الإنسان؟ الله رب العالمين، فلذلك: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ .

 

التبخُّر:


كذلك هناك شيء آخر، هذا الماء سائل، في الدرجة الاعتيادية يكون سائلاً، إذا بردته في الثلاجة يصبح صلباً، من صمم العناصر لها درجة تَجَمُّد، درجة انصهارٍ، درجة تبخرٍ؟ كل ما على الأرض بدرجة تكون صلبة، وبدرجة تكون سائلة، وبدرجة تكون غازية، يمكن أن يُصْهَر الحجر البازلتي، يمكن أن يُجَمّد الهواء بكتل، الهواء غازي، عندك هواء سائل، مع التبريد والضغط، وعندك هواء جامد، قاعدة عامة، تصميم ربنا عز وجل أن الماء حينما يسخن يتبخر، أشعة الشمس مسلطة على مساحات واسعة جداً في الأرض، إذاً: يحدث ما يسمى بالتبخر. 

ما هو التبخر؟ التبخر هي علاقة حكيمة صممها الله عز وجل بين الماء والهواء، فالماء إذا تبخر تداخل في الهواء، يقولون لك: هواء مشبع ببخار الماء، وأنت ائتِ بإبريق شاي في الشتاء، ضعه على المدفأة، ثم أوقد هذه المدفأة، بعد ساعتين أو ثلاثاً يَفْرغ ماؤه، أين أصبح ماؤه؟ في جو الغرفة، لو عندك جهاز رطوبة لرأيت أن الرطوبة ترتفع عندك من 35 إلى 40، وفي الساحل الرطوبة 90 درجة، في الداخل 30، في الغابات 60 أو 65، من صمم أن الماء إذا تبخر حمله الهواء؟ يوجد قانون رائع جداً، أن هذا الهواء عند كل درجة من درجات الحرارة يحمل كمية ماء معينة، مثلاً هواء في درجة فرضاً 50 يستوعب 20 غراماً بخار ماءٍ، لو هبطت درجته إلى 30 يتخلى عن قسم من الماء، وهذا هو سرّ تشكل الأمطار، المنطقة الحارة يكون الهواء مشبعاً ببخار الماء، الله عز وجل يسوقه عن طريق الرياح الشديدة، يدفعه إلى منطقة باردة، في هذه المنطقة الباردة يتخلى الهواء عن ذرات الماء التي احتجزها، ومن جعل بخار الماء يختلط مع الهواء ويبدو شفافاً وفي حالات يبدو سحباً؟ السحب حالة وسط بين الهواء المشبع ببخار الماء وبين الأمطار، قطرات المياه، إذاً: الله عز وجل هو: ﴿الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ بعض العلماء قال: الرياح الساخنة تثير بخار الماء، والرياح الباردة تعيد بخار الماء إلى ماء، فالأمطار تتشكل من رياح ساخنة تُبَخِر الماء في البحار، ومن رياح باردة تكثفه في طبقات الجو فيغدو أمطاراً. 

 

فكِّر فيمن أحيا الأرض بعد موتها:


إذاً: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ ..انظر إلى شجرة في الشتاء، حطب، انظر إلى أرض قاحلة في الشتاء، أرض ميتة ليس فيها شيء، انظر إليها في الربيع، اهتزت وربت، تصبح الأرض قطعة من الجنة، المروج كلها خضراء، من أين جاءت هذه الأزهار؟ بنفسجية اللون، صفراء اللون، حمراء اللون موزعة، ذات ألوان، وأشكال، وروائح، أين كان كل هذا؟ انظر إلى الأرض في الشتاء، لا شيء فيها، موت مُطْبق، الأشجار خشب يابس، فإذا هي في الربيع ترتدي حلية قشيبةً، الأزهار، البراعم، الأوراق، الثمار، من فعل هذا؟ فقال: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ بفضل الله عز وجل في هذا العام الأمطار وفيرة، إذا خرجت إلى أي منطقة تجد الأزهار ارتفاعها متر أينما ذهبتَ، الأزهار البرية التي تَنْبت من تلقاء ذاتها بحسب ما يظنه الناس ارتفاعها متر، أين كان كل هذا؟ انظر إلى أرض في الشتاء تراها ميتة، فإذا جاءت الأمطار اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج، هذا خلق الله، قال: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ هذه الظاهرة بربكم ألا ترونها كل عام؟ إن الذي مضى عليه 30 سنة احذفْ منها 5 سنوات إذ لم يكن مدركاً، 25 مرة رأى الأرض يابسة ميتة، الأشجار خشب ميت، جاء الربيع ازدهرت الأشجار، والأرض اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، هذه الظاهرة يراها أحدنا 40 عاماً أو 30 عاماً، ألا يُفكّرُ في الذي خلقها من هو؟ يدُ من؟ صنع من؟ خلق من؟ الله جل في علاه. إذاً: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ..

 

النبات معجزة من معجزات الخالق:


أيضاً النبات، مَن الذي يدرك أن هذا الماء وظيفته أن يَحُلَّ معادن التربة؟ التربة فيها معادن، فيها كالسيوم، فيها مغنزيوم، فيها فوسفات، فيها آزوت، فيها قصدير، كل الأسمدة عبارة عن معادن وأشباه معادن، يأتي الماء فيحل هذه المعادن، تأتي هذه الشعريات المتوضعة على أدق الجذور، هذا الجذر الضعيف في رأسه قلنسوة تُفرز مادة تذيب الصخر، في بعض الجبال الحراجية ترى الجذور بين الصخور، قد تعجب، يا رب هذا الجذر الضعيف الرقيق، النبات اللين الغض، كيف يدخل بين الصخر؟ لأن الله عز وجل زوده برأس ليس رأسَ ألماس، لا ، رأس هلامي لكن فيه مادة تذيب الصخر، وقد يمتد جذر الشجرة إلى 30 متراً تحت الأرض، بحثاً عن الماء، فالجذر يمشي، وعلى رأس هذا الجذر أشعار ماصة، هنا العظمة، شجرة فستق، شجرة لوز، إِجاص، تَمْر فرضاً، مشمش، تفاح، عنب، تسقى بماء واحد. 

﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)﴾

[ سورة الرعد ]

كل فاكهة لها طعم، ولها قوام، ولها قشرة معينة، ولها شكل معين، ولها صفات معينة، وتسقى بماء واحد، العظمة أن هذا الجذر الذي لا يعقل، يختار من التربة ما يناسب نوع الثمرة التي سوف يحملها شجره، التفاح فيه حديد، الملفوف فيها فسفور، هذه فيها مواد معينة، أكثر النباتات فيها معادن، معادن طبعاً مُنحلة، حسناً من الذي أنبأ هذا الجذر أن يأخذ البوتاس؟ خذ الكالسيوم، خذ المنغنيز، خذ الفوسفات، خذ الآزوت، من قال له ذلك؟ أيعقل أن يكون هذا الجذر عاقلاً أم أن الله عز وجل هو الذي سيّر ذلك؟ كل شجرة تأخذ حاجتها من التربة، من المعادن المنحلة في الماء، هذا السائل الذي حلت فيه بعض المعادن يصعد بأوعية، الأوعية مدعمَّة بألياف حلزونية لئلا يكون نمو الشجرة عرضاً، دافعاً لها لتضيق لمعتها، تجد النسغ الصاعد أنابيب مدعمة بألياف حلزونية لئلا تضيق لمعتها عند نمو النبات، تصميم مَن هذا؟ يصعد هذا السائل إلى الورقة، والورقة وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ، قرأتُ كتاباً في النبات فأدهشتني مقدمة كتبت في رأس هذا الموضوع، قال: إن أعظم معمل صنعه الإنسان اليوم لا يرقى إلى مستوى الورقة، ما هذه الورقة؟ معمل قائم بذاته، تأخذ الطاقة من الشمس، الفوتونات، وفيها اليخضور، وفيها شلات الحديد، وتأخذ هذا السائل وتصنع منه نُسغاً نازلاً، هذا النسغ سائل وحده يصنع الأوراق الجديدة، والأغصان الجديدة، والبراعم الجديدة، والثمار الجديدة:

﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)﴾

[ سورة البقرة ] 

﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25)﴾

[ سورة السجدة ]

تارة يصبح ثمرةً، وتارة يصبح غصناً، وتارة يصبح برعماً، أو جذراً، أو قشرةً، أو لحاءً، ما هذا الإعجاز في الخلق؟

أيها الإخوة الأكارم؛ أقرب شيء لنا جسمنا والنبات، أنا أقول لكم: وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ فينا آيات لو أمضيت كل حياتك، ووقفت عند دقائق جسمك لا تنتهي الآيات، وبإمكانك أن تعرف الله من خلال خلقك، وبإمكانك أن تعرف الله من ظاهرة النبات وحدها. لذلك هذه الآية دقيقة جداً، ربنا عز وجل حينما يذكر في القرآن بعض الآيات الكونية إنما يذكرها لتكون منطلقاً لنا في تفكيرنا، أي هذه عناوين موضوعات، ما عليك إلا تأخذها، وأن تتابع التفكير فيها.

 

إثبات البعث: كَذَلِكَ النُّشُورُ:


﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ..يا ترى هذه الآية لماذا؟ قال:﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي أنتم تستعظمون أن يعاد الخلق مرة ثانية؟ أن تخلق هذه الأجساد البالية في القبور؟ أن يُعَاد خلقها مرة ثانية؟ ألا ترى ظاهرة النبات؟ ألا ترى ظاهرة الأمطار والرياح؟ الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على أن ينبت هذه الأجسام من جديد. إذاً: ربنا عز وجل ساق لنا هذه الآية الكونية لتكون دليلاً ثانياً على إعادة الخلق، قال: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ألا ترى هذه الآيات جلية واضحة بأم عينيك؟ الذي خلق هذا كله قادر على أن يعيد الخلق مرة ثانية: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ الآن ما الذي يمنع الإنسان من أن يؤمن؟ 

 

عين الجهل من يتوهم أنه إذا آمن بالله واصطلح معه ضاعت مكانته أو ذهب وقاره:


هنا نقطة دقيقة جداً، وهذه النقطة تبين علاقة الآيتين بعضهما ببعض، الإنسان أحياناً يحصّل مركزاً معيناً، أو دخلاً معيناً، أو تجارة معينة، أو شأناً معيناً، أو مكانة معينة، ربما خاف على هذه المكانة، وهذا المركز فرفض الحق حفاظاً على مركزه، هناك عوامل كثيرة، أشخاص كثيرون يرفضون الدين، لا كراهية في الدين، ولا لأنهم لم يقتنعوا به، هم مقتنعون به، ولكن يتوهمون لضعف إيمانهم أنهم إذا تدينوا، أو إذا آمنوا، أو إذا صلوا، أو إذا تابوا، أو إذا انضبطوا يخسرون مكانتهم، أو مناصبهم، أو دنياهم العريضة، أو دخلهم الكبير، أو مكانتهم في الأرض، فهذا الوهم الخطير، ربنا عز وجل بدده في هذه الآية، قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ .

الإنسان أيها الإخوة كما تعلمون له حاجات أساسية. أول حاجة من حاجاته: وجوده، لذلك هو يبحث عن طعامه، والنفس إذا أحرزت رزقها اطمأنت، الإنسان قبل كل شيء فم مفتوح يريد أن يأكل، فهذه هي الحاجة الأولى. 

الحاجة الثانية: الإنسان بحاجة إلى أن يبقى نوعه، من أجل بقاء جسمه يحتاج إلى الطعام والشراب، ومن أجل بقاء نوعه يحتاج إلى الزواج، فشهوة البطن، أو الحاجة إلى الطعام، هي رقم واحد، ثانياً: الزواج، أكل وتزوج، عنده حاجة السعادة، أن يكون إنساناً مهماً له شأن، تصور أحياناً الشريك، يكون أحد الشركاء أقوى من الثاني، فالقوي يُذِل الضعيف، أحياناً الإنسان يُحِس أن كرامته قد جرحت فينسحب من كل هذه الشركة، لا يتحمل. 

