الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الأكارم؛ مع الدرس الأول من دروس العقيدة والإعجاز.

بادئ ذي بدء؛ الإنسان كائن متحرك، هناك كائن سكوني، قطعة الخشب هذه سكونية، لكن الإنسان كائن متحرك، ما الذي يحركه؟ دوافع أودعها الله فيه، أودع فيه حاجة إلى الطعام، أودع فيه حاجة إلى الزوجة، أودع فيه حاجة إلى تأكيد الذات، هو كائن متحرك، وقد أودع الله فيه حاجات أساسية ثلاثة، الأولى إلى الطعام والشراب، والثانية إلى الزواج، والثالثة إلى تأكيد الذات، ولولا هذه الدوافع الثلاث لما رأيت شيئاً على وجه الأرض، لأنك بحاجة ماسة إلى الطعام والشراب تعمل، وبالعمل تبني، هذا أنشأ مدرسة، مستشفى، رصف طريقاً، صنع خزانة، درس طباً، درس هندسة، لأن الإنسان بحاجة إلى الطعام والشراب إذاً هو يعمل، وحينما يعمل يبني، لذلك الله جعل العمل ابتلاء لنا، نصْدق أو لا نصْدق، نتقن أو لا نتقن، نخلص أو لا نخلص.
الفرق بين الإنسان والحيوان والنبات:
لكن بالمناسبة تعريف الجماد أنه شيء يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاث، وله وزن، هذا الجماد، أما النبات فشيء أيضاً يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاث، وله وزن، لكنه ينمو، هذا الفرق، بينما الحيوان شيء يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاث، وله وزن، وينمو كالنبات، ويتحرك، الحيوان يمشي، أما الإنسان فشيء يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاث، وله وزن، وينمو، ويتحرك، ويفكر.
إذاً أشرف شيء في الإنسان عقله، أودع الله فيه قوة إدراكية، هذه القوة الإدراكية غذاؤها العلم، فما لم تطلب العلم، ما لم تبحث عن الحقيقة، ما لم تسع إلى الحقيقة، ما لم تؤمن فقدتَ قيمتك الإنسانية، أصبحت حياة الإنسان حيوانية، لذلك الإنسان من دون علم كالبهيمة، والدليل:
﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5)﴾
﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)﴾
بل:
﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)﴾
أكل الطعام والمشي في الأسواق دليل بشرية الإنسان:
أيها الإخوة؛ النقطة الدقيقة الأولى أن الإنسان كائن متحرك، أما يوجد كائنات جامدة سكونية لا تتحرك، ما الذي يحركنا؟ الحاجة إلى الطعام، لذلك الله عز وجل لما أراد أن يُثْبِت بشرية الأنبياء ماذا قال؟ قال كانوا:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)﴾
أي هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون إلى ثمن الطعام إلى أن يعملوا في الأسواق، إذاً هذا دليل بشريّتهم، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق.
غذاء العقل والقلب والجسم:
لذلك أيها الإخوة الكرام؛ الإنسان كائن فيه عقل يدرك، وفيه قلب يحب، وفيه جسم يتحرك، العقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، وما لم تلبَّ الحاجات الثلاثة، ما لم تطلب العلم، وما لم تطلب الحب مع الله عز وجل، وما لم تطلب حاجتك الأساسية من الغذاء والنوم والراحة فقد تطرفت.
الفرق بين التطرف والتفوق:
ما الفرق بين التطرف والتفوق؟ التفوق أن تلبي كل الحاجات دفعة واحدة، أن تعمل على الخطوط الثلاث؛ تطلب العلم، وتُنَمِّي القلب، وتعتني بالجسم، بينما التطرف أن ينمو عقلك على حساب قلبك، أو أن ينمو قلبك على حساب عقلك، أو أن تنمو عضلاتك على حساب عقلك وقلبك، الفرق كبير بين التطرف وبين التفوق، وقد ذكرت لكم من قبل أن الإنسان ما لم يهتم بعلاقته بربه، وبعلاقته بأهله، وبعلاقته بعمله، وبعلاقته بصحته، فإن أي خلل في أحد هذه البنود الأربع ينعكس على البنود الثلاث.
لا تصح حركة الإنسان إلا إذا جاءت وفق الهدف الصحيح:
الآن الإنسان كائن متحرك، هذه الحركة متى تصح؟ الحركة قد تصح، وقد لا تصح، قد تكون هادفة، وقد تكون عشوائية، قد تكون مثمرة، وقد تكون مُخفِقة، فالبطولة لا أن أتحرك، لكن البطولة أن تأتي حركتي وفق الهدف الصحيح، أي إنسان جائع، أو إنسان بحالة عطش شديد، وهو على مشارف الموت، ويوجد أمامه طرق عديدة، بطولته لا أن يتحرك، بطولته أن يتحرك نحو الماء، لأن سلامته بالماء، إذاً الإنسان كائن متحرك، فيه عقل يدرك، فيه قلب يُحب، فيه جسم يتحرك، هذه الحركة لا تصح إلا إذا عُرِف الهدف.

أوضح مثل؛ ذهبت إلى بلد غربي، نزلت في بعض الفنادق، استيقظت في اليوم الأول، سألت هذا السؤال: إلى أين أذهب؟ نقول: أنت لماذا جئت إلى هنا؟ نسألك: لماذا جئت إلى هنا؟ فإن قلت: أنا أتيت طالب علم، نقول له: اذهب إلى المعاهد والجامعات، يقول: أنا جئت سائحاً، نقول له: اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، يقول: أنا جئت تاجراً، نقول: اذهب إلى المعامل والمؤسسات، الحقيقة الدقيقة لا تصح حركتنا في الحياة، أول كلمة قلتها: الإنسان كائن متحرك، هذه الحركة لا تصح، ولا تكون سليمة، ولا تكون مثمرة، ولا تكون ناجحة إلا إذا عرفت الهدف من وجودك في هذا المكان.
أحياناً تتحرك السيارة حركة طائشة تسقط في الوادي، يموت كل ركابها، فالبطولة لا أن تتحرك، انظر إلى الناس صباحاً كلهم يتحركون:
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)﴾
كل شخص بباله شيء يسعى إليه، فالبطولة لا أن نتحرك، البطولة أن تأتي حركتنا وفق الهدف الصحيح، لذلك قال تعالى:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾
لابدّ من أن تكون الحركة وفق هدف، مع الأسف الشديد أُجريَ استبيان، وسئل ألف إنسان: ما الهدف الذي تسعى إليه؟ فكان الجواب أن ثلاثة بالمئة من الذين أُجرِي عليهم الاستبيان أهدافهم واضحة، والسبعة والتسعين بالمئة حركة عشوائية بلا هدف، لذلك أنا أقول دائماً: إما أن تُخَطِّط، أو أن يُخَطَّط لك، إما أن تَفعل، أو يُفعل بك، إما أن ترسم هدفًا لك أو يُرسَم لك هدف ماكر من أجل أن تكون مُستَغلاً.
لذلك قضية العلم قضية خطيرة، قال تعالى:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)﴾
وأنا أقول دائماً أيها الإخوة؛ أعظم كرامة للإنسان هي كرامة العلم، هي كرامة لا تحتاج إلى خرق للعادات، لذلك الآية الدقيقة: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ .
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾
إذاً أنت حينما تذهب إلى بلد غربي كي تنال الدكتوراه، بلاد واسعة جميلة، فيها مقاصف، فيها متنزهات، فيها مسارح، فيها دور سينما، فيها ملاهٍ ليلية، فيها شوارع منحطة، فيها أماكن جميلة، فيها متاحف، فيها آثار، فيها جامعات، فيها مدارس، فيها معامل، فيها مؤسسات، فيها مقاصف، أنت حينما تعرف أنك في هذا البلد من أجل هدف واحد وهو نيل الدكتوراه، دقق الآن ما الذي يحدث؛ إذا كان هدفك واضحاً تختار مئات بل ألوف الوسائل التي تُعِينك على تحقيق الهدف.
ذهب طالب إلى بلد غربي للدكتوراه، أول شيء يستأجر بيتاً إلى جانب الجامعة توفيراً للوقت والجهد والمال، يُصَادق طالباً يتقن اللغة الفرنسية، يشتري مجلة متعلقة باختصاصه، يزور معرضاً علمياً ليزداد علماً باختصاصه، أنت حينما يتضح هدفك تُرشَد إلى الوسائل المعينة على تحقيق هدفك، لذلك أول حقيقة: لا تصح حركة الإنسان في الحياة إلا إذا عرف سرّ وجوده وغاية وجوده.
1 – معرفة الهدف في الحركة اليومية:
شيء ثان؛ متى يسعد؟ يسعد إذا جاءت حركته في الحياة وفق الهدف الذي رسمه لنفسه، الدليل؛ طالب على مشارف امتحان مصيري، له أصدقاء يحبونه ليسوا في الجامعة، لهم أعمال حرة، أرادوا أن يأخذوه معهم إلى متنزه جميل، هو يحبهم، ويحبونه، والمكان جميل جداً، والطعام فاخر، والمناظر رائعة، لكنه على مشارف امتحان مصيري، إذا أخذوه مُرغماً لماذا يشعر بضيق شديد؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه، يشعر بانقباض، هذا الطالب لو قبع في غرفة مظلمة، وقرأ الكتاب المقرر، وفهمه، واستوعبه يشعر براحة كبيرة جداً، من أين تأتي الراحة؟ حينما تأتي الحركة مطابقة للهدف.
إذاً أنت تصح حركتك إذا عرفت سرّ وجودك، وأنت أيضاً تسعد إذا جاءت حركتك مطابقة لهدفك، هذه كلها مُسَلّمات.
2 – حرصه على حبّ وكمال وسلامةِ واستمرارِ وجودِه:
أيها الإخوة؛ من الثابت أيضاً أن الإنسان مفطور أو مجبول أو بالتعبير المعاصر مُولَّف على حبّ وجوده، اعترفت بهذا أم لم تعترف، أأقررت بهذا أم لم تقر، مفطور مجبول على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، أي لا يوجد شخص من بين الستة آلاف مليون إنسان على وجه الأرض في القارات الخمس إلا وهو حريص حرصاً لا حدود له على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، و على حبّ استمرار وجوده، مَن منا يتمنى المرض؟ من منا يتمنى الفقر؟ من منا يتمنى أن يفقد حريته؟ أبداً، هذه قواسم مشتركة في الأرض:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾
الفطرة واحدة، الخصائص واحدة، الأهداف واحدة.
1 – بمعرفة علاقة المعصية بنتائجها:
لذلك أيها الإخوة؛ أنا متى أُحقق سلامة وجودي؟ أنت أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة البالغة التعقيد صانع حكيم، صانع خبير، ومع هذا الصانع تعليمات التشغيل والصيانة، فأنت انطلاقاً من حبك لذاتك، من حبك لوجودك، من حبك لسلامة وجودك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع:
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15)﴾

أنت حينما تنطلق من أن تعليمات الصانع فيها نتائجها، وأن المعصية فيها نتائجها، وأن العلاقة بين الأمر ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، وأن العلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة.
للتوضيح؛ أنت حينما تُنهَى عن أن تقترب من خط التوتر العالي، إذا اقتربت لا يوجد داع إلى الشرطة، ولا إلى الضابطة القانونية، ولا إلى تسطير مخالفة، التيار نفسه يعاقبك، إذا اقتربت من التيار إلى مسافة أقل من ثمانية أمتار يصبح الإنسان قطعة من الفحم، إذاً القضية ليست مخالفة ضُبِطت، ولا إنسان وضع نظاماً حاسَبَك، الأمر أعقد بكثير، لذلك حينما تؤمن أن العلاقة بين الأمر ونتائجه، وبين النهي ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة تستقيم على أمر الله طلباً للسلامة.
لعل هذا الدرس من دروس المقدمات، مقدمات العقيدة، العلاقة بين الأمر والنهي علاقة علمية، قد تكون علاقة وضعية.
أحياناً بلد بدافعٍ من حفاظه على قوة عُملته يمنع تحويل العملة، فلو أن مواطناً حمل معه عملة صعبة وغادر بها يُحاسب حساباً شديداً، في بلاد أخرى لا يُحاسَب، إذاً نقول: هناك علاقة وضعية، أولو الأمر ارتأوا أن يُحاسِبوا من يُخرج العملة الصعبة من بلده، العلاقة بين المعصية ونتائجها علاقة وضعية، ليست علمية.
لو أن أباً منع ابنه أن يستخدم هذا الباب، يوجد للبيت بابان، منع ابنه من استخدام الباب الأول، وسمح بالباب الثاني، لو أن ابنه استخدم الباب الأول، هو الباب من أجل الخروج، لكن الأب منع ذلك، نقول: العلاقة بين المنع والعقاب علاقة وضعية، الأب وضَعها، لذلك معظم القوانين علاقة وضعية، لكن أوامر الشرع علاقة علمية، أي كل أمر فيه بذور نتائجه، وكل نهي فيه بذور نتائجه، أنت بهذا تكون فقهياً، الفقيه إذا رأى لوحة كُتِب عليها: ممنوع التجاوز حقل ألغام، لا يحقد على واضع اللوحة، ولا يراها حدّاً لحريته، بل يراها ضماناً لسلامته.
2 – طاعة الخالقِ الخبير العليم:
لذلك أيها الإخوة؛ تتحقق سلامة وجودك حينما تطيع الخبير:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
خبير بسلامتك، خبير بسعادتك، خبير بنشاطك، خبير بمآلك، إذاً سلامة الوجود يُحققها اتباع تعليمات الصانع، أي افعل ولا تفعل، لذلك المؤمن يقول أحياناً: أنا لا أكذب، جيد، يُطبق تعليمات الصانع، أنا لا أغتاب، جيد جداً، أنا لا آكل المال الحرام، جيد جداً، لكن الاستقامة طبيعتها سلبية، أكثر كلمات الاستقامة مسبوقة بما النافية، ما آكل مالاً حراماً، بارك الله، ما أكذب، ما أغش، ما أغتاب، ما أزني، ما أشرب خمراً، ما أقتل، جيد، فالسلامة تحتاج إلى استقامة:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)﴾
﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ .
الآن أنت مفطور على حبّ وجودك، وعلى حبّ سلامة وجودك، وعلى حبّ كمال وجودك، كمال الوجود يحتاج إلى قُرب من الله، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾
أي لا يوجد طريق للسعادة إلا أن تكون قريباً من الله:
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾
والله قرأت بحثاً عن أربعمئة إنسان، دراسة مُطولة مُجهدة عن أربعمئة إنسان في قمم النجاح أكثرهم انتحر، لأنه أراد الدنيا فقط، ونسي الآخرة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ لذلك أحد كبار المهندسين في العالم صمم جسر استنبول الأول الذي يربط قارتي آسيا وأوروبا، وهذا الجسر يعبره في اليوم ثلاثمئة ألف سيارة، في أثناء افتتاح الجسر ألقى بنفسه بالبوسفور، فذهبوا إلى غرفته في الفندق إذا ورقة كُتِب عليها: لقد ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً فأردت أن أذوق طعم الموت.
حياة من دون معرفة الله حياة جوفاء، حياة تافهة، حياة لا قيمة لها، لذلك مساكين أهل الدنيا جاؤوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾
ذاقوا طعمها في الدنيا:
فلو شاهدت عيناك مـن حسننــا الذي رأوه لمـا وليت عنا لغيرنــــا
ولو سمعت أذناك حُسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــا
ولـو ذقت من طعم المحبـة ذرة عذرت الذي أضـحى قتيلاً بحبنـــا
ولـو نَسَمت من قربنا لك نسمـة لمتّ غـريباً واشتيــاقــــاً لقربنــــا
السعادة الحقيقية هي الاتصال بالله:
أيها الإخوة الكرام؛ السعادة الحقيقية أن تتصل بالله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ ، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ هذه حقيقة، البطولة أن تكشفها في مقتبل العمر، لا أن تكشفها في نهاية العمر، يوم:
﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)﴾
خيار الناس مع الإيمان خيار وقت:
إخوتنا الكرام؛ خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، أنت معك مليون خيار قبول أو رفض، قد ترفض هذه الوظيفة لضآلة دخلها،

وقد ترفض هذه الزوجة، أو هذه الفتاة إذا خطبتها، لأن ثقافتها لم تعجبك، وقد ترفض هذا البيت لصغر مساحته، لكنك إذا رفضت الإيمان تحتقر نفسك:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)﴾
خيارك مع الإيمان خيار وقت، الدليل أكفر كفار الأرض حينما أدركه الغرق:
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
قال:
﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)﴾
فنحن خيارنا مع الإيمان خيار وقت.
الإنسان يسلم باستقامته ويسعد بعمله الصالح ويستمر بتربية أولاده:
إذاً سلامة الوجود باتباع تعليمات الصانع، وكمال الوجود بالتقرب إلى الله، بقي الشيء الثالث، واستمرار الوجود بتربية الأبناء،
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. ))
فإذا أنت أردت الاستمرار، أنا مرة توفي أحد خطباء دمشق الكبار، كان خطيباً بالأموي، وأُجري له حفل عزاء كبير في الجامع الأموي، في آخر يوم اعتلى ابنه المنبر، وألقى خطبة كأبيه، فقلت في نفسي: والله لم يمت أبوه إذاً، ما مات، صار هناك استمرار، أنت ممكن أنت حينما تتزوج، وتنجب الأولاد كما قال سيدنا عمر: والله أقوم إلى زوجتي وما بي من شهوة إلا ولداً صالحاً أرجو الله أن ينفع الناس من بعدي.
أنت حينما تتزوج، وتفكر أن يكون أولادك أولاداً صالحين، والحديث الشريف يؤكد هذا المعنى: ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)) فأنت تحقق سلامتك بطاعة الله، وتحقق سعادتك بالتقرب منه، التقرب من الله إيجابي، يا ربي بالاستقامة: أنا ما كذبت، ما، ما غششت، ما اغتبت، ما سرقت، ما خنت، كلها ماءات، هذه غير ماءات الصوديوم، ماءات، لكن بالعمل الصالح: يا رب أنا بذلت، أنا دفعت من مالي، بذلت من وقتي، بذلت من جهدي، جئت إلى مجلس علم، أنا أجلس في البيت مرتاحاً، على أريكةٍ مريحة، وهناك شاي، وهناك قهوة، وهناك ضيافة، وهناك فواكه، وأولادي أمامي، وزوجتي أمامي، لكن أنا جئت إلى المسجد، وركبت ساعة بالسيارة، والدرس ساعة، والعودة ساعة، من أجل أن أطلب العلم يا رب، فلذلك التقرب من الله إيجابي، ليس فيه ماءات، يا رب أنا حضرت درساً، أنا بذلت علماً، أنا ألّفت كتاباً، أنا أسست جمعية، أنشأت ميتماً، أنشأت مستوصفاً، أنا أعنت على الخير، أنا بنيت مسجداً.
لذلك أيها الإخوة؛ تسلم باستقامتك، وتسعد بعملك الصالح:
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)﴾
وتستمر بتربية أولادك، إن أردت أن تستمر ربِّ ولداً يدعو لك من بعدك، ربِّ ولداً صالحاً:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي ألحقنا بهم أعمال ذريتهم ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
أيها الإخوة الكرام؛ من أجل أن نعلم قيمة المنهج قال تعالى:
﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)﴾
بالترتيب يوجد سؤال كبير، أيُعقل أن يُعلَّم الإنسان القرآن قبل أن يُخلَق؟ ﴿الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ لا، غير معقول، لكن علماء التفسير قالوا: هذا الترتيب ترتيب رُتبي، لا ترتيبًا زمنيًا، أي لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، والمثل واضح جداً، آلة بالغة التعقيد، غالية الثمن، عظيمة النفع، استوردتها، وهناك خطأ بالاستيراد، لم يُرسَل لك تعليمات التشغيل والصيانة، إن استخدمتها من دون تعليمات تتلفها، وتخسر ثمنها، وإن جمدتها خوفاً على سلامتها عطّلت ثمنها، أليست تعليمات المعمل الصانع أهم منها؟ ﴿الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْآنَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ .
كل مصيبة ومعصية بسبب الجهل والخروج عن تعليمات الخالق:
أؤكد لكم أيها الإخوة؛ أنه ما من مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن تعليمات الصانع، وما من خروج عن تعليمات الصانع إلا بسبب الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علِم فقد جهِل، طالب العلم يُؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يُؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
مرة دخلت إلى ثانوية في دمشق من أقدم الثانويات، درّست فيها سنوات طويلة، كُتِب في مدخلها لوحة بخطّ أكبر خطاط: رتبة العلم أعلى الرتب.
إذاً أيها الإخوة، ما من إنسان في الستة آلاف مليون على وجه الأرض إلا وهو يتمنى السلامة والسعادة، وقد فُطِر كل إنسان على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، سلامة الوجود بطاعة الله، بالاستقامة على أمره، وكمال الوجود بالقرب منه، واستمرار الوجود بتربية ولد صالح ينفع الناس من بعدك، ويكون استمراراً لك.
عبادة الله وحده علة وجود الإنسان على سطح الأرض:
الآن ما علة وجودنا في الأرض؟ في البداية قلت: حينما تعرف سرّ الوجود تصح الحركة، ما علة وجودنا على سطح الأرض؟ نفتح القرآن الكريم، يقول الله عز وجل:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
العبادة علة وجودنا على سطح الأرض، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ فعلة وجودنا العبادة، أنت حينما تعبد الله حققت الهدف من وجودك.
ولكن العبادة مفهوم يتسع كثيراً جداً، ويضيق، يضيق عند الجهلة إلى أن يُتوهم أداء الصلوات والصيام والحج والزكاة، ويتسع، ويتسع، ويتسع إلى أن يصبح منهجاً كاملاً لكل شؤون الحياة، يبدأ من فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية، منهج كامل، وأي إنسان يتوهم العبادة أنه صلى، وصام، وحجّ، وزكّى فهو واهم أشدّ الوهم.
منهج الله عز وجل لا أريد أن أبالغ قد يصل إلى خمسمئة ألف بند، منهج الله يدور معك في كل أوقاتك، وفي كل شؤون حياتك، إن دخلت إلى البيت هناك سنة نبوية، دعاء خاص، إن جلست إلى الطعام، إذا نظرت إلى الزوجة، إذا نظرت إلى نفسك في المرآة: اللهم كما حسنت خَلقي فحسن خُلقي، إذا خرجت من البيت: اللهم إني أعوذ بك أن أَضل أو أُضل، أو أَذل أو أُذل، أو أجهل أو يُجهل علي، إذا قمت بعمل جراحي وأنت طبيب: اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين.
كل حركةٍ في الحياة منوطة بحكم شرعي:
يوجد عندنا أمر فرض، أمر واجب، أمر ندب، أمر استحباب، أمر تحسين، عندنا شيء مباح، عندنا شيء مكروه تنزيهاً، شيء مكروه تحريماً، شيء حرام، ما من حركة، ولا سكنة، ولا نشاط، ولا صلة، ولا قطع، ولا غضب، ولا رضا إلا يغطّيه حكم فقهي.

لذلك طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، كيف تطيع الله إن لم تعرف أمره ونهيه؟ أي حضور مجلس علم لمعرفة الأمر والنهي ليس شيئاً لك الخيار فيه، لابد من طلب العلم، أي الذي ينزل بالمظلة يمكن أن يجهل شكل المظلة، يا ترى دائري؟ بيضوي؟ مربع؟ مستطيل؟ يمكن أن يجهل نوع القماش، خيوط صناعية أم طبيعية، يمكن أن يجهل كم عدد الحبال، والحبال ما نوع خيوطها؟ وما ألوان الحبال؟ وهناك عشرات المعلومات والمعطيات في المظلة قد يجهلها المظلي، لكنه إذا جهل شيئاً واحداً ينزل ميتاً، طريقة فتحها، طريقة فتح المظلة علم ينبغي أن يُعلَم بالضرورة، تقود مركبة قد تجهل من أي مادة صنعت المكابح، كيف جُعلت هذه المركبة انسيابية الخطوط؟ يا ترى ضغط؟ صب؟ تطريق؟ كيف صُنع المحرك؟ ما آلية المحرك؟ قد تجهلها كلياً لكن كيف توقف المركبة مستحيل أن تجهل هذه الحقيقة وإلا حادث محقق، إقلاع المركبة، إيقاف المركبة، انحراف المركبة، هناك أشياء يجب أن تُعلم بالضرورة، لا خيار لك فيها.
أؤكد لكم أنت قد تكون طبيباً تحمل أعلى شهادة بورد بأمريكا، ببريطانيا FRS أعلى شهادة طب، بفرنسا( أكريجي)، عندنا بورد عربي، قد تحمل أعلى شهادة وأنت في الدين أمي، كما أن عالم الدين إذا أطلعته على تخطيط قلب هو أمي، لا أعرف، خطوط، لكن الطبيب يفهم من الخطوط كل شيء، إذاً لو معك شهادة علمية قد تكون في الدين أمياً.
إذاً هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة، وهذا العلم فرض عين على كل مسلم، أما في تاريخ التشريع الإسلامي فرض كفاية، الفقه المقارن فرض كفاية، أدلة الفقهاء الكبار فرض كفاية، علم التجويد فرض كفاية، علم الفرائض فرض كفاية، أما كيف تؤدي الصلوات الخمس؟ كيف تصوم؟ كيف تحج؟ كيف تبيع؟ كيف تشتري؟ كيف تتزوج؟ حقوق الزوجة، حقوق الزوج، هناك جزء وكم كبير من الدين يجب أن يُعلم بالضرورة تماماً كطريقة فتح المظلة، إن لم تعلم فتح المظلة ينزل الإنسان ميتاً، إنسان مظليّ بلغوه أن أول زر يضغطه تفتح، إذا ما فتحت هناك زر آخر تضغطه تفتح، إذا ما فتحت هناك زر ثالث، وعندما تنزل إلى الأرض تجد سيارة تأخذك للثكنة، كبس أول زر ما فتحت، الثاني ما فتحت، الثالث ما فتحت، قال: أحلى ألا نجد سيارة أيضاً.
إذاً هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة، هذا علم أركان الإيمان، وأركان الإسلام، والقسم الفقهي المتعلق بشؤونك الشخصية وبحرفتك، أنت تاجر أحكام البيع والشراء، أنت محامٍ، أو طبيب، أو مُدرِّس، أحكام الجُعالة أن أجر الطبيب يأخذه لا على الإنجاز، لا يوجد مُغَسّل ويضمن الجنة، يأخذه على بذل العناية فقط، كل حرفة لها أحكام معينة، فما لم تطلب الأحكام الشرعية تقع في المعاصي والآثام، ومن دخل السوق من غير فقه أكل الربا شاء أم أبى، طلب العلم ليس شيئاً ترفاً، شيء مصيري، بعد الموت يوجد جنة ويوجد نار، لماذا قدم الله الموت على الحياة؟ قال تعالى:
﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾
لأن خيارات الإنسان عندما يولد مليار خيار أمامه، يا ترى سيكون مهندساً أم طبيباً أم طياراً؟ إنسان بقرية حدودية، دخل موجه تربوي إلى مدرسة ابتدائية، وأوقف طالباً، رآه نبيهاً، قال له: أنت يا بني حينما تكبر ماذا تحب أن تكون؟ هناك جواب تقليدي: طبيب أستاذ، طيار، ضابط، عالم، قال له: مُهَرب.
إذاً أيها الإخوة؛ هناك علم يجب أن يُعلم بالضرورة هو العلم الديني، أركان الإيمان، أركان الإسلام، كتاب الله، تفسير كتاب الله، تفسير حديث رسول الله، نحن في ذكرى المولد مثلاً، قال تعالى:
﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾
كيف نأتمر بما أمرنا وكيف ننتهي عما عنه نهانا إن لم نعرف ما الذي أمرنا؟ وما الذي عنه نهانا؟ إذاً طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، أنت عرفت الله، كيف تطيعه؟ يجب أن تعلم أمره، فلذلك قضية معرفة الأحكام الشرعية شيء أساسي، جزء أساسي من حياتك، ليس من باب الترف، ولا من باب تمضية أوقات الفراغ، شيء أساسي.
أيها الإخوة؛ هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً جداً هو أنه لابد من طلب العلم، أنت راكب مركبة، تألق ضوء أحمر في لوحة البيانات، دقق؛ إن فهمت هذا التألق تألقاً تزيينياً احترق المحرك، وتوقفت المركبة، وألغي السفر، وتعطّل الهدف، ودفعت خمسين ألفاً بأسعار اليوم، أما لو علمت أن هذا التألق تألق تحذيري لا تزييني أوقفت المركبة، أضفت الزيت، سَلِم المحرك، تابعت السير، حققت الهدف، هذا الكلام دقيق جداً.
الآن المشكلة مع التواصل الإعلامي ما يحدث في أي مكان بالعالم يصل إليك بدقائق، الآن البطولة لا أن تطّلع على ما يجري، البطولة أن تُحْسِن فهم ما يجري، في وقت مضى كان أهم شيء أن تصل إلى الخبر، قديماً جداً كان الناس يقفون على أبواب المدن ينتظرون الركبان، الآن هناك تواصل إعلامي مذهل، هناك ثورة إعلامية، كل شيء يقع تراه بعد دقائق، الآن البطولة لا أن تطّلع على الذي وقع، أن تفهم سرّ الذي وقع، تماماً كضوء الزيت تألق، البطولة لا أن تقول: لقد رأيته قد تألق، طبعاً رأيته، تألق فعلاً، البطولة أن تعلم لماذا تألق؟ هل هو ضوء تزييني أم ضوء تحذيري؟ هنا المشكلة، إذاً لابدّ من طلب العلم.
حقيقة الإنسان أنه بضعة أيام:
لابد من أن تبحث عن الحقيقة، لذلك حينما قال الله عز وجل:
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

أي كل إنسان خاسر لا محالة، لماذا؟ لأن مضي الزمن يستهلكه، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة، أنت بضعة أيام.
والله أيها الإخوة؛ ما وجدت تعريفاً جامعاً مانعاً شافياً مُحكَماً للإنسان كهذا التعريف: بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، أبداً، فالبطولة لا أن تَعُدّ العمر عدّاً تصاعدياً، لا أن تقول: لقد بلغت الستين، يجب أن تقول كلاماً مزعجاً: كم بقي لي؟ إذا مضى الذي مضى كلمح البصر في الأعم الأغلب يمضي الذي بقي كلمح البصر، فجأة النعوة على الجدران، كان شخصاً فأصبح خبراً.
مرة كنت بطائرة من المغرب إلى دمشق، في تونس وقفت بعض الوقت، كانت نافذتي على مكان البضائع أنزلوا نعشاً، هذا سافر على مقعد وكان راكبًا، ومعه بطاقة طائرة، ومعه جواز سفر، صار بضاعة، له منافيست، كان شخصاً فأصبح بضاعة، تخليص جمركي، وهناك وثائق، لذلك أيها الإخوة؛ البطولة أن تعُدّ العمر عداً تنازلياً.
كل إنسان خاسر إلا من بحث عن الحقيقة وعمل وفقها:
الآن: ﴿وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا﴾ من هو الذي ينجو من الخسارة؟ ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي ابحث عن الحقيقة، واعمل وفقها، وادعُ إليها، واصبر على البحث عنها، والعمل بها، والدعوة إليها تنجو من الخسارة: ﴿وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
نحن مادامت علة وجودنا عبادة الله عز وجل ففي اللقاء القادم إن شاء الله الحديث عن حقيقة العبادة، وأنواع العبادة، ومستويات العبادة، والعبادة التعاملية والشعائرية، وما إلى ذلك.
الملف مدقق