الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الرابع من دروس العقيدة والإعجاز، وقد أنهينا في الدرس الماضي مفهوم العبادة الواسع، وكيف أن العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية، وكيف أن العبادة تدور مع الإنسان في كل شؤون حياته، وفي كل أوقاته، وفي كل أماكنه، وفي كل حركاته وسكناته، وبينت أن هناك عبادة شعائرية كالصلاة والصوم والحج، وأن هناك عبادة تعاملية كالصدق والأمانة والعفة، ثم بيّنا عبادة الهوية، الغني له عبادة متميزة، والعالم له عبادة متميزة، والحاكم له عبادة متميزة، والمرأة لها عبادة متميزة، وأن هناك عبادة الظرف، عندك ضيف، عندك قريب مريض، عندك ابن على مشارف الامتحان، وهناك عبادة العصر، إن أراد الطرف الآخر إفقارنا فالعبادة استخراج الثروات، واستصلاح الأراضي، وتأمين المشاريع كي نكفي الأمة عن أن تستجدي من جهات لا ترضي الله، وبينت أيضاً كيف أن العبادة عبادة العصر والظرف والهوية، وهذه عبادات هي منهج تفصيلي يبدأ من العلاقات الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية.
الآن ننتقل إلى موضوع جديد ألا وهو أن الله عز وجل حينما كلفنا أن نعبده أعطانا مقومات التكليف، ما مقومات التكليف؟ أي أعبده بماذا؟
قلت في لقاء سابق: نحن بالكون نعرفه، وبالشرع نعبده، المقوم الأول من مقومات التكليف، وسوف نمضي بها إن شاء الله دروساً كثيرة، لكن في هذا الدرس سوف أجمع كل المقومات كموجز، والتفصيلات تأتي في دروس قادمة.
الثابت الأول، الشيء الذي لا يختلف عليه اثنان في الأرض هو هذا الكون، الشمس شمس، القمر قمر، الليل ليل، النهار نهار،

الجبال، البحار، البحيرات، الأنهار، الأسماك، الأطيار، النباتات، الجمادات، المعادن، أشباه المعادن، المخلوقات، هذا الكون هو الثابت الأول، ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، هذا الكون قرآن صامت، هذا الكون يمكن أن يقرأ فيه أي إنسان، عربيًا كان أو غير عربي، هذا الكون لا يختلف عليه اثنان، هذا الكون ينتفع به كل إنسان، لذلك يُعَدّ الكون أكبر ثابت من ثوابت الإيمان، الكون يدل على الله، في الكون حكمة تدل على الحكيم، في الكون رحمة تدل على الرحيم، في الكون تسيير يدل على المُسيّر، في الكون مخلوقات تدل على الخالق، في الكون لطف يدل على اللطيف، في الكون جمال يدل على الجميل، كأن هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، وهذا الكون ثابت متفق عليه، الكل يخضع له، لذلك في عصور الاضطرابات العقدية، في عصور الفتن والضلالات يبقى الكون هو الثابت الأول، مهما يكن الإنسان معانداً أو عنيداً أو مستكبراً كيف لا يخضع لآيات تأخذ بالألباب؟ كيف لا يخضع لمجرة تبعد عنا عشرين مليار سنة ضوئية؟ وأن الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر، كم يقطع في الدقيقة؟ كم يقطع في الساعة؟ كم يقطع في اليوم؟ كم يقطع في الشهر؟ في السنة؟ في العشرين مليار سنة؟
المــاء آية من آيات الله الدالة على عظمته:
﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)﴾

في هذا الماء خاصة لولاها لما كان هذا الدرس، بل لما كان هذا المسجد، لما كانت هذه المدينة، لما كان هذا البلد، لما كان إنسان على وجه الأرض، بهذا الماء، الماء شأنه كشأن أي عنصر بالتسخين يتمدد، بالتبريد ينكمش، لو بردناه ينكمش وينكمش إلى درجة زائد أربع، تنعكس الآية بآلية مذهلة يزداد حجمه، فإذا ازداد حجمه قلّت كثافته، فإذا قلّت كثافته طفا على سطح الماء، وامتنعت البحار أن تتجمد، لكن لو أنه تَابَعَ انكماشه لزادت كثافته فغاص في أعماق البحر، لتجمدت البحار، لانعدمت الأمطار، لمات النبات، لمات الحيوان، لمات الإنسان، خاصة في الماء.