أريد أن أقول: إن الإنسان عنده حاجة للطعام والشراب، وعنده حاجة للزواج، وعنده حاجة إلى العزة، إلى أن يشعر بعزته، أن يشعر بكرامته، أن يشعر بقيمته، أن يشعر بشأنه، أن ينتزع إعجاب الناس، هذه حاجة إما أن توظف في الحق أو في الباطل، إما أن تُحَقق هذه الحاجة عن طريق الالتزام بالحق وخدمة الخلق، وإما أن تُحَقق هذه الحاجة عن طريق إيذاء الخلق، هم يخافونك فيعظمونك، أو تحسن إليهم فيحبونك، فكل شهوة أودعها الله في الإنسان، وكل حاجة أودعها فيه، يمكن أن توظف في الحق أو في الباطل، في الخير وفي الشر، فالإنسان يحب أن يكون ذا شأن، وذا مكانة، وله قيمة، والناس يحبونه، أنت في حاجة أساسية أن يحبك الناس، وإلى أن تُحِب الناس، فإذا توهمت أيها الإنسان – هنا الموطن - أنك إذا آمنت بالله، وأعلنت توبتك له، واصطلحت معه، واستقمت على أمره وعملت الصالحات، إذا توهمت أن في هذا ضياعاً لمكانتك، أو تشتيتاً لشأنك، أو ذهاباً لوقارك، فهذا هو عين الجهل، لماذا؟ قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ هذا الكلام أقوله لكم بصراحة: الذي يحب الشأن، المكانة، الرفعة، الاحترام، أن ينتزع إعجاب الناس، أن يُعَظمه الناس، أن يُبجلوه، أن يحترموه، أن ينادوه بأعظم ألقابه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ أنت بحاجة إلى هذه المشاعر، مشاعر التبجيل والتوقير والتعظيم هي مفطورة في الإنسان.

 

العزة لا تُنال إلا من الله:


﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ..لا يمكن لما سوى الله أن يمنحك هذه العزة، أية جهةٍ، أي إنسان، أي عظيمٍ، أي غني، أي قوي، أية جهة على وجه الأرض لا يمكن أن تمنحك هذه العزة إلا الله، هنا المشكلة، فقال: "ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين" ، كفار قريش لماذا كفروا بمحمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عرفوه رسولاً كما يعرفون أبناءهم هكذا قال الله عز وجل، قال:

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146)﴾

[ سورة البقرة ]

لماذا كفروا به؟ حفاظاً على مكانتهم، حفاظاً على زعامتهم، حفاظاً على تجارتهم، حفاظاً على انصراف الناس لهم، ما الذي حصل فيما بعد؟ هل بقيت لهم هذه المكانة؟ هل بقيت لهم هذه العزة؟ ألم يُصرَعوا في معارك بدر وأحد والخندق؟ ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام لهم: يا فلان، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، خاطبهم بأسمائهم واحداً واحِداً، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، قالوا: أتخاطب قوماً جيّفوا، قال: ما أنتم بأسمع لي منهم، ولكنهم لا يجيبونني. التاريخ بين أيدينا، ما الذي حصل؟ هؤلاء الذين قاوموا الدعوة، وكفروا بها، وكذبوا بها، وسَفَّهوا النبي الكريم وأصحابه حفاظاً على مكانتهم، حفاظاً على وجاهتهم، حفاظاً على تجارتهم، ما الذي حصل؟ خسروا بلدهم وشأنهم.

ألم يقف أبو سفيان في باب عمر بن الخطاب ساعات طويلة فلم يؤذن له؟ وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان، فلما دخل عليه، قال: زعيم قريش يقف في بابك ساعات طويلة ولا تأذن لي؟ قال له: أنت مثلهما؟! أي من أنت أمامهما؟ 

 

طاعة الله سبيل العزة:


أقول لكم الآن: إذا توهم الإنسان أنه بمعصية الله قد يرتفع، إذا لم يصلِّ أفضل من أن يصلي، إذا تظاهر أنه ورع يفقد مركزه، لا إذاً يجب أن يتظاهر أنه لا يحب الدين، إذا توهم الإنسان أنه بترك الدين يملك عزة وكرامة فهذا هو عين الجهل، هذا كلام واضح كالشمس:  ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ شأنك بين الناس، مكانتك، رفعتك، كرامتك، لا تكون إلا بطاعة الله، فإذا أردتها بمعصية الله، اسمعوا قول النبي الذي لا ينطق عن الهوى. عن عائشة رَضِي اللَّه عَنْها، عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: عن عائشة أم المؤمنين:

(( من التمس رِضا اللهِ بسخَطِ الناسِ رضِيَ اللهُ عنه، وأرْضى عنه الناسَ، ومن التَمس رضا الناسِ بسخَطِ اللهِ ، سخِط اللهُ عليه ، وأسخَط عليه الناسَ ))

[  صحيح الترغيب : خلاصة حكم المحدث : صحيح لغيره ]

[  أخرجه الترمذي  ]

وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ سمعت مئات القصص تؤكد هذه الحقيقة، نعم مئات القصص، ((ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)) ، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ يا أخي أنا أريد أن أكون محترماً، معك حق، هذه حاجة طبيعية عندك، أنا أحب كرامتي، كرامتي فوق كل شيء، هذا حسن وجميل، هذا طلب مشروع، أنا أحب أن أحفظ ماء وجهي، هذا كذلك كلام طيب، أنا أحبّ أن أكون كبيراً في بيتي، لي مكانة عند أولادي، جيد، أنا أحبّ أن يكون لي مكانة في عملي، جيد، هذه المكانة، وهذه الرفعة، وهذا التوقير، وهذا التبجيل، وهذا الاحترام لا يكون إلا بطاعة الله، سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وجعل الملوك عبيداً بمعصيته. 

أتحب أن يحبك الناس؟ أَحِبَّ الله، واستقم على أمره، الله عز وجل يجعل قلوب المؤمنين تهفو إليك، فإذا أردت العزة بمعصية الله نفر الناس منك، واحتقروك، وتحدثوا عنك بالأقاويل، واخترعوا عنك الأكاذيب، وأصبحت سمعتك في الوحل.

 

لا يملك العزة مخلوقٌ:


﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ .. لم يقلْ: فلله العزة، هناك كلمة أساسية، وهي جميعاً، العزة كلها من الله، ما من مخلوق في الأرض يملك هذه العزة، لا تجد جهة إذا مشيت معها تعطيك عزة، الأمور بخواتيمها، الأمور بما تستقر عليه، طبعاً الله عز وجل جعل امتحانات كثيرة، جهات أرضية كثيرة تمنحك العزة الظاهرة، ولكن بعد حين يَتَخَلَّوْن عنك، فإذا جاء مرض عضال، فإذا جاءت مصيبة كبيرة، أين أنت؟ فلذلك الإنسان مع الحق موقفه قوي جداً، وموقعه قوي، أما مع الباطل فهو عرضة لانهيار سريع: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ معنى: فللّه، أول معنى: أنك إذا آمنت بالله، خالقاً، ومربياً، ومسيراً، وأن الأمر كله بيده، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وأنه إليه يرجع الأمر كله، وأنه بيده الخلق والأمر، وأنه خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل، إذا آمنت بهذا تشعر نفسك عزيزاً، انقطعت علاقتك مع الناس، كل أمرك بيد الله، صحتك بيده، دخلك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، الجيران بيده، إخوانك بيده، من هم دونك بيده، من هو فوقك بيده، أعداؤك بيده، انتهى الأمر، إذا آمنت ووحدت فطبيعة الإيمان فيها عزة، انظر حال المنافق لماذا هو في الوحل؟ لأنه يرى أن فلاناً بيده مصيره، يرضيه، فلان له خصم يرضي الثاني، لِمَ كنت عنده البارحة؟ فيقول: سيدي أنا مضطر أن أذهب إليه، ضعف مركزه، لأنه يرى مصيره مع كل هؤلاء، يراهم يرزقونه، يرفعونه، يخفضونه، ينفعونه، يضرونه، حينما تفكر هذا التفكير فأنت ذليل، فأنت في الوحل، بذلت ماء وجهك، لا يمكن لإنسان مؤمن أن ينافق، لماذا ينافق؟ علاقته مع الله، مصيره بيد الله، الله عز وجل هو الرزاق، وهو المحيي، وهو المميت، وانتهى الأمر، إذاً: طبيعة الإيمان بخالق عظيم، ورب حكيم، ومسيّر كبير، وطبيعة الإيمان بلا إله إلا الله، تمنحك عزةً، المؤمن عزيز، لا يضطر أن يتملق، ولا يمدح مدحاً كاذباً، ولا ينافق، ولا يداهن، ولا يذلّ، ولا يخنع، الخنوع والتذلل والضعف والنفاق والتملق هذه صفات المشركين، صفات المنافقين، لذلك: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ .

هناك شيء ثانٍ: الآن أنت حينما تستقيم على أمره تكون عزيزاً، دخلك كله حلال، معك أدلة، أما إذا كان الدخل حراماً فأنت تفقد شيئاً من عزتك، أي أول ملاحظة، أول تفتيش، تجد أن قلبك هبط، ما دام هناك دخل حرام، هناك كذب، هناك تدليس، هناك تزوير، هناك نفاق، هناك سعر خُلَّبي، هناك سعر حقيقي، هناك محضر ضبط شكلي، مادام هناك لعب، هناك خوف، هناك تذلل، فإذا كشف الإنسان خطأ الآخرين يصيرون عبيداً له، أرجوك يا سيدي، من أين جاء ضَعفُك؟ من أين جاء تذللك؟ من انحرافك، فمن هو العزيز؟ هو الموحد، من هو العزيز؟ المستقيم، لمجرد أن تستقيم فأنت عزيز، لمجرد أن تكون موحداً فأنت عزيزٌ، فالتوحيد يكسب العزة، والاستقامة تكسب العزة. 

شيء آخر؛ العمل الصالح يكسب العزة، لمّا الإنسان يخدم الناس بحسب أمر الله عز وجل يخدمهم، يعاونهم، يبذل ما عنده، المؤمن له طبيعة، يسمونها بالتعبير الحديث استراتيجية، أساس حياته العطاء، وليس الأخذ، بينما الكافر أساسه الأخذ، امتصاص دماء الناس، أخذ أموالهم، بالحق أو بالباطل، استهلاك جهودهم، يريد مَن يخدمه، دائماً أهل الدنيا يستهلكون جهود الناس، يستهلكون أموالهم، يعيشون على أنقاضهم، المؤمن عكس ذلك، أساس حياته العطاء، يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، المؤمن إذا صح التعبير مُرَكّبة حياته على العطاء، وما دامت حياته مركَّبة على العطاء فهو محبوب بين الناس، موقر، مبجل، محترم، يا داود ذكّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها، شيء طبيعي، فأنت إذا آمنت بالله، ووحدته فأنت عزيز، وأنت إذا آمنت بالله، ووحدته، واستقمت على أمره فأنت عزيز. 

 

المؤمن المستقيم لا يؤتى من جهة المال والنساء:


إذا كان الشخص غير مستقيم، سافر إلى بلد أجنبي، زلّت قدمه فصوروه، وأخذوا عليه وثيقة، أمسكوا به من خوانقه، أكثر الأشخاص يؤتون من زاوية النساء، ومن المال، المؤمن مستقيم، محصن من جهة النساء بطاعة الله، وغض البصر، وعدم الخلوة، ومحصن من جهة المال بكسبه الحلال، مركزه قوي، لا يضطر لأن يتذلل، هناك كثير من الأساليب القذرة جداً بالدول الأجنبية، إذا ذهب شخص مخلص لوطنه، يريد أن يخدمه، يضعونه في مآزق إذا لم يكن مستقيماً، يصورونه، يعرضون عليه الصور، النسخة الثانية عندهم فتجده انتهى واستسلم، ولا يقدر أن يفعل شيئاً، من أين جاء تذلّله وخنوعه؟ من هذه الصور التي أخذوها عليه، أما المؤمن فلا يسمح لأحد أن يدفعه إلى معصية، استقامته في كسب المال، وفي علاقاته بالنساء سبب عزته، ليس عنده مشكلة، لا يشرب، الذي يشرب حينما يثمل يتكلم بأشكالٍ وألوانٍ، يتكلم بكلام غير معقول، يكشف أسراراً، يحكي سقطات، ويحكي مخازي، ومغامرات قذرة، في ساعة السكر يحكيها كلها، فأين مكانته صارت؟ ضاعت عزته، من أين تأتي العزة؟ تأتي من معرفتك بالله، من التوحيد، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله الغني، وتأتي العزة من طاعة الله عز وجل، ليس عندك مآخذ، ما لأحد عليك من مأخذ، لست أسيراً لواحد له عليك مأخذ، دخلك حلال، عملك شريف، تعمل في رابعة النهار، تعمل تحت ضوء الشمس والقمر، ما عندك شيء مخفي، ليلك كنهارك، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ:

(( عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ : وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ . ))

[ صحيح الجامع الصغير ]

انتبه ثم لاحظ؛ يأتي الذل من الشرك، ويأتي الذل من النفاق، ويأتي الذل من الكذب، ومن التدليس، ويأتي الذل من المعصية، من كسب المال الحرام. 

ذات مرة سمعت قصة، أن رجلاً زار صديقه، ويبدو أن لصديقه أختاً، حدثت مشكلة، وموقف حرج، يقول: إني بقيت سنتين أو ثلاثاً كلما استعرضت هذا الموقف شعرت أنني صغير، أحياناً الإنسان يحتقر نفسه، احتقاره لنفسه أشدّ من تعذيب الناس له، هناك مواقف مخزية، مواقف قذرة، مواقف دنيئة، فالمؤمن لأنه مستقيم مواقفه كلها مشرفة، ليس عنده مركز ضعف في حياته، ما من أحد يهدده لأنه مستقيم، أما لو كانت له انحرافات، له مداخلات، له أساليب ملتوية مع الناس، دائماً هو عرضة للتهديد، وعرضة لانكشاف أمره، أين عزته وكرامته؟  ذهبت، فلذلك عين الكرامة الاستقامة، لماذا قال الله عز وجل: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ أي أنت إذا آمنت بالله كنت عزيزاً، وإذا استقمت على أمره كنت عزيزاً، وإذا عملت الصالحات أحبك الناس فعظموك فكنت عزيزاً، وإذا اتصلت بالله فذقت حلاوة القرب استغنيت عن مديح الناس لك فكنت عزيزاً، إذا كان عند الإنسان خواء روحي، عنده جفاف روحي، يحب أن يسعد بالناس، الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس، لمّا يصير للإنسان صلة بالله عز وجل يستغني بها عن الناس، يستغني بها عن سقطاتهم، عن اللقاء بهم لقاء ساذجاً، وسخيفاً، لقاءاته كلها تصبح مثمرة. 

أنا أعطي تحليلاً دقيقاً، حينما تؤمن فأنت عزيز، وَحَّدْت، لا تخاف في الله لومة لائم، لا تنافق، لا تكذب، لا تدلس، لا تتملق، لا تخنع، لا تخضع، لما استقمت فما عليك مأخذ، رافع الرأس دائماً، يمكن أن تحمل حاجتك بيدك، فلا تأتي العزة بمركبة، ولكن تأتي العزة من شرف، من استقامة، قد تكون فقيراً وتحمل الحاجة بيدك، وأنت رافعٌ رأسك، وقد تكون في أعلى درجات الغنى، لكن الدخل مشبوه، فأنت ذليل. 

إذاً: الإيمان بالله، والاستقامة على أمره، والعمل الصالح، والاتصال بالله عز وجل، تُكسب الإنسان عزة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ هذا كلام رب العالمين، بشكل واضح، جلي، بسيط، يا عبادي تحبون العزة والكرامة والشأن والمكانة؟ 

 

إياكم والعزة الموهومة:


قد يُردّ الإنسان إلى أرذل العمر. 

﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)﴾

[ سورة النحل ]

أحياناً يبني عزة موهومة في شبابه على الباطل فربنا يُدَّفِعُه الثمن باهظاً، قد يُذله أقرب الناس إليه، قد تُذله زوجته، لو فرضنا واحداً أصيب بفالج، أول أسبوع العناية فائقة، الأسبوع الثاني العناية أقل درجة، بعد شهر، بعد شهرين، بعد سنة تتدنى العناية، بقي ثماني سنوات طريح الفراش ينظفونه، ثم صاروا يسمعونه كلمات قاسية، الله يخلصنا منك، يسمعونه هذه الكلمات، الله يخفف عنك يقولون له، أقرب الناس له، الذي تزوج هذه الزوجة، أخذ لها هذا البيت، هكذا تقول له، فلما يبني الإنسان عزته على الباطل، يدفع الثمن باهظاً، أما الإنسان الذي بنى شبابه في طاعة الله فيكون خريف عمره متألقاً دائماً، يزداد عزة وشأناً وكرامة.

