الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
1 ـ ليس من طبيعة النفس الشرُّ:
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس العشرين من دروس العقيدة والإعجاز، ولا زلنا في موضوع الشهوة، ولكن موضوعنا اليوم وإن كانت الشهوة تُظله لكنه موضوع فرعي من فروع موضوعات الشهوة، إلا أن المنطلق لهذا الموضوع هو أن حُسن الظن بالله ثمن الجنة، ولبعض الأئمة العظام كلمة رائعة وهي أن العوام لئن يرتكبوا الكبائر أفضل من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون.
﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)﴾
الإنسان يتوهم أحياناً أن الشر من طبيعة النفوس، بل إن شعراء الجاهلية قالوا:
والظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن تَجِد ذا عِفَّــةٍ فَـلِعِلَّةٍ لا يَظلِـــمُ
كلمات يرددها معظم الناس، الإنسان لئيم، الإنسان مادي، الإنسان، الإنسان، الحقيقة أن خَلْقَ الله كاملٌ:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)﴾
النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب ربه ويقول:
(( عن علي بن أبي طالب: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استفتَح الصَّلاةَ كبَّر ثمَّ يقولُ : وجَّهْتُ وجهيَ للَّذي فطَر السَّمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا مِن المُشرِكينَ إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي للهِ ربِّ العالَمينَ لا شريكَ له وبذلكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسلِمينَ اللَّهمَّ أنتَ الملِكُ لا إلهَ إلَّا أنتَ أنتَ ربِّي وأنا عبدُكَ ظلَمْتُ نفسي واعترَفْتُ بذَنْبي فاغفِرْ لي ذُنوبي جميعًا لا يغفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ لبَّيْكَ وسعدَيْكَ والخيرُ كلُّه في يدَيْكَ والشَّرُّ ليس إليكَ أنا بكَ وإليكَ تبارَكْتَ وتعالَيْتَ أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ.))
هذا التقديم من أجل أن أؤكد لكم أن هذه الشهوات الذي أودعها الله فينا هي حيادية، يمكن أن تكون سلّماً نرقى بها، أو دركات نهوي بها، الشهوات حيادية لأن الإنسان في الأصل مخير، لكن قد يقول بعضهم مثلاً: الحسد من خصائص الإنسان، والحسد صفة ذميمة، وهي من خصائص الإنسان، الآن الجواب الدقيق الحقيقي المنسجم مع كمال الله الذي تؤكده آيات القرآن الكريم أن الإنسان فُطِر فطرة عالية، وأن منهج الله عز وجل يتوافق مع هذه الفطرة توافقاً تاماً، وأن الشهوات التي أودعها فيه ما أودعها فيه إلا ليرقى بنا إلى رب الأرض والسماوات، وقد يهوي بها لأنها حيادية، ولأنه مخير.
وأن الحظوظ؛ حظ المال قد يرقى بالإنسان إلى أعلى عليين، وقد يهوي به إلى أسفل سافلين، حظ الذكاء قد يرقى بك الذكاء إلى أعلى عليين، وقد يهوي بالإنسان إلى أسفل سافلين، حظ الوسامة، قد تكون الوسامة من نعم الله الكبرى، فإذا سُخِّرت الوسامة لارتكاب الموبقات وانتهاك الحرمات كانت سبيلاً إلى النار، إذاً كما أن الشهوات حيادية:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾
هذه الشهوات حيادية، وذكرت لكم أن الإنسان أحياناً يتزوج امرأة صالحة، ينجب منها أولاداً أبراراً، يأتيه أصهار مؤمنون، تصبح لديه أسرة من عشرين أو ثلاثين أو أربعين إنساناً من نسل هذا الأب، من نسل هذا الجد، أسرة منضبطة بالمبادئ والمُثُل والأخلاق، أكثرهم أطباء ومهندسون ودعاة إلى الله ومتخصصون، ونساؤهم محجبات، والبيت فيه رحمة، وفيه مودة، وفيه تعاطف، كل هذا الجمع الغفير أساسه علاقة جنسية، وكل دور الدعارة مبنية على علاقة جنسية تُخرِّج الساقطات والساقطين، والمنحرفات والمنحرفين، علاقة جنسية، الشهوة حيادية يمكن أن ترقى بك إلى أعلى عليين، ويمكن أن تهوي بك إلى أسفل سافلين، لأنك مخير، لأنك مخير الشهوات حيادية، الآن ولأنك مخير الحظوظ حيادية، هناك إنسان قوي جداً، هناك إنسان وسيم جداً، هناك إنسان ذكي جداً، هناك إنسان بليغ طليق اللسان، هذه حظوظ، غير الشهوات، طلاقة اللسان، القدرة على الإقناع، فصاحة اللسان، الذكاء، سرعة الفهم، القوة أحياناً، الصحة، صحة متينة جداً، الصحة، والذكاء، والوسامة، والقوة، يسميها علماء النفس القدرات العامة، وهناك قدرات خاصة، مثلاً من القدرات الخاصة أن هناك أناساً يستطيعون أن يظهروا أمام مَن حولهم بحجم أكبر من حجمهم، لكن لا يكذب، يعطيك أوصافاً لحياته أنت تتوهم أنه إنسان كبير جداً، مع أنه ما كذب، إنسان ساكن بأحد أحياء دمشق المتواضعة، بالحجر الأسود، سألوه: أين تسكن؟ قال لهم: Blackstone City، ما كذب، يسكن بالحجر الأسود، لما أعطى هذا الحي باللغة الإنكليزية توهمت أنه حيّ راقٍ جداً من أحياء مدينة بأمريكا، هناك قدرات عامة وقدرات خاصة، القدرات العامة والخاصة والذكاء والطلاقة والوسامة والقوة والصحة والجسم الرياضي، هذه حظوظ أيضاً حيادية، كما أن الشهوات حيادية الحظوظ حيادية، سلم ترقى بها، أو دركات تهوي بها.
أحياناً يقول لك: فلان بيّاع، عجيب عنده أسلوب يقنع الزبون، يقنعه تماماً، هذه قدرة خاصة، عنده قدرة إن دخل إلى المحل عشرون شخصًا يشتري منهم خمسة عشر، هذه قدرة، طبعاً العلماء عددوا أنواعاً منوعة من القدرات، هناك إنسان اجتماعي يرفض لك طلبك فتخرج مسروراً، يرفضه، يعتذر منك، ما بيده، هناك تعليمات مشددة، يقول لك: إن شاء الله في وقت آخر أخدمك، هذا الإنسان يصلح للعلاقات العامة، هناك إنسان يربي أعداءً كل دقيقة، كلامه قاسٍ، يوجد عنده جفاء، يوجد عنده عنف، هناك ذكاء اجتماعي، هناك ذكاء تحصيلي، أي إذا درس الأول دائماً، ذكاء تحصيلي، لكن هناك ذكاء اجتماعي.
مرة أينشتاين هذا العالم الفيزيائي الكبير الذي جاء بالنظرية النسبية التي قلبت مفاهيم الفيزياء، فطاف في ولايات أمريكا يلقي مُلخص نظريته في جامعات أمريكا، معه سائق ذكي جداً، لكن ما تعلّم، هنا تعليق الآن مهم جداً، لو تصورنا أينشتاين نفسه ولد راعياً ابن راعٍ بدولة متخلفة، أينشتاين نفسه الذي يحار العلماء في قدرة دماغه، ماذا سيفعل إذا كان ابن راعٍ من رعاة الأغنام في بلد متخلف؟ يبقى راعيًا، لكنه يمكن يعرف كم غنمة بالضبط، وكل غنمة وضعها، لكن لا يزيد عن أنه راعٍ، ما الذي جعله أينشتاين؟ دراسته، هذا الكلام معناه الإنسان لما يدرس كل قدراته الكامنة تتفجر، ولو ما درس مهما يكن ذكاؤه عالياً، فهذا سائق أينشتاين كان ذكياً جداً، لكن ما أتيح له أن يدرس، سمع المحاضرة مرة، مرتين، ثلاث، خمس، عشر، حفظها، وكان هو أينشتاين ذا دعابة، فطلب منه في آخر جامعة أن يلقيها عنه، وأن يقدمه للجامعة على أنه أينشتاين، لم يكن يومئذٍ فضائيات، ولا تواصل، ما كان شكله معروفًا، هو أيضاً معلمه سمح له، دخلوا إلى آخر جامعة قدم سائقه على أنه أينشتاين، صعد المنبر، وألقى المحاضرة، هو يحفظها غيباً، هناك سؤال عويص سأله أستاذ في الجامعة، هو يحفظها بشكل متقن لكن لم يكن في الإمكان أن يجيب، فلما سئل قال له: أنا سوف أكلف السائق الخاص بي أن يجيبك عنه، هذا يتمتع بذكاء فطري، لكن لم يُحصِّل الذكاء التحصيلي، هناك قدرات، الذكاء قدرة، حسن التخلص قدرة، روح الدعابة قدرة، قوة الإقناع قدرة، الخطابة قدرة، مواجهة الجمهور، هناك شخصيات عظيمة جداً بالاستديو لا يستطيع أن يتكلم ولا كلمة، فقَد قدراته، ما عنده إمكان أن يواجه جمهوراً، قدرة، القدرة على البيع قدرة، على الإقناع، موضوع طويل درسناه بعلم النفس، القدرات العامة والخاصة.
الآن القدرات حيادية، وممكن أن توظف هذه القدرات كسلم ترقى بها إلى الجنة، ويمكن أن تُوَظف هذه القدرات كطريق إلى النار، أي اللصوص أذكياء جداً، والذين يأخذون أموال الناس بالباطل أذكياء جداً، وهناك بالمجتمع قمم بالذكاء تبني دخلها على الكذب والدجل والإيهام، إذاً الذكاء مع طلاقة اللسان، مع قوة الإقناع، مع الوسامة، مع القوة العضلية، هذه حظوظ، هذه الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، أي أنت لك مادة امتحان مع الله، جعلك وسيماً، هل هذه الوسامة تشكر الله عليها وتكون عفيفاً بها ولا تستخدمها لما لا يرضي الله أم تستخدم هذه القدرات العامة والخاصة في المعاصي والآثام؟ حيادية لأنك مخير.
بقي الخصائص، الخصائص تمني ما عند الآخرين، هذه خصيصة، يسميها الناس أحياناً الغِيرة، أو الغَيرة بالتصحيح الغَيرة، إذا اتجهت إلى الدنيا تسمى حسداً، إذا اتجهت إلى الآخرة تسمى غبطةً، حيادية، أنا أذكر في بعض السنوات السابقة يجمعون أغنياء البلد في حفل، أو في طعام إفطار في رمضان، يدعى بعض العلماء لإلقاء كلمات تشجيعية على جمع تبرعات للأيتام لميتم معين، ميتم كبير جداً في دمشق، أنا أذكر أنني ألقي كلمة لعشر دقائق يتجمع مبلغ كبير جداً، لأن التبرع علني، فلان مئة ألف، شريكه مئة ألف، هناك محل منافس لهم دفع مئتي ألف، يتجمع مبلغ كبير جداً، لكن مرة ارتأى القائمون على هذا الحفل أن يكون التبرع مكتوباً، أذكر من ستة ملايين إلى ستمئة ألف، أعطوه إيصالاً كتب خمسة وعشرين ألفاً، لا يوجد منافسة، هذا عشرة آلاف، خمسة آلاف، أما شفهي وأمام الناس، أمام الأنداد، مئة ألف، قال له: مئتا ألف مني، طبعاً ماذا قال الله عز وجل؟
﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)﴾
الحكم الكامل أن هذه الصدقة إذا اتجهت إلى مشروع فلتكن علانية، أما إذا اتجهت إلى إنسان فلتكن سراً ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ .
إذاً هذه الغيرة حيادية، لا تقل: الإنسان حسود في الأصل، الإنسان جُبل على خصيصة الغيرة، يتمنى أن يكون ما عند الآخرين، بربك لو رأيت شاباً مؤمناً، تقياً، حافظاً لكتاب الله، له وجه كالشمس، صادق، أمين، الأول في صفه، قدراته عالية جداً، ألا تتمنى أيها الشاب الآخر أن تكون مثله؟ هذه الغيرة، لكن الله عز وجل خلقها عامة حيادية، يمكن أن تكون هذه الغيرة سبباً لتكون في أعلى عليين، ويمكن أن تكون سبباً ليكون الإنسان في أسفل سافلين.
أنا أريد من هذا اللقاء الطيب أن أُقنعكم أن شهوات الإنسان حيادية، وأن حظوظه حيادية، وأن خصائصه حيادية، وكل هذه الأشياء الثلاث شهوات، حظوظ، خصائص، إما أنها سلم ترقى بالإنسان إلى أعلى عليين، أو أنها دركات تهوي به إلى أسفل سافلين، لأنك مخير كل شيء خصّك الله به حيادي، إذاً ليس هناك شر، أنت هل يمكن أن تقول: السكِّين شر؟ أداة أساسية جداً في البيت، وبها يذبح الإنسان، هي حيادية، إما أنها أداة لتأمين حاجات الإنسان من الطعام، تُقَطّع بها الخضار والفواكه واللحوم، أو أنه بها يُذبح الإنسان، وهي أداة واحدة.
الكأس شر أم خير؟ هذا كأس إذا كان فيه خمر شر، إذا فيه ماء زلال خير، فيه عصير خير.
6 ـ الإنسان فُطِر فطرةً سليمةً:
أنا أريد أن أصل معكم إلى أن أي وهم يتوهمه الإنسان أن الله خلق إنساناً شريراً، إنساناً حقوداً، إنساناً أسود رأس، إنساناً لئيماً، الإنسان فُطِر فطرة سليمة، أيّ إنسان في الأرض يحب الخير، أما أن يحب الخير شيء، وأن يكون خيّراً شيء آخر، هذا عالجناه بدرس قبل الماضي تفصيلاً، الفطرة والصبغة، الفطرة جبلة، حتى الذين يسرقون يقتسمون المال المسروق بالعدل، يقولون له: بالعدل، هذه الفطرة، الصبغة غير الفطرة، الصبغة أن تكون كاملاً، أن تكون رحيماً، الفطرة أن تحب الرحمة.
إذاً أن تقول: إنسان شرير، إنسان لئيم، إنسان حسود، هذا كلام غير صحيح، الإنسان فُطِر فطرة سليمة، الإنسان فُطِر فطرة عالية، الإنسان فُطِر على حبّ الخير، لأن صنع الله كله خير، لكن كل شيء خلقه الله يُسيره إلى عادل رحيم، يُسَيّر كل مخلوقاته إلا نوعين من المخلوقات الإنس والجن، أودع فيهما الشهوات، ثم أعطاهم الحرية، أعطاهم منهجاً، شهوة، حرية، منهج، القطار لا يوجد فيه مقود، انعطافه يميناً أو يساراً؟ يمشي على السكة، المخلوقات كلها كالقطار، الإنسان سيارة هناك مقود حر، المقود هناك طريق هو الشرع، وهناك وادٍ هو المعصية، وهناك محرك هو الشهوة، السيارة تندفع بقوة المحرك، والمقود يوجه السيارة، والشرع هو الطريق المُعَبّد، من هو الذكي والعاقل؟ الذي يُبقي المركبة على الطريق عن طريق المقود بقوة المحرك، المحرك يندفع، والطريق مُعبد، وقائد المركبة عن طريق المقود يُبقي المركبة على الطريق، هذه القصة كلها.
7 ـ الحظوظ الدنيوية موزَّعة توزيع ابتلاء:
أيها الإخوة؛ إلا أن الحظوظ قد وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء، هناك غني، هناك فقير، مادة امتحان الغني الغنى، مادة امتحان الفقير الفقر، قد ينجح الغني، وقد يرسب، والفقير قد ينجح وقد يرسب، وقد ينجح الفقير بامتحان الفقر، وقد يرسب الغني بامتحان الغنى، الفقير ينجح إذا صبر، ينجح إذا تعفف، ينجح إذا رضي عن الله، ينجح إذا قال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، ينجح كما يقال: ما أروع إحسان الأغنياء للفقراء، والأروع منه تعفف الفقراء عن مال الأغنياء.
الناس أمام امتحان الغنى والفقر بين راسب وناجحٍ:
والله أيها الإخوة؛ طبيب من إخواننا الكرام جرّاح قلب، جاءته حالة طفل يحتاج لعملية، كُلفتها أربعمئة ألف ليرة، والده فقير، عنده ورشة متواضعة جداً في الجبل لصنع مَحافظ النساء، ما معه، فهذا الطبيب حدّث عن هذه الحالة أحد المحسنين، قال له: عليّ العملية، بلّغه، ظن نفسه أن معه خبراً ساراً جداً لهذا الأب، اتصل فيه، قال له: أعتذر، لماذا؟ قال له: أنا عندي ورشة قيمتها أربعمئة ألف، أنا سوف أبيعها، وأجري عملية لابني، أما هذا المحسن الكبير دع مالَه لغيري لمن لا يملك شيئاً يبيعه، يقول لي الطبيب: بحياتي ما صغرت أما إنسان، عرضنا عليك أربعمئة ألف، والعملية مجانية، والطبيب رقم واحد، قال له: لا، أنا عندي ورشة قيمتها أربعمئة ألف أبيعها، وأعود صانعاً، لكن دع هذا المبلغ لرجلٍ ابنه مريض، لكن لا يوجد عنده شيء يبيعه، هو أولى مني، هذا الفقير نجح بامتحان الفقر.
والفقير الثاني الذي يعمل حاجباً في مدرسة عنده ثمانية أولاد، ودخْله أربعة آلاف، وتحت الخط الأحمر بمسافة كبيرة جداً، ويسكن بغرفة واحدة، ورث أرضاً في منطقة الميدان في القدم، هذه الأرض مربعة مناسبة جداً، فجاء محسن كبير من محسني هذه البلدة، أراد إنشاء مسجد في حي لا يوجد به مسجد، الأرض مناسبة جداً، أرسل أحد إخواننا الكرام لشرائها، نهاية المفاوضات ثلاثة ملايين ونصف، جاء المحسن ليرى الأرض أعجبته، مربعة مناسبة، سعرها معقول، فتح دفتر الشيكات كتب مليوني ليرة، أعطى صاحب الأرض الحاجب أي الآذن الذي عنده ثمانية أولاد، وراتبه أربعة آلاف، لا يكفيه ثمن خبز، ويسكن بغرفة واحدة، قال له: أين الباقي الواحد والنصف؟ قال: عند التنازل، قال له: أي تنازل؟ قال له: تذهب إلى الأوقاف، وتتنازل عن هذه الأرض لتكون مسجداً، وعندها نقدم لك بقية المبلغ، قال: أنا أبيع أرضاً لتصبح مسجداُ؟ والله أستحي من الله، أنا أولى أن أقدمها منك لله، والآن عليها جامع يوجد عليه أطول مئذنة في المنطقة، هذا فقير، لكن نحج بامتحان الفقر، فقير نجح بامتحان الفقر، يأتي إنسان غني كبير مسافر لأمريكا عن طريق ألمانيا بشركة طيران ألمانية، ابنته بألمانيا، يتخلف عن الطائرة، يقدم أعذاراً واهية، ينام بالفندق تأتي إليه ابنته تراه، يلتقي مع ابنته بفندق على حساب الشركة، محفظته لا يضع فيها شيئًا، يُمزق بطاقتها، يدّعي أن المحفظة ضاعت، يعطونه ستمئة دولاراً، وهو غني، قدم تصريحاً كاذباً، وكذب واحتال وغني، هذا رسب بامتحان الغنى، بطولتك أن تنجح بامتحانك، غني أو فقير، ذكي أو غير ذكي، بطولتك أن تنجح في امتحانك، وكل واحد منا له امتحان، هناك إنسان ما أعطاه الله عز وجل جسماً قوياً، هناك إنسان ما أعطاه وسامة زائدة، هناك إنسان ما أعطاه طلاقة لسان.
أحدَ إخواننا ما تعلم إطلاقاً، تمنى أن يكون داعية من أعماق أعماقه، لكن لا يحسن إلقاء الكلام، اشترى مئة شريط، وزعهم بالتسلسل على أقربائه، يعيره إياه، يقول له: سمعته؟ هاته لأعطيك غيره، خلال شهرين ثلاثة داوم حوالي عشرين أو ثلاثين من أقربائه عندنا بالمسجد، هذا نحج بامتحان مع أنه ليس متعلمًا، ما ممكن تريد أن تنجح بامتحانك إلا الامتحان من السهل النجاح فيه، أريد أن أقول لكم: كل واحد منا ممتحن، إما بشهادة عليا، أو بعدم نيله الشهادة، أو أن له زوجة رائعة جداً، أو عنده زوجة من الدرجة العاشرة، لكن رضي بها، يا رب هذا اختيارك، أنا راض عنك، فالبطولة أن تنجح في أي امتحان، الزوجة الصالحة، وهناك زوجة سيئة، والابن الصالح والابن السيئ، والصحة الطيبة والصحة السقيمة، والوسامة والدمامة، والذكاء وعدم الذكاء، والغنى والفقر، والقوة والضعف، لذلك البطولة ليس أن تنجو من المصائب، ولكن البطولة أن تقف الموقف الكامل من المصائب.
8 ـ الحظوظ الدنيوية موزَّعة في الآخرة توزيع جزاء:
الآن الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، الآن دققوا، الحظوظ الإيجابية والسلبية ما أُعطِيتَه وما زوي عنك، موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء.
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾
بربكم طبيب جرّاح قلب، كل عملية له منها مئة ألف، عنده بالأسبوع خمس عمليات، نصف مليون بالأسبوع، بالشهر مليونان، والعملية في ساعتين أو ثلاث، لكن بين الدارس والممرض يوجد فرق، مسافة كبيرة جداً، أستاذ في الجامعة ومعلم ابتدائي في قرية مسافة كبيرة جداً، رئيس غرفة تجارة، وبائع صحون على عربة، مسافة كبيرة جداً، مجند بخط المجابهة الأول في الشتاء بهذا البرد في بلوكوس ملآن ماء، ورئيس الأركان مثلاً، مسافة كبيرة جداً، طبيب وممرض، رئيس أركان ومجند، طبيب جراح وممرض، غني كبير وإنسان فقير يعمل على آلة كاتبة أو حاجباً
﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ والله الذي لا إله إلا هو قد يكون هذا الفقير الذي في الدرجة الدنيا من المجتمع إذا كان مستقيماً قلامة ظفره تساوي عند الله ألف إنسان ممن أوتوا المال،
(( عَنْ أبي هريرةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُبَّ أشعثَ مدفوعٍ على الأبوابِ، تنبُو عنه أعينُ الناسِ لو أقسمَ على اللهِ لأَبرَّهُ. ))
إذاً الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء، ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ بصراحة قد يخرج إنسان بنعش من بيت ثمنه مئة وثمانون مليوناً، مَن صمّم كسوة هذا البيت؟ الذي في النعش، من اشترى الرخام؟ مَن جاء بالمهندس وزين السقف بالجبس؟ الذي بالنعش، من اشترى هذه المناظر الطبيعية؟ الذي بالنعش، من اشترى الثريات؟ الذي بالنعش، أين هو الآن؟ بالقبر، انتهت الدنيا، وأحياناً يخرج إنسان من بيت عادي جداً، ستون متراً تحت الأرض، لكن له عمل صالح كبير، قبره جنة، وموته قرب من الله عز وجل، موته عرس وتحفة، وا كربتاه يا أبت، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة، محمداً وصحبه.
إخواننا الكرام؛ الأمور بخواتيمها، فنحن كل بطولتنا أن ننجح في أي امتحان، قوي امتحانك قوة، ضعيف امتحانك ضعف، وسيم امتحانك وسامة، لا سمح الله أقلّ وسامة امتحانك أقلّ وسامة، ذكي جداً امتحانك ذكاء، أقل من هذا الذكاء امتحان أقلّ، غني، فقير، ذاكرتك قوية جداً، هناك إنسان ذاكرته قوية جداً لا ينسى شيئًا، وهناك إنسان ذاكرته ضعيفة، الذي ذاكرته قوية يوجد عنده اسم ثلاث وثلاثين بنتاً يكلمهنّ ليلاً ونهاراً، مثلاً، ما قولك بهذه الذاكرة مثلاً؟ سبب معاصيه وآثامه، وهناك إنسان ذاكرته قوية يحفظ كتاب الله، الاثنان معهم ذاكرة قوية.
ملخص هذا اللقاء الطيب كل شيء تملكه، كل خصيصة من خصائصك، كل شهوة أودعها الله فيك، كل حظّ من حظوظك حيادي، إما أن تستخدمه سلماً ترقى به، أو دركات تهوي بها، لا يوجد شرّ بالكون أبداً، الشر جاء من إنسان ركب مركبة، وكان مخموراً، ونزل بالوادي، السيارة تحطمت، جاء إنسان ساذج قال: هذه السيارة مَن صنعها بهذا الشكل؟ هذه لا تحتاج إلى معمل، تحتاج إلى سائق مخمور، أما المصنع جعل خطوطها جيدة جداً، الطلاء لامع، الفراش وثير، أما هذا الوضع الأخير للسيارة لا يحتاج إلى معمل، لا تقل لي مَن خالق الشر، الشر ليس له خالق، الشر ناتج من سوء الاستخدام:
(( عن علي بن أبي طالب قال: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استفتَح الصَّلاةَ كبَّر ثمَّ يقولُ: وجَّهْتُ وجهيَ للَّذي فطَر السَّمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا مِن المُشرِكينَ إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي للهِ ربِّ العالَمينَ لا شريكَ له وبذلكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسلِمينَ، اللَّهمَّ أنتَ الملِكُ لا إلهَ إلَّا أنتَ، أنتَ ربِّي وأنا عبدُك،َ ظلَمْتُ نفسي واعترَفْتُ بذَنْبي فاغفِرْ لي ذُنوبي جميعًا، لا يغفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ، لبَّيْكَ وسعدَيْكَ والخيرُ كلُّه في يدَيْكَ، والشَّرُّ ليس إليكَ، أنا بكَ وإليكَ تبارَكْتَ وتعالَيْتَ، أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ. ))
حسن الظن بالله ثمن الجنة، أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما يشاء، يروى أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى توجيهاً لأصحابه قبيل معركة بدر، ألا تقتلوا عمي العباس، لكن رجلاً فكّر، ما استوعبها، لماذا منعنا عن قتل عمه؟ عمه مشرك عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، مقيم في مكة، وجاء مع قريش ليحارب النبي، عمه، تألم، أساء الظن برسول الله، قال: أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه؟ رآها تعصباً، ثم اكتشف بعد حين أن العباس كان مسلماً، وكان عين النبي في مكة، والنبي قيادته ذكية جداً، كان يعرف كل ما يجري في مكة عن طريق عمه، عمه لا أحد يعلم أنه مسلم، وكان من وجهاء قريش وكلما اتخذوا قراراً ضد سيدنا محمد يبلغه العباسُ هذا القرار، تصور لو أنه قال: إن عمي أسلم أنهاه، كشفه وانتهى الخبر يصل، تصور أن عمه ما شارك في القتال، لماذا؟ معنى هذا أنت مسلم، كشف حاله، تصور النبي سكت، قتله صحابة النبي، النبي عليه الصلاة والسلام مضطر أن يقول فقط: لا تقتلوا عمي العباس، لا يستطيع أن يقول: إنه مسلم، ولا يستطيع عمه ألا يشارك، ولا يستطيع أن يسكت، هذا الصحابي كشف الأمر بعد حين، يقول: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.
لا تقل: الإنسان شرير، الإنسان أسود الرأس، لئيم، بخيل، الله فطره فطرة عالية، أعطاه شهوات، وأعطاه اختياراً، إما أنه باختياره يرقى بهذه الحظوظ، وتلك الخصائص، وهذه الشهوات إلى أعلى عليين، وإما أن يسقط بهذه الشهوات، وهذه الحظوظ، وهذه الخصائص إلى أسفل سافلين أبداً.
أيها الإخوة الكرام؛ هذا الدرس من دروس العقيدة محوره حُسن الظن بالله، محوره أن كل خصائص الإنسان، وأن كل شهواته، الخصائص والشهوات والحظوظ هي حيادية، يمكن أن تُستغل في الصعود إلى الجنة، أو يمكن أن تكون سبباً في الهبوط إلى النار، ونحن نرجو الله سبحانه وتعالى أن نُحسن الظن بالله عز وجل، أما الإنسان المخير إذا تحرك بقوة المحرك أي الشهوة على طريق معبد أي الشرع، وما استخدم المقود وقع في الوادي، لا نقول: الوادي شر، الوادي موجود، لكن أنت معك مقود، لمَ لمْ تستخدم المقود؟ إذاً: ((والشَّرُّ ليس إليكَ)) والحمد لله رب العالمين.
مقدمة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق:
وننتقل أيها الإخوة إلى موضوع في الإعجاز.
أيها الإخوة الكرام؛ الله عز وجل حينما قال في أول كلمة، وفي أول آية، وفي أول سورة:
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
نحن في دروس سابقة بينا أن هناك قراءة بحث وإيمان ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ معنى اقرأ أي تعلم، لأن الإنسان أودع الله فيه قوة إدراكية، أودع فيه حاجة عليا، أعطاه عقلاً، أعطاه سمعاً وبصراً، أعطاه محاكمة، أعطاه استنتاجاً، أعطاه استقراءً، أعطاه كوناً ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، إذاً وقال له: اقرأ، وما لم تبحث عن الحقيقة هبطت عن مستوى إنسانيتك.
أيها الإخوة؛ ﴿اقْرَأْ﴾ من أجل أن تؤمن أن العلم بالإسلام مقيد بالإيمان، العلم إن لم يَقُدْك إلى الإيمان فهو حجة عليك.
﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴾
جسم الإنسان إبداعُ الخالق:
الآن أرجو أن تنتبهوا إليّ؛ هذه العين الباصرة إن كانت سليمة مئة بالمئة هل يمكن أن ترى الأشياء من دون ضوء؟ أدخل إنساناً إلى غرفة مظلمة ظلاماً دامساً هل تنفعه عينه؟ أبداً، هل ينفع الضوء بلا عين؟ أدخل إنساناً كفيف البصر إلى غرفة مضاءة هل ينتفع بعينه؟ لا، هل ينتفع بالضوء؟ لا، النقطة الدقيقة أن العين ترى الأشياء عن طريق الضوء، فالضوء والعين شرطان، كل من الشرطين لازم غير كاف للرؤية، نقلة أخرى، الآن هناك عقل، والعقل لا يمكن أن يصل إلى الحقيقة إلا عن طريق الوحي، الوحي للعقل كالضوء للعين، لذلك: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ أقرب آية إليك جسمك، ما الذي يمنع أيها الأخ الكريم أن تتفكر في خلق السماوات والأرض؟ أقرب شيء الشعر، العين، الأنف، الفم، الأسنان، اللسان، الأذن، لسان المزمار، المريء، المعدة، الأمعاء، البنكرياس، الرئتان، القلب، العضلات، الأعصاب، الأوعية، الشرايين، الكليتان، جسمك الذي هو أنت، الذي هو أقرب شيء إليك، عوّد نفسك أن تفكر بجسمك، كلما تفكرت في شيء ارتقيت إلى الله، لماذا هناك عينان؟ ألا تكفي عين واحدة؟ الجواب: لا، بعين واحدة ترى السطح فقط، الطول والعرض، بالعينين ترى البعد الثالث.
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾
بعين واحدة ترى الطول والعرض، بالعينين ترى الطول والعرض والعمق، هناك أجهزة يقول لك: ثلاثي الأبعاد، يوجد بالكومبيوتر برنامج يرسم أشياء ثلاثية الأبعاد، لماذا هناك أذنان؟ من أجل أن تعرف جهة الصوت، بأذن واحدة لا تعرف، لو استمعت إلى بوق مركبة من خلفك بأذن واحدة تأتي أمامها، مادام هناك أذنان، والمركبة هنا، يأتي الصوت إلى هذه قبل هذه، يوجد جهاز بالدماغ يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين، والتفاضل واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، هذا الجهاز في الدماغ يدرك أن المركبة من على اليمين، فالدماغ يعطي أمراً للأرجل بالتحرك نحو اليسار، هل هذا النظام حدَث وحده؟ هل يمكن أن تصدق أن طائرة من أحدث الطائرات وُضِعت قنبلة في معمل الحديد فالنتيجة كانت طائرة؟! هذه 380 أحدث طائرة فيها ثمانمئة راكب، ممكن؟ أنت ممكن أن تقبل إذا وضعت عشر أوراق في كيس، مرقمة من واحد إلى عشرة، كم حالة من عدد حالات يمكن أن تستخرج الأوراق بالتسلسل؟ واحد إلى عشرة، عشرة أصفار، الستة مليون والأربعة عشرة آلاف مليون، حالة واحدة من عشرة آلاف مليون حالة يمكن أن تستخرج الأوراق بالتسلسل، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة، قال: ذرة واحدة من حمض أميني لا تكفي ذرات الكون أن تصنعها صدفة.
الشعر ليس فيه أعصاب حس، لو كان فيه أعصاب حس فإنك تحتاج إلى عملية في المستشفى للحلاقة، لأنك لا تتحمل، الله ما جعل في الشعر أعصاب حس، ولا جعل بالأظافر أعصاب حس، وجعل العين بمحجر، والدماغ بالصندوق العظمي، والنخاع الشوكي بالعمود الفقري، والقلب بالقفص الصدري، والرحم بعظم الحوض، ومعامل كريات الحمراء بنقي العظام، ما هذه الحكمة؟ والأوردة خارجية، الدم ضعيف فيها، والشريان داخلي.
حدثني طبيب جرّاح قال لي: مرة انفتح معي شريان، أقسم بالله الدم وصل إلى السقف، لأنه يوجد نبض، الله عز وجل جعل الشرايين داخلية عميقة، والسطحية أوردة، يد مَن؟ الله عز وجل جعل هذه الأجهزة الخطيرة بحصون، يد من؟ جعل بالأنف أشعاراً، الأنف فيه سطوح متداخلة، وهناك أوعية معها عضلات، إذا كان هناك برد شديد تتوسع العضلات، تأتي كمية دم إضافية، تجد الإنسان في الشتاء بالبرد الشديد أنفه أحمر، معنى ذلك أن الدم ارتفع مستواه، والدم حرارته سبع وثلاثون، دخل الهواء، يمشي عشرة أضعاف المسافة كمستقيم، تكون حرارته صفراً تصبح هنا سبعاً وثلاثين، لا يكفي، هناك تداخل وهناك دم كثيف وهناك عضلات للأوعية هنا، هناك مادة لزجة إذا كان هناك غبار بالطريق، المادة اللزجة تستقطب الغبار، وإذا كان هناك دخان تستقطب الدخان، لما ينظف الإنسان أنفه يجد الغبار والدخان كله من الطريق، لو فرضنا استطاعت ذرة غبار أن تسير في الفراغ فقط، هذه حالة مستحيلة، مَن يلقطها؟ الأشعار، هناك أشعار، سطوح متداخلة وساخنة تدفئ الهواء، وتلتقط المواد الغريبة والأشعار تلتقط، والإنسان يأخذ الهواء بدرجة صفر، عند الحنجرة تصير سبعاً وثلاثين، صنع مَن؟ الله عز وجل، حاولْ كلَّ يوم أن تفكر بشيء، هذا المفصل، لو لم يكن لدينا مفصل، تصور تريد أن تأكل، لا يوجد حل، يأكل الإنسان مثل الهرة تماماً، ينبطح ويلحس بلسانه الصحن، لا يوجد حل ثان أبداً، بهذا المفصل هنا مفصل كروي تدور، لولا هذه اليد الباهم وهذه الأصابع لما كان هناك صناعات، فكر باليد، فكر بمفصل الرجل خارجي، اليد داخلي، هل انتبه أحد لهذا النقطة؟ ما هذا التفصيل؟ هذا التخطيط؟ هذه الحكمة؟
أيها الإخوة؛ الآية الدقيقة:
﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾
التفكر هو أوسع باب ندخل منه على الله وأقصر طريق بيننا وبين الله:
أرجو الله عز وجل أن نتدرب على التفكر، هناك أذنان لاتجاه الصوت، هناك عينان للبعد الثالث، الشعر ما فيه أعصاب حس، بالأسنان يوجد أعصاب حس بلبِّ العظم، بلب السن حتى إذا حدثَ نخر تسارع إلى الطبيب يحفظ أسنانك، يمكن أن تخصص كل يوم خمس إلى عشر دقائق تفكر فيها بجسمك، تتجه إلى الله عز وجل، وهذا التفكر يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، هذا التفكر هو أوسع باب تدخل منه على الله، وأقصر طريق بينك وبين الله.
الملف مدقق