الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس السادس والعشرين من دروس العقيدة والإعجاز، وكما تعلمون محور هذه الدروس مقومات التكليف، ومن مقومات التكليف الكون، وتحدثنا عنه ملياً، والعقل وهو أداة معرفة الله، والفطرة وهي أداة معرفة الخطأ والصواب، ثم تحدثنا عن الشهوة، وأمضينا حلقات كثيرة في الحديث عن شهوة المال، وننتقل اليوم إلى الشهوة الثانية-إن صح التعبير-شهوة الجنس.
الإنسان كائن متحرك تحركه شهواته:
بادئ ذي بدء الإنسان كائن متحرك، لماذا هو متحرك؟ لأن الله أودع فيه الشهوات، هذه الأدوات التي أمامي كائنات جامدة، لا تتحرك، لماذا؟ ليس فيها دوافع، ولا حاجات، لو بقيت هذه الطاولة آلاف السنين هي هي، أما الإنسان كائن متحرك.
ما الذي يحركه؟ شهواته، أول شهوة شهوة الطعام والشراب حفاظاً على وجوده، الشهوة الثانية شهوة الجنس المرأة حفاظاً على النوع، لولا هذه الشهوة لانقرض النوع البشري، وهذه الشهوة متغلغلة في أعماق الإنسان، هذا التغلغل يشير إليه الحديث الشريف:
(( عن أبي حاتم المزني: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كبير.))
لو أقمتم عقبات كأداء أمام زواج الشباب ماذا يحدث؟ يحدث الفساد: ((إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كبير)) هناك أشياء إذا منعتها يمتنع الإنسان عنها، لكن هناك أشياء متغلغلة في أعماق النفس، فلذلك لابد من ترشيدها.
مرة ثانية أؤكد لكم أن الإنسان لأنه المخلوق الأول، ومن خصائص هذا المخلوق الأول أنه مخيّر، ما دام الإنسان مخيراً إذاً كل شهواته حيادية، يمكن أن تكون سلماً يرقى بها إلى أعلى عليين، ويمكن أن تكون دركات يهوي بها إلى أسفل سافلين، للتوضيح بمفارقة عجيبة، هناك لقاء يتم بين الذكر والأنثى، لو أن هذا اللقاء وفق منهج الله، وفق شرع الله، بخطبة، وعقد نكاح، وإيجاب وقبول، وولي، وشاهدين، ومهر، ماذا ينتج عنه؟ ينتج عنه أسرة، لو تصورنا الأب عالماً، والزوجة صالحة، تمّ هذا الزواج، أنجبوا أولاداً، قلت لكم مرة: حدثني أحد علماء القرآن قال لي: أنا عندي ثمانية وثلاثون حفيدًا، منهم أكثر من ثلاثة عشر طبيباً، وكلهم من حفّاظ كتاب الله، تصور إنساناً تمّ لقاء زوجي بينه وبين زوجته، فكان بعد عدد من الأعوام ثمانية وثلاثون حفيداً، شباب مؤمنون، فتيات صالحات، أصهار، أحفاد، حفّاظ كتاب الله، أطباء، مهندسون، كل هذا الخير من لقاء زوجي، أي بالتعبير الآخر من علاقة جنسية بين الزوجين، أليس كذلك؟ كلكم جميعاً آباء أبناء وأمهات صالحون، أنتم ثمرة هذا الزواج، أليس كذلك؟ فهذا عالم، هذا خطيب، هذا داعية، هذا طبيب، هذا مهندس، أرأيت إلى العلاقة الجنسية لو أنها وفق منهج الله؟ أنا أذكر لي صديق أخبرني أنه طرق بابه الساعة الرابعة صباحاً، فتح الباب لم يجد أحدًا، فحانت منه التفاتة إلى أسفل إذ بمحفظة تتحرك، فتحها وجد طفلاً وُلِد لتوّه، طبعاً أغلب الظن أنه ابن زنا، وحينما خرج إلى الدنيا وُضِع أمام هذا الباب، والرجل صالح، أي توسموا فيه الصلاح، طبعاً أخذه إلى المستشفى، وإلى حاضنة إلى آخره، لكن أنا وازنت بين طفل تنجبه أمه من زوج، حينما حملت الأخبار انتشرت أن ابنتنا حاملة الحمد لله، الأخبار طارت بين الأقارب، وجاءت التهاني والتبريكات، وخلال هذه الأشهر التسع الأم تهيئ نفسها، تهيئ السرير، تهيئ الألبسة، تهيئ حاجات الطفل، وحينما أنجبت هذا الطفل جاءت التهاني والتبريكات، وعملت مباركة، وضيفت الكراوية بالتقاليد الشامية، وجاءت التهاني والهدايا، كيف جاء هذا الطفل؟ جاء مع احتفالات، مع تهاني، مع تبريكات، مع هدايا، مع فرح، مع ولائم، والده عمل له عقيقة، أي قدم عقيقة بمناسبة، قلت: سبحان الله! طفل يأتي بالحاوية أحياناً، أو أمام باب، وطفل يأتي من أبوين، الشهوة هيَ هي، اللقاء بين الذكر والأنثى هوَ هو، إذا كان وفق منهج الله أنجب أسرة، وأولاداً، وأحفاداً، وأصهاراً، صارت هذه الأسرة، الآن أكثر الأجداد له من خمسة وعشرين إلى خمسة وثلاثين حفيداً، أكثر الأجداد إذا كان عنده خمس بنات، كل بنت أنجبت خمسة أولاد، خمسة بخمسة خمسة وعشرون، وهناك أكثر عنده خمس بنات وأربعة صبيان، خمسة خمسة تجد أربعين حفيداً، كل هذه المجموعة الطاهرة أساسها علاقة زوجية، أساسها علاقة جنسية، هذه الشهوة أول شيء حيادية، يمكن أن تكون سلماً ترقى بها إلى أعلى عليين، ويمكن أن تكون دركات تهوي بها إلى أسفل سافلين، ويوجد بكل بلد دُور دعارة، ويوجد زنا، والزانية إنسانة ساقطة، تخجل من نفسها، أقسم لكم بالله لو أن امرأة سقطت في الزنا إن رأت امرأة محجبة تحمل ابنها تذوب أسفاً على حالها.
أيها الإخوة الكرام؛ يوجد للمرأة جمال الحشمة، جمال العفة، تحس المرأة العفيفة الشريفة الحرة ملكة، ملكة والله، والمرأة الساقطة شيء مبتذل، شيء ساقط، شيء لا أحد يأبه له، على كلٍّ عافنا الله وإياكم، وعافى أولادنا وأحفادنا وبناتنا من كل زلل، شيء صعب جداً.
إذاً أول نقطة أن الإنسان كائن متحرك، ما الذي حركه؟ شهوة الطعام حفاظاً على وجوده، وشهوة الجنس حفاظاً على نوعه، هذه الشهوة حيادية بالضبط، كنت أذكر هذا المثل كثيراً لأنه واضح جداً، الوقود السائل البنزين سائل ينفجر إذا وضِع في المستودع المحكَم، وسال في الأنبوب المحكَم، وانفجر في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب ولَّدَ حركة نافعة، تقلُّك أنت وأهلك إلى مكان جميل، وإذا صُبَّ هذا الوقود على المركبة، وأصابها شرارة أحرق المركبة ومَن فيها، هُو هو، قوة نافعة دافعة، قوة مهلكة مدمرة، هذه الشهوات.
الزنا سقوط من كل الجوانب:
تجد إنساناً يتزوج، ويُحبّ زوجته، تنجب له أولاداً يملؤون البيت سروراً، أسعد لحظات الزوج إذا جلس مع أهله وأولاده، أولاد بريئون طاهرون، لهم كلام لطيف جداً، لهم حركات لطيفة، والأم امرأة جميلة متزينة أمام زوجها، هكذا ترتيب الله عز وجل، إذا صحّ التعبير يوجد تصميم إلهي، الذكر والأنثى صُمِّما في الأصل ليكونا زوجين، نحن بالعالم الإسلامي لا يوجد عندنا إلا الفتاة إما أنها أم، أو أنها أخت، أو أنها بنت، لا يوجد عندنا خليلة، لا يوجد عندنا عشيقة، لا يوجد عندنا إنسانة تمتهن الزنا، معها بطاقة، معها شهادة صحية، ولهن نقابة، والعياذ بالله، هذا الشيء عندنا ليس موجوداً، نحن في بلاد المسلمين لا نُشرّع المعصية، يوجد بطاقات، ويوجد نقابات، ويوجد شهادة صحية، يوجد كل شيء، أما نحن يوجد عندنا زوجة، يوجد عندنا بنت، وعندنا أخت، وعندنا أم، وهناك خالة، وهناك عمة، وهناك بنت أخت، وهناك بنت أخ، وهناك بنت ابن، وهناك بنت بنت، المرأة مقدَّسة، هل تصدقون أن الرجل إذا قاتل دون عرضه فهو شهيد، الذي يدافع عن زوجته، أو عن ابنته، أو عن أخته يُعدُّ عند الله شهيداً.
ما من شيء أحبّ إلى الله تعالى من شاب تائب:
على كلٍّ أيها الإخوة؛ أنا أقول لكم أيها الشباب الله عز وجل لا ينسى من فضله أحداً، لك حق عليه، وأُذكِّركم حينما أرى أن معظم الذين يحضرون هذا الدرس من الشباب الأطهار أبلغكم هذا الحديث الشريف: عن سلمان: هناك.
والله مرة كنت بعقد قران، أحد الخطباء قال: ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب معاذاً فقال له:
(( عن معاذ رضي الله عنه: يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. ))
والله الذي لا إله إلا هو لو أن شاباً شعر أن الله يحبه، خالق السماوات والأرض يحبه، والله لا يوجد مرتبة في الأرض أعلى من هذه المرتبة، ((ما من شيء أحبّ إلى الله من شاب تائب)) يقول: انظروا عبدي، ترك شهوته من أجلي.
من المستحيل أن يُعامَل الشاب التائب كالشاب العاصي:
لكن بمحاكمة منطقية، معقول شاب في ريعان الشباب، شهوته متأججة، يغض بصره عن محارم الله، ويرتاد بيوت الله، وبعيد عن كل المعاصي والآثام، هذا الشاب الذي عفّ عن الحرام، ومنع نفسه عن كل إثم، وخاف من الله عز وجل، معقول أن يُعامل هذا الشاب في زواجه كما يُعامل شاب منحرف له خبرات مع النساء قبل الزواج؟ ذوّاق، ورد: لعن الله الذواقين والذواقات، يعبَّر عنها الآن بتعبير آخر، عنده خبرة، خير عن شاء الله، الشاب المؤمن طاهر، طاهر مُطهَّر، عفته وسام شرف له، غضّ بصره وسام شرف له، ((ما من شيء أحبّ إلى الله تعالى من شاب تائب)) يقول الله عز وجل للملائكة: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، الآن السؤال: هل تعتقد أنه يمكن أن تُعامَل أيها الشاب التائب، أيها الشاب الغاض للبصر؛ أن تعامَل عند زواجك كما يُعامَل شاب متفلت؟ يملأ عينيه من الحرام، يمشي مع رفقاء السوء، يسهر إلى ساعة متأخرة على موقع في الإنترنت، أو على فيلم إباحي، هذا الشاب الثاني أيعقل أن يعامَل كما يُعامّل مؤمن طاهر؟ الدليل احفظوا هذه الآية:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
في الآخرة شيء بديهي، الآية تشير إلى الحياة الدنيا: ﴿سَوَاء مَّحْيَاهُم﴾ في الدنيا ﴿وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ .
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾
﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾
لي صديق زار دمشق، هو من لبنان، ورجل مُنعم، راكب مركبته، مست مركبته مركبة عامة وهناك أضرار، أي بعض أصحاب المركبات العامة قد يغضبون غضباً شديداً إذا أصيبت مركبتهم، والرجل مليء يدفع له ما يريد، لكن صاحب هذه المركبة العامة نظر إليه ونظر إلى اللوحة، هذه في أثناء أحداث لبنان، قال له: مسامح، بكل لطف، بكل نعومة، كان سيدفع بضعة آلاف من الليرات لإصلاح سيارته، أما شيء عجيب، بلا تعقيدات، بلا تشنج، بلا غضب، بلا رفع صوت، قال له: مسامح، فهذا الصديق الذي معي اللبناني هطلت من عينه دمعة على خده، فسرها لي، رجل مليء مادياً، الألفان والثلاثة والعشرة لا يؤثرون عليه أبداً، لماذا بكى؟ سألته أنا: لماذا تأثرت؟ قال لي: لأنني قبل سنتين هناك إنسان راكب سيارة سورية في بيروت، معه نساء محجبات، وعمل له حادثاً، قال: أنا مادام هذا الإنسان طاهراً هو وأهله لم أرد أن أعكر صفوه بالنزهة، قال له: مسامح، لماذا بكى؟ لأن هذه لم تضع مع الله عز وجل، والله الذي لا إله إلا هو لو أنقذت نملة أثناء الوضوء هذا العمل عند الله لا يضيع، لو أطعمت هرة هذا العمل لا يضيع،
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ. ))
امرأة بغي رأت كلباً يكاد يموت من العطش، نزلت البئر وملأت خفها ماءً، وارتقت، وسقت الكلب، فشكر الله لها فغفر لها، هي في الصحراء لا ترجو سمعة، ولا مديحاً، لكنها أرادت إنقاذ هذا الحيوان، والله الذي لا إله إلا هو سأسمعكم هذا النص وأنا مؤمن به: ما أحسن عبدٌ أي عبد من مسلم أو غير مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أم في الآخرة، تعمل عملاً طيباً، ترحم إنساناً، تكرم إنساناً، تعالج إنساناً، تطعم إنساناً، تستر إنساناً، تعين إنساناً، ويضيع هذا العمل؟!
ماذا يعاني المسلمون اليوم؟ من أعداء أشداء أقوياء في غفلة من الدهر بنوا قوتهم العملاقة، وفرضوا ثقافتهم على العالم كله:
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)﴾
ليس في بلدهم:
﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾
في مكان يقصفون، وفي مكان يُفسدون بأفلامهم، ﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ*فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ هؤلاء مستكبرون، متغطرسون:
﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)﴾
يقول بعض زعماء هذه البلاد العملاقة: سياستنا الخارجية كالداخلية، في الأساس السياسة الداخلية أوامر للوزراء أما الخارجية مفاوضات، لا، هم قالوا: لا، الخارجية أيضاً أوامر، تعليمات، إملاءات، ضغوط، ﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ*فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ تغطرسوا، ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ تفوقوا في العمران:
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾
تفوقٌ عمراني، وتفوق صناعي، وتفوق عسكري:
﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾
وتفوق علمي:
﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾
وغطرسة، وما أهلك الله قوماً إلا ذكرهم أنه أهلك من هو أشدّ منهم قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال:
﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)﴾
أي ما كان فوقها إلا الله ومع ذلك:
﴿ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾
الله عز وجل لا تضيع عنده مثقال ذرة:
الله عز وجل لا تضيع عنده مثقال ذرة:
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49)﴾
يوجد خيط بين فلقتي النواة هذا الفتيل:
﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)﴾
وفي النواة أحد رأسيها مؤنف كالإبرة، هذا النقير، ولا تظلمون مقدار قطمير، غشاء رقيق يلف النواة، ولا: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ فلذلك حينما يستقيم الشاب قبل الزواج أول مكافأة له زوجة تسره إن نظر إليها، وتطيعه إن أمرها، وتحفظه إن غاب عنها.
الزوجة الصالحة حسنةُ الدنيا:
مرة كنت في دعوة في استنبول فسائق أوصلني إلى المطار، هو لا يتكلم العربية، فصديقه يتكلم العربية، لأنه تبرع بإيصالي أردت أن أشكره، قلت له: أنت متزوج؟ قال: لا، قلت له: أدعو لك بزوجة صالحة تسرك إن نظرت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، وتطيعك إن أمرتها، قال لي: والله أتمنى أن أوصلك إلى دمشق، من شدة فرحه بهذا الدعاء، لذلك قال تعالى:
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾
قال علماء التفسير: المرأة الصالحة حسنة الدنيا، ستيرة، عفيفة، قنوعة، أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَقلهنّ مَؤونَةً، أعظم النساء بركة أقلُّهن مهراً، لكن هناك صحابي طلبت منه زوجته حاجات لا يملك ثمنها، بالتعبير المعاصر: وضغطت عليه، فقال: اعلمي أيتها المرأة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداها على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأَن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك، الصحابية كانت تقول له: اتقِ الله بنا، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام.
أحياناً بعصور التخلف الإيماني تضغط عليه إلى أن يأكل المال الحرام، فإذا أكل المال الحرام سقط من عين الله، ومن عين الناس، وهذا المال الذي جمعه من حرام يتلفه الله عز وجل.
إذاً شهوة الجنس شهوة حيادية، ويمكن أن تصل بها إلى أعلى عليين، أي مثلاً لو تزوجت امرأة صالحة، وأدعو لكل الشباب بزوجة صالحة، تزوجت امرأة صالحة وأنجبت منها غلاماً، هذا الغلام ربيته تربية إيمانية، أحد الإخوة خطباء المساجد استيقظ مرة متأخراً، فهيأ لابنه شطيرة، قال له: بابا كُلْها في الطريق، لا يوجد وقت، وقف الطفل، قال له: الأكل في الطريق دناءة، أعطى درساً لأبيه، الطفل المربى الذي ينشأ على طاعة الله، على حفظ كتاب الله، والله أحياناً يكاد ينخلع قلبك محبة له، إذا طفل صغير متكلم.
مرة دخل على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفدٌ من الحجاز، تقدَّمهم غلام صغير، غضِب سيدنا عمر، قال له: اجلس أيها الغلام وليَقُم مَن هو أكبر منك سناً؟ قال له: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً ذاكراً، وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس.
كل شهوة لها سبيل شرعيٌّ لإروائها:
ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها،
(( سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال :أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني. ))
ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، الآن الشهوة يمكن أن تتحرك فيها مئة وثمانين درجة، لكن المؤمن يوقع حركته بدافع شهوته في الحيز الذي سمح الله به، هذا بالصبر، الإيمان نصف صبر، ونصف شكر، الصبر إيقاع الحركة بدافع الشهوة في الحيز الذي سمح الله به، ولعل بعضهم فسر قوله تعالى:
﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86)﴾
أي مسموح لك أن تتزوج، وأن ترى من النساء أمك وأختك، وابنتك وعمتك وخالتك، وبنت أخيك وبنت أختك، هذه المحارم، لذلك الآية الكريمة:
﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾
المعنى المعاكس أو المخالف في أصول الفقه: الذي يتبع هواه-دقق-وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه، أي ممكن أن تتزوج، ويصير لقاء، وأن تستيقظ على قيام الليل، وأن تبكي في الصلاة، لأنك ما فعلت شيئاً، فعلت شيئاً وفق منهج الله، وفق أمر الله ونهيه، لذلك ورد: الحمد لله الذي رزقني حبّ عائشة.
أقول لكم ولا أبالغ: الأصل أن تحب الله، وأن تحب رسوله من فروع محبة الله، وأن تحب صحابته الكرام جميعاً، وأن تحب المؤمنين، وأن تحب الصالحين، وأن تحب العلماء العاملين، والعلماء الربانيين، وأن تحب بيوت الله، وأن تحب كتاب الله، ومن فروع محبة الله أن تحب زوجتك لأنها حليلتك، لأن الله أمرك أن تحبها، والنبي علمنا ذلك، قال: الحمد لله الذي رزقني حبّ عائشة، والحب تصنعه أنت بيدك، يدخل إلى البيت يسلم، يبتسم، إذا رأى إنجازًا يثني عليه، أي هناك أزواج-عفا الله عنهم-البيت مرتب، الطبخ جاهز، الزوجة مرتدية أجمل ثيابها، تستقبلك، صار الطعام؟ لا يوجد السلام عليكم، الله يرضى عليكِ، أنا سعيد جداً بهذا الزواج، أنتِ أمل حياتي، يتكلم الإنسان كلاماً لطيفاً، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بسّاماً ضحّاكاً، كان يقول: إنهن المؤنسات الغاليات، أكثر المشكلات التي أطّلع عليها من خلال الهاتف أن الزوج لا يتكلم كلمة في البيت، أنا مرة أحصيت على خطيب هو قال لي، قال لي: المكالمة مع خطيبتي استمرت ثلاث عشرة ساعة، بعدها بسنتين لا يتكلم كلمة في البيت، ثلاث عشرة ساعة بعد سنتين تجر منه الكلام جرًّا، الحب يستمر ويتنامى بالبسمة، بالكلمة الطيبة، بالشكر، بالاعتذار أحياناً، والبطولة أن تنجح مع ربك، ومع أهلك، ومع أولادك، وفي عملك، ومع صحتك، هذه البطولة، احفظ هذه الرباعية، أن تنجح مع الله، ومع أهلك، وأولادك، ومع عملك، ومع صحتك، ليس هناك نجاح جزئي، النجاح شمولي.
إذاً ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، هذا من فضل الله علينا جميعاً، لا يوجد حرمان بالإسلام، ولا يوجد قيود ولا حواجز بين الزوجين، إذا كان الزوج معلوماته ضعيفة منع زوجته من أشياء هي مباحة لها، مباح لها أن تتزين له كما يبدو لها، لأنها حلال له، لا يوجد قيد ولا يوجد شرط، إلا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(( عن عبد الله بن عباس نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ... الآية: أقبِلْ وأدبِرْ؛ واتقِ الدُّبُرَ والحَيْضَةَ. ))
والباقي لا داع للتفاصيل المحرجة، هذان الشيئان محرمان فقط، والباقي مسموح، إذاً الزواج سنة رسول الله، والزوجة الصالحة حسنة الدنيا، ومحبة الزوجة من فروع محبة الله، لأنها أم أولادك، ولأن حبك لزوجتك يرفع من قدرك عند الله، الفكرة الدقيقة الشيطان له نشاطات كثيرة، من يقول لي؟ أخطر نشاط له وأكبر نشاط هو التفريق بين الزوجين.
﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)﴾
لذلك عمل الشيطان أن يُكرِّهك بزوجتك، بينما الإيمان يدعوك أن تحب زوجتك، فأنا أرفض أشدّ الرفض مقولة يتداولها العامة أن بعد فترة يألف الزوجين بعضهما، لم يعد هناك حبّ بينهما، لا، هذا كلام ليس صحيحاً، إن كان كذلك فهناك خطأ استراتيجي في العلاقة بينهما، الحب الزوجي يتنامى، وكل سنّ المرأة لها جمال، هي عروس لها جمال، وهي أم لها جمال، وهي جدة لها جمال، وهي أكبر إنسانة بالأسرة يسمونها عميدة الأسرة لها جمال من نوع آخر.
لذلك المرأة بالزواج لها مستقبل، لكن بالزنا ما دام فيها مسحة جمال حينما يزوي جمالها تُلقى في الطريق، لا يوجد مستقبل للمرأة من دون زواج، وأنا أقول: إنسان يفكر أن يتزوج زواجاً مؤقتاً، الإمام الأوزاعي يرى أنك إذا عقدت عقداً، وفي نيتك التطليق بعد حين لقيتَ الله وأنت زان، عقد الزواج على التأبيد، هل تقبل بنت في الأرض أن تتزوج لأمد بسيط؟ مستحيل، لا تقبل، هل يقبل أب؟ لا يقبل، لذلك عقد الزواج على التأبيد، بل إن عقد الزواج أقدس عقد على الإطلاق، قال تعالى:
﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21)﴾
أقدس عقد على الإطلاق في الأرض عقد الزواج، لأن هذا عقد ينتج عنه أولاد، ينتج عنه أحفاد، وتنشأ عنه ذرية، وأكثر مكافأة للزوجين:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)﴾
فلذلك الحديث الذي تقشعر منه جلود الإنسان أن الله سبحانه وتعالى فيما يروي النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث في الجامع الصغير:
(( عن أبي هريرة رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثةٌ حقٌّ على اللَّهِ عونُهم: النَّاكحُ الَّذي يريدُ العفافَ، والمُكاتبُ الَّذي يريدُ الأداءَ أي العبدُ الَّذي يريدُ أن يحرِّرَ رقبتَهُ ببذلِ مقدارٍ من المالِ يكاتِبُ عليهِ سيِّدَهُ، والغازي في سبيلِ اللَّهِ.))
شاب يطلب العفاف الأمر مُيسر من قِبل الله عز وجل، لا تقلق ما دمت تطلب العفاف فالأمر ميسَّر، وهناك قصص لا تُعد ولا تحصى عن شباب خطبوا، وليس في يدهم شيء، والله عز جل أكرمهم وتفضل عليهم بزوجة صالحة، سعدوا بها وسعدت بهم، على كلٍّ موضوع شهوة المرأة شهوة يمكن أن نرقى بها إلى أعلى عليين، ويمكن أن يكون لنا أولاد،
(( عن أبي هريرة: إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ. ))
حتى إن سيدنا عمر يقول فيما تروي الروايات: أقوم إلى زوجتي وما بي من شهوة إلا ابتغاء ولد صالح ينفع الناس من بعدي، والولد استمرار لك، والحمد لله رب العالمين.
الموضوع العلمي؛ معامل كُريًات الدم الحمراء:
أيها الإخوة؛ الموضوع العلمي.
1 – معامل كُريًات الدم الحمراء أخطرُ المعامل في الجسم:
يوجد بنِقْيِ العظام معامل من أخطر المعامل، إذا أكل الإنسان لحماً مطبوخاً بعظمه فالعظمة لو هزها كثيراً ينزل ماسورة سمراء منها، هذه الماسورة السمراء هي معامل كريات الدم الحمراء، هذه أخطر معامل بالجسم البشري.
أين وضعها الله؟ ضمن العظام، أي الدماغ ضمن الجمجمة في حصن حصين، والقلب ضمن القفص الصدري، والعين ضمن المحجر، والنخاع الشوكي ضمن العمود الفقري، ومعامل الكريات الحمراء ضمن العظام.
هذه المعامل تنتج في الثانية الواحدة مليونين ونصف مليون كرية، ويموت في الثانية الواحد مليونان ونصف مليون كرية حمراء.
لكن هناك ملمح اقتصادي: هذه الكريات الحمراء الميتة من الممكن أن تطرح خارج الجسم بسهولة، لكن ربنا عز وجل يعلمنا درساً في الاقتصاد، هذه الكريات الحمراء الميتة تذهب إلى الطحال، الطحال مقبرة الكريات الحمراء، تُحلَّل فيه إلى عواملها الأولية، فيها حديد وفيها هيموغلوبين، الحديد يفرز عن الهيموغلوبين، الحديد يُعاد شحنه إلى معامل كريات الدم الحمراء ليعاد تصنيعه ثانية، والهيموغلوبين يذهب إلى الكبد ليُكوِّن الصفراء، المادة الصفراء في الصفراء بالكبد من تحليل الكريات الحمراء الميتة، عز وجل كن فيكون، لكن علَّمنا أن نستفيد من كل شيء، فهذه الكريات الحمراء الميتة، وفي الطحال مقبرتها، الطحال يحللها إلى عواملها الأساسية، ويعيد شحن الحديد إلى معامل كريات الدم الحمراء داخل العظام، ويشحن الهيموغلوبين إلى الكبد ليكوِّن الصفراء، والصفراء مادة فعالة جداً في هضم الدهون والشحوم، إذا شخص استأصل الصفراء لا يستطيع أن يأكل الدهن، لأن الدهن يتعطل هضمه باستئصال الصفراء.
يوجد عندنا مرض خطير اسمه فقر دم لا مصنع، أي هذه المعامل تكفُّ عن تصنيع الكريات الحمراء، حتى الآن لا يُعرف السبب، هذا مرض خطير جداً، ومات فيه ملك في المنطقة، اسمه ابيضاض الدم، أو فقر الدم اللامصنع، أي معامل كريات الدم الحمراء تكف عن تصنيع الكريات، ما علاقة هذا الكلام بموضوع هذا اللقاء؟
2 – نقص الدم المنتظمُ بالحجامة تنشيط لمعامل الكريات الحمراء:
النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالحجامة، ويجب أن يُعلَم لديكم أن توجيهات النبي الكريم لا علاقة لها بثقافة العصر، ولا علاقة لها باجتهاد النبي، ولا علاقة لها بمعطيات العصر، ولا علاقة لها بأي شيء:
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
يجب أن تعتقد أن توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن تكون من بيئة العصر، يقول لك: بيئة بسيطة جداً، العلاج كان بالحجامة، لا، العمل أكبر من هذا، ما دام النبي أمر بالحجامة فالحجامة ليست من معطيات العصر، ولا من خصائص البيئة، ولا من ثقافة النبي، ولا من اجتهاد النبي، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ الحكمة لا أحد يعلم، ثم اكتُشف أن معامل كريات الدم الحمراء صيانتها الوحيدة في نقص الدم المنتظم، صيانتها الوحيدة في نقص الدم المنتظم، انت حينما تأخذ الدم ينقص الدم في الجسم، هذه المعامل تنشط، فتنشيط هذه المعامل بشكل مستمر يتم عن طريق نقص الدم المنتظم، هذا الذي قال هذا الكلام ليس مسلماً، ولا يعرف عن الإسلام شيئاً، بل لا يعرف عن الحجامة شيئاً، إلا أنه اكتشف أن نقص الدم المنتظم يصون هذا المعمل الذي إذا توقف لا يوجد حل، موت محقق، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نحتجم.
3 – فصدُ الدم من الوريد ليس كالحجامة:
بعضهم يقول: لو أخذنا الدم من الوريد؟ ممكن، لكن يبدو أن الحجامة تأخذ الدم من سطح راكد، المفصل فيه دم، لكن مع الحركة الدورة الدموية هنا نشطة، من أين أخذت هذا؟ الذي عنده شعر ضعيف ينصح بفرشاة لها رؤوس حادة حتى تحرك فروة الرأس، بالتحريك تنشط الدورة الدموية، أنت لو فركت يديك تحمر يديك، أي الدورة الدموية تنشطت بالحركة، فأي مكان فيه حركة فيه دورة دموية نشطة، أما الظهر فهو سطح لا يوجد فيه حركة، فلذلك حينما يؤخذ الدم من الظهر تتنشط الأوعية الدموية وتتجدد، لأن نقص الدم المنتظم يُسهم بشكل أو بآخر في صيانة هذا الجهاز الخطير الذي يعاني منه العالم ما يعاني، والمرض الخطير ما اسمه؟ ابيضاض الدم، أي حينما تكف هذه المعامل عن تصنيع الكريات الحمراء لا تبقى إلا البيضاء، يصير الدم أبيض، اسمه ابيضاض الدم.
سبحان الله! اكتشفوا الآن أن الدم الذي في حبل السرر هذا الدم في أي مكان يوضع في الجسم تتشكل منه خلايا كالخلايا المجاورة، صار هناك بنوك، هذه اسمها الخلايا الجذعية، دم حبل السرر يؤخذ ويوضع في بنك، أي إنسان أصابه ورم خبيث لابد من استئصال هذا النسيج، لو وضِع مكان الاستئصال دم من حبل السرر تتشكل منه خلايا مماثلة للخلايا المجاورة، ولا زال الإنسان يكتشف حقائق في الجسم مذهلة:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)﴾
أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر؟
حدثني طبيب قلب قال لي: حينما يُسد شريان بالقلب يتخلق لهذا المريض عشرة شرينات، مجموع أقطارها يساوي قطر الشريان المسدود، صيانة ذاتية، هذا من فضل الله علينا.
﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق