الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
سبب ابتعاد المسلمين عن حقيقة لا إله إلا الله:
أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في مدارج السالكين وفي منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، ولكن نحن في الدروس الأخيرة، بقي درسان، ومن أصول عرض الموضوعات الطويلة أنه في النهاية يُلخِّص الأسس الكبرى لهذه الدروس؛ اليوم سأحدثكم عن كلمة التوحيد الأولى، ولكن قبل ذلك لابد من أن أنوِّه إلى أنَّ هذه الكلمات الكبرى في الإسلام مع مضي الزمن، ومع ضعف الإيمان، ومع الانغماس في الدنيا، أصبح المسلمون بعيدين عن حقيقتها، وكأنها فُرِّغت من معناها، فكلمة لا إله إلا الله يقولها المسلم في اليوم مئات المرات، ولو فَقِه حقيقتها لارتعدت مفاصلُه، لا إله إلا الله، قالوا: شدّة القرب حجاب، النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله أعرابي: عظني ولا تُطِل:
(( عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الإِسلامِ قوْلاً لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بعدك، قَالَ، قل: قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ. ))
قل، لأن القول يعبّر عن حقيقة، لأن الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة، فلذلك في البدايات يكفي أن تقول: لا إله إلا الله ،فأنت مؤمن، أما مع مضي الزمن هناك من يقول: لا إله إلا الله، ولكنه لا يفقه معناها، هناك من يردِّدها ولا يدرك أبعادها.
أدلة على عدم فقه المسلمين في هذا العصر حقيقة التوحيد:
سأقدّم لكم بعد الأدلة، كلمة الله أكبر، أكبر من كل شيء، فالإنسان حينما يطيع زوجته ويعصي ربَّه بجرأة بالغة لماذا فعل هذا؟ لأنه رأى أن إرضاء زوجته أكبر عنده من إرضاء الله، فهل قال هذا الإنسان الله أكبر حقيقة؟ مستحيل وألف ألف مستحيل، إنسانٌ يغش المسلمين في بضاعتهم، هو ماذا رأى؟ رأى أن هذا الربح الحرام الذي يأتيه من غشِّ المسلمين أغلى عنده من طاعة الله، ومن رضوان الله، فهل يصحُّ أن يقول هذا الإنسان: الله أكبر؟ كم إنسان يغش المسلمين يقول لك: الله أكبر بالصلاة؟ كلام لا معنى له إطلاقاً، لا يعني شيئاً، تأكل المال الحرام وتؤذي المسلمين وتقول: الله أكبر؟! أكبر من ماذا؟ لذلك كنت أقول: مَن قال الله أكبر بلسانه، ورأى أن إرضاء أهله أكبر عنده من إرضاء خالقه، أو رأى أن ربحه من بضاعة مغشوشة يؤذي بها المسلمين أكبر عنده من رضوان الله، فهو ما قال الله أكبر ولا مرة، ولو ردَّدها بلسانه ألف مرة، صار هناك كلمات كبيرة مُفرَّغة من مضمونها، شدة القرب حجاب.
لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوَّلُها:
إخواننا الكرام؛ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أوَّلُها، ينبغي أن نعود إلى الينابيع الصافية، ينبغي أن نعود إلى كتاب الله، إلى سنة رسول الله، كلمات الإسلام الكبرى الله أكبر، لا إله إلا الله، الحمد لله، سبحان الله، كم إنسان يقول: سبحان الله ولا يعني ما يقول؟ إن أراد أن يستهزئ بإنسان سبحان الله! يستخدمها ليستهزئ بأخيه، قد يستخدمها ليُعجب بامرأة شبه عارية، سبحان الله! هكذا، هذه الكلمات الكبرى فُرِّغت من مضمونها، ولا معنى لها، وشدة القرب حجاب، نريد أن نعيد إلى هذه الكلمات مضامينها، لهذه الكلمات الأولى أبعادها.