أيها الإخوة؛ والله الذي لا إله إلا هو يمكن أن نمضي كل أعمارنا في التفكر في خلق السماوات والأرض، هذا الإله العظيم يُعصى؟ ألا يُخطب وده؟ ألا تُرجى جنته؟ ألا تُخشى ناره؟ لذلك الكون شيء ثابت، هذه الجبال مَن نصبها؟ من جعل في قمم الجبال ينابيع ماء؟ ما معنى ينبوع ماء في قمة الجبل؟ لابدّ من أن يكون هناك تمديدات لجبل أعلى من أجل الوعول التي تعيش في قمم الجبال،

في بعض البلاد إندونيسيا سبعة عشر ألف جزيرة، في كل جزيرة نبع ماء يتناسب مع مساحتها، وأمطار الجزيرة لا تكفي لإمداد هذا النبع، يأتي هذا الماء من اليابسة من منطقة واسعة جداً فيها أمطار غزيرة، مَن مدّد هذه التمديدات؟
التفكُر في الكون عبادةٌ:
والله أيها الإخوة؛ نحن إذا تفكّرنا في خلق السماوات والأرض نوضع وجهاً لوجه أمام عظمة الله، الكون كله ينطق بوجوده، وبوحدانيته، وبكماله، وحينما يتيه الإنسان في القيل والقال، يتيه الإنسان في التمزقات العقدية، في الضلالات، في اختلافات لا تنتهي، الكون هو الثابت الأول، الذي خلق الأكوان إله عظيم، كامل كمالاً مطلقاً، الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، قال تعالى:
﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)﴾
لذلك ما من عبادة أعظم من عبادة التفكر، التفكر هو السبيل إلى الله، بل إن التفكر بآيات الله، بآياته الكونية، وبآياته التكوينية، وبآياته القرآنية، آياته الكونية هي الكون، معظم السور المكية تبدأ بآيات كونية:
﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)﴾
﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3)﴾
﴿ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ(5)﴾
آيات كثيرة تدعونا بأمر واضح صارخ:
﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)﴾
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)﴾
﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾
﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)﴾
الآيات كثيرة تبدأ بـ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ .
آيات الكون في القرآن الكريم منهج لنا:
أيها الإخوة الكرام؛ آيات الكون في القرآن الكريم منهج لنا، رؤوس موضوعات للتفكر، هذا الماء من يخزنه لك في الجبال؟ قال تعالى:
﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾
لنا وقفة متأنية عند الكون، ولكن في هذا الدرس نسير على مقومات التكليف سيراً سريعاً، الكون الثابت الأول، الكون لا يختلف عليه اثنان، الكون أهل الأرض قاطبة معجبون بعظمة خالقه، لذلك هذا الكون-دققوا-سُخِر للإنسان، يوم حمل الإنسان الأمانة:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾
يوم قَبِل الإنسان حمْلَ الأمانة سخّر له ربه ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، لأنك من بني البشر أنت المخلوق الأول، الأول رتبة، مَن عرف نفسه عرف ربه، لأنك من بني البشر، لأنك إنسان أنت سيد البشر، أنت المخلوق الأول، ولكن هذا المخلوق الأول إما أن يكون فوق الملائكة، وإما أن يكون دون الحيوان، رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، رُكِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، رُكِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾
خير ما برأ الله.
أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟
أتعلم أنك إن عرفت ربك فوق الملائكة؟!
أيها الإخوة؛ الله عز وجل له آيات كونية ينبغي أن نتفكر بها، وله آيات تكوينية، أي أفعاله ينبغي أن ننظر إليها، الآية الكريمة تؤكد هذا المعنى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾
الذين وقفوا في خندق مُعادٍ لرسول الله وأصحابه أين هم؟ في مزبلة التاريخ، الذين وقفوا معه أين هم؟ في أعلى عليين، هؤلاء الذين أرادوا إلغاء الإسلام أين هم؟ أي آلاف الطغاة الذين أرادوا إلغاء الإسلام ماتوا والإسلام باق، حتى قال بعض العلماء الأجانب: أنا لا أستطيع أن أتصور أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشدّ الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام.
كل النظم الوضعية أصبحت في الوحل، ولم يبقَ على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام ملاذ الجميع.
بالكون نتفكر وبأفعال الله ننظر:
أيها الإخوة؛ بالكون تتفكر، وبأفعال الله تنظر، أي تصوروا حالات حادة جداً، فرعون الجبار، الطاغية، الحاقد، القوي، جيش عرمرم، أسلحة فتّاكة، حقد دفين، يتبع شرذمة من أتباع سيدنا موسى، فإذا بهم أمام البحر، هل مِن أمل؟ إطلاقاً، الأمل صفر، و:
﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾
والله أيها الإخوة؛ كلمة لا أرتوي من تردادها، إذا كان الله معك فمن عليك؟ من يستطيع في الكون أن ينال منك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ شيء لا يوصف، يصعب تصوره، لذلك:
كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعـك
وإذا أعطاك من يمنعه؟ ثم من يعطي إذا ما منعك؟
﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
إذاً سيدنا موسى ضرب البحر فأصبح طريقاً يبساً، هذه القصة لمن؟ له أم لنا؟ لنا، القرآن نزل بعد سيدنا موسى، هي لنا، إياك أن تيأس، إياك أن تتطامن، إياك أن تُحِسّ بالإحباط، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾
الموقف الصحيح من الآيات الكونية والتكوينية والقرآنية:
إذاً في آياته الكونية نتفكر، وفي آياته التكوينية ننظر، وفي آياته القرآنية نتدبر، تفكّر، وانظر، وتدبر تعرف الله، إن عرفته عرفت كل شيء، إن وصلت إليه وصلت إلى كل شيء، إن نلت رضاه نلت كل شيء.
لذلك أقول دائماً كلمة مؤثرة: يا رب ماذا فقدَ من وجدك؟ ما فقد شيئاً، وماذا وجد من فقدك؟ لم يجد شيئاً، أموال لا تأكلها النيران، بيوت، مركبات منوطة بدقات القلب، فإذا توقف القلب انتهى كل شيء، فَقَد كل شيء، خسر كل شيء، قال تعالى:
﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)﴾
إذاً في الآيات الكونية نتفكر، في الآيات التكوينية ننظر، في الآيات القرآنية نتدبر، طريق معرفة الله طريق آياته الكونية والتكوينية والقرآنية، وأصل الدين معرفته، وابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحبّ إليك من كل شيء، الكون ثابت، ألف وثلاثمئة آية في القرآن الكريم تتحدث عن الكون، سدس القرآن الكريم يتحدث عن الكون، من أجل أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، الآية الأصل في هذا الباب:
﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾
المقوم الأول هو الكون، وهو الثابت الأول، ولا خلاف عليه إطلاقاً بين شعوب الأرض، وبإمكان أي إنسان في الأرض أن يقرأ في الكون، قال تعالى:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
المقوم الثاني الله عز وجل أعطانا العقل، قال تعالى:
﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)﴾
أعطاك ميزاناً، أي إنسان للتقريب لا يملك من الدنيا إلا بيتاً، لكنه غالٍ جداً، وباعه بعملة صعبة، ومعه في جيبه الأول جهاز يكشف له العملة المزورة، ومعه في الجيب الثاني أوراق فيها أرقام العملة المزورة، وباع البيت بعملة صعبة، ولم يستخدم الجهاز، فإذا بالعملة مزورة، هو خاسر خسارة كبيرة جداً، لكنه هو السبب، لم يستخدم جهاز كشف العملة المزورة، كما أنه لم يقرأ أرقام العملة المزورة، الأرقام هي الشرع، والجهاز هو العقل، فلذلك العقل ثاني أكبر مقوم من مقومات التكليف، العقل مناط التكليف.
مبادئ العقل السببية والغائية وعدم التناقض:
العقل جهاز بالغ التعقيد مبني على مبادئ ثلاث، مبني على مبدأ السببية، ومبدأ الغائية، ومبدأ عدم التناقض، أي أنك أيها الإنسان من خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً من دون سبب أبداً، ومن خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً من دون غاية، ومن خلال عقلك لا يمكن أن تفهم شيئاً متناقضاً،

إنسان حاضر وغائب بوقت واحد في دمشق وحلب، مستحيل، هذا هو العقل، لكن الشيء الدقيق أن نظام الكون نظام سببي، في عالم الكون لا شيء يحدث بلا سبب، ولا شيء يحدث بلا غاية، وليس في الكون تناقض، وعقلك مبدأ السببية، والغائية، وعدم التناقض، إذاً العقل هو المقوم الثاني.
دورُ العقل في معرفة الله:
لكن ما دور العقل في معرفة الله؟ العقل له مهمتان، أصل الدين هو النقل، الوحي المتلو القرآن، والوحي غير المتلو السنة، أصل الدين معرفة الله، العقل قبل النقل مهمته التأكد من صحة النقل، وبعد النقل مهمته فهم النقل، لكن الأصل في الدين أنه نقل، لن يكون العقل حكَماً على النقل، أي العقل قبل خمسين سنة لا يُصَدِّق أن قرصاً فيه سبعة آلاف كتاب، وكل كتاب أو كل عنوان أربعون جزءاً، وكل جزء أربعمئة صفحة، وكل صفحة فيها ثمانون سطراً، وكل سطر يوجد فيه خمس وثلاثون كلمة، وكل كلمة خمسة حروف، وكل حرف مُشكّل، قرص واحد فيه سبعة آلاف عنوان، العقل مرتبط بالواقع، أما الوحي مرتبط بالخالق، فلذلك الأصل هو الوحي، والعقل للتأكد من صحة النقل أولاً، ولفهم النقل ثانياً.
العقل متطابق مع قوانين الكون:
أروع ما في الموضوع أن العقل متطابق تماماً مع قوانين الكون، ولولا هذا التطابق لا قيمة للعقل إطلاقاً، الكون لكل شيء سبب، ولكل شيء غاية، ليس في الكون تناقض، وعقلك لا يفهم شيئاً بلا سبب، للتقريب سافرت إلى اللاذقية، أطفأت الأنوار، أرتجت الباب، ليس مع أحد في الشام مفتاح هذا البيت إطلاقاً، عدت بعد أسبوع رأيت المصابيح متألقة، لماذا ترتعد فرائصك؟ مثلاً لو دار حوار غير ذكي بين الزوج وزوجته، قال لها: المصابيح متألقة؟! قالت له: أطفئهم، ليس الموضوع في إطفائهم، مَن دخل إلى البيت في غيبتي؟ لا يمكن أن تصدق أن المصابيح تألقت بذاتها، هكذا العقل، فالعقل مناط التكليف، والعقل أداة معرفة الله، ومبادئ العقل متناسقة مع مبادئ الكون، لذلك:
﴿ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68)﴾
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾
أفلا يتفكرون.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)﴾
﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154)﴾
هكذا، لكن العقل-الآن دققوا-بالضبط كهذه العين، هذه العين لو أنها ترى بأعلى درجة، اثنتا عشرة على عشر، وليس هناك ضوء، لا قيمة لهذه العين، والعقل من دون وحي لا قيمة لهذا العقل، العين والضوء يتكاملان، والعقل والوحي يتكاملان، الوحي للعقل كالضوء للعين، لذلك العقل من دون وحي، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾
العقل يحتاج إلى وحي، أو أي شيء عجز العقل عن إدراكه أخبرك الله به، هذا العقل، المقوم الثالث هو الفطرة، أنت لك خصائص، إذاً العقل مناط التكليف، والعقل أداة معرفة الله، والعقل مهمته قبل النقل للتأكد من صحة النقل، وبعد النقل لفهم النقل، ولن يكون العقل حكماً على النقل.
الفطرة متوافقة مع منهج الله:
المقوم الثالث الفطرة، لك فطرة، قال تعالى:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾
بنيتك النفسية متوافقة توافقاً تاماً مع منهج الله، بمعنى أي أمر أمرك الله به ترتاح نفسك إذا طبقته، تماماً كمركبة من أغلى الأنواع، لكنها مصممة للطريق المُعبد، فإذا سِرت بها في طريق وعر تكسرت، ولم تلبِّ حاجتك، لأنها مصممة لطريق معبد، فأنت مصمم لمنهج الله، فإذا طبقت منهج الله شعرت بسعادة لا توصف، الله أمرك أن تكون صادقاً، فإذا صدقت تُحِس براحة كبيرة جداً، أمرك أن تكون أميناً، فإذا كنت أميناً أحسست براحة عجيبة، أمرك أن تكون رحيماً، فإذا رحمت من حولك أحسست براحة عجيبة، لذلك: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ هذه الخصيصة النفسية الفطرة، الإسلام دين الفطرة، كل شيء أمر الله عز وجل به فطرتك ترتاح له، بل إن الله جلّ جلاله سمّى الشيء الذي تُنكره نفسك منكراً، وسمّى الشيء الذي تعرفه نفسك أنه عمل طيب معروفاً، فالمعروف والمنكر الأشياء التي تنكرها بأصل فطرتك هي المنكرات، والأشياء التي تعرفها بأصل فطرتك هي المعروف، كلمة معروف ومنكر تؤكد تطابق الفطرة مع الشرع، لذلك قال الله عز وجل:
﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾
أي أنت لست بحاجة إلى من يلفت نظرك، حينما تفعل فعلاً جيداً تعرف أنك أصبت، وإن لم تفعل فعلاً جيداً تعرف أنك أخطأت، بل إن هذه الفطرة-وأستميحكم عذراً-في الحيوانات أيضاً، فالقطة حينما تخطف قطعة لحم تأكلها بعيداً عنك، أما إذا أطعمتها هذه القطعة تأكلها أمامك، لأنها بفطرتها أحست أنها أخطأت حينما أخذت قطعة لحم عنوة أو سرقة، مع أنها غير مكلفة طبعاً، الكون، العقل، الفطرة.
الشهوة؛ الله عز وجل أودع فينا الشهوات، هناك ميل إلى المرأة، إلى المال، إلى الجمال، إلى الراحة، إلى البيت المريح، إلى المركبة الفارهة،

الإنسان يُحبّ الكمال والجمال والنوال، يُحب النوال العطاء، والكمال، والجمال، هذه شهوة، وما أودع الله فينا الشهوات إلا لنرقى بها تارة شاكرين، وتارة صابرين، أي الشهوة كالمحرك، والعقل كالمقود، والشرع كالطريق، فحركتك بالحياة بدافع الشهوات، ولو لم يكن هناك شهوات ما رأيت على وجه الأرض شيئاً، لا بيتًا، ولا جسرًا، ولا طريقًا، ولا معملاً، ولا مدرسة، ولا مستشفى، ما من داع، إذا لم يكن هناك حاجة للطعام والشراب، ولا يوجد حاجة للمرأة، مثل هذه الطاولة تتركها مليون سنة مثلما هي، لا تتزوج هذه الطاولة، ولا تأكل، ولا تشرب، كان من الممكن أن يكون الإنسان كالجماد، لا يتحرك، لا يفعل شيئاً، لكن أودع فيك الشهوات، تمشي في الأسواق، تبحث عن عمل، تبحث عن دخل من أجل أن تتزوج، تأتي الزوجة، تبحث عن دخل آخر من أجل تربية الأولاد، إذاً حينما وصف الله أنبياءه بأنهم بشر قال:
﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7)﴾
هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى المشي في الأسواق، هذا شأننا جميعاً، تبحث عن عمل كي تشتري بيتاً، تستأجر بيتاً، كي تتزوج، كي تنجب، إذاً الشهوات أودعها الله فينا:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾
كل شهوة لها قناة شرعية نظيفة تسري من خلالها:
دققوا في هذا الكلام الدقيق، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، ليس هناك حرمان، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، أودع فيك حبّ المال، وأبواب الكسب المشروع على مصارعه، وهناك كسب غير مشروع، أي الشهوة تمثل مئة وثمانين درجة، يمكن بدافع الشهوة أن تتحرك بزاوية مفتوحة تساوي مئة وثمانين درجة، لكن الكسب المشروع تسعون درجة، وغير المشروع تسعون درجة، فالمؤمن يحصر نشاطه في كسب المال في التسعين درجة الأولى، وغير المؤمن له عمل، ويسرق، ويغش، ويدلس، ويحتال، ويغتصب، فلذلك الشهوة مفتوحة مئة وثمانين درجة، المؤمن يتقيد بالحيز المسموح به من قِبَل الله، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)﴾
المرأة، عندك زوجة، ولك أخوات بنات تجلس معهم، الوالدة، الأخوات، العمات، الخالات، الأخت، ابنة الأخ، ابنة الأخت، هذه المحارم، لكن امرأة لا تَحِلّ لك ممنوع أن تُقيم علاقة معها في حيز الإيمان، هذه الشهوات.
المال؛ هناك تجارة، هناك وظيفة، هناك هبة، هناك عمل حر، هناك زراعة، هناك تجارة، هناك صناعة، لا يوجد سرقة، ولا يوجد اغتصاب، ولا يوجد غش، ولا يوجد احتكار، كل أنواع المعاصي في كسب المال محرمة.

أيضاً العلو في الأرض؛ يوجد شهوة ثالثة أن تكون شيئاً مذكوراً، أن يُشار إليك بالبنان، اطلب العلم، تعلّم العلم، اعمل أعمالاً صالحة يُشار لك بالبنان، مرة عالم من علماء بلد إسلامي كبير سافر إلى بريطانيا لإجراء عملية، يقولون: إن أكثر من مئة ألف اتصال ورسالة جاءت من أنحاء العالم الإسلامي للاستفسار عن صحته، فإذاعة لندن استغربت، شيء غير طبيعي، أجرت معه مقابلة، سألته: ما هذه المكانة التي حباك الله بها؟ ماذا يجيب؟ أجاب إجابة رائعة، قال: لأنني محسوب على الله، وأنت كمؤمن محسوب على الله، إذاً العلو في الأرض قد يكون بطاعة الله، قد يكون بخدمة الخلق، قد يكون بنشر العلم، قد يكون بالأعمال الصالحة، وقد يكون بالأذى، وقد يكون بكسب غير مشروع، ينتهي ببيت فخم، ومركبة فارهة، وعلاقات، وولائم، وفنادق، وسفر، وسياحة، فأنت عندك حاجة أساسية للطعام للحفاظ على وجودك، وعندك حاجة أساسية إلى المرأة، للحفاظ على نوعك، وعندك حاجة أساسية إلى أن تكون ذا أهمية للحفاظ على ذكرك، فهذه كلها محققة ضمن منهج الله عز وجل، ومحققة بغير منهج الله، لذلك ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، اطمئن لا يوجد حرمان، لذلك:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، أي تزوج، ويوم العرس أُطلقت أبواق المركبات، ألا يستحيون؟ لا، لا يستحيون، هذا شيء شرعي، هذا الزواج شرعه الله، لا يوجد خجل أبداً، زوجته، شخص أحياناً يُعقد عقد على ابنته، يأتي الخطيب بعد العقد طبعاً يبقى للساعة الثانية، لا أحد يتكلم معه، زوجته، انظر ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، إذاً الكون، والعقل، والفطرة، والشهوة.
الحرية؛ قال تعالى:
﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)﴾
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)﴾
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)﴾
﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)﴾
هذه مقولة المشركين.
الإنسان من جهة التكليف مخيَّرٌ:
لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هَمَلاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.

الإنسان مخير، وفي اللحظة التي يتوهم فيها الإنسان أنه مُسير، هو مُسير فيما لم يُكلف، مُسير في كونه ذكراً أو أنثى، هل أحد سألك ماذا تحب؟ ضع إشارة ضرب في هذا المربع؟ أنت لست مُخيراً في هذا، أنت بهذا مسير، هل أحد سألك من تحب أن تكون أمك وأبوك؟ كلنا مُسيرون في أمهاتنا وآبائنا، هل أحد سألك أين تحب أن تولد في شيكاغو أم في دمشق؟ دمشق، مكان ولادتك، زمن ولادتك، عصرك، كونك ذكرًا أو أنثى، أمك وأبوك، هذه قدر من الله، لكن العلماء أجمعوا على أن الذي سُيّرت فيه هو لمصلحتك، وليس في إمكانك أبدع مما أعطاك، ويوم القيامة حينما يكشف لك سرّ كونك ذكراً أو أنثى، أو من أي أب أنت، من أي أم، بأي بلد، بأي مكان، بأي زمان، قدراتك، شكلك، وسامتك، إلى آخره، يجب أن تذوب محبة لله على أنه اختار لك الأصلح، بهذا أنت مُسير، أما فيما كُلفت أنت مخير، قال لك:
﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)﴾
تستطيع ألا تصلي، أو تصلي، قال لك:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾
أنت أتيت إلى المسجد، وهناك ملهى أيضاً، وهناك مقهى إنترنت إذا أردت، مواقع إباحية، أمرك أن تكون مع الصادقين، أتيت إلى المسجد، أنت فيما كُلفت مخير ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وفي اللحظة التي تتوهم أنك لست مخيراً أُلغي الثواب والعقاب، وأُلغي التكليف، وأُلغيت الأمانة، وأُلغيت الجنة والنار، وأصبحت الحياة الدنيا تمثيلية سمجة.
هل تصدق أنت مسابقة لتعيين موظف يتقدم ثلاثة آلاف، وأُلِّفت لجان، وتمّ الفحص، فحص لغة، وفحص ثقافة عامة، وشهادات، وعلامات، والذي سوف يُعيّن معروف قبل المسابقة؟ لا، هناك شخص إيراني قال: هذه مسخرات، فمستحيل يكون هكذا، فلذلك في اللحظة الذي تتوهم فيها أنك أنت بكل شيء مُسير ألغيت الدين، ألغيت الجنة والنار، والثواب والعقاب والتكليف، ألغيت كل شيء، لذلك سيدنا عمر لما جاءه شارب خمر قال: أقيموا عليه الحد، قال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك-العوام يقولون: طاسات معدودة بأماكن محدودة، هكذا ابتلاه الله، لا، الله ما ابتلاه، هو اختار لنفسه-فقال سيدنا عمر: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، لا تقل لي: الله قدر عليّ ذلك، قل: أنا أخطأت، الله أمرني بالخير وأنا أخطأت، الاختيار أحد مقومات التكليف، والشهوة أحد مقومات التكليف، والفطرة أحد مقومات التكليف، والعقل أحد مقومات التكليف، والكون أحد مقومات التكليف.
بقي الشرع؛ أي يوجد بالبلد أوزان، بكل محل يوجد أوزان، كيلوان، كيلو ونصف، كيلو ووقية، نصف وقية، ربع أوقية، لو شخص أحضر ناراً وأذاب الرصاص الذي تحت الوزن أنقصه مئة غرام، كيف نكشف الخطأ؟ يكون عندنا بالبلدية وزن نظامي، وزن معتمد، وزن هو المقياس، وزن هو الضابط، الشرع هو الضابط، الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، فإذا كان فكرك أرشدك إلى شيء أنكره الشرع، وأنت رأيته حسناً يوجد عندك خلل كبير، يجب أن تتوافق موازينك مع موازين الشرع، الحرام حرام، الاختلاط ممنوع، الزنا حرام، ليس عملاً مقبولاً، لكن بعصور التفلت يصير عملاً مقبولاً، كونه منتشراً في العالم هذا لا يُغير من تقييمه عند الله عز وجل، إذًا الشرع أيضاً من مقومات التكليف، المنهج، الشرع مقوم أساسي من مقومات التكليف، لذلك العقل قد يضل، الشرع ضابط، أي أنا أعطيك مسألة، أقول لك: حلها، لكن قبل أن تُتعب نفسك هذا هو الجواب، فإن قادك الحل إلى هذا الجواب فالحل صحيح، فإذا قادك الحل إلى جواب آخر فاعلم أنك مخطئ، لما تتوهم أنه يوجد معصية بالدين، لا يوجد فيها شيء، ماذا فعلنا؟ والله ضرورية الآن، نحن هذا عصر جديد، عصر العلم، عصر المرأة نصف المجتمع، لما أنت تتوهم شيئًا خلاف الشرع فأنت مخطئ، هي نصف المجتمع، ومُكرمة أشدّ التكريم، ولا يوجد دين، ولا يوجد منهج أعطى المرأة حقها وكرّمها، لما فتح النبي الكريم عليه أتمّ الصلاة والتسليم مكة، ودَعَتْه بيوتاتها ليبيت عندهم، قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، ونصب لواء النصر أمام قبرها ليُعْلِم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر شريكته في النصر، قال تعالى:
﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6)﴾
الشرع هو الضابط عند ضلال العقل وانطماس الفطرة:
لكن الفساد مرفوض، التبذل مرفوض، إظهار المفاتن مرفوض، الخلوة مرفوضة، إذاً الشرع هو الحكَم، الحسن ما حسنه الشرع، العقل قد يَضِل، والفطرة قد تنطمس، ما الضابط؟ الشرع، هناك وزن مركزي بالبلدية، فأي وزن شككنا فيه نأتي به إلى البلدية، ونعرضه على هذا الوزن الأساسي، هذا الشرع، والله عز وجل أعطانا فوق هذا الوقت وعاء عملنا، وأنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، وفي درس قادم إن شاء الله نبدأ هذه المقومات بالتفصيل.
الملف مدقق