وضع داكن
08-09-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 05 - الكون -1- الكون طريق إلى معرفة الله
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

مقدمة تذكيرية:


أيها الإخوة الكرام؛ مع دروس العقيدة والإعجاز، ومع الدرس الخامس. 
أيها الإخوة؛ في دروس سابقة بينت لكم أن الإنسان هو المخلوق الأول رتبة، ولأنه قَبِل حمل الأمانة سخّر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، وقد كُلِّف أن يعبد الله، وما كلفه الله أن يعبده إلا بعد أن أعطاه المقومات، وتحدثت في لقاء سابق عن هذه المقومات بشكل مجمل، تحدثت عن الكون، وعن العقل، وعن الفطرة، وعن الشهوة، وعن حرية الاختيار، وعن الوقت الذي هو غلاف العمل، الآن بدأنا بالمقومات تفصيلاً، ويقع على رأس هذه المقومات الكون.
 

الكون لا يختلف فيه شخصان مهما اختلفت ديانتهما:


أيها الإخوة؛ أريد أن أضعكم في صورة دقيقة، الكون هو الثابت الأول، شمس لا يستطيع أن ينكرها أحد، مسلم، غير مسلم، منافق، مستقيم، غير مستقيم، علماني، مُلحد، الشمس وجودها صارخ، وفيها حقائق يخضع لها الإنسان، أي من خمسة آلاف مليون عام هي مُتقدة، وإلى خمسة آلاف مليون عام أُخر بتقدير العلماء مُتقدة، حجمها يكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، ألسنة اللهب التي تخرج منها تزيد عن مليون كيلو متر، الحرارة على سطحها ستة آلاف درجة، في باطنها عشرون مليون درجة، لو أُلقيت الأرض فيها لتبخرت في ثانية واحدة.
يخضع لهذه الحقائق المسلم وغير المسلم، والكافر والملحد والعلماني، إن أردت شيئاً يُعَدّ في الدين أكبر شيء ثابت الكون، لأن الكون مظهر لعظمة الله، يشفّ عن أسماء الله الحسنى، من خلال الكون ترى قدرة الله، من خلال الكون ترى رحمة الله، من خلال الكون ترى لطف الله عز وجل، فلذلك لو أن الإنسان تاه في الخلافيات:

كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى            وليلى لا تُقرّ لهم بذاكا

[ قيس بن الملوح ]

* * *

كل يدّعي أنه على حق، هذا الكون الذي سخره الله للإنسان تسخير تعريف وتكريم هو الشيء الثابت الأول، من يُنكر الشمس؟ من يُنكر القمر؟ الليل؟ النهار؟ الأرض؟ الجبال؟ الوديان؟ الأنهار؟ البحيرات؟ البحار؟ الأطيار؟ الأسماك؟ النباتات؟ خلق الإنسان؟ فإذا أردت أن تجول جولة وترجع وقد امتلأ قلبك بالإيمان، إن أردت أن تبتعد عن كل هذه الخلافيات في الأرض حسبكم الكون معجزة، في كل شيء في الكون يدل على الله:

وفي كل شيء له آية            تدل على أنه واحد

[ أبو العتاهية ]

* * *

أيها الإخوة؛ عنوان هذا اللقاء الخامس هو الكون، ويحتاج إلى عدة لقاءات.
 

بالكون تعرف الله:


أيها الإخوة؛ أنت بالكون تعرف الله، لذلك افتح القرآن الكريم، وتتبّع السور المكية، قال تعالى: 

﴿ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾

[ سورة الفجر ]

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1)﴾

[ سورة الشمس ]

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)﴾

[ سورة الليل ]

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)﴾

[ سورة يونس ]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

[ سورة عبس ]

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾

[ سورة الطارق ]

﴿ هذه السور المكية طافحة بالآيات الكونية، لماذا؟ لأن طريق معرفة الله التفكر في خلق السماوات والأرض، والدليل: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)﴾

[ سورة الأعراف ]

بعد الله وآياته ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أي لا طريق إلى الإيمان إلا في التفكر في خلق السماوات والأرض، لذلك: 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً (72)﴾

[ سورة الأحزاب ]

هل كان ظلوماً جهولاً بحمل الأمانة؟ إذا حملها ووفاها حقها ليس ظلوماً ولا جهولاً. 
 

الكون مسخر للإنسان تسخير تعريف وتسخير تكريم:


الكون إذاً مُسخر للإنسان تسخيرين؛ تسخير تعريف، وتسخير تكريم، والكلام دقيق جداً، أيّ شيء أمامك، كأس الماء، ابنك الذي أمامك، زوجتك، الطعام الذي أمامك، الجبل الذي أمامك، الوردة التي أمامك، أي شيء في الكون مُسخر لك أيها الإنسان، أي شيء، ومُسخر لك تسخيرين، تسخير تعريف وتسخير تكريم، أي أنت تعرف الله من خلال الشمس والقمر، والليل والنهار، والنجوم والمجرات، والأبراج والكازارات، والمذنبات، وتعرف الله من الجبال والأنهار، والبحار والأطيار، من طعامك، من ابنك الذي أمامك، وتعلم علم اليقين كيف كان خلية واحدة لقحت خلية ثانية فإذا هو طفل كامل النمو، يتكلم، ويفكر، له عينان، وله أذنان، وله أنف، وهناك هيكل عظمي، وهناك عضلات، وهناك جلد، وهناك جهاز هضم، وهناك جهاز قلب ودوران، وجهاز عصبي، وجهاز إفراز، وكليتان، وشعر، جسمك آية، حينما يتيه الناس ويخوضون في خلافيات لا تنتهي الثابت الأول الذي يشِف عن عظمة الله، عن وجوده، وعن وحدانيته، وعن كماله، موجود، وواحد، وكامل، لذلك: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
 

موقف الإنسان من آيات الأمر والنهي:


أيها الإخوة؛ كلام دقيق أتمنى أن يكون واضحاً لديكم، أنت حينما تقرأ القرآن، وهو كلام الواحد الدّيّان، تقرأ آية فيها أمر، ماذا ينبغي أن تفعل؟ أن تأتمر، أي هذا القرآن كلام خالق الأكوان، مستحيل أن تقرأه دون أن تكون لك مهمة في أثناء قراءته، دون أن يكون لك موقف، تقرأ آية فيها أمر:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾

[ سورة النور ]

ما الفعل الذي ينبغي أن تفعله إذا قرأت آية فيها أمر؟ الجواب أن تأتمر، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12)﴾

[ سورة الحجرات ]

وما موقفك إذا قرأت آية فيها نهي؟ الموقف أن تنتهي، جيد، وما الموقف إذا قرأت آية فيها وصف للجنة ونعيمها والنار وعذابها؟ أن تسعى إلى الجنة، وأن تتقي النار ولو بشقّ تمرة، قال تعالى: 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)﴾

[ سورة الحاقة ]

ما الموقف الذي ينبغي أن تقفه؟ أن أسعى إلى الجنة، وأن أتقي النار، وإذا قرأت آية عن هلاك الأمم السابقين، قال تعالى: 

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)﴾

[ سورة الأنعام ]

ينبغي أن تتعظ.
 

موقف الإنسان من الآيات الكونية:


ملخص كلامي ما من آية تقرؤها إلا وينبغي أن تقف منها موقفاً، فإذا قرأت ألف آية كونية ما الموقف الذي ينبغي أن تقفه من هذه الآيات؟ أن تتفكر في هذه الآيات، إذاً حينما تقرأ القرآن، وتمر بآية كونية هذا منهجك في التفكر من أجل أن تعرف الله، أي الله عز وجل:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾

[ سورة الأنعام ]

مستحيل، قال تعالى: 

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾

[ سورة الأعراف ]

إذاً مستحيل وألف ألف مستحيل أن نرى الله في الدنيا، لكن عقولنا يمكن أن تصل إليه، فالكون مسخر لنا تسخيرين؛ تسخير تعريف وتسخير تكريم.
 

موقف الإنسان من تسخير الكون تعريفاً وتكريماً:


دقق، لو أن إنساناً قدم لك هدية، جهاز هاتف متطور جداً، يوجد معه ذواكر، يوجد معه إجابة آلية، أي كأنه موظف عندك، يقول لك من بلّغك، بأي ساعة، وتارك رسالة، ويعطيك إشارة للرسالة، شخص قدم لك هذا الجهاز وهو من اختراعه، ما الذي ينشأ عندك؟ جاءك هذا الجهاز هدية، ثم هو من اختراع المُهْدِي، ينشأ عندك شعوران؛ الأول: تعظيم هذا الإنجاز العلمي، والثاني: الامتنان ممن قدمه لك، لأن الله سخر لنا ما في السماوات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم، ردّ فعل التعريف أن تؤمن، وردّ فعل التكريم أن تشكر، دقق؛ فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، الآن استمع إلى هذه الآية:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)﴾

[ سورة النساء ]

لمجرد أن تؤمن وأن تشكر حققت الهدف من وجودك، عندئذ تتوقف المعالجات، كيف؟ إنسان توقفت كليته، الطبيب صوّرها فإذا هي مُعطلة، قال له: لابد من استئصالها، الموعد بعد أسبوعين، خطر لهذا الطبيب خاطر، أن يعيد التصوير قبل العملية، أعاد التصوير فإذا هي تعمل، يتابع العملية؟ لا، لمجرد أن تؤمن الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، ولمجرد أن تشكر فقد حققت الهدف من وجودك، وعندئذ تتوقف كل أنواع المعالجات، دقق: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي أيحب أن يُعَذبنا؟ أيحب أن يُفقرنا؟ أيحب أن يُمرضنا؟ مستحيل، هو غني عن تعذيبنا،

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي، إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ. ))

[ صحيح مسلم ]

ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام.
أقول لكم: الكون بسماواته وأرضه، بكل ما فيه مظهر لوجود الله ووحدانيته، ولكماله، ومظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، هذا الكون هو الثابت الأول في العقيدة، لو تاه الناس، لو شرد الناس، لو اختلف الناس، لو تمزق الناس، لو تراشقوا تُهَم التكفير هناك شيء ثابت أن هذا الكون يدل على الله، لذلك قال تعالى: 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

[ سورة آل عمران ]

هو الثابت الأول، وقد سُخِّر لنا لأننا قبِلنا حمل الأمانة، ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ لأننا قبِلنا حمل الأمانة كانت المكافأة لنا أن سُخِّر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه تسخير تعريف وتسخير تكريم، ردّ فعل التعريف أن تؤمن، وردّ فعل التكريم أن تشكر، فإذا آمنت الإيمان الذي يحملك على طاعة الله، وشكرت النعم التي أفاضها الله عليك فقد حققت الهدف الأكبر من وجودك.
 

تسخير التعريف:


الآن إلى بعض التفاصيل؛ تعريف وتكريم، أي القمر ننتفع به، القمر تقويم في السماء، قبل الساعات وقبل التقاويم أول يوم، ثاني يوم، ثالث يوم، رابع يوم، اليوم الرابع عشر بدراً، قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)﴾

[ سورة يونس ]

تقويم ننتفع به، وآية تدلنا على الله، أي الوظائف أكبر؟ أي مهمة التعريف أكبر بكثير، الوظيفة الكبرى الأولى أن تعرف الله من خلاله، والوظيفة الثانية أن تنتفع به في الدنيا.
 

استفادة الغرب من الجانب الوظيفي للكون:


بالمناسبة العالم الغربي حقق الوظيفة الثانية بشكل مُعجز، انتفع من الدنيا، واستمتع بها من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، والمؤمنون يجب أن ينتفعوا من الوظيفة الأولى، أن يتعرفوا إلى الله، ولا يمنع أن يضموا إلى أنهم تعرفوا إلى الله من خلال هذا الكون أن ينتفعوا به، هم مقصرون، لذلك هناك علم بخلقه، أصل في صلاح الدنيا، وعلم بأمره، أصل في طاعة الله، وعلم به، لذلك المؤمنون يجب أن ينتفعوا بالمهمة الكبرى لهذا الكون، وأن ينتفعوا أيضاً في دنياهم به، أما الذين شردوا عن الله أخذوا الوظيفة الثانية فقط.
للتوضيح؛ رجلٌ فقير جداً، دخله لا يسمح له أن يشتري به لعقة عسل واحدة، ما ذاق العسل في حياته، فقير، لكنه دارس، وقع تحت يده كتاب عن العسل وقرأه فهطلت دموعه، يا الله معقول؟! 

﴿ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)﴾

[ سورة النحل ]

صيدلية كاملة، كتاب مُفصّل، بحث مُطَول عن العسل، وعن فوائده، والآيات، فسجد لله شكراً له على هذه المعرفة التي امتنّ الله بها عليه، دقق، هذا الفقير الذي ما أتيح له أن يلعق لعقة عسل واحدة حقق الهدف الأكبر من خلق العسل، الأكبر، وإنسان بالتعبير الدارج تناول العسل حتى الشبع، وما تفكر في هذا العطاء الكبير، عطّل أكبر هدف من أهداف خلقه.
أحياناً إنسان يمشي في الطريق أمام بائع ورود، حياته، ونمط حياته، ودخله لا يسمح له أن يقتني الورود، هذه بالمناسبات فقط، هناك أشخاص أغنياء جداً الورد جزء أساسي بحياتهم، دائماً يوجد عندهم باقات ورد، الفقراء ما عندهم هذه الإمكانية، لكن لو مرّ فقير أمام بائع ورد، وشاهد الزنبق، شاهد الألوان، شاهد الروائح فخشع لله، حقق الهدف من وجوده مع أنه لم يقتنِ الورد.
 

لابدّ من خرق النعمة إلى المُنعم:


أنا أتمنى عليكم ألا يكون الإنسان كالدابة تأكل وتشرب، ولا تعرف ربها، البطولة أن تخرق النعمة إلى المنعم، أن يخشع قلبك من هذه النعم.
والله أيها الإخوة؛ يقولون: شدة القرب حجاب، أنت تستيقظ، وتُفْرِغ ما عندك من أذى، هذه نعمة كبيرة جداً، كان عليه الصلاة والسلام يقول: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، يا رب لك الحمد أذقتني لذة الطعام، ما أخذ سيروم، وأبقيت فيّ قوته، شعرت بنشاط، وأذهبت عني أذاه، الطرق كلها سالكة، لن تكون مؤمناً كما أرادك الله إلا إذا عرفت نعمه، تنام، النوم من نعم الله الكبرى، تنام ملء العين، تتباعد الأعصاب، تنقطع السيالة العصبية، تبتعد عن العالم، كل هذا التعب يذهب عنك، تستيقظ كالحصان، هل تقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد أن أماتنا وإليه النشور؟ بطولتك كمؤمن أن تخرق النعمة إلى المُنعم، بينما أهل الدنيا بقوا في النعمة، واستمتعوا بها، ولم يعرفوا المنعم، تصور دخلت إلى بيت وجدت طعاماً نفيساً جداً، أكلت مثل الوحش، أين الباب؟ وخرجت، وحش، هذا الذي دعاك، صاحب الطعام، صاحب البيت، قل له: شكراً، جزاك الله خيراً، الطعام طيب، أكرمتنا، بالغت بإكرامنا، معقول إنسان يستمتع بالدنيا استمتاع البهائم وبالتعبير الدارج يرفس أيضاً؟ يستمتع ويستعلي، يستمتع ويسب الدين، يستمتع ويحتقر الناس، يستمتع ويسخرهم لشهواته، وحش، لذلك إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى، حينما يكشف الإنسان لؤمه، تنعّم بهذا الكون، تنعّم بزوجة، بأولاد، أكل أطيب الطعام، وهو لا يصلي، ولا يعرف الله، ويؤذي عباد الله، الله عز وجل يعجب من صبرهم على العذاب، قال تعالى: 

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾

[ سورة البقرة ]

فلابدّ من أن تخرق النعمة إلى المُنعم، أن تشكر الله، أي إنسان أكل فشبع، الحمد لله، سيدنا عمر عنده ضيف من أذربيجان قال لها: يا أم المؤمنين ما عندك من طعام؟ قالت له: والله ما عندنا إلا خبز وملح، قال لها: هاتيه لنا؟ أكل وشرب، وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا، ألاحظ الآن قبل الطعام يوجد عصير، وبعد ذلك يوجد مقبلات، ويوجد سلطات، ويوجد فتات، ويوجد حساء، بعد ذلك لون أول، لون ثان، طعام فيه أرز، طعام فيه خضار، لحومات مشوية، ثم فواكه، ثم حلويات، ثم قهوة، يأكل ويرفس.
يا إخوان؛ القضية مهمة جداً أن تعرف المُنعم، عندك بيت، مأوى، كان النبي الكريم يقول: الحمد لله الذي آواني، وكم ممن لا مأوى له؟! عندك مفتاح بيت، تدخل إلى بيتك، تنام، تغتسل، تأكل، زوجتك أمامك، أولادك أمامك، لا يهم، البيت كبير، صغير، هذا بيت مؤقت، اقرؤوا النعوات، وسيشيع إلى مثواه الأخير، يكون ثمن البيت مئة وثمانين مليونًا، آخرته على مقبرة باب صغير، تصور، متر ونصف بنصف متر تراب، والله قبل فترة توفي إنسان فكنت في التشييع، لاحظت البلاطة أضيق من الحفرة بعشرة سنتمتر، حفّار القبر وضع أحجاراً لا على التعيين بهذه الفراغات، وردم التراب، أنا تصورت نزل فوق الميت حوالي كيليين من التراب، وكان الميت رجلاً كثير النظافة، وأنيقًا جداً، هذه الحياة، فلذلك الإنسان قبل أن يغادر الدنيا هل عرف الله؟ هل شكره؟ كان تعْظُم عنده النعمة مهما دقت.
هذا الكأس يا إخوان؛ كلام دقيق جداً، وزير سأل ملكًا، هارون الرشيد، قال له: يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس إذا مُنِع عنك؟ قال له: بنصف ملكي، قال له: فإذا مُنِع إخراجه؟ قال له: بنصف ملكي الآخر.
مرة توفي ملك، قلت في الدرس: هذا الملك عُرِض عليه أن يعمل في قصره ضارب آلة كاتبة على أن يشفى من مرضه الخبيث، ويتخلى عن ملكه، كان ملكًا صار ضارب آلة كاتبة بقصره، والله لا يتردد لحظة، أن يُشفى من مرضه الخبيث، وأن يعمل موظفًا صغيرًا في قصره، فالذي عنده صحة، حواسه كاملة، أجهزته كاملة، حركته جيدة، لا يوجد عنده مرض عضال، لذلك أنا أقول دائماً يا إخوان؛

(( عن عبد الله بن محصن: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا. ))

[ صحيح الترمذي: حسن ]

بحذافيرها، طبعاً سأل ملك وزيره: من الملك؟ قال له: أنت، لا يوجد غيرك؟ قال له: لا، الملك رجل لا نعرفه، ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإنا إن عرفناه جهدنا في إحراجه.
فيا أيها الإخوة؛ أهم نقطة بالدرس أن الله سخر لنا هذا الكون تسخير تعريف وتكريم، موقفك من التعريف أن تؤمن، وموقفك من التكريم أن تشكر، وحينما تؤمن وتشكر تكون قد حققت الهدف من وجودك، عندئذ تتوقف جميع المعالجات أبداً، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾

[ سورة الشورى ]

ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر، ((فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ)) .
 

الدعوة لا تنجح إلا إذا اعتمدت على العلم:


إذاً الكون الثابت الأول، مهما اختلف الناس، وتمزق الناس، وتراشق الناس التهم، كل يدّعي وصلاً بالله، كل يدّعي أنه على حق، الكون هو الثابت الأول، يخضع له المسلم وغير المسلم، والعبقري وغير العبقري، والملحد والعلماني، شيء ثابت، لذلك الآن لا تنجح الدعوة إلا إذا اعتمدت على العلم، لأن العلم تطأطئ له الرؤوس جميعاً، أبداً.
اطرح أي موضوع بمجتمع لا تعرفه تقوم الدنيا عليك ولا تقعد، اطرح أي موضوع في الدين، قل لهم: الربا حرام، من قال ذلك؟ المال لا يُجمد، قل لهم: هذا حرام، هذه حرية، أي موضوع اطرحه الآن مع مجتمع لا تعرفه طبعاً تجد معارضة شديدة، أما قل لهم: الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وبين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وهناك نجم ببرج العقرب اسمه قلب العقرب، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، يقول لك: معقول؟ ما عاد تفلسف، سكت، سكت، ما هذا؟ يقول لك: لا إله إلا الله، أنا الآن لا أرى من طريق للدعوة إلى الله أقوى من أن تأتي بالآيات الكونية، تخضع لها الرقاب، فلذلك الكون أكبر ثابت في الإيمان، وممكن هذا الكون إذا تفكرت فيه كما أمرك الله أن يمتلئ قلبك إيماناً بالله، وتعظيماً له.
 

مراتب النظر في الآيات القرآنية والكونية والتكوينية:


بالمناسبة أيها الإخوة؛ الله عز وجل له آيات كونية، هذا الكون، له آيات تكوينية، أفعاله؛ البراكين، الزلازل، الصواعق، الفيضانات، الأعاصير، الجو المعتدل، الأمطار المعتدلة، له آيات كونية؛ خلقه، وله آيات تكوينية؛ أفعاله، وله آيات قرآنية؛ كلامه، فأنت إذا أردت أن تعرفه عليك أن تتفكر في آياته الكونية تفكراً، وأن تنظر في آياته التكوينية، قال تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

[ سورة الأنعام ]

وأن تتدبر آياته القرآنية، من أجل أن تعرفه ينبغي أن تتفكر في آياته الكونية، وأن تنظر في آياته التكوينية، وأن تتدبر آياته القرآنية، هذه طرق معرفة الله عز وجل.
لكن لابد من تنويه دقيق جداً وهو أنه ينبغي أن تبدأ بآياته الكونية، وينبغي أن تُثَني بآياته القرآنية، القرآن يضيء لك، واجعل آياته التكوينية المرحلة الثالثة، لو بدأت بها حقل ألغام، تجد شعوبًا غارقة في المعاصي والآثام غنية جداً، مستقرة جداً، وشعوبًا تعاني ما تعاني، وهي مسلمة، فأنت ما عندك إمكان أن تفهم حكمة الله إلا بحالة واحدة مستحيلة أن يكون لك علم كعلم الله، لا تعرف، قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)﴾

[ سورة القصص ]

أنت لا يوجد عندك إمكان أن تكشف حكمة الله إلا بحالة مستحيلة أن يكون لك علم كعلمه، لذلك أنا أُفضل أن ترجئ النظر في آياته التكوينية إلى المرحلة الثالثة، أما التفكر في خلقه واضح جداً، كلما ازددت تفكراً ازددت يقيناً بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، أما أفعاله تحتاج إلى تريث قليلاً، مثلاً أنت تستمع إلى معلم، يا أخي الدرس رائع جداً، فضرب طالبًا، إذا كنت طفلاً صغيراً تقول: هذا الأستاذ ظالم، إذا كنت زميله، هذا الطفل ابنه، وهناك تقصير شديد فضربه، كأنك أنت قريب منه تعرف حكمته، فأنا أتمنى على الإنسان أن يبدأ بالتفكر في خلق السماوات والأرض، ويُثَنّي بتدبر القرآن الكريم، وفي النهاية ينظر في أفعاله، أي مثلاً قد تنشأ مشكلة كبيرة جداً في مجتمع، حرب أهلية، يمكن أن تفهمها فهمًا، أنا أذكر مرة أني كنت ماشيًا بالطريق استوقفني إنسان، قال لي: هذا إذا جاء إنسان إلى عمله، وفتح محله التجاري، وسمع إطلاق رصاص، ومدّ رأسه، فجاءت رصاصة في عموده الفقري فانشلّ فوراً، قال لي: ما ذنب هذا؟ والله كنت أمشي في أحد أسواق دمشق، وخرج إنسان من محله التجاري فاعترضني، قال لي: أنت خطيب؟ قلت له: نعم، قال لي: أليس العمل عبادة؟ قلت له: طبعاً، قال لي: ما ذنبه؟ قلت له: لا أعلم، أي سؤال، والله أيها الإخوة، أخ كريم من إخواننا بعد عشرين يومًا يمشي معي يحدثني، قال لي: لنا جار يسكن بالطابق الذي فوقنا، مغتصب بيتًا لأولاد أخيه الأيتام، وخلال سنوات طويلة يرفض أن يعطيهم البيت، وهو بيتهم، وهم في أمسّ الحاجة إليه، فاشتكوا عليه لأحد علماء دمشق من حي الميدان، فاستدعاه العالم، ورفض أشدّ الرفض، فالتفت هذا العالم، توفي رحمه الله، كان شيخ القراء، فخاطب الأولاد: إن هذا عمكم لا يليق بكم أن تشتكوا عليه، اشكوه لله، هذا الكلام كان الساعة التاسعة مساءً، الساعة التاسعة صباحاً كان مشلولاً، أنت القصة من آخر فصل لا معنى لها، إنسان بريء، جاء ليفتح محله التجاري، فتح محله التجاري حتى يكسب رزق أولاده، سمع إطلاق رصاص، مدّ رأسه، جاءت رصاصة في عموده الفقري فشلّ فوراً، أنا لا أعلم إلا أن يُعلِمك إنسان، لما عرفت الفصل الأول توضّح الأمر، فأفعاله التكوينية لا تتمكن أن تفهمها بسهولة، سلّم، سلّم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، هناك حكمة بالغة.
لذلك أيها الإخوة؛ يوجد عندنا آيات كونية، وآيات تكوينية، وآيات قرآنية، الآيات الكونية يجب أن تتفكر فيها، الدليل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ هذه الكونية.
التكوينية: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
والله حدثني أخ قال لي: أنا محام، وكنت محامياً في دعوى، وجئت بشاهد كاذب، وكُلف أن يُدلي بشهادة، وقبلها عليه أن يحلف اليمين، وأن يضع يده على المصحف، والموضوع في فيلا قيمتها خمسون مليونًا يمكن أن تُغتصب عن طريق هذا الشاهد الكاذب، وشهد، وضع يده على المصحف، وأقسم بالله أن يقول الحق، ولم يقل الحق، قال الكذب، قال لي: والله أمامي رفع يده وهو يمسك طرف الطاولة، أقسم ورفع يده، بقي واقفًا هكذا، انزعج القاضي، قال له: أنزل يدك، كان ميتًا، لما ضعفت يده وقع، قال لي: والله أمامي، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ .
لكن بالمناسبة يا إخوان أتمنى عليكم من أعماقي أن تنتبهوا إلى هذه الفكرة، ممكن تسمع ألف قصة من آخر فصل ليس لها معنى أبداً، بل مشوشة، لكن ممكن بحسب علاقاتك المعينة أن يكون عندك خمس قصص تعرفها من أول فصل، والله ينبغي أن تسجد لله، لعدله، عدل مطلق، لكن نحن مشكلتنا كل شيء نسمعه من آخر فصل، كلام ليس له معنى، سلِّم إلى الله، سلِّم إلى عدالته، وإلى رحمته:

﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)﴾

[ سورة الكهف ]

 

نفي الشأن ونفي الحدث:


إخواننا الكرام؛ كلمة:

﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)﴾

[ سورة العنكبوت ]

هذه صياغة باللغة اسمها: نفي الشأن، يوجد عندنا حالة اسمها: نفي الحدث، وعندنا نفي الشأن، لو أن واحدًا سأل شخصًا، قال له: هل أنت جائع؟ يقول له: لا، نفى الحدث، الجوع، لو قال له: هل أنت سارق؟ هو إنسان محترم جداً، هل يقول له: لا فقط؟ ليس معقولاً، يقول له: ما كان لي أن أسرق، أي هذا الشيء خلاف طبيعتي، وخلاف مبادئي، وخلاف قيمي، ولا أرضى به، ولا أُقره، وأُعَنّف عليه، وأرفضه، وأحتقر فاعله، كم فعل؟ هذا اسمه: نفي الشأن، صيغة نفي الشأن ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ قال: ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن يُظلَم الإنسان، قال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)﴾

[  سورة غافر  ]

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

[  سورة الزلزلة ]

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ .

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

[  سورة الأنبياء  ]

مستحيل إنسان يُظلَم، والله مرة أخ من إخواننا بلبنان في أثناء أحداث لبنان القديمة بالثمانينات انتقل إلى الشام، وسكن بالشام، راكب معه بالسيارة صار هناك حادث، هو سببه، الحادث سبّب ضرراً لسيارة ثانية، فأنا توقعت أن صاحب السيارة ينزل من سيارته غاضبًا، وصوته عالٍ، شيء عجيب جداً، نظر إليه، المركبة لبنانية طبعاً، قال له: مسامح، ورجل مُنْعَم، أي لا يفرح إذا وفر ألفي ليرة، لكن شاهدته بكي، بعد أن انتهى الأمر رأيت دمعة هطلت من عينه، سألته: ما السبب؟ تبكي من أجل هذا؟ قال لي: لا والله، قال لي: أنا من سنتين يوجد إنسان سوري معه عياله محجبات ضربني بالسيارة، ما أحببت أن أفسد عليه النزهة، قلت له: مسامح، لو تدقق شيء تقشعر له الأبدان، كله بحسابه، لكن مشكلتنا كل واحد منا معه ألف قصة من آخر فصل، ليس لها معنى، هذا مرض خبيث، هذا حادث، أنت لا تعرف، أنت لا تعلم، ولكن الله يعلم، سلِّم، لذلك نبدأ بالآيات الكونية، نُثني بالآيات القرآنية، ثم تُكشف لنا بعض الحقائق في أفعاله التكوينية.
هذا المحامي قال لي قصة ثانية، قال لي: أنا شهدت قرارًا بإعدام إنسان قاتل، وأنا كنت وكيله، قال له القاضي: بلغه، قال لي: بلغته، قال له: أنت قاتله؟ قال له: لا، أنا ما قتلته، إعدامه بعد أيام، رغب أن يحضر إعدامه، قبل أن يضعوا الحبل برقبته، قال له: الآن كل شيء ذهب وانتهى، وأنا سوف أشنق الآن، هذا القتيل ما قتلته أنا، أنا قتلت غيره من ثلاثين سنة، كان رئيس مخفر وجاء ضابط فرنسي أعطاه إنسانًا ليُعدم، وضعه بالإسطبل وقفل، هرب، فجاء بإنسان بدوي وضعه مكانه وأعدموه في اليوم الثاني، من ثلاثين سنة، قال له: أنا ما قتلت هذا، قتلت شخصاً آخر من ثلاثين سنة.
إذا تدقق شيء تقشعر منه الأبدان، أما إذا ما دققت تقع بإشكال كبير، تجد شعوبًا مسلمة تُضطهد، تُحتل أراضيها، قتل، كما ترون، لا نستطيع نحن أن نفهم إلا إذا أعلمنا الله عز وجل، قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ هناك حكمة إلهية قد تكون ترقية، قد تكون:

﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)﴾

[  سورة القصص  ]

يجوز، هذا ليس من شأنك، هذا من شأن الله، دعك من هذا كله، فلذلك يوجد عندنا آيات كونية نتفكر بها، آيات تكوينية نُرجئها للمرحلة الثالثة، آيات قرآنية نتدبرها، قال تعالى:

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)﴾

[ سورة محمد  ]

 

طرق معرفة الله آياته الكونية والتكوينية والقرآنية:


أيها الإخوة؛ طرق معرفة الله آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، وفي كل هذه الآيات ما يكفي لمعرفته ولمحبته، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية أن يا رب أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبّ عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أُحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي، أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني؛ التفكر، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني.
إذاً لابد من أن يكون في قلب المؤمن تعظيم لله، ومحبة له، وخوف منه، تعظيم من خلال آياته، ومحبة من خلال نعمه، وخوف من خلال بلائه. 

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور