وضع داكن
12-09-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 09 - الفطرة -1- الفطرة وخصائص النفس
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

الفطرة من مقومات التكليف:


أيها الإخوة الأكارم؛ مع الدرس التاسع من دروس العقيدة والإعجاز، وقد عالجنا في دروس سابقة مقومات التكليف، وبدأنا بالكون ثم بالعقل واليوم ننتقل إلى الفطرة.
 في أي الآيات أشار الله إلى الفطرة؟ في قوله تعالى: 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾

[ سورة الشمس  ]

 

النفس تعرف بالفطرة فجورها وتقواها:


جبلت هذه النفس جِبِلة عالية، بحيث أنها إذا أحسنت شعرت بشكل طبيعي ابتداءً من دون تعليم، من دون توجيه أنها أحسنت، وإذا أساءت شعرت ابتداء من دون توجيه ولا تعليم أنها أساءت ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا﴾ إن فجرت فجورها، وإن اتقت تقواها، عندك مُشعِر ذاتي، أنت بالفطرة تعرف خطأك من دون أن تُنَبه إليه، أنت بعقلك تعرف ربك، وبفطرتك تعرف خطأك ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ .
أيها الإخوة؛ لولا هذه الفطرة لما تألم إنسان من معصية، لو أن جِبِلته جُبلت على معصية فكلما عصى ربه ازداد راحة وانسجاماً مع نفسه، لكن لأنك مفطور فطرة عالية، مفطور على الكمال، مفطور على الرحمة، على الإنصاف، على العدل، على الصدق، على الأمانة، جبلتك، فطرتك، بنيتك النفسية، خصائصك تحب الرحمة، فإذا رحِمت المخلوقات تنام قرير العين، تنام مرتاحاً، تنام مطمئناً، تنام سعيداً.
لذلك أيها الإخوة؛ لمجرد أن تتوب إلى الله، وأن تصطلح معه تصطلح مع نفسك، وترتاح نفسك، وتطمئن نفسك، وتسعد نفسك ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ كيف سوّاها الله عز وجل؟ سوّاها بحيث إذا فجرت تعرف أنها فجرت، وإذا استقامت تعرف أنها استقامت.
 

من صفات المسيء والمذنب الانهيار الداخلي:


علماء النفس وصفوا حالة تصيب الإنسان المسيء، وصفوها بصفات عديدة منها الانهيار الداخلي، إذا بنى الإنسان مجده على أنقاض الناس، بنى غناه على إفقارهم، بنى أمنه على إخافتهم، بنى عزه على إذلالهم، ينهار من الداخل، يشعر بصَغار، تصيبه الكآبة، والكآبة مرض العصر، أية نفس خرجت عن منهج الله خرجت أيضاً عن فطرتها، خرجت أيضاً عن مبادئها، خرجت أيضاً عن جِبِلتها.
 

من أرقى خصائص النفس أنها جُبِلت على الكمال وتوافقت مع منهج الله:


أيها الإخوة؛ من أرقى خصائص النفس أنها جبلت على الكمال، أنها توافقت مع منهج الله، ما من أمر أمرك الله به إلا وفطرتك ترتاح له، وما من أمر نهاك الله عنه إلا وفطرتك تتألم منه ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ الفطرة متوافقة تماماً مع منهج الله، كيف أن العقل في لقاء سابق متوافق توافقاً تاماً مع قوانين الكون، بُنِي الكون على السببية، والعقل لا يفهم شيئاً إلا بسبب، وبُنِي الكون على الغائية، والعقل لا يفهم شيئاً بلا غاية، كذلك بُنِي منهج الله على الصدق والأمانة، والعدل والإنصاف، والرحمة، والنفس البشرية ولو أنها عاصية، ولو أنها آثمة لا ترتاح إلا للصدق والأمانة، والعدل والإنصاف: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ حدثني أخ سافر إلى بلاد الغرب، نزل في بعض الفنادق، رأى لوحة على السرير كُتِب عليها: إن لم تنم في هذه الليلة فالعلة ليست في فروشنا، إنها وثيرة، ولكن العلة في ذنوبك، إنها كثيرة، أي يوجد بقلب المؤمن من الراحة النفسية والطمأنينة والسكينة والهدوء ما لو وُزِّع على أهل بلد لكفاهم، لأن المؤمن التائب انسجم مع نفسه، اصطلح مع نفسه، جاءت حركته متوافقة مع خصائصه، هذه آية من آيات الفطرة، ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ .
 آية ثانية:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾

[ سورة الروم ]

أي أن تقوم، وأن تقف، معنى ذلك الأمر في غاية الأهمية، الإنسان أحياناً يكون جالساً، إذا حزبه أمر، أقلقه أمر، جدّ أمر يقف، قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ بكليتك، بكل اهتمامك، بكل طاقتك، بكل حركاتك وسكناتك، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ أن تُقيم وجهك للدين حنيفاً، هذه الإقامة للدين حنيفاً هي نفسها فطرتك التي فُطِرت عليها، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ .
إخوتنا الكرام؛ هذه حقائق في أي مكان في الأرض، في أي زمان الخطأ خطأ، والصواب صواب، بل إن أروع ما في هذا الدين العظيم أن الله سمّى الأعمال القبيحة في ميزان الشرع سماها منكراً، لأن الفطر السليمة تنكرها ابتداءً، وسمّى الأعمال الصالحة في ميزان الشرع سماها معروفاً، لأن الفطر السليمة تعرفها ابتداءً، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ هكذا فُطرنا، فُطرنا على طاعة الله، فُطرنا على الصدق، والأمانة، والإحسان، والإنصاف، والعدل، والرحمة، والعفو، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هذه الآية الثانية، أي إذا توجهت إلى الدين بكل إمكاناتك، بكل اهتمامك، بكل طاقاتك، هذا التوجه هو نفسه ما جُبِلتَ عليه، وما فُطرت عليه، وما أراحك.
 آية ثالثة:

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾

[ سورة القيامة ]

 

لا يمكن أن تخدع كل الناس لكل الوقت:


يمكن أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ويمكن أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت هذا مستحيل وألف ألف مستحيل، أما أن تخدع نفسك لثانية واحدة هذا مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ*وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ المذنب يعلم علم اليقين أنه مذنب، قد لا يعترف، قد يُكابر، قد يركب رأسه، ولكن في أعماقه يعلم أنه مذنب، هذه فطرتك، ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ*وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ .
آية رابعة: 

﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾

[ سورة الحجرات ]

عفواً للتوضيح أنت حينما تضع أمام أنفك وردة فواحة الرائحة لماذا تشعر براحة كبيرة؟ لأنك مجبول على حبّ الرائحة الطيبة، لكن هناك حيوانات تعيش في المياه السوداء، وكأنها في عطور، أن تستمتع بالشيء الجميل هذا في الأصل ليس في الجميل فقط، بل في فطرتك، أن تستمتع برائحة طيبة هذا لا يعود إلى أن الوردة لها رائحة طيبة، يعود إلى أنك أيضاً جُبلت على قبول هذه الرائحة، والدليل: هناك كائنات أخرى تستمتع بأنتن الروائح، الخنزير أكلته المفضلة خنزير متفسخ، أكلته المفضلة لحم الجيف.
أحياناً يمشي الإنسان في الفلاة يشعر برائحة يكاد يخرج من جلده، حيوان متفسخ، الخنزير أكلته المفضلة، أطيب طعام يشمه من أعماقه الجيف واللحوم المنتنة والجرذان الميتة، معنى ذلك أنت حينما تستمتع بشيء طيب من الطعام والشراب، أو حينما تشم رائحة طيبة، استمتاعك بهذه الأشياء لا لأن رائحة طيبة فقط، لأنك في أصل تركيبك مجبول على حبّ هذه الرائحة، وهذا من تكريم الله لك، انظر إلى دجاجة تأكل كل شيء، حتى براز الإنسان، قال تعالى: 

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70)﴾

[ سورة الإسراء ]

إذاً: ﴿حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ أربع آيات في كتاب الله تتحدث عن الفطرة، وفي حديث صحيح أخرجه الإمام البخاري ومسلم وهو قول النبي الكريم،

(( عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. ))

[ صحيح مسلم ]

الشيء القبيح لا ترتاح له، تقلق مِن فعله، تقلق أشدّ القلق، أي الدعاة إلى الله يُسألون عن أشياء لم يرتح السائل لها، آلاف الأشياء تفعلها وأنت مطمئن، لأنها متوافقة مع الفطرة، لكن هناك شيء أقلقك تسأل عنه لأنه خالف الفطرة، إذاً الآيات الكريمة والحديث الصحيح يؤكد أن الإنسان جُبِل على فطرة عالية.
 

من خصائص النفس:

 

1 – كل نفس ذائقة الموت:

لو أردنا أن نتابع خصائص النفس.
أيها الإخوة؛ من أولى خصائص النفس، وأنا أتمنى أن يجهد العلماء لمعالجة موضوعات تحت عنوان: علم النفس الإسلامي.
الحقيقة الأولى في خصائص النفس أن كل نفس ذائقة الموت، معنى ذائقة لا تعني أنها تموت، تذوق الموت، الإنسان مؤلَّف من ذات هي نفسه التي بين جنبيه، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، هي التي تحب، هي التي تُبغض، هي التي تسمو، هي التي تسهو، هي الطائعة، هي العاصية، هي المؤمنة، هي الكافرة، هي التي لا تموت، هي التي مصيرها إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار لا ينفذ عذابها، هي ذات الإنسان، وقد خاطبها الله بقوله تعالى: 

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27)﴾

[ سورة الفجر ]

أو: 

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾

[ سورة القيامة ]

أو: 

﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)﴾

[ سورة يوسف ]

ذاتك، من أنت؟ نفسك، هذا وعاء، الجسم وعاء، النفس في داخل الجسم، ترى من عينين، تنتقل لها الأصوات من أذنين، تُعبِّر عن ذاتها باللسان، تنتقل من مكان إلى مكان عن طريق الرجلين، تبطش باليد، تستخدم جهاز الفكر، هذه التي تُخاطَب، والتي تُعاتَب، هي ذاتك، هي التي تؤمن، هي التي تكفر، قال تعالى: 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

[ سورة الشمس ]

مَن حملها على معصية الله، من أبقاها غافلة عنه، لذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ في القرآن  النجاح كل النجاح، والفلاح كل الفلاح، والفوز كل الفوز، والتوفيق كل التوفيق، والتفوق كل التفوق أن تزكّي نفسك، أي أن تؤهّلها لدخول الجنة، ثمن الجنة تزكية النفس، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ . 

2 – البشر من نفس واحدة:

من خصائص النفس أن الله خلق البشر من نفس واحدة، من خصائص واحدة، الإنسان هو الإنسان، في أي مكان وزمان، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جُبِلت على حبّ من أحسن إليها، خصائص البشر واحدة، أيّ إنسان على وجه الأرض يحب الجمال، ويحب الكمال، ويحب النوال، خصائص ثابتة، مسلم، غير مسلم، ملحد، علماني، بعيد، قريب، أيّ نفس إنسانية تحب الكمال، قد يكون الذي يحب الكمال ناقصاً، قد يكون مجرماً، قد يكون لصاً، يقول اللص لإخوانه اللصوص: اقسموا بالعدل، فطرته العدل، لكنه يخالف فطرته.
أيها الإخوة؛ خصائص النفس واحدة، تحب الكمال، أن تحب الكمال شيء، وأن تكون كاملاً شيء آخر، أن تحب الرحمة شيء، وأن تكون رحيماً شيء آخر، الفطرة تعني أنك تحب الكمال، تحب العدل، تحب الإنصاف، تحب الكرم، تحب السخاء، تحب الرضا، خصائص البشر واحدة، الكمال موقف أخلاقي فيه وفاء، الجمال؛ الوردة الجميلة، الطفل الجميل، المنظر الجميل، البحر الجميل، الجبل الأخضر الجميل، أيّ شيء جميل تحبه النفس، والنوال العطاء، لو أن واحدًا كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرِّجل، مائل الذقن، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب، منحك بيتاً، تذوب محبة له، على قماءة شكله، تحب النوال، وتحب الكمال، وتحب الجمال، الكمال أخلاقي، والجمال قد يكون حسيًا، والنوال عطاء، هذه خصائص النفس البشرية. 

3 – الإنسان خُلِق هلوعاً:

من خصائص النفس البشرية أن الإنسان خُلِق هلوعاً، ما معنى هلوع؟ القرآن فسر هلوعاً، قال تعالى: 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20)﴾

[ سورة المعارج ]

لا يحتمل، طبيب فحص مريضًا معه ورم خبيث منتشر، قال له: هذا المرض ينهي أجلك بعد أربعة أشهر، تدبّر وقتك، اعمل وصية، نظِّم أمورك، مات في اليوم الثاني، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ يقلق على حياته، يقلق على رزقه، يقلق على من يلوذ به، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ لو لم يكن هلوعاً لما تاب إلى الله، لو أن الإنسان لا يخاف، بلغوه أنه مصاب بورم خبيث، يقول لهم: خير إن شاء الله، لا يوجد مشكلة، لا يتوب الآن، أما إذا لاح إلى الإنسان شبح مشكلة، لا سمح الله ولا قدر عافاكم الله جميعاً، أنا والله من أدعيتي التي أتأثر بها: اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، أكرموا عزيز قوم ذل، وغنياً افتقر، وعالماً ضاع بين الجهال.
لذلك الإنسان خُلق هلوعاً، هذا ضعف في أصل خلقه، ضعف لمصلحته، ألا ترى أن بعض الآلات الغالية جداً فيها وصلة ضعيفة جداً تسمى الفيوز، كومبيوتر صناعي ثمنه ثلاثون مليونًا، لو جاءت رفة كهربائية عالية جداً أحرقته، يوجد وصلة ضعيفة جداً، فإذا جاء التيار عالياً ساحت هذه الوصلة، وقطعت عنه التيار، وسَلِم الجهاز، هذا الضعف في أصل تصميم الجهاز لصالح الجهاز، وهكذا الإنسان، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ معنى هلوعاً ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ يقلق أشد القلق، يضطرب، لا ينام الليل:

﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)﴾

[ سورة المعارج ]

لأنه إذا مسَّك الخير منوعًا ترقى بالصدقة، المال محبب، قال تعالى: 

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾

[ سورة آل عمران ]

لأن المال محبب إنفاقه يرقى بك، شيء لا تحبه إذا أنفقته هل تشعر برقي؟ عندك ثوب بالٍ قديم لا ترتديه إطلاقاً، هو عبء عليك، لا مكان له، تصدقت به، هل ترقى بهذا التصدق؟ الشيء الجديد، الطعام الطيب، المال إن أنفقته تَرْقَى، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

[ سورة المعارج ]

المصلي قد ينجو من هذا الضعف الخلقي، هو ضعف في أصل خلق الإنسان، لكنه لصالح الإنسان.
الآية الثانية: 

﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)﴾

[ سورة الإسراء ]

يريد أشياء قريبة، فإذا اختار الآخرة يعاكس فطرته، فإذا عاكس فطرته ارتقى عند الله، يريد شيئًا مستعجلاً جاهزاً، أحياناً يُدعى إلى عمل دخله كبير جداً فيه مئات الشبهات، شبهات في العمل، بالدخل، يريد المال سريعاً، يأتي المؤمن يقول: 

﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾

[ سورة يوسف ]

يبحث عن شيء ينفعه بعد الموت، اختار هدفاً بعيداً عن متناول يده، بهذا الاختيار يرقى الإنسان، لأنه عجول إذا اختار هدفاً بعيداً يرقى بهذا الاختيار، لو كان في الأصل مَهُولاً لا يرقى باختيار الآخرة أبداً. 

4 – خلق الله الإنسان ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره:

الآية الثالثة: 

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾

[ سورة النساء ]

خلق الله الإنسان ضعيفاً-دقق-ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خُلِق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، لذلك أحياناً بحالات قليلة يكون الإنسان قوياً جداً يستغني بقوته عن الله، قد يكون غنياً جداً يستغني بماله عن الله، والآية واضحة جداً:

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)﴾

[ سورة العلق ]

رأى نفسه مستغنياً عن الله عز وجل، لذلك بطولة المؤمن أنه مفتقر دائماً إلى الله عز وجل.
إذاً من خصائص النفس أنها تذوق الموت ولا تموت، ومن خصائص النفس أنها خُلقت من نفس واحدة، من صفات وسمات مشتركة بين كل البشر، ومن خصائص النفس أن ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً*إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً*إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ ومن خصائص النفس﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ ومن خصائص النفس﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ ، هذا الكلام يقترب مما يسمى بعلم النفس الإسلامي.
 

خصائص الإنسان حيادية:


لكن أيها الإخوة؛ هناك ملاحظة دقيقة جداً أن كل خصائص الإنسان-دقق-حيادية، بمعنى أنه يمكن أن ترقى بها على أعلى عليين، ويمكن أن تهوي بها إلى أسفل سافلين أبداً، مثلاً: الإنسان يحب التقليد، إن قلدت مؤمناً ارتقيت، وإن قلدت فاسقاً هلكت، التقليد حيادي، الإنسان يغار، إن غار من مؤمن حافظٍ لكتاب الله يرقى، وإن غار من إنسان غارق في الزنا يهلك، فالغيرة حيادية.
بالمناسبة لأن الإنسان مُخيّر كل خصائصه حيادية أبداً، التقليد خصيصة، طفل يقلد أباه وهو يصلي، وطفل إنسان فاسق يقلده وهو يفسق، التقليد صفة حيادية، أساساً من صفات المؤمنين أن أولادهم في الأعم الأغلب مؤمنون، ومن صفات الكفار والفاسقين: 

﴿ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)﴾

[ سورة نوح ]

فالطفل بحسب ما يرى، فالتقليد صفة في الإنسان، يمكن أن توظف في الخير أو في الشر، أنت إنْ صحبت المؤمنين تتمنى أن تكون مثلهم، وإن صحب الإنسانُ أهلَ الفسق والفجور يتمنى أن يكون مثلهم، لذلك قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

[ سورة التوبة ]

عش بأجواء إيمانية، عش مع المؤمنين، لا تصاحب إلا مؤمناً، لا تصاحب إلا من يرقى بك إلى الله حالُه، ويدلُّك على الله مقالُه، صفات الإنسان كلها حيادية، سمات الإنسان كلها حيادية، خصائص الإنسان كلها حيادية، يمكن أن تكون سلَّماً ترقى به، أو دركات تهوي بها. 

5 – التقليد:

لذلك التقليد من خصائص الإنسان، المؤمن:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾

[ سورة الأحزاب ]

غير المؤمن يُقلِّد أهل الفجور والانحراف والفسوق والعصيان، يقلدهم، لذلك من خصائص الإنسان التقليد، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنهم: لا حَسَدَ إلا على اثْنَتيْنِ؛ رجلٌ آتَاهُ اللَّهُ القرآنَ فقام به آناء اللَّيل وَآنَاءَ النَّهارِ، ورجلٌ أعْطاهُ اللَّهُ مالاً فَهوَ يُنْفِقِهُ آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ. ))

[ صحيح البخاري ]

هذا التقليد، إذا قلّدتَ مؤمناً في سَمته الحسن، في ورعه، في استقامته، في إنفاقه، في عبادته، ترقى عند الله، والذي يُقَلِّد فاسقاً يسقط من عين الله، ودائماً وأبداً هؤلاء النجوم أو الأعلام أو القادة، مدير مستشفى، مدير مدرسة، معلم صف، إذا دخن أمام طلابه أغراهم بالدخان، يعاقَب مرتين؛ مرة لأنه أخطأ، ومرة لأنه قُلِّد مِن قِبَل مَن يراه كبيراً.
أيها الإخوة الكرام؛ الحسد مثلاً، الحسد أن تتمنى ما عند الآخرين، هذه خصيصة، لكنها حيادية، التقيت مع مؤمن، رأيت سمته، وأدبه، ومحبته لله، وتألق وجهه، وورعه، وعلمه، واستقامته، وأعماله الطيبة، تمنيت أن تكون مثله، ((لا حَسَدَ -أي لا غبطة-إلا على اثْنَتيْنِ)) إنسان ينفق ماله في الليل والنهار، وإنسان ينفق علمه في الليل والنهار، الصفة نفسها، الخصيصة نفسها، إذا تأملت حياة فاسق فاجر كل يوم بملهى، كل يوم بفندق، كل يوم مع فتاة، إذا استخدمت خصيصة التقليد تتمنى أن تكون مثله، إذاً التقليد حيادي، صفة حيادية.
الحسد، الحسد أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك لتصل إليك، هذا مستوى، هناك مستوى أسوأ؛ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك، وهناك أسوأ وأسوأ؛ أن تكتب، أن توغر صدر سيده عليه بتقرير، أسوأ وأسوأ وأسوأ.
لذلك إخواننا الكرام؛ ما من خصيصة من خصائص النفس إلا وهي حيادية أبداً، سلم ترقى بها أو دركات تهوي بها، قد لا تصدقون أن هذه الفطرة موجودة عند الحيوانات أيضاً، الدليل؛ ألقِ لهرة أمامك قطعة لحم تأكلها أمامك، لو أنها خطفتها تأخذها، وتعدو بها بعيداً عنك، لأنها شعرت أنها في الحالة الثانية كانت معتدية. 
 

الفرق بين الفطرة والصبغة:


الآن يوجد عندنا موضوع الفطرة والصبغة، هنا الفرق، الفطرة أن تحب الخير، وقد لا تكون خيّراً، الفطرة أن تحب العدل، وقد لا تكون عادلاً، الفطرة أن تحب الرحمة، وقد لا تكون رحيماً، هذه الفطرة، الفطرة شيء، حبّ الكمال شيء، وأن تكون كاملاً شيء آخر، أما إذا اتصلت بالله جلّ جلاله صلة محكمة استقرت في نفسك الكمالات، الله رحيم، وأي مؤمن يتصل به يصبح رحيماً، الله عز وجل عدل، وأي مؤمن يتصل به تراه عادلاً، الله عز وجل لطيف، وأي مؤمن يتصل به يشتق منه اللطف، أنت في الحالة الأولى فطرتك سليمة، أما في الثانية هذه صبغة، قال تعالى:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾

[ سورة البقرة ]

الفطرة أن تحب الكمال، لكن الصبغة أن تتخلق بالكمال، الفطرة أن تحب الرحيم، لكن الصبغة أن تكون رحيماً، الفطرة أن تحب العدل، لكن الصبغة أن تكون عادلاً، الصبغة من خصائص المؤمنين فقط لأنهم اتصلوا بالله عز وجل، لذلك قال تعالى: 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران ]

أيْ بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ لذلك تبتعد عن الله يغدو القلب قاسياً، تقترب منه يغدو القلب رحيماً، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22)﴾

[ سورة الزمر ]

صار عندنا صبغة وعندنا فطرة، الفطرة أن تحب الكمال، لكن الصبغة أن تكون كاملاً، الفطرة من صفات البشر جميعاً، لكن الصبغة من صفات المؤمنين.
 

الفرق بين الطبع والتكليف:


هناك شيء آخر؛ هناك طبع وهناك تكليف، الطبع أقرب إلى الجسم، أي طبعك يقتضي أن تبقى نائماً إلى ما بعد الشمس، هذا الطبع، أما التكليف يأمرك أن تستيقظ قبل طلوع الشمس، طبعك يقتضي أن تملأ عينيك من محاسن النساء، لكن التكليف يأمرك أن تغض البصر، طبعك يقتضي أن تأخذ المال، لكن التكليف يأمرك أن تنفقه، طبعك يقتضي أن تخوض في فضائح الناس مستمتعاً بها، والتكليف يأمرك أن تستر.
إخوتنا الكرام؛ الطبع مناقض للتكليف، ومن تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة، قال تعالى:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

[ سورة النازعات ]

إذاً أنت لا ترقى عند الله إلا إذا خالفت طبعك، لذلك طاعة الله تنسجم مع الفطرة، وتتناقض مع الطبع، واضح تماماً؟ طاعة الله تنسجم مع الفطرة تتناقض مع الطبع، ومن تناقض الطبع مع التكليف يكون ثمن الجنة.
 

من الإعجاز العلمي في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ :


أيها الإخوة الكرام؛ لو انتقلنا إلى موضوع في الإعجاز العلمي.
كلكم يعلم أن الأرض تدور حول الشمس، لكن في مسار بيضوي، ومعنى مسار بيضوي أي يشبه البيضة، المسار البيضوي فيه قطر صغير وقطر طويل، الأرض تقطع في الثانية الواحدة ثلاثين كيلو متراً في دورتها حول الشمس، لو أنها هنا في الطرف الطويل، وسارت على مسارها، ووصلت إلى هنا في القطر الصغير ما الذي يمكن أن يقع؟ نظام الجاذبية متعلق بالمسافة، ونظام الجاذبية متعلق بالكتلة، الكتلة ثابتة، لكن حينما تَقِلّ المسافة بين الأرض والشمس هناك احتمال أن تنجذب الأرض إلى الشمس، وإذا انجذبت تبخرت في ثانية واحدة، وانتهت الحياة، لأن حرارة باطن الشمس عشرون مليون درجة، تتبخر فوراً، لذلك ما الذي يحصل؟ الأرض عاقلة، الأرض جماد، الأرض حينما تقترب من القطر الأصغر ترفع سرعتها، حينما ترفع سرعتها ينشأ من رفع سرعتها قوة جديدة نابذة تُكافئ القوة الجديدة الجاذبة فتبقى الأرض على مسارها، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)﴾

[ سورة فاطر ]

من آيات الله الدالة على عظمته أن الأرض تُسرع إذا اقتربت من القطر الأصغر لينشأ من سرعتها الطارئة قوة نابذة طارئة تكافئ القوة الجاذبة الطارئة من قلّة المسافة بينها وبين الشمس، يد من؟ صنع مَن؟ تصميم من؟ قال تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)﴾

[ سورة الزمر ]

فإذا تابعت الأرض سيرها، ووصلت إلى القطر الأطول المسافة زادت، الجاذبية ضعفت، هناك احتمال أن تتفلت الأرض من جاذبية الشمس، وتسير في الفضاء الكوني، وعندئذ تصبح الأرض قبراً جليدياً، مئتان وسبعون درجة تحت الصفر، وتنتهي الحياة، يد الله العظيمة ماذا تفعل هنا؟ تُخَفِّض من سرعتها لينشأ من تخفيض السرعة الطارئة قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى على مسارها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ أي ألا تخرج الأرض عن مسارها من آيات الله الدالة على عظمته.
بعض العلماء يقول: لو أردنا أن نُرجعها إلى الشمس، لو أنها شردت وتفلتت، أردنا أن نُرجعها إلى الشمس قال: نحتاج إلى مليون مَليون حبل فولاذي، قطر كل حبل خمسة أمتار، والحبل الفولاذي الذي قطره خمسة أمتار يستطيع أن يقاوم من قوى الشد مليوني طن، أي حبل فولاذي قطره خمسة أمتار يحمل مليوني طن، قال: نحتاج إلى مليون مَليون حبل فولاذي وكل حبل يقاوم مليوني طن، أي الأرض مرتبطة بالشمس بقوة جذب تساوي مليون مَليون ضرب مليونين، أيْ اثنين أمامها ثمانية عشر صفرًا، كل هذه القوة من أجل أن تحرف الأرض في مسارها ثلاثة ميليمتر بالثانية لينشأ مسار مغلق:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)﴾

[ سورة لقمان ]

قال: لو أردنا أن نعيدها إلى الشمس، وزرعنا على سطحها مليون مَليون حبل فولاذي، المفاجأة أن المسافة بين كل حبلين خمسة أمتار فقط، نحن أمام غابة من الحبال، لا يوجد بحار، ولا يوجد إبحار، ولا يوجد سفن، ولا يوجد طرق، ولا يوجد أبنية، ولا يوجد زراعة، ولا يوجد شيء، الآية الكريمة: 

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)﴾

[ سورة الرعد ]

أي بعمد لا ترونها، هذه قوى الجذب، بعمد لا ترونها، لذلك الآيتان: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ والآية الثانية: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ هاتان آيتان في القرآن الكريم بعد اكتشاف حقائق الجاذبية، وحقائق الفلك، وحقائق الأرض تبين أن هاتين الآيتين من الإعجاز العلمي الذي يشير إلى عظمة الله عز وجل.
أيها الإخوة الكرام؛ نتابع هذا الموضوع إن شاء الله في درس قادم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور