الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان:
أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس المُتمّ للمئة من دروس مدارج السالكين، في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، وهذا الدرس الأخير من سلسلة هذه الدروس، أردت أن أجمع فيه بعض الخصائص الكبرى للعبادة، لأنه خاتمة هذه السلسلة الطويلة.
أيها الإخوة الكرام؛ هناك حقائق واضحة وضوح الشمس، نحن مخلوقون في هذه الأرض للعبادة، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
أيها الإخوة؛ قبل أشهر وُلِد في الهند طفل مُتِمّ لستة آلاف مليون في الأرض، هكذا الخبر قرأته في موقع معلوماتي، وُلِد طفل أتمّ عدد سكان الأرض ستة آلاف مليون، وأنا أقول لكم بوضوح شديد: ما من واحد من هؤلاء الستة آلاف مليــون إلا ويتمنى السلامة والسعادة، وبتلخيص شديد السلامة في طاعة الله، والسعادة في العمل الصالح، هذا كلام فيه شمول كبير، أي مخلوق على وجه الأرض-طبعاً من المخلوقات العاقلة-يبحث عن سلامته وسعادته، وسلامته في طاعة الله، أو في تطبيق منهج الله، أو في تطبيق تعليمات الصانع، والجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تُتَّبع تعليماتها، وما من سعادة إلا في القرب من هذا الخالق، الذي هو منبع الجمال، منبع الكمال، منبع النوال، أنت ماذا تحب أيها الإنسان؟ تُحبّ الجمال والكمال والنوال، النوال العطاء، فمنبع الجمال هو الله، كل ما في الكون من جمال مسحة من جماله، أنت حينما تشعر بلذة، حينما تتصل بمخلوق جميل، الجمال المطلق، أنت حينما تأكل طعاماً طيباً، ويلتصق الطعام بأعصاب الذوق، في سقف اللسان، في سقف الفم أثناء البلع، تشعر بطعمة هذا الطعام، لماذا شعرت بلذة؟ لأنك اتصلت بعنصر جميل في طعمه، وقد تتصل بعنصر جميل في شكله، تنظر إلى جبل أخضر، وبحر جميل، أو إلى وردة متألقة، فأنت حينما تتصل بطريقة أو بأخرى بشيء جميل تشعر بلذة ومتعة، فكيف إذا سُمِح لك أن تتصل بأصل الجمال في الكون؟ هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(( أبيتُ عندَ ربِّي يطعِمُني ويسقيني. ))
هذا معنى قول النبي:
(( فعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: رجلٌ من خُزاعةَ : لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فاستَرَحْتُ، فكأنهم عابوا ذلك عليه، فقال : سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم - يقولُ : أَقِمِ الصلاةَ يا بلالُ ! أَرِحْنا بها. ))
[ هداية الرواة: خلاصة حكم المحدث : إسناده صحيح ]
صدقوني أيها الإخوة؛ أحدكم حينما يُحكِم اتصاله بالله، أو يعمل عملاً صالحاً كبيراً، يبيض وجهه عند الله، حينما تنهمر دموعه من خشية الله يشعر بسعادة والله لا تُوصف، والله مُتع الأرض كلها لا يمكن أن تصمد أمام هذه المتعة، متعة الاتصال بالله، هذا الاتصال بالله يجعلك إنساناً آخر، موازينك مختلفة اختلافاً كلياً عن موازين الآخرين، مقاييسك مختلفة، تسعد بالعطاء لا بالأخذ، تسعد بالاندفاع لا بالانسحاب، تسعد بتقديم جهودك للآخرين لا باستغلال جهودهم، هذا هو سرّ التدين، السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان.
أسباب الشقاء هم نقص العلم ونقص التوحيد والشرك:
لماذا الشقاء؟ هناك شقاء في العالم لا يعلمه إلا الله، وهناك أناس بحسب القرآن الكريم سوف يكون مصيرهم إلى النار، استمع إليهم ماذا يقولون:
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾
هي أزمة علم، السبب أن كل إنسان يُحبّ وجوده، ويحبّ سلامة وجوده، وكمال وجوده، واستمرار وجوده، فلو أُتيح له أن يعرف أسباب سعادته لسلك فيها، أي إنسان شقي لو أُتيح له أن يعرف الله، وأن يعرف طريق سعادته كما عرفها المؤمن لكان مثله، إذاً سبب الشقاء هو نقص العلم، نقص التوحيد، الشرك، تغييب الحقائق الأساسية عن الإنسان، هذا معنى قول الله عز وجل:
﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)﴾
العبادات الشعائرية لا نقطف ثمارها إلا إذا التزمنا بالعبادات التعاملية:
أيها الإخوة؛ الملاحظ في آخر الزمان العبادات الشعائرية يؤديها الناس جميعاً، ويغيب عنهم أن منهج الله فيه عبادات شعائرية وفيه عبادات تعاملية، وأنا أرى أن العبادات الشعائرية لا يمكن أن تقطف ثمارها، ولا أن تسعد بها، إلا إذا كنت ملتزماً بالعبادات التعاملية، ومعي ألف دليل ودليل:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيُقْعَدُ، فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيــْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ. ))
(( عَنْ أَبِي هُرَيــْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةِ رَبَطَتْهَا، فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلاَ هِيَ أرْسَلَتْهَا تَأَكلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ. ))
ويقول:
(( قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ. ))
هذا النمّام، لو استعرضت الأحاديث الصحيحة المتعلقة بالمعاملات لوجدتها أكثر من أن تُحصى، ولوجدت أن العبادات الشعائرية مرتبطة بالعبادات التعاملية، فقد ورد عن السيدة عائشة-رضي الله عنها وهذا حديث مشكل، لكن يعنيني منه جانب واحد-قالت: قولوا لفلان: إنه أبطل جهاده مع رسول الله.
أنت حينما تأكل المال الحرام، وحينما تعتدي على الأنام، وحينما تُوقع بين اثنين، وحينما تفعل شيئاً منكراً، كأنك قلت: يا رب أبطلْ لي صلاتي، لا تقبل مني صلاتي، لا تقبل مني صيامي، لا تقبل مني حجي.
تعريف العبادة:
فيا أيها الإخوة ونحن في الدرس المُتمّ للمئة من دروس مدارج السالكين، في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين أريد أن أضع يدي على بعض الحقائق.
الحقيقة الأولى: العبادة ليست شيئاً تفعله أو لا تفعله، لا، هي قدرُك، خُلقت من أجلها، علة وجودك أن تعبد الله، ويجب أن تعلم علم اليقين أنه من أطاع الله ولم يحبَّه ما عبده، ومن أحبه ولم يطعه ما عبده، إنها طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تؤدي إلى سعادة أبدية.
أؤكد لكم أيها الإخوة؛ إن أكثر الفرق التي انحرفت اعتمدت أحد كليات الإسلام، وركزت عليه، وأهملت الكليتين الباقيتين، جماعات اعتمدوا على القلب وحده، وأهملوا العلم والعمل، وجماعات اعتمدوا على العلـم وحده، وأهملوا القلب والعمل، وجماعات اعتمدوا على العمل وحده، وأهملوا القلب والعلم، كل هؤلاء عرجوا، وكل هؤلاء انحرفوا، وكل هؤلاء تطرفوا، لكن تتفوق إن فهمت العبادة بالتعريف الأصولي، طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تؤدي إلى سعادة أبدية.
يا أيها الإخوة؛ إذاً أول نقطة أنت مخلوق للعبادة، النقطة الثانية العبادات نوعان، عبادات تعاملية، المسلم صادق، المسلم أمين، الآن المشكلة الأولى في العالم الإسلامي يكاد معظم الناس يقع في حيرة، مسلم يصلي ويكذب؟ يصلي ويأكل المال الحرام؟ يصلي ويخون؟
للإمام علي-كرم الله وجهه- قول رائع، يقول: قِوام الدين والدنيا أربعة رجال: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيّع العلم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بَخِل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره.
أول شيء أنت مخلوق للعبادة، الشيء الثاني: العبادة طاعة ومحبة، أساسها علم يقيني، منتهاها سعادة أبدية، العبادة فيها جانب تعاملي وهو أساسي جداً، وجانب شعائري، وهو ثمـرة للجانب التعاملي، كساعات الامتحان تماماً، لا معنى لها إن لم تدرس، إذا صح أن تكون العبادة التعاملية هي العام الدراسي فإن العبادة الشعائرية هي ساعات الامتحان الثلاثة، بقدر دراستك تتألق في امتحانك، فلو فرضنا أنك لم تدرس الامتحـــان ليس له معنى إطلاقاً.
الشيء الثاني أيها الإخوة؛ حينما يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن:
(( عن أبي هريرة: اتَّقِ المحارمَ تكن أَعْبدَ الناسِ، وارضَ بما قسم اللهُ لك تكن أغنى الناسِ، وأَحسِنْ إلى جارِك تكن مؤمنًا، و أَحِبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا، و لا تُكثِرِ الضَّحِكَ، فإنَّ كثرةَ الضَّحِكِ تُميتُ القلبَ. ))
أي هناك نوافل، وهناك أذكار، وهناك أعمال صالحة، لكن قبل كل هذه الأذكار، وكل هذه النوافل، وكل هذه الأعمال يجب أن تتقي المحارم كي تكون أعبد الناس، فإن الله لا يقبل نافلة ما لم تُؤدَّ الفريضة، كما أنه لا يقبل عملاً صالحاً إلا إذا بُنِي على استقامة وطاعة.
معالم الطريق الى الله:
1-الاجتهاد في معرفة الله:
إذا أردت أن أُبرِز في هذا اللقاء الطيب، وفي هذا الدرس الخاتم للمئة من دروس مدارج السالكين، إن أردت أن أُبرِز معالم الطريق إلى الله، أول معلم من معالم الطريق إلى الله أن تعرفه، مع أن جماعات كثيرة تُهمل معرفته، وتُرَكّز على معرفة منهجه، مع التقدير اللامتناهي لمعرفة منهجه، ومع التقدير الكبير لضرورة معرفة منهجه، لكن معرفة منهجه وحدها لا تكفي، لابد من أن تعرف الآمر من أجل أن يكون الأمر عظيماً عندك، قال تعالى:
﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)﴾
أكاد في هذا الدرس الأخير من دروس مدارج السالكين أن أُبرِز لكم معالم الطريق، أول مَعْلَم أن تجتهد في معرفة الله، لأنه آمر، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من هذا الأمر.
هذا ما تجده واضحاً صارخاً في العالم الإسلامي، ما عرفوا الآمر، في بلد قال: الربا يجوز أن تضع مالك في المصارف وأن تأخذ فائدة، سنسميها عوائد لا فوائد، في مكان آخر سُمح بالغناء والتمثيل والموسيقى، في مكان ثالث سُمح بأكل الربا أضعافاً غير مضاعفة،وما شاكل، تجد جهد من يشتغل بالعلم الشرعي أن يُقرِّب هذا الدين من انحراف الناس، أن يغطي انحرافهم، السبب بسيط لأنهم ما عرفوا الآمر، عرفوا الأمر.
أنا ضربت مثلاً مرة: قد تأتيك ورقة، تُدعى فيها إلى أن تذهب إلى البريد، لتستلم رسالة مسجلة، ورقة حجمها بحجم الكف، تعالَ الساعة الثانية عشرة من يوم الخميس، وقد تأتيك ورقة بحجم الأولى تماماً وببساطتها، ولكن جهة قوية تقول لك: تعال قابلنا يوم الخميس الساعة الثانية عشرة، الورقة الثانية لا تنام الليل ثلاثة أيام، لماذا الورقة الأولى لم تعبأ بها؟ ولم تذهب، بعد شهر ذهبت أما الورقة الثانية لم تنم الليل لثلاثة أيام؟ لأن الجهة الأولى جهة غير قوية، أما الجهة الثانية قوية، تعلم علم اليقين من مرسل الورقة الثانية وماذا يعني أن تصل إليك؟
فأنت ببساطة بالغة حينما تعرف الآمر ثم تعرف الأمر تتفانى في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر، يتفنن المسلمون في التفلت من الأمر، تارة بلوى عامة، وتارة يوجد رأي بعض المذاهب تجوز، وتارة الله يغفر لنا، نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، ترى المسلمين يحتجون و يتفننون في التفلت من امر الله عز وجل، لأن معرفتهم بالآمر ضعيفة، إذاً أنت كمسلم ترتاد بيوت الله لتلقي العلم، أحد معالم الطريق إلى الله أن تعرف الآمر قبل الأمر، إذا قلت: أن تعرف الآمر لا أقصد أبداً أن تهمل معرفة الأمر، ولكن أن تعرف الآمر وتعرف الأمر معاً، كي يكون لهذا الأمر شأن كبير عندك، كي تُقبل على هذا الأمر رغباً ورهباً، خوفاً وطمعاً، ترجو رحمة الله بهذا الأمر، وتخشى عذابه.
كيفية معرفة الآمر:
الآن يسألني أحدهم: كيف أعرف الآمر؟ الجواب: الله جلّ جلاله خلق هذا الكون، فكل شيء في هذا الكون يدل عليه، فالتفكر في خلق السماوات والأرض أحد الوسائل الفعّالة لمعرفة الآمر، التفكر في خلق السماوات والأرض أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب تدخل منه على الله، سؤال: هل يكفي أن تتعرف إلى الله؟ كيف تعبده؟ لابد من معرفة أمره، حينما تعرف الله تندفع اندفاعاً شديداً لمعرفة أمره، لأنك بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، لا تجد مسلماً وصل إلى حدّ معقول من معرفة الله دفعه إلى طاعته إلا ويبحث ويدقق ويسأل عن حكم الله في كذا وكذا، شيء طبيعي جداً، حينما تتعرف إلى الله تبحث عن شيء يُوصلك به، ويُقَرّبك منه، إنه تنفيذ أمره، الآن أوامره منظومة كبيرة جداً، أما هناك محرمات، هناك مكروهات، هناك مباحات، هناك مندوبات، هناك واجبات، هناك فروض، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ)) .
2- الاستقامة على أمر الله:
لذلك أيها الأخوة؛ المَعْلَم الثاني من معالم الطريق الاستقامة على أمر الله، لا تفكر أن تسعد بهذا الدين، ولا أن تقطف ثماره، ولا أن تكون من المتدينين عند الله، إلا أن تستقيم على أمر الله، وما لم تستقم مثلاً بعالم التجارة هناك نشاطات لا تُعد ولا تُحصى، من هذه النشاطات شراء محل تجاري، شراء مستودع، شراء مكتب استيراد، حانوت للمفرق، تعيين مندوبي مبيعات، تعيين هيئة محاسبة، مخاطبة الشركات، تعيين مترجم، أضرب لكم امثلة، ثم عرض هذه البضائع، وبيعها، وجمع ثمنها، هناك آلاف النشاطات في التجارة، لكن التجارة كلها مبنية على كلمة واحدة هي الربح، فإن لم تربح لا معنى لكل ذلك، كلمة واحدة: أساس التجارة الربح.
أقول لكم وأنا أعني ما أقول، كل ما تقرأ، وكل ما تستمع؛ خطب، شريط، درس علم، مدرّس موفق، مدرّس كلامه رائع، درسه جميل، حجته قوية، كتاب من أندر الكتب، مؤلِّف من أعظم المولفين، كل شيء تقرؤه، وكل شيء تسمعه، وكل شيء تُعجب به، وكل مؤتمر تحضره، وكل كتاب تُؤلّفه، وكل درس تلقيه، وكل درس تستمع إليه، ما لم ينتهِ بك إلى الاستقامة على أمر الله لا معنى له، وبالتجارة ما لم تربح لا معنى لكل نشاطاتك، ضعها خارج قوس.
أيها الإخوة؛ المعْلَم الأول أن تعرف الآمر قبل الأمر، ما قلت أن تعرف الآمر دون الأمر، أن تعرف الآمر قبل الأمر أو أن تعرف الآمر والأمر معاً، إياكم ثم إياكم أن تفهموا مني أنني أقلل من قيمة معرفة الأمر، ولكن معرفة الأمر من دون أن تعرف الآمر لا تنفعك كثيراً، ثم لابد من أن تتحرك لتستقيم على أمر الله.
لابد من أن تأخذ موقفاً، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)﴾
ما لم تتخذ موقفاً عملياً، ما لم تعط لله، ما لم تمنــع لله، ما لم تصل لله، ما لم تقطع لله، ما لم تغضب لله، ما لم ترضَ لله، ما لم تُقِم علاقة مع زيد لله، ما لم تقطع هذه العلاقة لله، فكل شيء نظري، وكل شيء تعتقد به لا جدوى منه، أوضح مثل إنسان معه مرض جلدي، بحاجة إلى أشعة الشمس، والشمس ساطعة، فلو قال: الشمس ساطعة، لا يستفيد، أولاً لأنه ما فعل شيئاً هي ساطعة، فلو قال: هي ساطعة ما زاد شيئاً، ذكر شيئاً واقعاً، ما أضاف شيئاً، وإن أنكر سطوعها يُتّهم عقله، لكن ما لم يخرج هذا الإنسان المريض بجلده ليتعرض إلى أشعة الشمس فيشفى، فتصريحه، واعتقاده، ويقينه لا قيمة له أبداً.
الإنسان بالاستقامة يسلم وبالعمل الصالح يسعد:
إذاً المَعْلَم الثاني الاستقامة على أمر الله:
﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)﴾
أحياناً الإنسان يتوهم أنه يُرضي الله بسماع درس العلم، الله عز وجل لا يرضى إلا إذا طبقت العلم، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾
تتعرف إلى الله من خلال خلقه، ومن خلال أفعاله، ومن خلال كلامه، ثم تتعرف إلى منهجه، ثم تستقيم على أمره، المعرفة والاستقامة.
بدأت هذا الدرس بقولي: أنت بالاستقامة تسلم، وبالعمل الصالح تسعد، فأول معلَم معرفة الله، المعلَم الثاني معرفة أمره، المعلَم الثالث أن تستقيم على امره.
المعلم الرابع: أن تعمل صالحاً، أن تبذل مما آتاك الله من علم، من مال، من قوة، من جاه، من خبرة، من وقت، لابد من أن تبذل، لأن حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، نعرفه، ونعرف أمره، ونطيعه، ونتقرب إليه، هذه المعالم الأساسية للطريق إلى الله عز وجل.
الآن نعرفه وهو أصل الدين، ونعرف منهجه كي نتقرب إليه، نطيعه كي نسلم، نعمل الصالحات كي نسعد، لابدّ من الاتصال به، الصلاة مناسبة كي تتصل به، والزكاة من أجل أن تتصل به، أن يكون هذا المال الذي دفعته سبباً للإقبال على الله، والحج من أجل أن تتصل به، والصيام من أجل أن تتصل به، والأذكار من أجل أن تتصل به، والدعاء من أجل أن تتصل به، وكل أنواع العبادات التعاملية والشعائرية من أجل أن تتصل به، بل إن كل شيء يقربك من الله عز وجل ينبغي أن تفعله، وكل شيء يبعدك عن الله عز وجل ينبغي أن تبتعد عنه، هذه معالم الطريق إلى الله عز وجل.
اصطفاء الشيء النافع لأن العمر ثمين والوقت قصير:
ديننا بسيط، وأنا أتمنى أن تفهم هذا الدين فهماً مُبسطاً، هذا الدين لأنه كالهواء، يحتاجه كل إنسان، لو كان الهواء من أجل أن تستنشقه يجب أن تعرف تركيبه يموت الناس، هذا الهواء قاسم مشترك للناس جميعاً، والدين كذلك، أينما ذهبت، الإنسان بحاجة إلى تدين صحيح، بحاجة إلى أن يعرف الله، أن يتصل به، أن يلوذ بحماه، أن يفهم أن الجهة القوية تحبه.
فيا أيها الإخوة؛ من أجل أن نكسب الوقت، من أجل ألا نتحرك دون أن نتقدم، من أجل أن نكسب أعمارنا الثمينة والقصيرة، العمر ثمين، ما دام العمر ثميناً، والوقت قصيراً، والمهمة كبيرة، ينبغي أن تصطفي الشيء النافع.
أيها الإخوة؛ إن صحّ أن تنتهي دروس مدارج السالكين في معالم الطريق إلى الله عز وجل، في معرفته من خلال خلقه وأفعاله وكلامه، ثم معرفة منهجه من أجل أن نعبده ثم ينبغي أن نستقيم على أمره من أجل أن نسلم، وينبغي أن نعمل الصالحات من أجل أن نسعد، ثم ينبغي أن نذكره من خلال صلواتنا، وصيامنا، وحجنا، وزكاتنا، ودعائنا، واستغفارنا، وبذلنا، وخدمتنا لبعضنا بعضاً، فهذا هو الطريق، معرفة واستقامة وعمل صالح وذكر، لو أردت أن تضغط مؤلفات كثيرة جداً لا تجدها تزيد عن هذه المعالِم الأساسية التي أرادها الله لتكون طريقاً إليه.
أنا أتمنى أن يُبسط الدين لا أن يُعقّد، وأتمنى أيضاً أن يتوافق مع العقل، لأن العقل أصل من أصول معرفة الله عز وجل.
العقل مقياس أودعه الله فينا لنتفكر:
لماذا يقول الله عز وجل:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)﴾
﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17)﴾
أفلا يتفكرون؟
ذكرت مرة: طُبع مرة قبل خمسين عاماً، طُبع خمسون ألف مصحف، حُذفت منه كلمة واحدة، قوله تعالى:
﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾
مصحف بخطّ عثماني، وفيه تقريظ، وفيه مراجعة، وفيه وفيه، حُذفت منه هذه الكلمة، من الذي يكشف لك أن هذا مصحف مزور؟ هو العقل السليم الذي أودعه الله فيك، أولاً أنا أعتقد اعتقاداً جازماً لا يمكن للعقل الصريح أن يتناقض مع النقل الصحيح، لأن العقل مقياس أودعه الله فينا، ولأن النقل كلامه، والأصل واحد، أضيف على ذلك، كما أنه لا يمكن أن تتعارض الفطرة السليمة مع النقل الصحيح، كما أنه لا يمكن أن يتعارض الواقع الموضوعي مع النقل الصحيح، الواقع الموضوعي خلقه، والفطرة السليمة جبلَّته، والعقل مقياسه، والنقل كلامه، وسنة النبي بيان لكلامه، انظر الواقع الموضوعي خلقه، الهاء تعود على من؟ على الله، والفطرة السليمة جِبِلته، هو جبلنا عليها، تعود على الله، والنقل الصحيح كلامه، والعقل الصريح مقياسه، هذا هو الحق، فحينما ننطلق في حياتنا العمر قصير أيها الإخوة، مرة ثانية:
كم من صحيح مات من غير علة وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر؟
مفهوم الزمن أخطر مفهوم في حياة الإنسان:
الآن يوجد ظاهرة جديدة، يوجد أزمات قلبية بالثلاثين، يوجد أزمات قلبية قاتلة بالخامسة والعشرين، ضغوط الحياة قاسية جداً، طبعاً الإنسان له أجل، لكن هذا الوهم المريح، يقول له: لن أموت حتى الستين، لا، لي صديق في التاسعة والأربعين، طبيب، لا يشكو من شيء، غادر الدنيا في دقائق، وبعد حين إنسان آخر غادر الدنيا في دقائق، ظاهرة منتشرة، لذلك:
تزود من الدنيــا فإنك لا تــــــــدري إذا جنّ ليــل هل تعيش إلى الفـجر؟
فكم من عروس زينـوها لزوجهـــــا وقد قبضـــت أرواحهم ليلة القــدر؟
وكم من صحيح مات من غير علة؟ وكم من سقيم عاش حينا من الدهر؟
طبعاً في نهاية هذا الدرس الأخير من دروس مدارج السالكين في منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين أتمنى أن يكون واضحاً لديكم أن مفهوم الزمن هو أخطر مفهوم في حياة الإنسان، إنك بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، وهذا الوقت الذي هو أنت، أو هو رأس مالك، أو هو أثمن شيء تملكه على الإطلاق، إما أن تُنفقه إنفاقاً استهلاكياً، وإما أن تنفقه إنفاقاً استثمارياً، أن تسترخي، وأن تستمتع بالحياة، هذا إنفاق استهلاكي، أما أن تُوظّفه في معرفة الله، ومعرفة منهجه، وطاعته، معالم الطريق، والعمل الصالح، والاتصال به، فهذا استثمار للوقت، لذلك قال تعالى:
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
الملف مدقق