 

العمل الصالح يرفع الإنسان:


﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ..الكلم الطيب الكلام الذي فيه دعوة إلى الله، دعوة إلى العمل الصالح، دعوة للاستقامة، تعريف بالله، الكلام الذي تقطف ثماره طيبة، عندنا كلام خبيث، وكلام طيب، فكل كلمة طيبة أودت إلى عمل صالح، أو إلى معرفة بالله، أو إلى طاعة، أو إلى إصلاح ذات بين، أو إلى نشر الخير، هذا كلام طيب، فالكلام الطيب يصعد إلى الله، لكن الذي يرفعك إلى الله هو عملك الصالح، تكلم ما شئت، تعلموا ما شئتم، فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم، الكلم الطيب يصعد إليه، لكن الذي يرفعك إلى الله هو عملك الصالح.

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19)﴾

[ سورة الأحقاف ]

تكلم ما شئت، تفلسف ما شئت، مهما كان الكلام طيباً ومنمقاً وعظيماً لا قيمة له إلا إذا طُبِق في الحياة اليومية، ومهما كان الاستماع أديباً، ومصغياً، ولا همسة، لا قيمة لهذا السماع ما لم يكن التطبيق واضحاً، لا قيمة لكلامي إن لم أطبقه أنا فيما بيني وبين الله، ولا قيمة لاستماعكم إن لم يترجم إلى عمل، هذا كلام مختصر مفيد، وفروا أوقاتكم، لا المتكلم يُفلح عند الله إن لم يطبق، ولا المستمع يُفلح إن لم يطبق، يبقى كلاماً بكلام: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ شيء جميل كلامك طيب، لكن أين التطبيق؟

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

[ سورة الصف ]

 

مَن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً:


﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ..هذه المشكلة أنه يخطط، يدبر، يمكر لإطفاء الحق، يبذل الأموال الطائلة، والجهود، ثم يُخفق، ويعذب. 

أحياناً الإنسان يعمل عملاً ما ليحقق مصلحة، تفوته المصلحة ويعاقب، شخص جاهل بلغه أنه إذا قلع أسنانه كلها يعفى من الخدمة الإلزامية، ذهب لأول طبيب والثاني والثالث والرابع فما أحد رضي، إلا واحداً رضي، فخلع له كل أسنانه، فلما فحصوه اعتبروه متحايلاً للتهرب من الخدمة، فجعلوا له خدمة مضاعفة، فقَد أسنانه كلها، وألزموه بخدمة مضاعفة، تقريباً هذا مثل حاد ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ على مكرهم ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ لا يفلح ويدفع الثمن، أي يعذب عذاباً شديداً، ولا يحقق هدفه هكذا. 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾

[ سورة الأنفال ]

فالكافر يخسر كل شيء، والمؤمن يربح كل شيء، أبقوها ببالكم: مَن آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، لا دنيا ولا آخرة، شخص أسس دار سينما، وكل تخطيطه أنه يشتغل بشبابه فترة فيحصل على ثروة طائلة، يتمتع فيها طوال حياته، يقوم بسياحة حول العالم، يسكن ببيت فخم، ومركبة فارهة، فأصابه مرض عضال، سرطان في الدم، في مقتبل حياته بعدما حصَّل ثروة دخل عليه أحدهم، كان تلميذي سابقاً، صاحب السينما خاله، قال لي: كان يبكي بكاء مراً، لأن تخطيطه لم يتحقق، كسب المعاصي والآثام ويعذب الآن عذاباً شديداً، والأموال لغيره، فالمشكلة إذا ترك المرء الله عز وجل، فحياته سلسلة إخفاقات، سلسلة نكبات، سلسلة مصائب، سلسلة فشل: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدنيا والآخرة، وفي النهاية: ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ .

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

تحميل النص

إخفاء الصور