لا إله إلا الله كلمة التوحيد الأولى:
اليوم أردت أن يكون هذا اللقاء حول لا إله إلا الله، كلمة التوحيد الأولى، الكلمـة التي هي فحوى دعوة الأنبياء جميعــاً، كم كتاب في الإسلام في العالم الإسلامي؟ ملايين الملايين، المكتبة الإسلامية اليوم فيها من المجلّدات والكتب والعنوانات والموضوعات ما لا سبيل إلى إحصائه، أيمكن أن تُضغط كلُّ هذه الكتب بكلمة واحدة؟ هي لا إله إلا الله، أيمكن أن تُضغط كل أفكار الديانات السابقة السماوية بكلمة واحدة هي لا إله إلا الله؟ قال تعالى:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾
لا إله إلا الله حصن، لا إله إلا الله نور، ولكن المسلمين بعيدون جداً عن فهم أبعادها، لأنها كلمة التوحيد الأولى، ولأنها كلمة العبادة الأولى، لا معبود بحقّ إلا الله، ألِهَ أي ولِهَ، أحبَّ.
كل المخلوقات عدا الإنس والجن مسيَّرون:
أساس هذا الدين المحبوبية، دقق، كان من الممكن أن يجبرنا الله على طاعته جميعاً، بالخمس قارات لا يوجد ولا معصية، لأن كل المخلوقات عدا الإنس والجن مسيَّرون، قال تعالى:
﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40)﴾
أي أيُعقل أن تقول الشمس يوماً: والله أنا اليــوم لا يعجبني أن أشرق؟ مزاجي لا يتفق مع الإشراق، نستيقظ ليس هنــاك شمس، لا، الشمس مسيَّرة ومسخَّرة، والقمر كذلك، وكل أنواع المعادن وأشباه المعادن، كل أنواع النبات والحيوان، كل أنواع المخلوقات مُسَيَّرة، ليس لك خيار، كان من الممكن أن يكون هذا الإنسانُ مسيِّراً أيضـاً، لا تجد في الأرض معصية واحدة، لماذا أراد الله أن نكون مخيَّرين؟ لأن هذا الكون بُني على المحبوبية، اللهُ عز وجل لا يرضيه أن تأتيه خائفاً، ولا أن تأتيه مقهوراً، ولا أن تأتيه مجبوراً، يريد أن تأتيه مُحبًّاً، متى يكون الإنسان مُحباً؟ إذا كان مختاراً.
حكمة الله من جَعْل الأنبياء ضعفاء في بداية الدعوة:
مثلاً لماذا شاءت حكمة الله أن يجعل الأنبياءَ ضعفاء في بداية الدعوة؟ سيد الخلق، حبيب الحق يمرُّ على عمَّار بن ياسر يُعذَّب، لا يستطيع أن يُخلِّصه، لا يستطيع أن يُخَفف عنه من العذاب من شيء، كان النبيُّ مستضعفاً، ماذا قال؟ مهلاً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، هل استطاع أن يخلِّصهم؟ سيد الخلق وحبيب الحق تمكن أن يُخلِّص عمار بن ياسر من التعذيب؟ لم يتمكن، تمكّن أن يخلص بلالاً من التعذيب؟ لم يتمكن، معنى ذلك أن النبي ضعيف، لماذا أراده ضعيفاً؟ لو أنه كان قوياً دعا إلى الله، كلُّ من دونه خضعوا له، هذا الخضوع لا قيمة له، هذا خضوع الرقاب لا خضوع القلوب، أنت بالقوة تملك الرقاب ولا تملك القلوب، لكنك بالحق والكمال تملك القلوب، فشاءت حكمة الله أن يكون النبيُّ ضعيفاً، ليكون الذي آمن به عن قناعة تامة، وعن صدق شديد، وعن حرية مطلقة، وعن حبّ شديد، لأن الله يريدنا أن نأتيه محبِّين، طائعين، مختارين، كان الأنبياءُ ضعفاء، لا عندهم دنيا، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
فلأن لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً من باب أولى، قال تعالى:
﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)﴾
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قال تعالى:
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾
ضعف شديد، لماذا؟ ليكون الذي آمن به آمن مختاراً عن حبٍّ وشوق وتقدير، إذًا اللهُ عز وجل أراد المحبوبية، فجعل الإنسان مخيَّراً، لو كان مسيراً لانتهى، تصوَّر جامعةً أراد رئيس الجامعة أن ينحج كلُّ الطلاب من دون استثناء، وزَّع أوراق الإجابة وعليها الإجابة كاملة مطبوعة، ما على الطالب إلا أن يكتب اسمه ورقمه فقط خلال دقيقة، والعلامة مئة على مئة علامة تامة، كل طلاب الجامعة نالوا شهادات بدرجة امتياز، ما قيمة هذا النجاح؟ لا قيمة له إطلاقاً، لا وزن له إطلاقاً لا عند الناس، ولا عند الطلاب، ولا عند الجامعة.
الشرك الخفي والشرك الجلي:
يا أيها الإخوة؛ كلام دقيق: كلمة التوحيد أن تقول: لا إله إلا الله، تنفي وتثبــت، تنفي الشرك، أطمئنكم ليس في العالم الإسلامي شرك جليٌّ، لو ذهبت إلى آسيا لوجدت شركاً جلياً، لوجدت من يعبد النار، لوجدت من يعبد البقر، لوجدت من يعبد الحجر، لوجدت من يعبد الجرذان، هناك معبد كبير جداً، فيه مئة ألف جرذ، والإنسان إذا دخل هذا المعبد يعبد هؤلاء الجرذان، لوجدت من يعبد موج البحر هكذا، فالمسلم يعبد الله عز وجل، إذًا لا إله، نفيُ الشركاء، ليس في العالم الإسلامي شرك جلي، ولكن في العالم الإسلامي شرك خفي.
الإمام علي كرّم الله وجهه يقول: الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصمّاء، في الليلة الظلماء، نملة سمراء تمشي على صخرة صمّاء في ليلة ظلماء، لها صوت؟ وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل.
الحبُّ في الله عينُ التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك:
إنسان قدّم لك شيئاً نفيساً وهو منحرف، أحببته، سأعطيكم مقياساً لا أقول خطيراً ولكنه دقيق، علامة توحيدك وعلامة حبك في الله أنه إذا وصلك من مؤمن ضررٌ تبقى تحبه، وأنه إذا وصلك من منافق خيرٌ تبقى تُبغضه، أبداً، هذا الإيمان، وهذا هو الحبّ في الله والبغض في الله، يأتيك خير من كافر أو منافق تُبغضه، يأتيك أحياناً إيذاء من مؤمن، أي اجتهد فأخطأ في الاجتهاد، أراد الخير فلم يُصِب الخير، نالك منه أذى، على أنه نالك منه أذى تبقى تحبه، قضية أن تحب في الله وأن تحب مع الله قضية خطيرة جداً، الحبُّ في الله عينُ التوحيد، والحبّ مع الله عين الشرك.
من لوازم حبّ الله أن تحبّ الله ورسله والمؤمنين:
أن تحبّ في الله، أي إنك تحب الله، ومن لوازم حبّ الله أن تحبّ رسول الله، ومن لوازم حب الله أن تُحِبّ أصحاب رسول الله، ومن لوازم حبّ الله أن تحب المؤمنين، ومن لوازم حبّ الله أن تُحِب القرآن الكريم، وأن تُحِب المساجد، وأن تُحِب كل ما يمتُّ بصلة إلى الله، هذا كله حبٌّ في الله، ومن لوازم الحب مع الله أن تُحِب شيئاً لا يحبه الله، أن تُحِب شيئاً يبغضه الله، أن تُحِب صديقاً ليس مطيعاً لله، شيء خطير جداً، أن تُحِب في الله أو أن تُحِبّ مع الله، أراد الله أن تأتيه محباً، لا إله، لا شريك، لا فعَّال، لا معطٍ، لا مانع، لا قابض، لا باسط، لا معز، لا مُذلّ، لا رافع، لا خافض إلا الله، نفي الشرك، هذه العين ترى القوي، أما الإيمان فلا يرى إلا الله قوياً.
قال تعالى:
﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)﴾
وقال تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُم﴾ .
بالمناسبة نحن عندنا في اللغة يمكن أن يُنسب الفعلُ إلى الذي باشره أو إلى الذي أمر به، من يأتي بشاهد إلى الذي باشره أو الذي أمر به؟ بنى الأمير قلعة، هذا الآمر، بنى البنّاء قلعة، بالقرآن قال تعالى:
﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)﴾
وقال تعالى:
﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)﴾
هذا الفعل عُزِي مرة إلى الله ومرة إلى ملك الموت، فيمكن أن يُعزى الفعل إلى المباشِر أو إلى الآمر، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُم﴾ هذا هو التوحيد، لا إله، هؤلاء الأشخاص الأقوياء الذين تراهم عينك مَن هم؟ هؤلاء عصِيٌّ بيد الله، أدوات تأديب للخلائق، هذه رؤية المؤمن.
الأمور كلها بيد الله سبحانه:
والله أيها الإخوة؛ هناك آية في كتاب الله دقيقة جداً، قال تعالى:
﴿ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾
قد نمرُّ على هذا المعنى بشكل سريع، لو دقَّقت المشكلة كبيرة جداً، ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ الأمور صارت إلى الله، بيد من كانت؟ كأنها لم تكن بيد الله فصارت بيد الله، المعنى فاسد، قال علماء التفسير: الأمر كله بيد الله، أزلاً أبداً، ولكن أهل الدنيا يرون الأمور بيد عبد الله لا بيد الله، فإذا انتقلوا إلى دار الحق رأوها بيد الله، أما المؤمن وهو في الدنيا، وهو في الآخرة، لا يراها إلا بيد الله، يرى يد الله تعمل في الخفاء، الأحداث الكبرى التي تجري في العالم يراها بيد الله، يرى أقوياء الأرض كأحجار الشطرنج، يحركهم الله عز وجل، القوى العاتية يراها مُسلَّطة من قِبل الله، لحكمة أرادها الله، قال تعالى:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)﴾
ينبغي أن تؤمن أنه لا يُعقل أن يجري في ملك الله ما لا يريده الله:
أوَّلاً: ينبغي أن تؤمن أنه لا يُعقل ولا يُقبل ولا يُستساغ أن يجري في ملك الله ما لا يريده الله، إذا مدير حازم لمؤسسة، لمدرسة، لمستشفى، لا يمكن أن يدخل طبيب لا علاقة له بهذه المستشفى، ويعالج مرضى، ويتقاضى أجراً، والمدير لا علم له، مستحيل، هذا ليس مديراً، إذا كان مديراً حقيقياً حازماً لا يمكن أن يدخل طبيب إلى هذه المستشفى، ويُعالج الناس بأجر دون أن يعلم المدير العام، لا يصير، إلهٌ عظيم لا يجري في ملكه إلا ما يريد، إذًا لا إله إلا الله، الله صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، الله هو الخالق، وهو المربِّي، وهو المُسيِّر، هو الموجود، وهو الواحد، وهو الكامل، الله عز وجل علم على الذات، علم على واجب الوجود، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، لا إله إلا الله.
انظر الإنسان أحياناً يقول لك مثلاً ممرض بمستشفى، المدير العام انتقل، يقول لك: مَن عيَّنوا؟ أول كلمة: مَن عيَّنوا؟ تقول له: فلان، يقول لك: كيف أخلاقه؟ الإنسان يريد أن يعرف مَن وكيف؟ لا إله إلا الله وحده لا شريك له-ورد الصباح عقِب صلاة الفجر-له الملك وله الحمد، قد يملك ولا يُحمد، وقد يُحمد ولا يملك، قد تجد إنساناً لطيف الأخلاق، لكن ليس بيده شيء، والله لا أستطيع، العين بصيرة واليد قصيرة، وقد تجد إنساناً قويًا جداً لكن لا يُحمد، له الملك وله الحمد، قال تعالى:
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)﴾
في حياتنا اليومية قد تكون تحمل أعلى شهادة، ولك أمٌّ أمِّية تحبها محبة لا يعلمها إلا الله، لكن من حيث العلم لا شيء، ابنها يحمل أعلى شهادة في الأرض، وعنده أفق واسع جداً، إدراك عميق، اطِّلاع واسع، ثقافة عالية، مؤلَّفات، أمُّه أمِّية، يحبها ويكرمها، ولكن لا يمكن أن يُقدِّر جهلها، إذًا هو أكرمته وأحبها، ولكنه لا يُجلُّها علمياً، وقد يكون طالب في الجامعة، عنده أستاذ من فلتات الزمان، ولكنه لئيم أيَّما لؤم، يقدِّره وُيِجّل علمه ولكن لا يحبُّه، أما انظر إلى هذه الآية: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ بقدر ما تُعَظِّمه تحبُّه، وبقدر ما تُحِبه تعظِّمه، شيء دقيق، ذو الجلال الإكرام: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ هكذا، إذًا لا إله، لا معبود بحقٍّ إلا الله، نحن من ينبغي أن نعبد؟ ينبغي أن نعبد الذي خلقنا، من ينبغي أن نعبد؟ ينبغي أن نعبد الذي يربينا، الذي يُمِدَّنا بما نحتاج، من الذي ينبغي أن نعبد؟ ينبغي أن نعبد المُسَيِّر، الذي يُسَيِّر كلّ الخلائق، من ينبغي أن نعبد؟ ينبغي أن نعبد الرحيم، أن نعبد الحكيم، إذًا لا معبود بحقّ، أَلِه وَلِه، هذا الذي تعبده ينبغي أن تحبه.
كنتُ في عيادة مريض هذا اليوم، قلت له: ألا تحبّ الله؟ الذي تحبه هو الذي ساق لك هذا المرض، قلت له والله حديث قدسي صحيح، رويته مئات المرات، لكن كلمة فيه لم أكن منتبهاً إليها، يا داود مرضت فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: مَرِض عبدي فلان فلم تعُده، أما علمتَ أنك لو عِدته لوجدتني عنده، فبكى المريض، قلت له: حينما يأخذ ربُّنا من عبد بعض صحَّته ليعوِّضه أضعافاً مضاعفة في التجلي على قلبه، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا موسى! أتحبّ أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمتَ أنني جليس مَن ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني؟ هذه كلمة التوحيد، أي الإنسان أحيانا يقيس.
سبب معاناة المسلمين اليوم:
قلت لكم من قبل: إن ضبّاط الأمن الجنائي أينما رأوا جريمة، يطرحون هذا السؤال: فتِّش عن المرأة، وأنا أقول لكم: أينما وجدت ضعفاً فتِّش عن ضعف التوحيد، أينما وجدت تقصيراً فتِّش عن ضعف التوحيد، أينما وجدت خوفاً مُريعاً فتِّش عن ضعف التوحيد، إلى أن أقول لكم: هناك أعراض كثيرة جداً لمرض واحد، لمرض الإعراض عن الله، كل ما تعانيـه المجتمعات هي أعراض لمـرض الإعراض عن الله.
أحياناً يكون الطبيب متمكِّناً، يقــول له المريض: أشعر بصداع، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، أشعر بقيء، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، أشعر بقشعريرة، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، أشعر ببُعد عن الطعام، هذا من أعراض التهاب الأمعاء، يقول له: كل هذا الذي ذكرته لي أعراض لمرض واحد هو التهاب الأمعاء.
وأنا أقول لكم: كل ما يعانيه المسلمون أعراضٌ لمرض واحد هو ضعف التوحيد، لو فرضنا تريد أن تأخذ تأشيرة خروج لبلد معيّن، أو لبلد له معاملة خاصة، ممكن أن تُحصر هذه التأشيرة بمدير الهجرة والجوازات، يوجد مقر الهجرة والجوازات ثلاثة طوابق، يوجد بكل طابق مئة موظف، خمسون موظفاً، مئة وخمسون موظفاً، إذا تيقنت أن هذه التأشيرة لا يمنحها إلا المدير العام هل تبذل ماء وجهك أمام أحد الموظفين؟ هل ترجو الحاجب؟ هل ترجو شرطياً؟ تقول له: بربك أعطني هذه التأشيرة؟! أنا داخل عليك، أنت حين تعلم أن هذه التأشيرة لا تُمنَح إلا من قِبل المدير العام لا ترجو إلا هذا المدير العام، ولا تعقد الأمل إلا عليه، ولا تبذل ماء وجهك إلا إليه، ولا تتضعضع إلا أمامه، هذه القصة كلها، حينما تعلم أن الرازق هو الله، لا تكذب من أجل أنْ تُرزق، حينما تعلم أن العمر بيد الله، كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرِّب أجلاً.
لا إله إلا الله محمد رسول الله هذه كلمة التوحيد:
فيا أيها الإخوة الأكارم؛ هذه الكلمة كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا إله إلا الله كلمـة التوحيد الأولى، فيها نفي وإثبات، ثم إن هذا الإله هو الله، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى، الآن محمد رسول الله، الله عز وجل كامل، لكن الكمال البشري مُجَسّد بمن؟ برسول الله، رسول الله عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق بلغ سدرة المنتهى:
﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)﴾
﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾
هذا النبي الكريم بلغ أعلى مقام وصله مخلوق، ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام متواضعاً أشدّ التواضع، قال: مَن كنتُ جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عِرضاً فهذا عِرضي فليقتد منه، هو لا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأنه، ولا من طبيعته.
مواقف من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام:
إخواننا الكرام؛ يوجد بالسيرة مواقف لا تُصدق، النبي عليه الصلاة والسلام طبعاً وصل إلى قمة قوته، متى؟ عقِب معركة حنين، دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، كان قوياً، بدأ ضعيفاً ثم صار قوياً، حينما قال لقريش: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء،
(( جاءه صحابي جليل قال له: يا رسول الله! إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، من أجل هذا الفيء الذي وزَّعته في العرب، ولم تعطِ الأنصار منه شيئاً، يا ترى أنت ناقل أم متبنٍّ؟ قال له: يا سعد، سعد بن عبادة سيد الأنصار، أين أنت من قومك؟ قال: ما أنا إلا من قومي، أي وأنا حزين أيضاً، قال له: اجمع لي قومك، فجمع قومه، وقف النبي فيهم خطيباً، قال: لَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ وَقَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى كَثُرَتْ فِيهِمُ الْقَالَةُ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ : لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَذَا الْحَيَّ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْكَ فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الَّذِي أَصَبْتَ قَسَمْتَ فِي قَوْمِكَ، وَأَعْطَيْتَ عَطَايَا عِظَامًا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ شَيْءٌ، قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنَا إِلا امْرُؤٌ مِنْ قَوْمِي، وَمَا أَنَا؟ قَالَ: فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ، قَالَ : فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، قَالَ: فَجَاءَ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ َدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدَّهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ : فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، مقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، قَالُوا : بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ، قَالَ: أَلا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ؟ قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ، قَال: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلا فَأَغْنَيْنَاكَ، أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلامِكُمْ، أَفَلا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحَالِكُمْ ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا، وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَفَرَّقْنَا. ))
[ مسند أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]
والله أيها الإخوة؛ لو أعيد هذا النص آلاف المرات لا أرتوي منه: يا معشر الأنصار، وهو في أعلى درجة من القوة: ((أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ)) ذكَّرهم بفضلهم عليه، كان من الممكن كما يفعل الأقوياء أن يلغي وجودهم، وكان من الممكن أن يهدر كرامتهم، وكان من الممكن أن يهملهم، وكان من الممكن أن يعاتبهم لصالحه، ماذا فعل؟ ذكَّرهم بفضلهم عليه، قال: يا معشر الأنصار((أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ، أَتَيْتَنَا مُكَذَّبًا فَصَدَّقْنَاكَ، وَمَخْذُولا فَنَصَرْنَاكَ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ، وَعَائِلا فَأَغْنَيْنَاكَ)) لو قلتم هذا أنتم صادقون، أنتم فضَّلتم عليّ، جئتكم طريداً فآويتموني، جئتكم مكذَّباً فصدّقتموني، جئتكم عائلاً فأغنيتموني.
مرة السيدة عائشة شابة في ريعان الشباب، سنها صغير، وضيئة، من أحبِّ زوجاته إليه، لا يفتــأ يذكر خديجة، مرة مرتين ثلاث أربع خمس، بعد ذلك ضجرت، قالت: هذه العجوز الشمطاء ألا زلت تذكرها؟ ألم يُبدلك الله خيراً منها؟ قال: لا والله، لا واللهِ، لا والله، وكانت في سن أمه، قال: صدّقتني حين كذّبني الناس، وآمنت بي إذ كفـر بي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد، فوالله لا أنساها، وكانت في سنّ أمه، الآن اليوم إذا رجل عنده زوجة في مثل سنه يندب حظَّه، يقول لك: غلطت غلطة كبيرة جداً، أخذها من سنه، تكبره بخمسة عشر عاماً، في سنّ أمه، ما هذا الوفاء الزوجي؟ أي إنسان يتزوج امرأة شابة، وله زوجة توفيت، يقول لك: الله خلَّصنا منها، والله لا يوجد مثلك أنت، قلة وفاء.
والله أيها الإخوة؛ عثرت في بعض كتب السيرة على ومضة، أنا لا أصدِّق ما أرى، النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة طبعاً دُعِي لأن يبيت في أي بيت يريد، كل أهل مكة يتمنون أن يبيت عندهم، ماذا قال؟ قال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، ونصب عند قبر خديجة راية الإسلام، ليُشعِر الناس أن لهذه المرأة فضلاً كبيراً في هذا النصر، هي الدعم الداخلي، الآن يأتي الواحد أحياناً من البيت، ضغط من زوجته، نريد أن نغير الطقم، نوسع البيت، الدخل محدود والطلبات كثيرة، كل يوم يوجد مشكلة، مرة اتفق شخص مع زوجته قال لها: يوم نق ويوم تريحيني، يوم واحد أريحيني، يوم الراحة تقول له: غداً.
السيدة خديجة-إن صح التعبير-امرأة لا كالنساء، كانت الدعم الداخلي للنبي عليه الصلاة والسلام، كان يقيم في غار حراء الليالي ذوات العدد، ما قالت كلمة: تركتنا لوحدنا، إذا كان يرضيه أن يعبد ربَّه فأنا معه، كانت تأتيه بالطعام إلى غار حراء، فقال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، ليُشعر الناس أن لهذه المرأة البطلة مساهمة في هذا النصر، لولا دعمها الداخلي لرسول الله، هناك امرأة عبء على زوجها، هناك امرأة في خدمة زوجها، هناك امرأة تدعمه، تعينه، وهناك امرأة عبء عليه.
لا إله إلا الله محمد رسول الله يمثل الكمال البشري:
أيها الإخوة؛ لا إله إلا الله محمد رسول الله يمثل الكمال البشري.
مرة قال لي شخص: سمعت من يقول: إن هذا الكون كلَّه خُلِق من أجل محمد، قلت له: هذا ليس بصحيح، هذه شطحة، ولكن البشر جميعاً خُلِقوا ليكونوا على شاكلة محمد، هو القدوة، هو الأسوة، خُلقنا لنكون على شاكلته، هو المثل الأعلى، هو القدوة، هو النموذج، لم نُخلق من أجله، بل خُلقنا لنكون على شاكلته، لهذا الآية الكريمة:
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾
يا أيها الإخوة الكرام؛ لازلت أذكركم بأننا في أواخر هذه الدروس، بقي درسان، أردت أن تكون هذه الدروس تلخيصاً لهذا المحور الكبير محور العبادة لله عز وجل، لا معبود بحـقّ إلا الله، أَلِه بمعنى وَلِه، أي لابد من أن تحبه، اعبُد من اتّصف بالكمال المطلق، اعبُد الرحيم ولا تعبد اللئيم، اعبُد القوي ولا تعبد الضعيف، اعبُد الحكيم ولا تعبد غير الحكيــم، فلذلك من قولك: لا إله إلا الله؛ أي لا معبود بحقّ إلا الله، قال تعالى:
﴿ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)﴾
أهلٌ أن تعبده.
النبي الكريم هويته رسول لا مصلح ولا عبقري:
أيها الإخوة؛ سأتمم القصة، قال: ((يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجِدة وجدتموها عليَّ في أنفسكم، من أجل هذه اللعاعة التي تألفتُ بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، أما إنكم لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتم ولصُدقتم به، أتيتنا مكذَّبا فصدّقناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك، يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي؟)) ما قال فهديتكم، قال فهداكم الله بي، بأدب جم، ((وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُم؟ْ وعالة فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ؟ ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم)) بالمناسبة بعض الأنصار بعد فتح مكة قلقوا قلقاً شديداً، هذا النبي مكي، وهذه بلده فتحها، لعله لا يرجع معنا إلى المدينة، انتهت، بلده، واحد جسّ النبض أترجع معنا؟ قال: معاذ الله بل المحيا محياكم، والممات مماتكم، ورجع معهم إلى المدينة ولم يسكن في مكة، قال: معاذ الله بل المحيا محياكم، والممات مماتكم، ((اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، قال: وبكوا حتى أخضلوا لحاهم)) كان سياسياً، حكيماً، رحيماً، وفياً، متواضعاً.
وأجمل منك لم ترَ قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء
خُلقـتَ مبرّأً من كل عـــيب كأنك قد خُلقت كما تشاء
لا إله إلا الله محمد رسول الله، هويته رسول لا عبقري ولا مصلح، رسول الله.
الآية التالية كلام الله لأنه يعلم ما سيكون في المستقبل:
ذكرت اليوم في لقاء:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾
لو أن هذا القرآن كلام النبي الآية انتهت هنا، هذه معطيات البيئة التي عاش بها النبي، أما أن يقول الله عز وجل: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا كلام الله لأنه يعلم سيكون هناك طائرة وقطار ومركبة ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق