الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الأكارم؛ مع الدرس الواحد والعشرين من دروس العقيدة والإعجاز، وقد وصلنا في الدرس الماضي من مقومات التكليف إلى موضوع الشهوة، وبينت لكم في دروس عدة أن الشهوة حيادية يمكن أن تكون سلماً نرقى بها أو دركات نهوي بها، وأنه لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، ودخلنا في موضوعات فرعية كثيرة حول الشهوة، والآن ننتقل إلى أحد أكبر شهوات الحياة إنه المال، قال تعالى:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)﴾
فالمال أحد أكبر الشهوات التي أودعها الله فينا، والمال أحد أكبر أسباب التقرب من الله عز وجل، لكن بادئ ذي بدء المال قوام الحياة، أي أنت حينما تعمل وتكسب مالاً حلالاً تشتري بيتاً، تتزوج، تنجب أولاداً، تسعد بأهلك، تسعد بأولادك، هذا المشروع الكبير أساسه أنه لك عملا ترتزق منه، فالمال قِوام الحياة.
دور المال في حياة المؤمن:
أيها الإخوة؛ لابد من إيضاح دقيق لدور المال في حياة المؤمن، أولاً: النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ.))
لكن النبي عليه الصلاة والسلام رقيق قال:
((وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ)) المال قوام الحياة، فينبغي أن تكون ذا مال إذا كان طريق كسبه وفق منهج الله، المال قوة، ومعنى قوة أن الخيارات المتاحة للغني في العمل الصالح لا تُعَدّ ولا تحصى، بماله يزوج شاباً، بماله يُعالج مريضاً، بماله يرعى أرملة، بماله يُطعم يتيماً، بماله يُنشئ معهداً، بماله يُؤسس ميتماً، بماله يفعل الخير، الخيارات المتاحة لصاحب المال لا تُعدّ ولا تحصى، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الغني المؤمن قريباً من درجة العالم العامل، قال:
(( عن عبد الله بن عمر: لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار. ))
أي فلسفة المال في الإسلام أن هذا المال أحد أكبر أسباب دخول الجنة، أن هذا المال أحد أكبر أسباب التقرب إلى الله، أن هذا المال يمكن أن ترقى به إلى أعلى عليين، ويمكن أن تهوي به إلى أسفل سافلين، المال نفسه، لكن أيها الإخوة؛ الآية الدقيقة الدقيقة جداً التي تبين قيمة المال قوله تعالى:
﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)﴾
موطن الشاهد: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ تقوم حياتك على دخل، تشتري طعاماً لأهلك وأولادك، تشتري كساءً، تستأجر بيتاً، أي المال قِوام الحياة، إذاً هذا الذي يدّعي أنه لا يحب المال أنا لا أصدقه، إذا أودع الله في الإنسان حبّ المال فهذا شيء متغلغل في أعماق النفس، لكن هناك من يعترف، وهناك من لا يعترف، ولكن شهوة المال مُودعة في كل إنسان، اعترف أو لم يعترف، صرّح أو لم يصرح، الحقيقة الأولى أن المال قوام الحياة، لا تحتقر المال، المال مِن نعمِ الله الكبرى إذا كان كسبه مشروعاً، وكان إنفاقه في وجوه الخير.
المال حياديٌّ:
أيها الإخوة؛ شيء آخر في موضوع المال هو أن المال حيادي، الغنى خير؟ نعم ولا، إذا أُنفق المال في طاعة الله فهو خير، وإذا أُنفق في معصية الله فهو شر، المال ليس نعمة وليس نقمة، ولكنه موقوف على طريقة إنفاقه، بل على طريقة كسبه أيضاً، بالكسب والإنفاق، لذلك الإنسان يوم القيامة يُسأَل عن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ يُسأل عن عمره، وعن شبابه، وعن علمه، أما عن ماله يُسأل سؤالان: من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟
أيها الإخوة؛ الحقيقة الأولى المال قِوام الحياة، وإذا أحرزت النفس قوْتها اطمأنت، ولأن الله سبحانه وتعالى من حِكَمه البالغة أنه أودع فينا حاجات، حاجة إلى الطعام والشراب، وحاجة إلى الجنس، وحاجة إلى تأكيد الذات، وهذه الحاجات الثلاثة تحتاج إلى المال، فكأنه دفعنا إلى كسب المال، والفكرة الدقيقة أن الله عز وجل حينما وصف بشرية الأنبياء قال كانوا:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)﴾
هم مفتقرون في وجودهم إلى تناول الطعام، ومفتقرون في ثمن الطعام إلى المشي في الأسواق، لذلك هذا الذي لا يعمل لا مكان له في مجتمع المسلمين، سيدنا عمر يقول: إني أرى الرجل ليس له حرفة فيسقط من عيني.
العمل والحرفة من العبادات والطاعات:
لكن بادئ ذي بدء، أحبّ أن أطمئنكم أن كل واحد منا في عمله الذي يكسب منه رزقه، في حرفته التي يحترفها، في مهنته التي يمتهنها، في حركته التي يتحركها، في مشيه في الأسواق، أن كل واحد منا بإمكانه وبيسر أن يجعل من عمله المهني الحرفي عبادة، إذا كانت الحرفة في الأصل مشروعة، وسلكت بها الطرق المشروعة، لا يوجد كذب، ولا غش، ولا احتيال، ولا إيهام، ولا احتكار، ولا تدليس، ولا يوجد بيع على بيع، ولا يوجد تلقي الركبان، ولا يوجد كتم عيب، إذا نجا المؤمن من معاصي البيع والشراء كلها، وكانت حرفته في الأصل مشروعة، يبيع قماشاً، يبيع طعاماً وشراباً، يبيع خشباً، يبيع حديداً، إذا كانت الحرفة في الأصل مشروعة، وسلك بها المسلم الطرق المشروعة، وابتغى منها كفاية نفسه وأهله وخدمة المسلمين.
والله أيها الإخوة؛ كان السلف الصالح حينما يفتح محله التجاري يقول: نويت خدمة المسلمين، إنسان يمضي ثماني ساعات في محله التجاري وهو في عبادة؟ لأنه نوى بهذا العمل كفاية نفسه، وكفاية أهله، وحبذا المال أصون به عرضي، وأتقرب به إلى ربي، نوى كفاية نفسه وأهله، ونوى خدمة المسلمين، هذه الحرفة، وتلك المهنة، وهذه الوظيفة، وهذا الطب، وهذه المحاماة، وهذه الهندسة، وهذا التدريس عبادة، طبعاً ولم تشغله عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن عمل صالح، ما قولك أن نقول: إن عادات المؤمن عبادات، هل هناك واحد بالأرض لا يعمل؟ إلا حالات نادرة، انظر إلى الطرقات صباحاً، مؤمن وغير مؤمن، ومنافق وعاص ومستقيم يتحرك، هذا إلى مدرسته مدرّسًا، هذا إلى معمله عاملاً، هذا إلى مكتبه محاميًا، هذا إلى عيادته طبيباً، يتحركون، بيْنَ أن تكون هذه الحركة عند الله عبادة ترقى بها إلى أعلى عليين، وتكون هذه الحرفة سبباً كافياً لدخول الجنة.
أيها الإخوة؛ الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، من دكانك، من وظيفتك، من مكتبك الهندسي، من عيادتك كطبيب، من حقلك، من معملك، من أي مكان، إذا كان العمل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، لا فيه غش، ولا كذب، ولا احتيال، ولا تدليس، ولا احتكار، ولا مديح كاذب، ولا إيهام، ولا استغلال، ولا تلقي الركبان، ولا البيع على البيع، إذا كانت الحركة في هذه المهنة مشروعة، والحرفة في أصلها مشروعة، ونويت بها كفاية نفسك وأهلك وخدمة المسلمين، ولم تشغلك عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن عمل صالح انقلبت إلى عبادة، لذلك عادات المؤمن عبادات، وعبادات المنافق سيئات.
قيمة المال موقوفة على طريقة كسبه وإنفاقه:
أيها الإخوة؛ المال حيادي، أركز على هذا، حيادي، قيمته موقوفة على طريقة كسبه وإنفاقه، هو نعمة ونقمة، هو سلم ترقى به أو دركات تهوي بها، الدليل:
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾
بدخل واسع، ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ على كلمة ﴿نَعَّمَهُ﴾ تذكرت موقفاً لصاحبي، أحد الصحابة اسمه خبيب قبض عليه المشركون، وأرادوا قتله أو صلبه، جاءه أبو سفيان-دققوا-قال له: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت معافى في أهلك؟ والله سمعت هذه الكلمة منه بحسب ما قرأت طبعاً قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي-ببيته مع زوجته الشابة، وأولاده- وعندي عافية الدنيا ونعيمها، العافية الصحة جيدة، وهناك طعام، نعيمها يوجد مكيف مثلاً، ويوجد باقة ورد، ويوجد ألوان منوعة من الأطعمة والفواكه، والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً، هذا الإسلام، الإسلام حب، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ .
كسبُ المال ليس دليل حبِّ الله للعبد:
هناك أشياء ثانوية، هناك أشياء تسمى رفاهاً، زيادة، إذا لم يأكل الإنسان بعض أنواع الفواكه الغالية والنادرة هل يموت من جوعه؟ لا، لكن يأتي بهذه الفواكه، قال:
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾
هو هذه مقولته:
﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾
كأن الله عز وجل ما قبِل هذا، الجواب:
﴿ كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)﴾
الآن إذا إنسان آتاه الله المال، وما كان مستقيماً، وكان منحرفاً، يقول لك: الله يحبني، لأنه أعطاني المال، مَن قال لك ذلك؟ قارون أغنى منك:
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)﴾
الله عز وجل يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، ما دام الله عز وجل يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب إذاً لا يمكن أن يكون المال مقياساً لمحبة الله، ولا يمكن أن يكون نقص المال مقياساً لبغض الله عز وجل، أعطى الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، وزويت عمّن يحب وعمّن لا يحب، إذاً ليست مقياساً، ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن*وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ الجواب الإلهي: ﴿كَلَّا﴾ كلا أداة ردع، فضلاً عن أنها أداة نفي أداة ردع، قال لك رجل جائع: هل أنت جائع؟ تقول له: لا، لا سمح الله ولا قدر لو قال لك: هل أنت سارق؟ هل يكفي أن تقول له: لا؟ تقول له: كلا، كلمة كلا تنفي الرغبة والإقرار والموافقة إطلاقاً، ﴿كَلَّا﴾ كأن الله عز وجل يقول: ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، الدليل: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ .
إنفاق المال أحد أسباب التقرُّب إلى الله:
أيها الإخوة؛ يجب أن تعلم علم اليقين، يقيناً قطعياً أن أحد أكبر أسباب التقرب إلى الله إنفاق المال، الدليل قال تعالى:
﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)﴾
﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ قال علماء التفسير: تحتمل هذه الكلمة: ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ معنيين؛ إما آتى المال وهو يحبه، أو آتى المال حباً بالله، على كلٍّ:
﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)﴾
المعنى الأول صحيح، والمعنى الثاني صحيح: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ دققوا الآن: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ آتى المال على حبه شيء، وإيتاء الزكاة شيء آخر، إيتاء الزكاة فرض، أما آتى المال على حبه تطوع، أي علامة محبتك لله أن تنفق من مالك فضلاً عن أموال الزكاة، صدقةً، ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ .
إذاً أيها الإخوة؛ أحد أكبر أسباب التقرب إلى الله عز وجل إنفاق المال، ورد في بعض الآثار أن الله يسأل عبداً يوم القيامة يقول له: يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، هو شر الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، قال: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، أما الثاني يسأله الله عز وجل: أعطيتك مالاً فماذا صنعت في؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي بأنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين، يقول الله: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك، ﴿آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ .
إنفاق المال أحد أكبر أسباب القرب من الله، والمال قوة، و: ((الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ)) أقول لكم هذه الحقيقة، دققوا: إذا كان طريق كسب المال الحلال سالكاً وفق منهج الله الأرجح ينبغي أن تكون غنياً، لأن الغنى قوة، ولأن فرص العمل الصالح التي تُتاح أمام الغني كثيرة جداً، وليست متاحة أمام الفقير، أحياناً يكون الشاب بأعلى درجات الاستقامة لكن لا يوجد عنده بيت، وشابة مؤمنة حافظة لكتاب الله ما أحد يخطبها، أنت هيأت بيتاً، فهذا الشاب تزوج هذه الفتاة، أنت أسست أسرة مؤمنة صالحة، هذا عمل عظيم، وأنا رأيي الآن لا يوجد عمل أعظم منه أن تسهم بحلّ مشكلات الشباب، أن تهيئ بيتاً لشاب، بهذا البيت يتزوج شابة، تُحصّنه وتُحصّنها، وتستره وتسترها، وتسعده وتسعدها، المال قوة، تستطيع أن تعمل مشروعاً خيرياً، تستطيع أن تعمل ميتماً، تستطيع أن تعمل معهداً شرعياً، تستطيع أن تعمل مستوصفاً، تستطيع أن تعمل صندوق العافية، المال، فهذا المال إذا كان طريق كسبه سالكاً وفق منهج الله بعمل مشروع، بتجارة مشروعة، شيء وفق منهج الله، أما إذا كان طريق الغنى على حساب دينك وقيمك ومبادئك، الجواب: الفقر وسام شرف لك، هذا منهج.
إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله الأرجح والأكمل أن تسلك هذا الطريق، لأنك إذا كنت غنياً الغنى قوة، وفرص العمل الصالح المتاحة أمامك لا تُعدّ ولا تحصى، كيف أن القوي بتوقيع يحلّ مشكلة، بتوقيع يقر معروفاً، ويزيل منكراً، بتوقيع يُقَرّب مخلصاً ناصحاً، يُبعد فاجراً منافقاً، والمال بالمال يمكن أن تملأ قلب الناس محبة لك، بالإنفاق، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبِّ مَن أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
أيها الإخوة؛ كما أن المال أعظم قربة إلى الله جلّ جلاله، المال نفسه مسؤولية كبيرة، بالمناسبة الممكَّن في الأرض كلمة عامة، فإذا كنت غنياً أنت مُمكَّن في الأرض، وإذا كنت قوياً أنت مُمكَّن في الأرض، وإذا كنت عالماً أنت مُمكَّن في الأرض، الممكَّن في الأرض له حساب خاص، إذا أحسن له أجران، وإذا أساء عليه وِزران، سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته وقال: إني قد أمرت الناس بكذا، ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله لا أوتين بواحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، فصارت القرابة من عمر مصيبة، فالذي يُحسن له أجران، أجر نفسه ومَن قلده لأنه غني، الأغنياء يُقلَّدون دائماً، الأغنياء يحتلون مرتبة عالية في أي مجتمع، فالناس ينظرون إليهم هكذا، فإذا قلد فقير غنياً في معصية فعليه إثمه وإثم مَن قلّده، وإذا قلّد فقير غنياً في طاعة لله، لذلك من أروع ما سمعت العدل حسن لكن في الأمراء أحسن-أروع شيء أمير عادل-والسخاء حسن، لكن في الأغنياء أحسن، والتوبة حسن، لكن في الشباب أحسن، والصبر حسن، لكن في الفقراء أحسن، والحياء حسن، لكن في النساء أحسن.
أيها الإخوة؛ الإنسان مسؤول مسؤولية كبيرة عن كسب المال، ما قولكم أن إنساناً ضحى بحياته فكان شهيداً، أي قدّم أثمن ما يملكه الإنسان، قال الشاعر:
يَجُودُ بالنَّفْسِ إِنْ ضَنَّ الجَوادُ بِها والجودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غايةِ الجُودِ
فقال عليه الصلاة والسلام:
(( عن ابن عمرو: يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ. ))
حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة، إذاً يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ ))
الشاهد: ((وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟)) والله زرت مرة صديقي، وكان والده حاضراً، قال لي: أنا عمري ستٌّ وتسعون سنة، وأجريت فحصاً كاملاً وشاملاً للدم فكانت النتائج كلها طبيعية، ستٌّ وتسعون سنة، الفحص كل النتائج طبيعية ثم عقّب فقال: قال لي: والله في كل حياتي تلك ما أكلت حراماً، ولا عرفت حراماً، يقصد ما أكل حراماً مالاً، ولا عرف حراماً بالنساء، من عاش تقياً عاش قوياً، يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، أي اشتر ِطعامك بمال حلال كسبته من طريق مشروع، هذا الطعام الذي أشتري بمال حلال الله عز وجل يبارك لك فيه.
محاسبة الإنسان عن المال محاسبة شديدة:
والله أيها الإخوة؛ يمكن بدخل معقول ومحدود إذا الله عز وجل بارك فيه أن يكفي، ودخل غير محدود مع المعاصي والآثام لا يكفي، كلمة بركة ما أحد يضعها في حساباته، مع أنه ليس في الآلات الحاسبة مكان مكتوب فيه بركة، فيها جمع طرح ضرب تقسيم، يوجد نسب، ويوجد جذر، ويوجد فائدة لكن لا يوجد بركة، أما البركة شيء حقيقي، بدخل حلال الله عز وجل يبارك لك فيه، ويوجد عند الله عز وجل شيء يسمى الرزق السلبي، أي الله عز وجل حفِظ لك صحتك وصحة أهلك وأولادك، أيّ مرض يحتاج إلى ألوف مؤلفة، هناك أمراض الإبرة ثمنها مئة ألف، الأورام الخبيثة الجرعة قيمتها مئة ألف ليرة، يحتاج كل شهر إلى جرعة، فالإنسان عندما يكون مستقيماً، ودخله حلالاً، واشترى به طعاماً طيباً بمعنى الثمن حلال، الله عز وجل يكافئه برزق سلبي، يحفظ له صحته وصحة أهله وأولاده، وصحة مَن يلوذ به، ينجو من احتراق المحل التجاري، أو احتراق البيت، ينجو من أن يخضع لظالم يأخذ كل ما عنده، وأساساً
(( عن عبد الله بن عمر: أقبل علينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال يا معشرَ المهاجرين خمسُ خِصالٍ إذا ابتليتم بهنَّ وأعوذُ باللهِ أن تدركوهنَّ لم تظهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتَّى يُعلِنوا بها إلَّا فشا فيهم الطَّاعون والأوجاعُ الَّتي لم تكُنْ مضت في أسلافِهم الَّذين مضَوْا، ولم ينقُصوا المكيالَ والميزانَ إلَّا أُخِذوا بالسِّنين، وشدَّةِ المؤنةِ، وجوْرِ السُّلطانِ عليهم، ولم يمنَعوا زكاةَ أموالِهم إلَّا مُنِعوا القطْرَ من السَّماءِ، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا، ولم يَنقُضوا عهدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلَّا سلَّط اللهُ عليهم عدوًّا من غيرِهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم، وما لم تحكُمْ أئمَّتُهم بكتابِ اللهِ تعالَى ويتخيَّروا فيما أنزل اللهُ إلَّا جعل اللهُ بأسَهم بينهم.))
[ ابن ماجه: صحيح أو حسن ]
ترون أنتم كيف أن الغرب يأخذ أموالاً طائلة بشكل أو بآخر، بأسلوب أو بآخر.
أيها الإخوة؛ إذاً المال الإنسان محاسب عنه محاسبة شديدة، مرّ معي أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى على السرير تمرة قال: يا عائشة لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها،
(( فعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَائِمًا فَوَجَدَ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِهِ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا، ثُمَّ جَعَلَ يَتَضَوَّرُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، وَفَزِعَ لِذَلِكَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِي فَأَكَلْتُهَا فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ. ))
اشتهى أن يأكلها، لكنه خشي أن تكون هذه التمرة من تمر الصدقة، من هنا قيل: ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مُخلِّط، المُخلِّط خلط عملاً صالحاً بعمل سيئ.
إخواننا؛ قضية المال تحتاج إلى فهم عميق، قضية المال تحتاج أن تفهم فلسفة المال في الإسلام، المال قوام الحياة، والمال محبب للنفس، والمال حيادي سلم ترقى به أو دركات تهوي بها، والمال وراءه مسؤولية كبيرة جداً، والمال أحد أكبر القُرَب إلى الله عز وجل، هذه فلسفة المال في الإسلام.
المال ليس للزهو والافتخار والاستعلاء على الناس:
لكن لما يتصور الإنسان أن المال من أجل متعته، الآن أضع بين أيديكم تصوراً آخر، المال من أجل الرفاه، المال من أجل الزهو، المال من أجل البذخ، من أجل الاستعلاء، هذه كلها أمراض نفسية، ورد في بعض الآثار: أن الناس يُحشرون يوم القيامة، أربع فرق، فريق جمع المال من حلال وأنفقه في حرام يقال: خذوه إلى النار، حسابه سريع جداً، جمع المال من حلال، تجارة مشروعة، لكن أنفقه على الليالي الحمراء والموائد الخضراء، والمجتمع المخملي أي جنفيص، يقال: خذوه إلى النار، حسابه سهل، وفريق جمع المال من حرام، يوجد عنده ملهى، عنده راقصات، وعنده مغنون، وعنده خمر، لكن تزوج واشترى بيتاً وعاش حياة، شراء البيت حلال، جمع المال من حرام وأنفقه في حلال، أيضاً حسابه سهل جداً، خذوه إلى النار سريعاً، والثالث والعياذ بالله جمع المال من حرام، وأنفقه في حرام، أيضاً خذوه إلى النار، بقي الأخير هذا جمع المال من حلال، وأنفقه في حلال، قال: هذا قفوه فاسألوه، الأول والثاني والثالث الحساب سريع جداً، أما الرابع قفوه فاسألوه: هل تاه بماله على مَن حوله؟ أحياناً قد تقول لغيرك: أين تسكن؟ هو ساكن بحي راق جداً، بيت ثمنه ثمانون مليونًا، ترى هذا المسؤول يخجل، مرة قال لي أحدُهم: أنا ساكن ببرزة، جلست مع جماعة يسكنون بأرقى أحياء دمشق غربي المالكي، قال له: أنت أين ساكن؟ قال له: شرقي المالكي، أحدهم يسكن بالحجر الأسود، قال له: أنا ساكن في البلاك ستون سيدي، أين ساكن؟ يصغرك، مساحة بيتك، كم تأخذ راتباً؟ يصغّرك، هذا الذي يستعلي بماله هذا شيطان يتكلم.
والله أيها الإخوة؛ بإمكانك أن تُطيب قلب أيّ إنسان، أنا أذكر دخلت إلى بيت أحد إخواننا الكرام غرفة الضيوف صدق أنه يجلس فيها أربعة أشخاص بصعوبة بالغة، فهو خجل، قلت له: يا بني النبي الكريم سيد الخلق وحبيب الحق كانت غرفته لا تكفي لصلاته ونوم زوجته، فإن أراد أن يصلي انزاحت جانباً، لا تكفي، مَن هو؟ سيد الخلق، قائد القوات الإسلامية في الشام أمين هذه الأمة عبيدة بن الجراح دخلوا إلى بيته وجدوا غرفة فيها جلد غزال، وقدر مغطى برغيف خبز، وسيف معلَّق، قالوا: ما هذا يا أمين الأمة؟ قال: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يُبلغنا المقيل؟ هناك إنسان يستعلي بالمال، يفتخر، يزهو، يُصَغِّر الآخرين، الله كبير، جاء صهر إلى رجلٍ من أرقى الناس، ويعيش في الخليج، ودخله جيد، لكن هو عنده تجارة واسعة جداً، فقال له: كم دخلك في الشهر؟ قال له فرضاً: خمسون ألفاً، قال له: لا يكفي هذا المبلغ ابنتي يومًا، الله كبير، دارت الأيام وصودرت أملاكه، واضطر أن يتوسط لهذا الذي خطب ابنته أن يقبل، فلما قبِل عمل عنده محاسباً، الله كبير، إياك أن تزهو بمالك.
تروى قصة رمزية عن إنسانٍ جلس مع زوجته يأكلان طعاماً نفيساً، طُرِق الباب، ذهبت لتفتح رأت متسولاً، همت أن تعطيه من هذا الطعام، فنهرها وقال: اطرديه، بعد حين ساءت العلاقة معها طلقها، تزوجها إنسان آخر، جالسة معه تأكل طعاماً نفيساً، طُرِق الباب، ذهبت لتفتح الباب فاضطربت، قال لها: مَن الطارق؟ قالت له: سائل، قال لها:لا، غير سائل، قالت له: زوجي الأول، فقال: وأنا السائل الأول، الله كبير، إياك أن تزهو بمالك.
والله حدثني أخ قال لي: أنا عندي معمل، وعندي سيارة كبيرة للسفر، وسيارة أخرى، وسيارة للمعمل حاصة، قال لي: ما دخلت الحلويات بيتي إلا بأكبر كمية، والفواكه بأكبر كمية، تكلم لي عن حياته الناعمة، أقسم لي بالله الآن يُنقّب بالقمامة ليأكل، قصة طويلة وواقعية، إياك أن تزهو بمالك، المؤمن إذا أغناه الله يزداد تواضعاً لله، يزداد تواضعاً للفقراء، ما أعظم سخاء الأغنياء على الفقراء، والأعظم منه عفة الفقراء عن مال الأغنياء.
أيها الإخوة؛ لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله كبيرة، على كلٍّ أنا أخاطب الشباب، إذا كان طريق كسب المال وفق منهج الله اكسبوا المال الحلال، وحلوا به مشكلات المسلمين، وإذا كان طريق كسب المال على حساب دينكم وقيمكم فالفقر وسام شرف لكم، هذا ملخص الملخص.
أيها الإخوة؛ ننتقل إلى موضوع الإعجاز العلمي، الله عز وجل جعل القمح لبني البشر غذاءً كاملاً، كم نوع قمح يوجد؟ خمسة وأربعون ألف نوع، أحد إخواننا الكرام أستاذ في الجامعة، وذكر لي هذا الرقم.
لكن القمح غذاء كامل، ينبت في كل بقاع الأرض، في السهول، في الجبال، في الأغوار، في الأجواء الباردة، في الأجواء الحارة، في المعتدلة، في كل لحظة من لحظات الزمن هناك قمح على وجه الأرض ينبت، والغريب ساق القمح غذاء كامل للأنعام، الغذاء الأول يسمى بالاقتصاد الغذاء الاستراتيجي، التبن له سعر عالمي، الغذاء الأول، كما أن القمحة غذاء كامل للإنسان، ساق القمحة غذاء كامل للحيوان.
﴿ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)﴾
مرة أحبّ رجلٌ أن ينال من موضوع ديني في محاضرة، ذكرت عن البعوضة أشياء رائعة جداً، هو يبدو أنه علماني، وفهمكم كفاية، قال لي: كأنه يوجد بالدين الإسلامي أن:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا وقَعَ الذُّبابُ في شَرابِ أحَدِكُم فليَغمِسْه ثُمَّ ليَنزِعْه؛ فإنَّ في إحدى جَناحَيه داءً، والأُخرى شِفاءً. ))
من باب الاستهزاء، قال لي: هل ينسحب هذا على البعوضة؟ أيضاً البعوضة نغمسها؟ قلت له: إذا أقنعك طبيب أن تأكل التفاح بقشره هل ينسحب هذا على البطيخ الأخضر؟
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾
إذا أقنعك طبيب أن تأكل التفاح بقشره هل ينسحب هذا على البطيخ الأخضر؟
أيها الإخوة؛ الآن دققوا؛ هذه الثمرة الكاملة فيها غلاف خارجي، القمحة لها غلاف خارجي يزن تسعاً في المئة من مجموع وزنها، يسمى عند الناس نُخالة، وفيها قشرة رقيقة تنطوي على مادة آزوتية لا تزيد عن ثلاثة بالمئة من وزنها، وفيها الرشيم الكائن الحي في القمحة الذي ينبت إذا توافرت له شروط الإنبات، هذا يحيا آلاف السنين، القمح الذي استخرج من أهرامات مصر قبل ستة آلاف سنة زُرِع فنبت، أي فيه كائن حيّ لا يموت، الرشيم كائن حي، إن أصابت القمحة رطوبة نبتت، وزنه لا يزيد عن أربعة بالمئة من وزن الحبة، صار في تسعة وثلاثة وأربعة، والأربعة والثمانون في المئة من القمح نشاء خالص، ماذا نفعل نحن؟ ننزع عن القمحة غلافها وغشاءها، ولا يبقى من القمح إلا النشاء الخالص، أما الغلاف الذي يسميه الناس نخالة اسمعوا ما هو؟ النخالة التي يطعمها بعض الناس للدواب، ويأكل هو النشاء فقط، فيها ستة فيتامينات، فيتامين ب1، ب2، ب6، وفيتامينات أخرى، وفي هذا الغلاف مادة فسفورية هي غذاء للدماغ والأعصاب، وفي هذا الغلاف حديد يهب الدم قوة وحيوية، ويُعين على اكتساب الأكسجين من الرئتين، وفي هذا الغلاف الكالسيوم الذي يبني العظام، ويُقوِّي الأسنان، وفي هذا الغلاف السيلكون الذي يقوي الشعر، ويزيده قوة ولمعاناً، وفي هذا الغلاف اليود الذي ينشط الغدة الدرقية، ويضفي على آكله السكينة والهدوء، وفيه البوتاسيوم والصوديوم والمغنزيوم، هذا كله نطعمه للدواب، ونأكل نحن الخبز الأبيض، وهذا هو الحمق بعينه.
هذه المعادن تدخل في تكوين الأنسجة والعصارات الهاضمة، أما نحن فننزع عن حبة القمح قشرها، ونرميه للبهائم، ونأكل النشاء الصافي، لذلك قالوا: احذروا السموم البيضاء الثلاث، الطحين الأبيض، والسكر الأبيض، والملح الأبيض.
إخواننا الكرام؛ غلاف القمحة الغشاء، القشرة، النخالة أعلى مادة في الأرض لتيسير عملية الهضم، كل أدوية معالجة الإمساك عن طريق مواد مشتقة من النخالة، والإمساك يُسَبب خمسين مرضاً، ودواء الإمساك الأول أن تأكل الخبز بقشره، الخبز الأسمر، إذا سافر الرجل كثيراً بأرقى الفنادق، بأرقى الأماكن الخبز الأسمر الأول، لأنه هو الصحة، أقلّ شيء أنه يحميك من الإمساك الذي يُسَبب خمسين مرضاً، ثاني شيء كم معدناً فيه؟ ستة معادن، فوسفور للدماغ والأعصاب، حديد للدم، ويعطي الحيوية، كالسيوم للعظام والأسنان، سيليكون للشعر، يود الغدة الدرقية، بوتاسيوم، صوديوم، مغنيزيوم كله بالقشر.
4 ـ بدعةُ العصر نخلُ وتصفيةُ القمح والشعير:
والله أنا العبد الفقير من عشرين سنة لا آكل إلا الخبز الأسمر، هو الصحة، هو المفيد، لذلك هذه القشور إذا غُليت هي دواء مهدئ للسعال والزكام، وإذا شُرِب هذا المغلي كان قابضاً للأمعاء، ودواء لتقرحات المعدة وللزحار، وهو غذاء للجلد، ووقاية له، أما حينما نأكل الخبز المنخول نكون قد خالفنا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لأن أول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل الدقيق، أول بدعة
(( وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَقُلْتُ: هَلْ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ؟ فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْخُلًا مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ، وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ.))
أي الطحين الأبيض المنخول، ((فَقَالَ سَهْلٌ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، قَالَ: فَقُلْتُ: هَلْ كَانَتْ لَكُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَاخِلُ؟ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْخُلاً مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ، وَنَنْفُخُهُ فَيَطِيرُ مَا طَارَ، وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ)) .
أيها الإخوة؛ أول بدعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله نخل الدقيق.
نصيحة لوجه الله؛ كلوا الخبز الأسمر، كلوا الخبز الذي هو دقيق قمح مطحون من دون نزع القشرة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق