الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس السابع من دروس العقيدة والإعجاز، وقد تحدثنا من قبل عن مقومات التكليف، وذكرنا بأن الكون هو الثابت الأول، وهو من أول مقومات التكليف، وأن العقل الصريح هو أيضاً من مقومات التكليف، وأن الفطرة السليمة، وأن الشهوة التي نرقى بها مرتين صابرين وشاكرين، وأن الحرية التي منحنا الله إياها تُثَمِّن عملنا، وأن الشرع هو ميزان على ميزاني العقل والفطرة، وأن الوقت هو غلاف هذا التكليف، وقد أنهينا في دروس سابقة موضوع الكون، وموضوع الآيات الدالة على عظمة الله من خلال الكون، أما الآيات الدالة على عظمة الله فسوف تكون في كل درس إن شاء الله.
والآن ننتقل إلى موضوع العقل، وهو أصل من الأصول الكبيرة في الإنسان، بل إنّ الآيات التي تذكر العقل ومشتقاته تقترب من ألف آية، الآيات التي تتحدث عن العقل وما يتصل به:
﴿ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾
﴿ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)﴾
الآيات التي تتصل بالعقل وما يلوذ به تقترب من ألف آية.
الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك:
كلكم يعلم أيها الإخوة؛ أن الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، وأن الإنسان ينبغي أن يلبي حاجة العقل، وحاجة العقل العلم، وينبغي أن يلبي حاجة القلب، وحاجة القلب الحب، كما ينبغي أن يلبي حاجة الجسم، وحاجة الجسم الطعام والشراب، فالذي يلبي هذه الحاجات الثلاثة يتفوق، والذي يلبي حاجة دون الثانية يتطرف، وفرق كبير بين التفوق وبين التطرف.
الإنسان نفس هي ذاته، هي المُخاطَبة، هي المُعاتبة، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، هي التي تسمو، هي التي تسفل، هي التي تحب، هي التي تُبغض، هي التي تشكر، هي التي تكفر، هي التي تُنصف، هي التي تجحد، نفس الإنسان ذاته، لا تموت، ولكنها تذوق الموت، والموت يعني أن تنفصل ذات الإنسان عن الوعاء الذي هي فيه وهو الجسد، عن طريق توقف الإمداد الإلهي وهي الروح، الروح هي الإمداد الإلهي، للتقريب كالكهرباء في الآلة، يتوقف الإمداد الإلهي، وتنفصل ذات الإنسان عن الوعاء وهو الجسم فيكون الموت، ولا يغيب عن أذهانكم أن هذا المصباح الكهربائي إما أن نقطع عنه الكهرباء فيكون الموت، وإما أن نحطمه والتيار واصل فيكون القتل، الموت انقطاع الإمداد، أما القتل تخريب الجسم بحيث لا يستطيع أن يستقبل الإمداد الإلهي فيكون الموت، على كلٍّ البطولة أن تعتني بنفسك، لأنها خالدة إلى أبد الآبدين، لكنه مع الأسف الشديد الحضارة الغربية بكل إنجازاتها تعتني بالجسم فقط، وتنتهي إنجازات الحضارة الغربية عند الموت، بينما إنجازات الحضارة الإسلامية تبدأ مع الولادة ولا تنتهي ولا إلى أبد الآبدين، هناك حقيقة دقيقة:
﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77)﴾
موت لا يوجد، لكن النفس البشرية تذوق الموت.
العقل قوة إدراكية لابدّ من تلبية حاجاتها بالعلم:
إخواننا الكرام؛ أودع الله في الإنسان العقل، وهو قوة إدراكية، وهو حاجة عليا إلى المعرفة، وما لم تلبَّ هذه الحاجة يهبط الإنسان عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به أبداً، ما لم تلبَّ هذه الحاجة العليا، ما لم يبحث الإنسان عن الحقيقة، ما لم يبحث عن سرّ وجوده، ما لم يبحث عن غاية وجوده، ما لم يبحث عن الرسالة التي حمّله الله إياها، ما لم يبحث عن التكاليف التي كلفه الله إياها، ما لم يسأل من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ ما لم يتفرغ لمعرفة الحقيقة، ما لم يطلب العلم يهبط عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، الناس رجلان عالم ومتعلم ولا خير فيما سواهما.
يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تُنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني مات خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، الناس ثلاثة؛ عالم رباني، ومُتعلم على سبيل نجاة، الصنف الثالث: وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كُميل أن تكون منهم، كلام سيدنا علي.
طلب العلم يؤكد الذات والإنسانية:
إذاً العقل قوة إدراكية، وما لم تلبَّ هذه القوة الإدراكية يهبط الإنسان عن مستوى إنسانيته، ويقترب من البهيمية، لذلك قال تعالى:
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾
موت النفس، قال تعالى:
﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)﴾
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)﴾
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾
أيها الإخوة؛ لا يمكن أن تؤكد ذاتك إلا إذا طلبت العلم، لا يمكن أن تؤكد إنسانيتك إلا إذا طلبت العلم.
أيها الإخوة؛ هذا العقل ما هو؟ هو مجموعة مبادئ، المبدأ الأول مبدأ السببية، أي عقلك لا يمكن أن يفهم شيئاً بلا سبب، إذا أقفلت باب بيتك، وليس أحد يملك مفتاحاً آخر، وسافرت، وأطفأت المصابيح، فلما رجعت رأيت عن بُعد النوافذ وراءها ضوء، تقلق قلقاً لا حدود له، تقول لك زوجتك: لماذا أنت قلق؟ من دخل إلى البيت؟ لأن عقلك لا يمكن أن يصدق أن هذه المصابيح تألقت من ذاتها، أبداً، هذا العقل، لا يفهم شيئاً إلا بسبب.
كذلك لا يفهم شيئاً بلا غاية، لماذا وُضِع هذا الشيء في هذا المكان؟ ما الغاية؟ مرة كنت في العمرة، هناك مكتبة مصاحف في الحرم النبوي، لكن سقف هذه المكتبة مائل، لماذا؟ تحتوي مصاحف، لئلا يُخطئ معتمر فيضع شيئاً لا يليق فوق المصاحف جُعِل سقف هذه المكتبة مائلاً، لا تفهم هذا الميل إلا بهذا الهدف، واضرب على ذلك آلاف الأمثلة، لماذا ترى سيارة وراءها سلسلة تجرها على الأرض؟ لا تفهمها، مع أنك لا علاقة لك بالشاحنات إطلاقاً، إلى أن يأتيك الخبر إن جاءت صاعقة هذه السلسلة تُفَرِّغها، وتنجو المركبة من الاحتراق.
المبدأ الثالث: عدم التناقض:
العقل البشري لا يفهم شيئاً بلا سبب، ولا يفهم شيئاً بلا غاية، ولا يقبل التناقض، هل تصدق أنه في الساعة الثامنة مساءً إنسان موجود في دمشق وفي حلب بآن واحد؟ مستحيل، العقل يرفض التناقض، ولا يفهم شيئاً إلا بسبب، ولا يفهم شيئاً إلا بغاية، لكن الشيء الرائع أن أصل قوانين الكون أصلها سببية وغائية وعدم التناقض، ولولا التطابق التام بين مبادئ العقل وقوانين الكون يتعطل العقل عن مهمته الكبرى وهي معرفة الله عز وجل، لو أن الكون ليس فيه مبدأ السببية، شيء يُخلَق فجأة بلا سبب، العقل يرتبك، لو بالعكس، يوجد بالكون مبدأ السببية، أما العقل فلا يوجد هذا المبدأ، تقول: ما دام السبب ليس ضرورياً لحدوث شيء هذا الكون بلا خالق، لكن ترى الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، تتابع مَن خلق الدجاجة الأولى؟ من مُسبب الأسباب؟ الله جلّ جلاله، إذاً الله عز وجل عن طريق مبدأ السببية يأخذك برفق إلى ذاته، هو مسبب الأسباب، وعن طريق مبدأ الغائية يأخذك برفق إلى الغايات التي تتوخاها مما حولك، أي البقرة كمية الحليب التي تقدمها كل يوم تفوق عشرة أضعاف حاجة وليدها، لمن الحليب؟ لنا، قال تعالى:
﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)﴾
لو تابعت هذا الموضوع مبدأ السببية، مبدأ الغائية، مبدأ عدم التناقض، لرأيت أن العقل أداة معرفة الله، والشيء الرائع أن توافق مبادئ العقل مع قوانين الكون هو الذي جعل للعقل فاعلية عالية جداً.
لكن العقل مهمته محدودة، كيف؟ تماماً كمحل تجاري يبيع مواد غذائية، يوجد ميزان، لكن ميزان راقٍ جداً، وغالٍ جداً، فيه ذواكر، هذا الميزان على أنه بمستوى رفيع جداً، لكن مهمته محدودة، يمكن أن تستخدمه بين خمسة غرامات وخمسة كيلو، لو أردت أن تَزِين بهذا الميزان مركبتك، وضعته على الأرض وسرت فوقه تُحَطمه، هل لك أن تقول: ليس جيداً لأنه تحطم، لا، نقول لك: لأنك استخدمته بخلاف ما صُنِع له مهمته محدودة، هذا يقودنا إلى أنه في الكون دائرة المحسوسات، ودائرة المعقولات، ودائرة الإخباريات.
أدوات اليقين في دائرة المحسوسات والمعقولات والإخباريات:
المحسوسات أداة اليقين بها الحواس الخمس، المصباح متألق، صوت المروحة مسموع، هذا اللون بني، هذا خشب محفور، أداة اليقين بدائرة المحسوسات الحواس الخمس فقط، أو استطالاتها، الميكروسكوب استطالة للحواس، والتلسكوب استطالة للحواس، أي المجهر، والمرصد باللغة الفصحى، المجهر والمرصد أداتان لاستطالة الحواس، لكن كل شيء مادي أداة معرفته الحواس الخمس، هذه الدائرة لا خلاف فيها إطلاقاً.
ولكن الدائرة الثانية دائرة المعقولات، الدائرة التي أداة اليقين بها العقل، العقل مهمته أن يرى شيئاً مادياً، أو يرى آثار شيء مادي يحكم عليه من دون أن يراه، يرى آثار أقدام يقول: الأقدام تدل على المسير، يرى جدول ماء يقول: والماء يدل على الغدير، يرى بعرة يقول: تدل على البعير، يرى دخاناً من وراء جدار يقول: لا دخان بلا نار، هذه مهمة العقل، تعطيه آثار شيء يؤمن بالشيء، أي شيء غابت ذاته، وبقيت آثاره، أداة اليقين به هو العقل، المصابيح متألقة، هذه آثار الكهرباء، صوت مُكبَّر، تكبير الصوت آثار الكهرباء، إذاً مهمة العقل هو أداة يقين بدائرة المعقولات، أي أشياء غابت ذواتها، وبقيت آثارها، هذا مجال العقل، مهمته محدودة بهذه الدائرة، فالشيء الذي ظهرت ذاته وآثاره كهذا الكأس، ظهرت ذاته وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس، الوزن باليد، الملمس بالجلد، البرودة والحرارة بالجلد أيضاً، المنظر بالعين، لو لها صوت بالأذن، الشيء المادي ظهرت عينه وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس.
أما إذا رأينا دخاناً ولم نر النار نقول: عين النار غابت عنا، بقيت آثار النار، وهو الدخان، العقل يحكم يقول: لا دخان بلا نار.
أما إذا غابت ذات الشيء وآثاره معاً العقل يتعطل، ليس له أي وظيفة، هذه الدائرة الثالثة دائرة الإخباريات، الماضي السحيق من دائرة الإخباريات، ما بعد الموت من دائرة الإخباريات، الملائكة، الإيمان بالملائكة من دائرة الإخباريات، الإيمان بالجن من دائرة الإخباريات، أي شيء ظهرت ذاته وآثاره، هذا تابع للدائرة الأولى المحسوسات، الحواس الخمس أداة اليقين به، شيء غابت ذاته، وبقيت آثاره، هذا تابع لدائرة المعقولات، العقل أداة اليقين به، شيء غابت عينه وآثاره، أداة اليقين به الخبر الصادق، أي شيء واضح جداً، دخلت إلى بيت رأيت إبريق ماء، أو كأس ماء، هذه الدائرة الأولى الحسية، رأيت الكهرباء متألقة، التألق آثار الكهرباء، تقول: يوجد كهرباء، إما من الشبكة العامة، أو من مولدة، أما رأيت خزانة مُقفلة لا يمكن مهما تكن ذكياً وعاقلاً أن تعرف ما بداخل هذه الخزانة، فجاءك صاحب البيت، وقال: هذه خزانة كُتُب، أضع بها كتبي الثمينة، أخبرك بها.
الحكمة تقتضي وضع كل شيء في موضعه المناسب:
شيء ظهرت ذاته وآثاره، أداة اليقين به الحواس الخمس، وشيء غابت ذاته، وبقيت آثاره، أداة اليقين به العقل، وشيء غابت عينه وآثاره، أداة اليقين به الخبر الصادق، بطولتك أن تضع أي قضية في الدين في مكانها الصحيح، أما حينما تريد أن تناقش الدائرة الثالثة بعقلك يرتبك العقل، يقول لك إنسان لا يؤمن بالله: ائت لي بدليل على وجود الملائكة؟ لا يوجد معك دليل، أريد دليلاً علمياً على وجود الملائكة؟ لا يوجد دليل، أريد دليلاً علمياً على وجود الجن؟ لا يوجد دليل، أريد دليلاً علمياً على وجود الدار الآخرة؟ لا يوجد دليل، هذه قضايا إخبارية، شيء دقيق جداً أيها الإخوة، لما يُخطئ الداعية ويعالج موضوعات إخبارية أمام من يُنكر أصل هذا الدين يقع في ارتباك شديد، ليس معه دليل، بطولتك أن تضع أية قضية في مكانها الصحيح، قضية حسية، قضية عقلية، قضية إخبارية.
أيها الإخوة؛ أنت أحياناً تدخل إلى بناء جامعة، بناء فخم، حدائق غنّاء، مُدرجات رائعة، فيها كواتم للصوت، فيها مقاعد وثيرة، فيها سبورة متحركة، فيها تكبير صوت، فيها جهاز عاكس، يوجد أبنية للطلبة، يوجد أبنية إدارية، يوجد مخابر، يوجد مدرجات، يوجد قاعات، يوجد مسرح، هذا كله تدركه بعقلك، ولكن هل تستطيع أن تعرف من هو رئيس الجامعة؟ مستحيل، مَن هم عمداء الكليات؟ مستحيل، ما النظام الداخلي في قبول الطلاب وفي نجاحهم وفي طردهم وفصلهم؟ مستحيل، إذاً العقل وحده لا يكفي، لابد من النقل، صار عندنا عقل، وعندنا نقل.
كل ما عجز العقل عن إدراكه أخبرنا الله به:
الفكرة الدقيقة أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، أي ما دام هذا الميزان ميزان محل بيع المواد الغذائية يعجز عن وزن سيارتك، صانع السيارة وضع لك لوحة داخلية عليها وزن السيارة بالضبط، أي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به.
أيها الإخوة؛ يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن هذه العين مهما تكن حادة البصر، أحياناً يفحص المرء عينيه، يقول له الطبيب: اثننا عشرة على عشر، أي آخر صف C أو E يعرفه تماماً من حيث الاتجاهات، الصف قبل الأخير عشر درجات على عشر، أما الأخير اثنتا عشرة على عشر، هذه العين مهما تكن حادة البصر لا قيمة لها إطلاقاً من دون نور يتوسط بينك وبين المرئيات، أي لو جلس إنسان أعمى مع إنسان حاد البصر في غرفة ليس فيها نور يستويان تماماً، فكما أن العين لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينها وبين المرئيات العقل لا قيمة له من دون وحي يُرشده، الضوء للعين كالوحي للعقل، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾
معنى ذلك أن العقل البشري من دون وحي السماء يضل، ويزل، وينحرف، وهذا الذي نعانيه في الحضارة الغربية، عقل فقط، هم يعملون في ظلام دامس، والمسلمون نائمون في ضوء الشمس.
العقل الصريح والعقل التبريري:
الآن هناك عقل صريح، وهناك عقل تبريري، العقل الصريح يقودك إلى الحقيقة، لكن العقل التبريري تستخدمه لغير ما صُنِع له، كيف؟ أي ممكن أن تقتني آلة تصوير غالية الثمن جداً، ويمكن إذا استخدمتها في تصميم الأغلفة والبطاقات والتقاويم والمذكرات أن تربح أرباحاً طائلة، لكنك استخدمتها في تزوير العملة فدخلت السجن، الآلة نفسها، إما أن تستخدمها في أعمال فنية تجارية رائجة ذات أجر عالٍ جداً، أو أن تستخدمها في عمل يحرمه القانون، فتكون هذه الآلة سبباً لدخول السجن، أي عقل من دون وحي قد يكون سبباً لهلاك صاحبه، لأن:
﴿ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ (15)﴾
الناصية مقدمة الرأس، مكان اتخاذ القرار، مكان المحاكمة:
﴿ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16)﴾
الإنسان حينما يتخذ قراراً خاطئاً يكون عقله هو السبب، للتقريب؛ إنسان عنده بيت غالي الثمن، وباعه بالعملة الصعبة، وفي جيبه جهاز يكشف له العملة الصعبة، الآن هناك أجهزة تضع العملة الصعبة عليه يظهر على الشاشة لون، إذا كان لونًا برتقالياً فالعملة صحيحة، وإذا كان لوناً آخر العملة مزيفة، يوجد حديد معي، عجينة ورق العملات فيها حديد، فباع بيته بسعر غالٍ جداً، وفي جيبه جهاز لكشف العملة المزورة ولم يستخدمه، هذا العقل، بجيبه الآخر يوجد أرقام العملات المزورة، هذا الشرع، لا استخدم عقله، ولا رجع إلى الشرع، ففوجئ أن العملة كلها مزورة ضاع بيته، هو السبب.
فلذلك أيها الإخوة؛ العقل الصريح العقل الذي يقودك إلى الخير، إلى الفلاح، إلى النجاح، إلى الإيمان بالله، إلى طاعة الله، إلى خدمة الخلق، إلى الإقبال على الله، وأما العقل التبريري كأن تحتل بلداً، وتزعم أنك احتللته من أجل الحرية والديمقراطية، فإذا الواقع عكس ذلك، نهب للثروات، وقتل للبشر بلا حساب، لذلك أخطر شيء العقل التبريري، هذا عقل ساقط محتقر، يغطي الشهوات، يغطي الانحرافات، يغطي التفلت، وكلما جلست مع إنسان عاص، واستمعت إلى تبرير أعماله هو يستخدم عقله التبريري، وكلما التقيت مع إنسان عاقل مستقيم مؤمن يستخدم عقله الصريح، لذلك الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط؛ خط النقل الصحيح وخط العقل الصريح وخط الفطرة السليمة وخط الواقع الموضوعي، العقل الصريح، النقل الصحيح، الفطرة السليمة، الواقع الموضوعي.
أيها الإخوة؛ كما قلت قبل قليل: العقل حينما تستخدمه لخلاف ما خُلِق له يكون سبب الدمار ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ لكن العقل يستنير بوحي السماء، ويستنير بتوجيهات الخالق الصانع الحكيم.
أيها الإخوة؛ حينما يقول الله عز وجل:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾
الآن العقل والمنهج، أيعقل أن يُعلَّم الإنسان القرآن قبل أن يُخلَق؟ أيعقل؟ كيف الآية؟ قال: ترتيب الآية ترتيب رتبي، وليس ترتيباً زمنياً، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، لذلك القرآن هو المنهج، كآلة غالية الثمن، عظيمة النفع، معقدة الصنع، الشركة التي اشتريتها منها نسيت أن ترسل لك تعليمات، فأنت إن استخدمتها من دون تعليمات أعطبتها، وإن خِفتَ عليها جمّدت ثمنها، أليست التعليمات أهم من الآلة؟ هذا معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ جاء تعليم القرآن مُقدماً على خلق الإنسان تقديماً رُتبياً لا تقديماً زمنياً.
خطوط حمراء لابدّ من مراعاتها في موضوع العقل:
العقل يمكن أن يصل بك إلى الله، ولكن لا يمكن أن تحيط بعقلك بالله عز وجل:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
كمركبة أقلتك إلى شاطئ البحر، لكنك بهذه المركبة الأرضية لا تستطيع أن تخوض بها عباب البحر، ولا أمواج البحر، والذي قلته قبل قليل: أيّ شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، وكأن العقل حصان تركبه إلى باب السلطان، فإذا دخلت قصر السلطان دخلت وحدك، أي أنت بعقلك وصلت إلى الله، أما إذا أمرك الله بأمر ينبغي أن تنصاع له، تماماً كما لو أن إنساناً بحث عن طبيب في أعلى مستوى من العلم والإخلاص والفهم والمراس والتجربة والكفاءة، فلما وصل إلى الطبيب بعقله قال له: إياك وتناول الملح، لن تستطيع أن تحاوره، عقلك أوصلك إليه، يجب أن تأخذ أمره بحسب إيمانك بتفوق هذا الطبيب.
لكن نحن العقل كما حياتنا كلها فيها خطوط حمراء، كذلك أمام العقل خطوط حمراء كثيرة جداً، لكن أبرز هذه الخطوط تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا، العقل أعجز من أن يتفكر في ذات الله كما قلت قبل قليل، العقل موضوعه مادي، ذات الله لا يمكن أن يحيط بها عقل، لذلك من أعمل عقله في ذات الله ربما هلك، ربما اختل، ربما أصيب بالجنون، قيل: تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا، إذاً هناك خطوط حمراء لابدّ من أن تُراعى في موضوع العقل.
أيها الإخوة؛ من البطولة ألا تعرض على المشككين في الدين القضايا الإخبارية، إن عرضت هذه القضايا الإخبارية وقعت في حرج شديد، لأن هؤلاء لن يدركوا ما معنى أن هذا الموضوع موضوع إخباري، أي أن العقل لا يستطيع أن يخوض به إطلاقاً، هذا موضوع إخباري صرف.
من آيات الله الكونية قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ :
الآن ننتقل إلى شيء آخر من آيات الله الدالة على عظمته قال تعالى:
﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)﴾
الأرض مستقرة، الأرض تدور حول الشمس بسرعة ثلاثين كيلو متراً بالثانية، بالدقيقة؟ ألف وثمانمئة، ثلاثة ضرب ستة، وثلاثون ضرب ستين، بالخمسين دقيقة؟ درْسنا خمسون دقيقة، الآن اقتربنا من تسعة آلاف كيلو متر، من دمشق إلى الرياض بالطائرة ألف ومئة كيلو متر، نحن على الأرض، وهي في دورتها حول الشمس قطعنا تقريباً تسعة آلاف كيلو متر، قال تعالى:
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾
مع هذه الحركة الأرض مستقرة، مرة زرت مسجداً في استنبول، الدليل السياحي أخذني إلى المحراب، وأطلعني على عمود رخامي، والجامع مبني من سبعمئة عام، وطلب مني أن أُدير العمود، العمود له قاعدة، وله غطاء، دار معي، يوجد فراغ عبارة عن ميليمتر واحد، سبعمئة عام ما ضُغِط هذا العمود، لو ضُغط لا يتحرك ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ الأبنية ثابتة، والدليل الزلازل، يوجد مدينة اسمها أغادير بالمغرب بثلاث ثوان غاصت تحت سطح الأرض، حتى إن فندقاً من ثلاثين طابقاً اسم الفندق على الطابق الثلاثين، غاص الفندق كله إلى الأرض، فأصبح اسم الفندق شاهدة له، نزل هذا الفندق ثلاثين طابقاً تقريباً، إذاً: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ لذلك ينبغي أن نعرف نِعَم الله بوفرتها لا بزوالها، هذا المعنى الأول.
الآن هذا الكأس لماذا يبقى على الطاولة؟ لأن له وزناً، ما هو الوزن؟ هو انجذاب الشيء إلى مركز الأرض.
أيها الإخوة؛ نحن نعيش نعمة لا نعرفها إلا إذا فقدناها، رواد الفضاء حينما توجهوا إلى القمر، بين الأرض والقمر يوجد منطقة اسمها انعدام الجاذبية، هذه المنطقة ليست خاضعة لا إلى الأرض، ولا إلى القمر، إذاً الإنسان هناك لا وزن له، ينام على فراشه يستيقظ وهو في سقف المركبة، يمسك حاجة تبقى في الهواء ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ من جعل الأشياء تستقر على سطح الأرض؟ هذه نعمة، الأثاث ثابت، المكتبة ثابتة، الحاجات ثابتة، لها وزن، وأنت ثابت، لو انتقل الإنسان إلى سطح القمر لكان وزنه تقسيم ستة، إن كان وزنه ستين كيلو بالأرض وزنه بالقمر ستة كيلو، لو ركب رائد فضائي المركبة، ودخل منطقة انعدام الوزن ليس له وزن أبداً، ورحلات الفضاء تؤكد ذلك، إذاً الوزن هو انجذاب الشيء إلى مركز الأرض، وهذه نعمة كبرى، الأشياء لها وزن، هناك استقرار.
أول معنى: من جعل الأرض قراراً مستقرة؟ أي هذا العمود الرخامي في المسجد يدور، لماذا يدور؟ لأن هناك فراغاً لا يزيد عن ميليمتر، ولو ضُغط البناء ميليمتراً لما دار، هذه علامة إتقان البناء، والأرض مستقرة، أما بالزلازل يقول لك: سبعة ريختر، انتهى كل شيء، هناك زلازل تُدمر كل شيء، إذاً المؤمن يعرف نعمة الله بوجودها لا بزوالها، نعمة استقرار الأرض، أحياناً يركب إنسان طائرة يتوهم الأرض أكثر أمناً، لا، الأرض نفسها حينما تضطرب:
﴿ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴾
قبل سنوات عدة زلزال في القاهرة، الزلازل موجودة بالأرض، فإذا كان هناك منطقة فيها استقرار هذا من نِعم الله عز وجل ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: من جعل الأشياء لها وزن؟ تضعها هنا تبقى في مكانها، لو ما كان هناك وزن تغادر البيت ترجع تجد كل حاجة بمكان، أما كله ثابت، هذا أيضاً من نِعم الله عز وجل، والآية الكريمة:
﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)﴾
الزلازل، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ كما يجري في المنطقة، ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ .
من يتفكر في خلق الله ويتأمل عظمته يزداد تعظيماً له سبحانه:
إذاً أيها الإخوة؛ حينما يتفكر الإنسان في خلق الله عز وجل، حينما يتأمل في عظمة الله يزداد تعظيماً لله عز وجل ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أنت واقف مستقر، لكن هناك معنى آخر: كيف أنت مستقر وأنت واقف مع أن قاعدة استناد جسمك عن طريق قدميك لا تكفي؟ أي مُجسّم للإنسان يحتاج إلى قاعدة استناد تزيد عن سبعين سنتيمتراً، القدم لطيفة جداً، هذا الاستقرار، هذا الوقوف، هذا التوازن بفضل جهاز بالغ التعقيد اسمه: جهاز التوازن في الأذن، قنوات فيها سائل، والسائل سطحه أفقي، فإذا مال الإنسان وبقي السائل أفقياً وصل إلى مكان في القناة لم يكن فيها سائل، يدرك الإنسان أنه مال يُصحح، لولا هذه القنوات الثلاثة لما استطاع إنسان أن يقف على سطح الأرض، يقع رأساً، والدليل الميت يقع، لا يقف، تعطّل هذا الجهاز.
لما يفكر الإنسان أن استقراري على الأرض بفضل نظام الجاذبية، استقراري على الأرض بفضل سكون الأرض مع حركتها، مع أنها تسير، كما قلت قبل قليل: نحن قطعنا في هذا الدرس تسعة آلاف كيلو متر، محيط الأرض أربعون ألفاً، قطعنا تسعة آلاف كيلو متر بسرعة ثلاثين كيلو متراً بالثانية، والأرض مستقرة، والأشياء لها وزن أيضاً، والإنسان جُهز بقنوات التوازن، وهذا من حكمة الله عز وجل، لذلك:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
التفكر في الكون أقصر طريق لمعرفة الله تعالى:
أيها الإخوة؛ دائماً وأبداً أردد هذه المقولة: التفكر في خلق السماوات والأرض أوسع باب ندخل منه على الله، والتفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله، لأنه يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، وإذا قلت: العقل، ولعلي أقصد به الفكر، تفكرك في خلق السماوات والأرض سبب معرفتك بالله، فلذلك هذا اللقاء الطيب عنوانه: العقيدة والإعجاز، والإعجاز أن تتفكر في هذه الآيات، استقرار الأرض أي شيء آخر، أنت حينما تذهب إلى أستراليا، على الكرة أستراليا في أسفل الكرة، تذهب إلى هناك ترى السماء فوقك، والأرض من تحتك، شيء يحير، إذاً ما هو العلو؟ هي الجهة المقابلة لمركز الأرض، هذا نظام ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾ تنعم بالاستقرار، أمن جعل الأشياء لها وزن؟ ثم لو أنت على أرض أضعاف مضاعفة وزنها وحجمها، لكان وزنك مئتي كيلو، ولو لم يكن هناك قنوات توازن لاحتجت إلى أقدام كأقدام الفيل، يصبح المشي أشغالاً شاقة، هذا التفكر يُعَرِّفك بالله عز وجل، وبدقة صنعه، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ .
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)﴾
أيها الإخوة الكرام؛ إلى متابعة موضوع العقل في اللقاء القادم.
الملف مدقق