الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الحادي عشر من دروس العقيدة والإعجاز، أردت في هذا الدرس أن أُعالج موضوعاً دقيقاً وخطيراً، ألا وهو أن كل حركة من حركات الإنسان، أو أن كل سلوك من سلوكياته، أو أن كل موقف من مواقفه، أو أن كل خطوة من خطواته يسبقها تصور، إن صح التصور صحت الحركة.

ما معنى حركة؟ ذكرت هذا من قبل، هذه الطاولة جامدة ليس فيها شهوات، لا تحتاج إلى الطعام، لا تحتاج إلى الزواج، لا تحتاج لتؤكد ذاتها، إذاً ساكنة، تدعها في هذا المكان سنوات وسنوات في مكانها، أما الإنسان أودع الله فيه حاجة إلى الطعام، وحاجة إلى الجنس، وحاجة إلى تأكيد الذات، لابدّ من أن يتحرك، يتحرك ليكسب رزقاً ليشتري به طعاماً ليأكل، يتحرك لينال شهادة، ليكون في وظيفة تُدِرّ عليه دخلاً فيتزوج، يتحرك ليُثبت للناس أنه متفوق، فحياتنا أساسها حركة، كائن متحرك، هذه الحركة طبعاً قد تكون خيّرة، وقد تكون شريرة، قد تكون فيها عدوان، أو فيها عطاء، فيها إحسان، فيها ظلم، فيها طهر، فيها عفاف، حركة، سيدنا يوسف تحرك:
﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾
وهناك أشخاص يتحركون نحو الفاحشة، فالنقطة الدقيقة الآن أي حركة يسبقها تصوّرٌ، هذا الذي سرق لماذا سرق؟ السرقة حركة، لكن سبقها تصور خاطئ أن السارق يأخذ مالاً وفيراً بجهد قليل، وفاته أن هناك عقاباً قاسياً.
إنْ صحّ التصوّرُ صحت الحركة:
كل إنسان يتحرك يسبق الحركة تصور، الآن إن صح التصور صحت الحركة، ولا يمكن أن تكون هناك حركة من دون تصور، لو أنه لا علاقة بين التصور والحركة نقول له: تصور ما شئت، واعتقد ما شئت، وآمن بما شئت، لكن لأن هناك تلازماً حقيقياً ثابتاً مستمراً بين التصور وبين السلوك ندقق على التصور، أي ندقق على العقيدة، أي لابد من أن تصح العقيدة، فإن صحت صحّ العمل، وإن صحّ العمل سَلِم الإنسان وسعد في الدنيا والآخرة.

لآتي بمثل، لو أن طالباً تصور إما باجتهاده الشخصي أو بكلمة أُلقيت في أذنه أن الأستاذ قبل الامتحان إنْ قدّمت له هدية ثمينة يعطيك الأسئلة، هذا التصور ماذا يقابله؟ إلغاء الدراسة، يُمضي هذا الطالب عامه الدراسي كله مع أصدقائه في التنزهات، في السينمات، اعتماداً على تصور أن الأسئلة يأخذها، ويقرأ أجوبتها ليلاً وينجح، فلما طرق باب المعلم، ومعه الهدية الثمينة من أجل أن يعطيه الأسئلة فوجئ هذا الطالب أن الأستاذ صفعه على وجهه صفعة قاسية وطرده، نقول: هذا الطالب كان ضحية التصور الخاطئ، هذا الطالب كان ضحية التصور الخاطئ، لو أن الطالب كان تصوره صحيحاً أن الأستاذ نزيه، والامتحان نزيه، والتصحيح دقيق، ولابد من أن يدرس فدرس، الأول أخطأ في التصور فخسر العام الدراسي، والثاني أصاب في التصور فربح العام الدراسي، وسّع هذا المثل، أحياناً يتصور إنسان إذا غشّ الناس يربح، وفاته أن الله له بالمرصاد، يغش الناس، يسلب الله منه لبّه وعقله، يرتكب حماقة كبيرة جداً في مخالفة للأنظمة تصادر أمواله كلها، كل الذي جمّعه من الغش دفعه في ثانية واحدة، هذه المصادرة، وهذا الإيقاع المؤلم لثروته بسبب غشه، هو لو تصور أن الغاش سوف يعاقب في الدنيا ما غشّ الناس.
صدقوا أيها الإخوة؛ هذا الدرس يدور مع الناس جميعاً، في كل شؤون حياتهم، يتصور أنه إذا فعل كذا اغتنى، لكنه فعل كذا بمعصية، يتصور أن المعصية أحياناً قد تقوده إلى ربح وفير، وفاته أن لكل معصية عقاباً، وفاته أنه مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، وأن تطيعه وتخسر.
مشكلات الناس ناتجة من تصوّرٍ خاطئ:
أكاد أقول لكم: كل مشكلات الناس ناتجة من تصور خاطئ، ناتجة من ضعف العقيدة، ناتجة من ضعف التوحيد، ناتجة من فهم ساذج، لأنه حينما تؤمن أن لهذا الكون إلهاً، وأنه يراقبنا، وهو يربينا، ويحاسبنا في الدنيا قبل الآخرة عندئذ تستقيم على أمر الله، فإذا استقمت على أمر الله سلمت وسعدت.
مرة ثانية؛ ما من تصور تتصوره في أي موضوع إلا وينتج عنه سلوك، أي مثلاً لو أن رجلاً حضر درس علم لإنسان معلوماته ضعيفة، تحليلاته ضعيفة، فقال: شفاعتي-والحديث صحيح لكن له تفسير دقيق-
(( فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي. ))
اطمأن، وبدل أن يستقيم انحرف، بدل أن يستقيم تفلت، اعتماداً على مفهومٍ لشفاعة ساذج، فحينما يأتي يوم الدين ويضعه الله عز وجل في حساب عسير، وقد تتلى عليه الآية الكريمة:
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾
تصوره عن الشفاعة التصور الخاطئ أوقعه في المعاصي والآثام، ثم فوجئ أن هذه المعاصي والآثام لابد من دفع ثمنها باهظاً.
أيها الإخوة؛ هذا الدرس من دروس العقيدة، ولكنه من أخطر دروس العقيدة، إنسان يأكل مالاً حراماً، ويظن نفسه متفوقاً، ثم يُتلف ماله، إنسان يعتدي على كرامة الآخرين، يضعه الله في موقف مهين، فالذي امتلك تصوراً صحيحاً، تصوراً عن الإله صحيحاً أنه عادل، أن لكل سيئة عقاباً، لكل حسنة ثواباً، أن المستقيم في مأمن من عذاب الله عز وجل، الآن بعض النصوص، سيدنا رسول الله،
(( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا أَخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ. ))
هذا الكلام كلام النبي، والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، وفي بعض الأحاديث التي نُقلت عن سيدنا سعد بن أبي وقاص قال: ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس؛

ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من الله تعالى، ولا صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى انصرف منها، فالمؤمن حينما يقول النبي شيئاً يفهمه، ويوقن به، ويطبقه فيسلم، أما الذي يتوهم أن أكل أموال الناس بالباطل يُعدّ ربحاً مغرياً، ويجهل أن الله سيدمره، لأن المال الحرام يذهب، ويذهب بصاحبه، وأن المال الحلال يذهب، يُنفَق، لكن يبقى صاحبه موفور الكرامة، أريد أن أقول: ما من خطأ يصيب الإنسان، أو ما من مشكلة تصيب الإنسان، أو ما من محنة تصيب الإنسان إلا بسبب خطأ في السلوك ناتج عن خطأ في التصور.
أحياناً يموت الأب، يترك أولاداً، أحد أولاده قوي، أكبر أولاده، وله سطوة على إخوته، يأخذ الثروة كلها، يدع لإخوته الفتات، ويظن أنه بحكم قوته وعمره، وسيطرته وهيمنته، هذا من حقه، ولم يدخل الله في حساباته، النتيجة؛ والله سمعت قصصاً كثيرة أن هذه الثروة التي اغتصبها من إخوته، وتمتع بها تذهب أدراج الرياح، ويُضطر أن يعمل محاسباً عند إخوته الذين حرمهم هذه الثروة، لو كان طالب علم لا يُقْدم على هذا العمل، هناك حساب، هناك متابعة، هناك عقاب، هناك تأديب، هناك نتائج للعمل.
لذلك أيها الإخوة؛ اعتقد يقيناً أنه ما من مشكلة تصيب إنساناً إلا بسبب معصية ارتكبها، دقق الآن، وما من معصية ارتكبها إلا بتصور خاطئ، لذلك فلنصحح تصوراتنا حتى تصح أعمالنا، حتى نسلم ونسعد في الدنيا والآخرة.
طبعاً الأمثلة كثيرة جداً، مثلاً: إنسان يتوهم أن هذا الرزق الوفير يأتيه من معصية، يقول: ماذا نفعل؟ مضطرون، عندنا أولاد، يرتكب هذه المعصية ليأخذ مالاً وفيراً فيمحق الله له ماله، إنسان آخر موقن أن الاستقامة التامة هي سبب الربح، فيرفض دخلاً فيه شبهة، فيعوضه الله خيراً منه، والله مقولة أيها الإخوة؛ أنا لا أرتوي من تردادها:
(( عن سالم عن أبيه مرفوعاً: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه. ))
[ الجامع الصغير: رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعاً ]
أبداً، فلذلك التصور خطير جداً، أنا أقول: تصور، أعني به العقيدة، أنت ماذا تعتقد؟ أنت حينما تعتقد أن هذه المرأة ضعيفة الآن لا تعجبك، تزوجتها وكنت فقيراً فقبلت بها، وهي قبلت بك، فلما أصبحت غنياً هي لا تعجبك فأهملتها وطلقتها، وأنت تظن أنك سوف تسعد بامرأة أخرى، حقّ هذه المرأة الضعيفة التي طلقتها وأنت ظالم في تطليقها لن يذهب عند الله، سوف تُحاسب عليه، لذلك بقدر ما تخاف الله تكون عاقلاً، بقدر ما تقف عند حدوده تكون فقيهاً، بقدر ما تُدخل محاسبة الله في حساباتك اليومية تكون ذكياً وعاقلاً.
أخطر الأعمال التي لها أثر مستقبلي:
إخواننا الكرام؛ أحيانا يأكل الإنسان، لكن هذا الأكل-أكل وشبع-قد يكون أكلاً نفيساً، قد يكون رخيصاً، قد يكون خشناً، قد يكون رائعاً جداً، لكن الأكل بعد حين انتهى الطعام، وانتهت لذة الطعام، وامتلأ البطن، وشعرت بالشبع، نوع الطعام ليس له أثر مستقبلي، أكلنا والحمد له، لكن أحياناً إنسان يرتكب عملاً هذا العمل له أثر مستقبلي، هذا أخطر شيء، مثلاً اعتدى، هذا العدوان سوف يجر له مشكلة كبيرة، أخطر الأعمال التي لها أثر مستقبلي، أي إنسان جلس في حوض الحمام شعر براحة، ارتاح ربع ساعة، لكن ليس هناك أثر مستقبلي، أما إنسان قرأ باباً في العلم فانتفع به، الآن إلى نهاية الحياة كلما عرض له موضوع متعلق بهذا الحديث وقف جانب الطاعة لله فسلم وسعد، فأنت فرِّق بين عمل طارئ، عمل عارض، عمل ليس له علاقة بالمستقبل، وبين عمل قد يسبب لك متاعب، قد يسبب لك عقاباً من الله، قد يسبب لك فقراً، قد يسبب لك إهانة، قد يسبب لك ذلاً، قد يسبب لك علاقة مع أهلك سيئة، قد يسبب لك علاقة مع أولادك سيئة، فكل عمل خاطئ وراءه تصور خاطئ، والعمل الخاطئ الذي وراءه تصور خاطئ له أثر مستقبلي، لذلك:
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
أيها الإخوة؛ إنسان تصور أن الله غفور رحيم، هذا التصور صحيح؟ صحيح وغير صحيح، صحيح هو غفور رحيم، لكن متى؟
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾
﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾
استنباط التصورات الصحيحة عند قراءة القرآن:
إخوتنا الكرام؛ حينما تقرأ القرآن يجب أن تستنبط منه تصوراً صحيحاً، مثلاً من بعض الأمثلة:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
تقول: في الآخرة، الآخرة شيء بديهي، دعك من الآخرة، في الدنيا
﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ ؟ قال:
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ يأتي إنسان يقبل بعمل فيه شبهة، فيه معصية، فيه حرمة، ودخله كبير، يطمع بهذا الدخل الكبير أن يعيش حياة ناعمة، أن يقتني بيتاً مريحاً، مركبة فارهة، أن يختار زوجة بارعة الجمال، ثم يفاجأ أن هذا المال دُمر، وأن هذا الزواج لم ينجح، والعمل ما نجح، والسكن ما نجح، لماذا يتعظ بعد فوات الأوان؟

لو أنه قرأ القرآن، وهذا القرآن أدى له تصوراً صحيحاً ما عصى الله عز وجل، لذلك المؤمن يرضى بدخل محدود حلال لا شبهة فيه، ويركل بقدمه دخلاً فلكياً فيه شبهة، المؤمن حياته بطولة، المؤمن رقم صعب، المؤمن لا يُباع ولا يُشترى، كلمة لا داخلة بحياته اليومية، لا،
﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ شاب غير متزوج، غريب، تأمره سيدته، وهي بارعة الجمال، وليس في صالحها أن تفضح نفسها، وكل شيء مهيأ،
﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ طبعاً القصص في هذا الموضوع لا تُعدّ ولا تحصى، والله لا تُعد ولا تحصى.
إخواننا الكرام؛ يلقون بعض الوقائع على مسامعي هي مصداق لِمَا أقول في هذا المعنى، دخلٌ غير مشروع اركله بقدمك، وقل: ((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه)) .
أحد إخوتنا الكرام عنده مركبة جيدة، استأجرتها شركة كبيرة جداً من اليابان برقم فلكي، هو مهمته أن ينقل الموظفين من دائرتهم إلى بيوتهم، فأثناء الانتقال يأخذونه إلى بعض المحلات ليشتروا حاجاتهم، لمح مرة أنهم يشترون الخمر، هو خاف من الله أن تُستخدم هذه المركبة لنقل شراب حرمه الله عز وجل فقدم اعتذاره عن متابعة العمل، إنسان دخْلُه عشرة أضعاف دخل الناس العاديين من أجل هذه الشركة الكبيرة، فلما رفض ووضع هذا الدخل الكبير تحت قدمه اعتماداً على أن الله عز وجل لا ينساه ما الذي حصل؟ شيء لا يصدق، بدل أن يرفضوه يأتيهم مئة إنسان مكانه بهذا الدخل الكبير، ومركباتهم أرقى، تمسكوا به، ومنعوا موظفيهم أن يقتنوا هذا المشروب إذا ركبوا معه، ثم وثقوا منه ثقة بالغة، سلموه مفاتيح بيوتهم إذا عادوا إلى بلادهم، أعطوهم مركباتهم الفخمة ليرعاها في غيبتهم، سبحان الله! ((وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه)) .
إخواننا الكرام؛ تتصور الإنسان أحياناً من أجل شهادة يلغي دروس العلم، ولو تصور صحيحاً أنك إذا طلبت العلم سوف توفق في دراستك، المشكلة أن تضيع الدنيا والآخرة معاً، لذلك أي إنسان آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، وأي إنسان آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، مثلاً الله عز وجل قال لك:
﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)﴾
الزنا حد، الاقتراب منه صحبة الأراذل، الاقتراب منه الخلوة بامرأة أجنبية، الاقتراب منه إطلاق البصر، الاقتراب منه أن تمشي في طريق موبوء بالكاسيات العاريات، الاقتراب منه أن تقرأ شيئاً مثيراً، أو أن تشاهد شيئاً مثيراً، هذا كله اقتراب منه، فإذا ما صدق إنسان كلام الله تصوره غير صحيح لكن أنا إرادتي قوية، فاقترب من حدود الله، وقال: أنا إرادتي قوية، يفاجأُ أنه وصل إلى الفاحشة الكبرى، لأنه ما صدق الله، ولم يكن تصوره صحيحاً، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ. ))
فالبطولة أن كل آية تقرؤها، وأن كل حديث تقرؤه ينبغي أن تستنبط منه تصوراً يكون إضاءة لك في كل شؤون حياتك، المال الحرام يذهب ويُذهِب معه أهله، والمال الحلال؟
الواقع الموضوعي ينبئ بالتصورات الصحيحة وغير الصحيحة:
والله أعرف شخصاً يعمل في سلك يمكن أن يحقق منه دخل فلكي، أقسم لي بالله قال لي: أنا أمضيت في هذا السلك أربعين عاماً ما أكلت درهماً واحداً حراماً، أنا تتبعت حياته وجدت أنه عاش تسعين سنة في بحبوحة، وبصحة جيدة، أولاده أمامه، وكل ولد الله يسر له عملاً، وله مكانة اجتماعية، وبالسلك نفسه فيه يوجد إنسان مدّ يده للحرام، وبنى ثروة كبيرة جداً على إيذاء الناس، وابتزاز أموالهم، والله انتهى نهاية شهد الله لا يرضاها الإنسان لعدوه، أقول: يا رب لو يعلم الناس قوانين الله عز وجل.
والله التقيت مع إنسان قال لي: أنا عمري ست وتسعون سنة، أجريت البارحة تحاليل كاملة، قال لي: كان كله طبيعي، قال لي: والله يا أستاذ، الحرام لا أعرفه، لا أعرفه إطلاقاً لا حرام النساء، ولا حرام المال.
التقيت مع إنسان ببلد إسلامي قال لي: أنا كنت أعمل عتالاً في سوق الخضرة، الآن من أكبر تجار الخضراوات بذلك البلد، عنده أربعون خمسون أسطول شاحنة، براد للفواكه، قال لي: والله ما فاتني في حياتي فرض صلاة، ولا أكلت قرشاً حراماً.
يا إخوان؛ لو تعرفون قوانين الله عز وجل، لو تعرفوها ترون يوجد توفيق، يوجد حفظ، يوجد تأييد، يوجد نصر، إياك أن تقترب من الحرام، الحرام مُدَمِّر، وكل إنسان يقترب منه، ويأخذه عنده تصور خاطئ، تصور المبلغ الكبير، وكيف سوف يستمتع به، وينفقه، ويشتري به بيتاً جديداً، يُوسِّع بيته، فإذا بالمال يذهب سدى، ويبقى العقاب الأليم.
فلذلك أيها الإخوة؛ ما من سلوك جيد أو سيئ إلا وراءه تصور جيد أو سيئ، أي عقيدة، لذلك كانت هذه الدروس، أخطر شيء بالدين العقيدة، إن صحت عقيدتك صح عملك، سلمت وسعدت في الدنيا والآخرة، وإن فسدت عقيدتك فسد عملك، فشقيت في الدنيا والآخرة، مثلاً كلمة: الله غفور، يجب أن يكون التصور الصحيح أن الله يغفر الذنوب بعد أن تؤمن، وبعد أن تتوب، وبعد أن تصحح الخطأ السابق، قال تعالى:
﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119)﴾
تصور آخر؛ يتصور الإنسان إذا حجّ إلى بيت الله الحرام:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجعَ كيومَ ولدتهُ أمُّه. ))
هذا حديث صحيح، لكن لو لزم دروس العلم، وتلقى العلم عن علماء كبار متمكنين ورعين لأنبؤوه أن حقوق العباد لا حج، ولا مليون ركعة، ولا صيام الدهر يلغيها، حقوق العباد مبنية على المشاححة، لكن حقوق الله مبنية على المسامحة، أنت حينما تتصور أن الله لا يغفر لك في الحج إلا ما كان بينك وبين الله، وأن الله لا يغفر لك في الصيام إلا ما كان بينك وبينه، وأن الله لا يغفر لك بالتوبة النصوح إلا ما كان بينك وبينه صحّ تصورك، أديت الحقوق لأصحابها، بدل أن تقول: أنا حججت، والله غفر لي، هذا وهم، تصور خاطئ، حقوق العباد لا تُغفر إلا بالأداء والمسامحة، أحياناً تتصور أن هذا الشيخ أفتى لي، إن شاء الله برقبته، لا، لو استطعت أن تنتزع من فم سيد الخلق وحبيب الحق فتوى نطق بها، بفمه الشريف نطق بها، ولم تكن محقاً لا تنجو من عذاب الله، هذا التصور الصحيح،
(( فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا. ))
أنا أمام أمثلة كثيرة جداً، أحياناً تتصور مفهوم الشفاعة تصوراً خاطئاً، هذا التصور الخاطئ يدفعك إلى ارتكاب المعاصي اعتماداً على شفاعة النبي لك يوم القيامة، أحياناً تتصور المغفرة أن الله غفور رحيم، يا رب اغفر لي، لكن بلا ثمن، بلا سبب، مثلاً: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لكن:
﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (54)﴾
هذا التصور الصحيح.
تصورات غير صحيحة في العبادات:
لذلك أيها الإخوة؛ مفهوم الحج يحتاج إلى تصور صحيح، قضية أنني أنا ذهبت إلى هناك أم عقدت توبة نصوحة في الحج؟ قضية العمرة يجب أن تملك لها تصوراً صحيحاً، قضية الصلاة، أنا صليت، لكن هل صلاتك حجزتك عن الحرام؟ نهتك عن الفحشاء والمنكر؟ هل الصلاة عند الله مقبولة؟ يجب أن تملك التصور الصحيح للصلاة والزكاة والحج والصيام والشهادة لا إله إلا الله، مثلاً هناك وهم، يكفي أن تنطق بالشهادة للجنة، لا، لا أبداً، ليس هذا صحيحاً، من قال: لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله، الصلاة مثلاً،
(( عن أَبي هُرَيْرَةَ: أَتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ؟ قالُوا: المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ. ))
يجب أن تملك تصوراً صحيحاً عن الصلاة.
الصيام:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ. ))
يجب أن تملك تصوراً صحيحاً عن الحج؛ من حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب وقال: لبيك اللهم لبيك؛ ينادى أن لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك.
إنفاق المال يجب أن تملك عنه تصوراُ صحيحاً، قال تعالى:
﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)﴾
الإسلام بناء شامل متكامل:
نجاحنا أيها الإخوة؛ فلاحنا، سعادتنا، سلامتنا، تألقنا أن نملك تصوراً صحيحاً عن الدين، أحياناً يكون التصور خطيراً جداً، الدين يُختصر عنده بأداء الصلاة والصيام والحج والزكاة، بيته غير إسلامي، احتفالاته غير إسلامية، عقد قرانه غير إسلامي، عمله فيه غش، عمله فيه مادة محرمة، عمله فيه كذب، عمله فيه احتيال، عمله فيه احتكار، هذه مشكلة المسلمين الأولى، يتصورون الدين أن تصلي، الصلاة أحد أركان الدين، والخمسة أركان ليست هي الدين،
(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».))
الإسلام هذا بناء، هذه أركان الإسلام، الإسلام بناء أخلاقي، الإسلام استقامة، الإسلام عفة، الإسلام ورع، الإسلام أمانة، المسلم إذا حدثك فهو صادق، عاملك فهو أمين، استثيرت شهوته فهو عفيف، خطأ المسلمين في التصور جعلهم في مؤخرة الأمم، فهموا الدين عبادات شكلية فقط، أي تجده يضع المصحف في مركبته، وفي عيونه يبحلق في محاسن النساء، والمصحف للبركة، يكتب بمحله التجاري:
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1)﴾
ويوجد غش، ويوجد كذب، ويوجد احتيال، ويوجد مادة محرمة، وبصفقة محرمة، هذه المشكلة يا إخوان، تصور خاطئ عن الدين، ما لم يكن التصور صحيحاً، مثلاً مستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل وألف ألف أَلف مستحيل أن تطيعه وتخسر، هذه حقيقة، إن كان عندك هذا التصور تركل بقدمك مبلغاً فلكياً لأنه حرام، وتقبل بمبلغ محدود لأنه حلال، التصور الخاطئ تريدها جميلة بارعة الجمال، لا يهمك دينها، تُقبل عليها، تتزوجها، تعيش معها جحيماً لا يُطاق، لأنك ما صدّقت رسول الله،
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ». ))
لتصور خاطئ، يتصور أن المرأة البارعة تسعده، لا، تسعدك امرأة تعرف الله مؤمنة، ترعى حقك وحقّ أولادك، الدرس واسع جداً، المسلمون مع الأسف الشديد يملكون تصوراً خاطئاً عن حقيقة دينهم، تصوروه ديناً شعائرياً، دينك بعيادتك، دينك بمكتبك الهندسي، دينك بدكانك، دينك بمعملك، دينك بحقلك، يضع مادة مسرطنة تُكبِّر حجم الفاكهة، يصلي، العمل يتناقض مع الصلاة، هذه مادة مسرطنة، أنت تؤذي الناس، مستشفى فيها أدوية مضى على انتهاء صلاحيتها خمس سنوات، وأدوية يمكن أن تصيب المريض بالموت المفاجئ، وهناك ثلاث حالات موت، والمستشفى لها جو ديني، تدخل:
﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾
ما هذه المستشفى؟ والأدوية التي تستخدمها مضى على انتهاء صلاحيتها خمس سنوات، وهناك حالات وفاة، شيء مخيف، لما فصل المسلمون دينهم عن سلوكهم فهموا الدين شعائر، ما فهموه سلوكاً، فهموا الدين أداء عبادات شعائرية، ما فهموه ورعاً، ولا دقة في المعاملة.
من قوانين الحياة المعقدة:
أيها الإخوة الكرام؛ أحياناً الحياة معقدة جداً، بالحياة المعقدة يمكن أن تستنبط قوانين، أن الإنسان إذا كذب يربح، أحياناً يشتري قماشاً من بلد غير جيد في الصناعة، يُحضر شريطاً ذهبياً كتب عليه: صنع في إنكلترا، بالمكواة يثبته على القماش، يظن حاله ذكياً، تأتي امرأة يبيعها قماشاً على أنه قماش من أرقى دولة، يمكن سعره عشرة أضعاف بهذه الحاشية التي وضعها هو بنفسه على القماش، يظن حاله ذكياً، تأتي الجمارك يدفعونه سبعمئة ألف مثلاً، من أين أتت المشكلة؟ لأنه تصور أن الله لا يعلم، ولن يحاسب، لكن الله يعلم ويحاسب.
أيها الإخوة؛ دققوا في تصوراتكم، أيّ تصور خاطئ يوجد معه سلوك خاطئ.
من شواهد سير الصحابة في صحة التصور:
أيها الإخوة؛ كشاهد من السيرة حول صحة التصور: أحد الصحابة سيدنا كعب تخلّف عن رسول الله في الجهاد، حينما عاد النبي من تبوك حضره همه، ماذا يقول له؟ يقول عن نفسه: أنا أوتيت جدلاً، بالتعبير المعاصر عنده قوة إقناع، هذه ملَكة كبيرة بالإنسان، هناك إنسان يقنعك بأفكاره، مع أن أفكاره غير صحيحة، لكن عنده قوة إقناع قوية جداً، قال: لقد أوتيت جدلاً، فلما اقترب النبي من المدينة وقع بصراع شديد، يكذب عليه، يقدر أن يعطيه تعبيراً أو تفسيراً أو وقائع يقتنع النبي بها، لكن الذي حصل أنه يملك تصوراً صحيحاً، قال: لقد أوتيت جدلاً، ولأن خرجت من سخطه ليوشكن الله أن يُسَخطه عليّ، إذا خرج من سخطه بقوة حجته ليوشكن الله أن يُسَخطه عليه، قال: فأجمعت صدقه، تصوره أن هناك إلهاً، مهما كنت ذكياً الله عز وجل بالمرصاد، أنا أوتيت جدلاً، أوتيت قوة إقناع، بإمكاني أن أذكر له قصة لم تكن لكن مقنعة، فيقول: معك الحق، وانتهى الأمر.
فلما عاد النبي عليه الصلاة والسلام، واستقبل الذين تخلّفوا عنه، ثمانون رجلاً، وكل واحد أدى عذراً رائعاً، والنبي قبِل أعذارهم، منافقون تخلّفوا في الجهاد، فلما جاء النبي استقبلوه، وذكروا له أعذاراً مقنعة، وقبِل النبي أعذارهم، جاء دور سيدنا كعب قال له: والله يا رسول الله ما كنت في حالة أقوى ولا أشد ولا أغنى حينما تخلفت عنك، لكن لا عذر لي، أي تقصير، فالنبي لمّاح قال: أما هذا فقد صدق، معنى ذلك أن ثمانين رجلاً كذبوا، والقصة معروفة كيف الصحابة بأمر إلهي حاربوا أربعة مدة خمسين يوماً، وصاروا بالقمم، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)﴾
قال: والله لقد أوتيت جدلاً، إن خرجت منه بهذا الجدل ليوشكن الله أن يُسَخِّطه علي، هذا التوحيد.
صحة التصور أساسها التوحيد:
أيها الإخوة؛ صدقوا أن صحة التصور أساسها التوحيد، الله لا يغفل، كل شيء بحسابه، أعرابي سأل النبي موعظة بإيجاز شديد، قال: عظني ولا تُطِل؟ تلا عليه النبي فقرة من سورة، قال له:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾
قال: كفيت، فقال النبي الكريم: فَقُه الرجل، إذاً البطولة أن تملك تصوراً صحيحاً، أن الله بيده كل شيء، هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو المعز، هو المذل، هو الموفق، هو الحافظ، هو الناصر، هو كل شيء، عليك أن تطيعه، لذلك:
﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)﴾
لك مهمة واحدة؛ أن تعبده، وعلى الله الباقي، لا تقلق على هذا الدين، إنه دين الله، اقلق على نفسك ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له.
الموضوع العلمي الحكمة من تذكية الذبيحة:
إخواننا الكرام؛ تعودنا أن نعالج موضوعاً في الإعجاز العلمي، لكن دائماً نحن إذا قرأنا آية قرآنية فيها إعجاز نقول: هذه إعجاز، لكن إذا كان هناك حديث شريف، هذا الحديث الشريف قد يكون فيه ما يشبه الإعجاز، لكن نسميه نحن من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام.
النبي عليه الصلاة والسلام وجهنا إلى أننا إذا ذبحنا الدابة علينا ألا نقطع رأسها بل علينا أن نقطع أوداجها فقط، حديث شريف، ليس في الأرض كلها لا في مشارقها، ولا في مغاربها مركز علمي متقدم بإمكانه أن يُحلل، ويبين حكمة هذا التوجيه، نبي أمي نشأ في الصحراء، يقول لنا: لا تقطعوا رأس الذبيحة، اقطعوا أوداجها فقط، مضى مئة عام، مئتا عام، خمسمئة عام، ألف عام، ألف وثلاثمئة عام، ألف وأربعمئة عام، وليس في الأرض كلها جهة علمية يمكن أن تفسر هذا التوجيه إلا قبل عقدين من الزمن، ثبت أن قلب الإنسان العضو النبيل التي تتوقف الحياة على نبضاته، لأنه عضو نبيل وخطير جداً لا يتلقى أمراً بالنبض من الشبكة العامة، الكهربائية العامة، يتلقى أمراً بالنبض من مركز فيه مستقل عن الشبكة العامة، يوجد مركز كهربائي بالقلب يعطي أمراً بالنبض، إذا تعطل هذا المركز هناك مركز آخر، إن تعطل الثاني هناك مركز ثالث، ثلاث بطاريات للقلب، وأحياناً الإنسان يصاب بإضطراب بالنبض، يضعون له بطارية بقلبه، اضطراب بالنبض، فهذا القلب ينبض ثمانين نبضة بأمر ذاتي، لكن هذه النبضات لا تزيد عن الثمانين، لكن الإنسان، قال تعالى:
﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾
هناك آلية معقدة، يمشي الإنسان في الطريق وجد ثعباناً، يمشي ببستان رأى ثعباناً، صورة الثعبان انطبعت على شبكية العين إحساساً، انتقلت إلى الدماغ مركز الرؤية، هناك ملفات للثعبان، دارس علوماً، سمع قصتين أو ثلاثاً، سمع من جدته قصة أنها رأت ثعباناً في البيت العربي، دخل إلى متحف فوجد بعض الثعابين مصبّرة، يوجد عنده ملف الثعابين، لما صورة الثعابين انتقلت من الشبكية إلى الدماغ في الدماغ قرئت قراءة في ضوء ملفات الثعابين، الدماغ ملك الجهاز العصبي أدرك الخطر، أعطى أمراً لملكة الجهاز الهرموني الغدة النخامية، الغدة النخامية يوجد عندها وزير داخلية اسمه الكظر فوق الكلية، أعطت له أمراً أن يواجه الخطر، الكظر أعطى أمراً للقلب رفع النبض للمئة والثمانين، فارتفاع النبض للمئة والثمانين من أين يأتي؟ يأتي بدءاً من الدماغ إلى الغدة النخامية إلى الكظر إلى القلب، إنسان يكون وراءه عدو، أو يصعد درجاً، أو يحمل حملاً ثقيلاً يحتاج إلى طاقة أكبر، والطاقة الأكبر تحتاج إلى دم أغزر، والدم الأغزر يحتاج إلى سير أسرع، والسير الأسرع يحتاج إلى نبض أعلى، هذا شأن الإنسان، إذاً الأمر الذاتي للقلب ذاته ثمانون نبضة، أما الأمر الاستثنائي مئة وثمانون، يأتي من الدماغ للكظر، من الدماغ للنخامية للكظر للقلب، ومعظم الحيوانات التي نعيش معها لها النظام نفسه، هذا الخروف إن قطعت رأسه كلياً يبقى الأمر النظامي ثمانين ضربة، مهمة القلب بعد الذبح إخراج الدم، ثمانون ضربة لا تكفي لإخراج الدم كله، يخرج ربعه، تبقى الدابة زرقاء مكتنزة، يصعب نضجها، أما لما تُقطع الأوداج فقط يبقى الرأس متصلاً، الآن أنت سمحت للآلية المعقدة الثانية أن تعمل، فمن الرأس للنخامية للكظر صار نبض القلب مئة وثمانين نبضة، الدم كله يخرج، عندئذ تسمى هذه الدابة دابة مذكّاة، أي خرج دمها كله، إذاً:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
لي صديق ذهب لبلاد بعيدة ليشتري لحماً، بمهمة رسمية، فلما طالبهم بذبح على الطريقة الإسلامية رفعوا السعر، قالوا: هذه الدابة فيها ثمانية كيلو دم، فإذا ذبحنا على طريقتكم نخسر هذا الوزن، إذاً هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام.
الملف مدقق