وضع داكن
28-09-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 17 - الشهوة -3- العدالة والضبط - ثقب بوتال - آلية المص - خصائص الماء - التجمد
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

من فروع الشهوة العدالة والضبط:

 

1-العدالة:

أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس السابع عشر من دروس العقيدة والإعجاز، وكنا في اللقاء السابق في موضوع الشهوة، والآن نتحدث عن بعض فروع هذا الموضوع.
بادئ ذي بدء قيل: مَن عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرُمت غيبته، لكن من عامل الناس فظلمهم، وحدثهم فكذب عليهم، ووعدهم فأخلفهم، فقد سقطت عدالته،العدالة هي الصفة التي لابد من توافرها في المؤمن، أي المؤمن مستقيم، المؤمن لا يكذب، المؤمن لا يحتال، المؤمن لا يتكبر، المؤمن ليس بذيء اللسان، عدالته واضحة، ودائماً وأبداً الفرق بين المؤمن وبين غير المؤمن فرق كبير، في التفكير، في التصورات، في المشاعر، في الرؤية، المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، يرى الآخرة، يرى ما بعد الموت، يرى عظمة الله عز وجل، يرى الشقاء الذي يصيب الإنسان لو عصاه، يرى النعيم المقيم الذي يكافئ الله به عبده المؤمن، يرى الآخرة الأبدية، يرى أن قيمته في الحياة أن يؤمن، يرى أن أثمن شيء في الحياة أن يعمل صالحاً، يرى أن ذكاءه في العطاء لا في الأخذ، وفي خدمة الخلق لا في استخدامهم، يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون.
 

المؤمن ليس عنصرياً:


المؤمن ليس عنصرياً، ما معنى عنصري؟ أكاد أقول لكم: العالم كله يُصنَّف وفق هذين التصنيفين، إنساني أو عنصري، أي بلد يعامل شعبه معاملة تفوق حدّ الخيال، يعامل بقية الشعوب معاملة من حيث القتل والقهر، والإذلال ونهب الثروات تفوق حدّ الخيال.
نقول: الذين في هذا البلد وطنيون، وقد يكونون قوميين، لكنهم حينما عاملوا بقية الشعوب معاملة وحشية كانوا غير إنسانيين، كانوا عنصريين، لو دققنا في هذا الموضوع، الزوج إذا توهم أن له ما ليس لزوجته عنصري، وأن عليها ما ليس عليه عنصري لقوله تعالى: 

﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)﴾

[ سورة البقرة ]

الأب الذي يعامل زوجة ابنه في البيت معاملة لا يرضاها لابنته عند بيت زوجها عنصري، الموظف الذي يعامل المواطن معاملة لا يرضاها لنفسه لو كان مكانه عنصري، حينما تتوهم أن لك ما ليس لغيرك، وأن عليهم ما ليس عليك أنت عنصري، فإذا صعدنا البلد الذي يُعامل شعبه معاملة راقية جداً، ويُعامل بقية الشعوب معاملة ظالمة جداً بلد عنصري، البلد الذي يعطي حرية مطلقة لمواطنيه، ويمنع الحجاب بلد أوروبي عنصري، الحريات مطلقة، البلد الذي يسمح للفتاة أن تتعرى، ولا يسمح لها أن تتحجب عنصري، أكاد أقول لكم: العالم الآن منقسم قسمين، إنساني وعنصري، في أي موقع؛ أنت مدير معمل، مدير مؤسسة، صاحب شركة، إذا كان هذا الإنسان الذي عندك تعامله معاملة لا ترضاها لابنك فأنت عنصري، الأم التي تُعامل زوجة ابنها معاملة لا ترضاها لابنتها عنصرية، وما دامت هناك في الأرض عنصرية أعمال العنف لا تقف، ولن تقف، أما النبي عليه الصلاة والسلام تفقّد امرأة تقمُّ المسجد،

(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًّا فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ، فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ.))

[ متفق عليه ]

أنت حينما تشعر أن أي إنسان هو أخ لك إنساني، أنت حينما ترحم شاباً في محلك التجاري كما ترحم ابنك إنساني، أنت حينما ترحم زوجة ابنك كما ترحم ابنتك إنساني، لو صعدنا إلى مستوى أعلى، حق الفيتو عنصري، الحصار الاقتصادي عنصري، منع بلد نامٍ من تطوير حياته هذا منع عنصري، فلذلك المؤمن يتصف بالعدالة، معنى عدالة مستقيم، عدالة إنساني، عدالة صادق، أمين، عفيف، متواضع، مُنصف، إنسان قال لسيدنا عمر في حضرة أصحابه: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، يا لطيف غلط غلطة كبيرة، فأحدّ فيهم النظر، وخافوا، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خير منك، قال له: من؟ قال: أبو بكر الصديق، فقال سيدنا عمر: لقد كذبتم جميعاً وصدق، عدّ سكوتهم كذباً، قال: والله كنت أضلّ من بعيري، وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يُخلفهم فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرُمت غيبته.
 

ما يجرح العدالة:


أيها الإخوة؛ لو أنه عاملهم فظلمهم سقطت عدالته، حدثهم فكذب عليهم سقطت عدالته، وعدهم فأخلفهم سقطت عدالته، هذا اسمه سقوط العدالة، عند الفقهاء مصطلح اسمه: جرح العدالة، هذا الكأس لو أتيت بمطرقة وحطمته أكون قد كسرته، أما أحياناً يقع من يدي، فنرى فيه خطاً، العوام يقولون: انشعر، هناك حالة ليست سقوط عدالة، ولكن جرح، من مشى حافياً في الطريق جُرحت عدالته، من بال في الطريق جُرحت عدالته، من أكل في الطريق جُرحت عدالته، من أطلق لفرسه العنان، الآن لا يوجد فرس هناك سيارة، أي التشفيط، السرعة الزائدة جُرحت عدالته، من قاد برذوناً، مشى معه حيوان مخيف، كلب عقور، هو مرتاح، والكلب يخيف الصغار جُرحت عدالته، من علا صياحه في البيت، يوجد هناك بيت هادئ، بيت ملائكي، يقول لك: ثلاث وعشرون سنة ما سمعنا صوتهم، من علا صياحه في البيت حتى سمعه مَن في الطريق جُرحت عدالته، من طفف بتمرة، الميزان لم يأت، يعطيك إياها، لحمة، أحياناً هيل، غال جداً، أقل، قد يكون أقل بحفنتي هيل جُرحت عدالته، إذا وزنتم فأرجحوا، أو يسلِّط المروحة على كفة معينة، يوجد مروحة قوة الهواء، أو الميزان عالٍ لا يراه، لا تعرف ماذا يضع فيه، كان بالكفة شيء يوجد لحم غير جيد ثم وضع لحماً فوقهم فرمهم بشكل ناعم، ضاعت الطاسة، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، لقمة من حرام، لبن مصطفى كم الكيلو؟ غالي، إلى اللقاء، أكلت لقمة من حرام، أو مشمشة، أول المشمش، الكيلو بمئة وخمسين ليرة، اختار أكبر واحدة وأكلها، كم كيلو؟ غال ومشى، أكل لقمة من حرام يجرح العدالة، تطفيف بتمرة يجرح العدالة، من علا صياحه في البيت حتى سمعه من في الطريق يجرح العدالة، من مشى في الطريق حافياً، من بال في الطريق، من أكل في الطريق، صحبة الأراذل تجرح العدالة، إنسان منحرف، إنسان شارب للخمر، إنسان زانٍ كيف تذهب معه نزهة طويلة؟ كيف سيكون هناك انسجام بينكما؟ إنسان متفلت لا يعبد الله أبداً، إنسان ملتزم، فصحبة الأراذل تجرح العدالة، من تنزّه في الطرقات، هناك طرقات بالصيف مليئة بالكاسيات العاريات، المائلات المميلات، يقول لك: كل يوم أعمل نزهة بهذا الطريق، يُمتِّع عينيه بهؤلاء.
والله حدثني أخ صديق له جار متقاعد، زوّج بناته، زوّج أولاده، ليس له عمل، قال له: أنا لي بالصيف سوسة، بالتعبير الدارج، يذهب إلى طريق من أوجه طرقات دمشق عصراً، طريق فيه باعة نسائية من أعلى مستوى، فهذا الطريق مفعم بالنساء، ينطلق من مكان إلى مكان ويرجع، ومرة ثانية ويرجع، ويملأ عينيه من محاسن هؤلاء النساء، حدثني هذا الأخ قال لي: والله أصابه مرض اسمه ارتخاء الجفون، أي حتى ينظر إلى إنسان يجب أن يفتح جفنه بيده، فالتنزه في الطرقات من أجل أن تُملأ العين بمحاسن الكاسيات العاريات هذا يجرح العدالة، عدّ الفقهاء حالات كثيرة قد تصل إلى ثلاثين حالة كلها تجرح العدالة. 

2 ـ الضبط :

يا ترى المؤمن يتمتع بهذه الصفة وحدها أم يوجد معها صفة أخرى؟ هذه صفة العدالة صفة نفسية، صادق، أمين، عفيف، يغض بصره، يضبط لسانه، إذا حدثك فهو صادق، عاملك فهو أمين، استثيرت شهوته فهو عفيف، هناك صفة تلازمها هي الضبط، فالمؤمن يتمتع بصفتين؛ الأولى عقلية هي الضبط، الثانية نفسية هي العدالة.
أي لا ينقل حديثاً موضوعاً، يتأكد منه، إذا قرأ آية يتأكد من ضبطها، واعٍ، مدقق، يطلب الدليل، المؤمن المنضبط لا يقبل شيئاً إلا بالدليل، ولا يرفض شيئاً إلا بالدليل، يقول لك: واحد قال، من هذا الذي قال؟ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر دينك دِينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا، فالعدالة شيء، والضبط شيء آخر، الضبط صفة عقلية، والعدالة صفة نفسية، فالمؤمن من لوازم إيمانه أنه يتمتع بصفة الضبط وصفة العدالة، هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر دينك دِينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا.
 

العلاقة بين الطاعة ونتائجها علاقة علمية:


أيها الإخوة؛ الآن كما أقول لكم دائماً بين الطاعة وبين نتائجها علاقة علمية، أي  علاقة سبب بنتيجة، والطاعة مطلوبة، أي الله عز وجل حينما قال:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾

[ سورة آل عمران ]

الأمر الإلهي ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ هذا الأمر له لوازم؟ أي إذا قال لك الله عز وجل: 

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45)﴾

[ سورة العنكبوت ]

الصلاة لها شيء من لوازمها؟ ما لوازمها؟ الوضوء، لأن الصلاة لا تتم إلا بالوضوء، فما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، هذه قاعدة أصولية، أوضح من ذلك؛ إذا قال الله عز وجل:

﴿ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾

[ سورة الحشر ]

 كلمة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ كلمة خذوه هل لها ما يلزمها؟ أي أنا أقول: متى يمكن أن تُعالج ضغطك المرتفع؟ والضغط المرتفع القاتل الصامت، متى يمكن أن تُعالج الضغط المرتفع؟ يوجد جواب بسيط جداً حينما تعلم أن الضغط مرتفع، من لوازم معالجة الضغط المرتفع أن تعلم أن الضغط مرتفع، وكيف تعلم؟ أنت بحاجة إلى مقياس ضغط، فمن لوازم معالجة الضغط المرتفع أن تقتني جهاز ضغط، تقيس الضغط من حين لآخر، تمام الفكرة؟ من لوازم معالجة القاتل الصامت الضغط المرتفع أن تعلم أن ضغطك مرتفع، من لوازم العلم أن تقيسه، من لوازم القياس أن تملك جهاز ضغط، دققوا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ من لوازم وما آتاكم، ما الذي آتانا؟ كيف تأخذ شيئاً لا تعلمه؟ إذاً لابدّ من معرفة سنة رسول الله، فرض عين، طبعاً للأصوليين قاعدة وهي: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، الله عز وجل حينما قال:

﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)﴾

[ سورة الكهف ]

هذه اللام ما إعرابها في الفعل الثاني فليكفر؟ هذه لام الأمر، أيعقل أن يأمرنا الله بالكفر؟ نقول: هذا أمر تهديد، هذا أمر خرج عن أصل الأمر، أصل الأمر يقتضي الوجوب، أما هذا الأمر يقتضي الخوف لا الوجوب، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قال تعالى:

﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)﴾

[  سورة الأعراف  ]

هذا أمر، لكن قد لا يريد الإنسان أن يأكل، نقول: هذا أمر ندب لا أمر وجوب، أحياناً ما كل أمر يقتضي الوجوب، أما أيّ أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، كلمة زهرة ماذا تعني؟ نبات، إذا قلت: في بيتنا زهرة تلعب، هناك قرينة تمنع تصور المعنى الحقيقي، مادامت هذه الزهرة تلعب إذاً هي طفل جميل في البيت، نقول: هناك قرينة مانعة من تصور المعنى الحقيقي، فكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.
 

معرفة سنة رسول الله من لوازم الضبط والعدالة:


الله عز وجل قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ من لوازم هذا الأمر أن تعلم ما الذي آتاك، وعن أي شيء نهاك، من هنا يمكن أن نقول: إن معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، لأنها من لوازم تطبيق هذه الآية، وإذا قال الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾

[ سورة الأحزاب ]

كيف يكون النبي عليه الصلاة والسلام أسوة لنا إن لم نعرف كيف عاش؟ كيف كان في بيته؟ كيف عامل زوجته؟ كيف ربى أولاده؟ كيف عامل أصحابه؟ كيف كان في وقت السلم؟ كيف كان في وقت الحرب؟ كيف تصرف وهو فقير؟ وهو غني؟ وهو منتصر؟ وهو مضطهد في الطائف؟ كيف تصرف؟ فلابد ليكون النبي عليه الصلاة والسلام أسوة لنا من أن نقرأ سيرته، إذاً معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان.
نحن في موضوع الشهوة، وأحد فروع هذا الموضوع العدالة والضبط، العدالة صفة نفسية، والضبط صفة عقلية، من لوازم أن تكون عادلاً وضابطاً أن تعرف سنة النبي القولية وسنة النبي العملية أيْ سيرته.
 

العلمُ من لوازم الضبط والعدالة:


الآن كلكم يعلم أن هذه الطاولة جماد، ما معنى جماد؟ أي شيء أولاً: يشغل حيزاً في الفراغ، لها حجم، طول، عرض، ارتفاع، وزن، فالجماد شيء يشغل حيزاً في الفراغ، له أبعاد ثلاث، وله وزن، أرقى من الجماد النبات، شيء له وزن، ويشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاث،  طول، وارتفاع، وعرض، لكنه ينمو، يمتاز النبات على الجماد بالنمو، الآن حيوان، فيل، يشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاث، له طول وارتفاع وعرض، وله وزن، طن تقريباً، لكن يمتاز على النبات أنه يتحرك، يمشي، النبات ينمو، أما الفيل ينمو ويمشي، الإنسان وزنه ثمانية وثمانون، له وزن، ويشغل حيزاً في الفراغ، وله أبعاد ثلاث، وينمو كالنبات، ويتحرك كالحيوان، لكن ويفكر، إذاً أودع الله في الإنسان قوة إدراكية، إذاً هو بحاجة إلى علم، هذه القوة الإدراكية تحتاج إلى علم، إذاً الإنسان أودع الله فيه قوة إدراكية، هذه القوة تدعوه إلى المعرفة، فإن لم يطلب العلم هبط هذا الإنسان عن مستوى إنسانيته إلى مستوى لا يليق به، إذاً: طلب العلم فرض واجب على كل مسلم، أي مجيئك للدرس كي تتعرف على الله، وإلى منهجه، ليس ناشئًا من فراغ، ما عندك حل لهذا الفراغ إلا حضور الدرس، لا، المعنى أعمق بكثير، حضور الدرس كي تعرف الله، أنت تحقق الهدف الذي من أجله خُلِقت، أنت خُلِقت لمعرفة الله، والله عز وجل خلقك لتعبده، وأنت إذا عرفته عبدته، وإن عبدته سلمت وسعدت في الدنيا والآخرة، أي حققت الهدف من وجودك.
إذاً من لوازم موضوع الشهوة أن تطلب العلم كي تعرف الحلال والحرام، وما ينبغي وما لا ينبغي، والخير والشر، والحق والباطل، والدنيا والآخرة، والمادة والروح، أما هذا الإنسان الجاهل الذي يتوهم أن الإنسان هكذا:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39)﴾

[ سورة القيامة ]

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾

[ سورة المؤمنون ]

أي تعالى الله أن يخلق إنساناً عبثاً.
أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في موضوع الشهوة، فالشهوة قوة اندفاع، هناك شهوة إلى الطعام والشراب، شهوة إلى الجنس، شهوة إلى العلو في الأرض، هذه الشهوة تحتاج إلى منهج، إذاً لابدّ من طلب العلم كي تكون ضابطاً، ولابدّ من أن تتصل بالله كي تكون عادلاً، الضبط والعدالة، الضبط صفة عقلية والعدالة صفة نفسية، لابدّ من أن تعرف سرّ وجودك، وغاية وجودك، ولابدّ من أن تزكو نفسك باتصالك بالله، فمن أجل أن تكون هذه الشهوة منضبطة وفق منهج الله عز وجل لابد من هذا وذاك.
لكن أحياناً لما ينحرف الإنسان، يُقصّر في طلب العلم يرتكب الموبقات، يُقصر في أداء الواجبات، ينتهك الحرمات، الله عز وجل رب العالمين مُرَبٍّ، كيف يؤدبه؟ عن طريق المصائب بالضبط أيها الإخوة، السيارة لماذا صُنِعت في الأصل؟ من أجل أن تسير، وفيها مكبح، ويبدو أن المكبح يتناقض مع علة صنعها، المكبح ضمان لسلامتها، والمصائب في الدنيا تماماً كالمكبح ضمان لسلامة هذه المركبة.
 

المتابعة والمعاقبة الربانية:


يوجد عندنا شيء اسمه متابعة، وشيء اسمه معاقبة، فالإنسان القوي الظالم يعاقب فقط، أما الإنسان الرحيم يتابَع، المتابعة شيء والمعاقبة شيء آخر، يتابع، فالله عز وجل قال:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

[ سورة السجدة ]

هناك متابعة من الله، قول لكم هذا الكلام: أنت حينما تشعر أن الله يتابعك هناك خطأ، ساق لك مصيبة، هناك علو في الأرض ساق لك موقفاً حجّمك، هناك إسراف في إنفاقك ضيّق عليك، هناك تقصير في معاملة أهل بيتك نشب خلاف بينك وبينهم، هناك تقصير في برّ والديك تطاول ابنك عليك، الله عز وجل يعالج، هذه المعالجة إذا فهم الإنسان على الله قطع أربعة أخماس الطريق إليه.
إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، كنت أقول لكم دائماً: فرق كبير بين مريضين؛ الأول معه التهاب معدة حاد، هذا المرض قابل للشفاء، الشفاء التام، لكن يحتاج إلى حمية قاسية، والورم الخبيث المنتشر هذا مرض عضال غير قابل للشفاء، مرض قاتل، لو أن الأول سأل الطبيب: ماذا آكل؟ يقول له: حليب فقط، لو أن الثاني سأل: ماذا آكل؟ يقول له: كُلْ ما شئت، لأنه لا يوجد أمل، فما دام الله عز وجل أدخلك بالعناية المشددة، مادام تابعك، ما دام حاسبك، ما دام نبهك، ما دام أيقظك، ما دام ضيّق عليك، ما دام شدد عليك، ما دام ساق لك بعض المصائب، ما دام خوّفك، ما دام لا سمح الله أمرض أو أفقر، هذه المصائب رسائل من الله عز وجل، إذاً الله عز وجل رب العالمين، لذلك علماء العقيدة لا يرون من المناسب أن تقول: الله خافض، هو خافض، ولا أن تقول: الله ضار، هو ضار، ولا أن تقول: الله مذل، هو مذل، ينبغي أن تقول: هو المذل المعز، والضار النافع، والخافض الرافع، والمعطي المانع، يمنع ليعطي، يخفض ليرفع، يُذل ليعز، واضح تماماً؟ هذه الأسماء الحسنى ينبغي أن تُذكر كل اثنين معاً، ضار نافع، خافض رافع، مذل معز، معط مانع، لذلك قال ابن عطاء الله السكندري: ربما أعطاك فمنعك وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
أحياناً بلد فيه ثروات طائلة، معنى ثروات طائلة يوجد غنى فاحش، الغنى يتوهمه الناس نعمة، أحياناً يكون نقمة، تجد ليس بهذا البلد حضارة، لا يوجد تفوق علمي، فقط استهلاك، أناس يستهلكون، لا عندهم علم ولا حضارة، ولا تفوق ولا ألمعية، وفرة المال منعتهم أن يتابعوا العلم.
أحياناً تجد ابناً يتيماً ليس أمامه إلا العلم، يجتهد من شدة الحاجة للمال، يتفوق، ينال الدكتوراه، يحتل منصباً رفيعاً جداً، يأتيه دخل وفير، له قريب والده غني جداً، السيارة موجودة، والطعام الطيب موجود، والبيت موجود، ليس هناك دافع إلى الدراسة إطلاقاً، أليس هذا الفقر للأول نعمة باطنة جعلته عالماً كبيراً؟ وأليس هذا الغنى للثاني ليس نعمة بل هو نقمة؟ ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.

  الشر المطلق ليس له وجود في الكون:


هناك فقرة أخيرة مهمة جداً وهي أن الشر المطلق ليس له وجود في الكون، لأن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، إذا ركب رجل مركبة، وكان مخموراً، ونزل في الوادي، والمركبة أصابها العطب، منظرها مخيف، صورناها، هل تعتقد أن هناك معملاً صنعها هكذا؟ مستحيل، المعمل يصنعها كاملة، خطوطها انسيابية، ألوانها زاهية، أنيقة، أما هذا الوضع لا يحتاج إلى معمل، يحتاج إلى سائق مخمور فقط، وضع السيارة بعد أن وقعت في الوادي وارتطمت بالصخور أصبح شكلها مخيفاً، هذا الشكل لا يحتاج إلى مصمم، لا يحتاج إلى معمل، لا يحتاج إلى مهندسين، لا يحتاج إلى مهندسي ألوان، هذا يحتاج إلى سائق مخمور فقط، أي الشر ليس إيجابياً، الشر سلبي، الشر ناتج عن سوء استخدام فقط، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( عن علي بن أبي طالب: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استفتَح الصَّلاةَ كبَّر ثمَّ يقولُ : وجَّهْتُ وجهيَ للَّذي فطَر السَّمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا مِن المُشرِكينَ إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي للهِ ربِّ العالَمينَ لا شريكَ له وبذلكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسلِمينَ اللَّهمَّ أنتَ الملِكُ لا إلهَ إلَّا أنتَ أنتَ ربِّي وأنا عبدُكَ ظلَمْتُ نفسي واعترَفْتُ بذَنْبي فاغفِرْ لي ذُنوبي جميعًا لا يغفِرُ الذُّنوبَ إلَّا أنتَ لبَّيْكَ وسعدَيْكَ والخيرُ كلُّه في يدَيْكَ والشَّرُّ ليس إليكَ أنا بكَ وإليكَ تبارَكْتَ وتعالَيْتَ أستغفِرُكَ وأتوبُ إليكَ.))

[ صحيح ابن حبان ]

الشر لا يحتاج إلى خالق، سوء استخدام، الملح مادة نفيسة جداً، اعمل معمولاً على العيد وضع له ملحاً، لا يؤكل معك، سوء استخدام، يوجد عندك مسحوق تنظيف غالٍ جداً ضعه في الطبخ انتهى الطبخ، السكر له استعمال، والملح له استعمال، ومسحوق التنظيف له استعمال، أحياناً سوء الاستخدام ينتج عنه شر، هذا الشر لا يحتاج إلى خالق، سببه سوء استخدام فقط، ينبغي أن تفهم الشر هكذا في الكون، أي سائق مخمور قاد المركبة وهو مخمور نزل في الوادي، أصبح لها شكل مخيف، لا تقل لي: مَن صنعها هكذا؟ لا تريد علماً، هذه لا تحتاج لمعمل إطلاقاً، ولا إلى مصمم، ولا إلى تصور إطلاقاً، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ)) .
أيها الإخوة؛ لهذا الموضوع متابعة في درس قادم إن شاء الله، ننتقل اليوم إلى موضوع في الإعجاز العلمي.
 

من الإعجاز العلمي ثقب بوتال:


الحقيقة في اللقاء السابق بينت لكم أن خاصة في الماء لولاها لما كان هذا الدرس، ولما كان هذا المسجد، ولما كانت دمشق، ولما كانت سوريا، ولما كانت حياة على وجه الأرض إطلاقاً، لولا أن هذا الماء يمتاز وحده بخاصة أنه عند التبريد إلى درجة زائد أربعة يتمدد بدل أن ينكمش، أما اليوم يوجد بالإنسان شيئان، يوجد بقلبه بين الأذينين وهو في بطن أمه ثقب كشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، سمّي هذا الثقب ثقب بوتال، لأن الجنين وهو في بطن أمه لا يتنفس، لا يوجد هواء، الرئتان معطلتان، لكن كيف يُجدد دمه؟ كيف يكتسب الجنين الأوكسجين؟ عن طريق دم أمه عن طريق المشيمة، عن طريق المشيمة يذهب دم الجنين الأزرق ويعود ويصفى عن طريق رئتي أمه، ويعود الدم إلى المشيمة أحمر اللون، ثم إلى الجنين محملاً بالأوكسجين، في الجنين وضع استثنائي، لذلك الرئة معطلة، والقلب لا يضخ إلى الرئة، نحن الآن القلب يضخ للرئة، يوجد تنفس، الأوكسجين يأخذه الدم، ويطرح ثاني أوكسيد الكربون، ففي الزفير يوجد ثاني أوكسيد الكربون، إذا غطى إنسان رأسه بالليل بالغطاء يشعر بضيق لأنه صار هناك ثاني أوكسيد الكربون، إلى أن يستنشق الأوكسجين، إذاً بالجنين لا يوجد هواء، والرئة معطلة، لذلك القلب لا يضخ إلى الرئة، لابد من وضع استثنائي، هناك فتحة بين الأذينين ينتقل الدم من أذين إلى أذين، الطفل وُلِد.
والله مرة كنا في الجامعة قال الأستاذ: تأتي جلطة فتغلق هذا الثقب، يا رب يد من هذه؟ يد من؟ من ساق هذه الجلطة حتى أغلقت هذا الثقب؟ لمجرد أن يُغلق هذا الثقب الطفل يبكي، استنشق هواء، الدم انتقل بدل أذين أذين، بطين رئة، رئة بطين، هذا الثقب لو لم يُغلق يُصاب الطفل بمرض اسمه داء الزرق، يموت بعد سنوات، يبقى دمه أزرق اللون، لأنه أثناء عمل القلب هناك طريق طويل للرئة وهناك طريق قصير، إذا كان عندك مضخة، وأمامها أنبوب طويل وفي الأنبوب ثقب الماء يقترب أو يرى أن الثقب أقرب له من نهاية الأنبوب يخرج من هنا، ما دام الثقب مفتوحاً فالدم لا يذهب إلى الرئتين، إذاً لا يأخذ الأوكسجين، المشيمة انتهت، الجنين أصبح خارج الرحم، يد مَن تأتي وتُغلق هذا الثقب؟ ثقب بوتال.
والله أيها الإخوة؛ هذه آية من آيات الله الدالة على عظمته، إغلاق ثقب بوتال، ولحكمة بالغة بالغة بالغة، ولحالة نادرة مهمتها فقط تأكيد القاعدة أن الله عز وجل كل أربعمئة أو خمسمئة ألف طفل يسمح لطفل واحد ألا يُسدّ هذا الثقب، أعتقد يحتاج إلى عملية تكلف أربعمئة ألف ليرة الآن، ونجاحها بالمئة خمسون، إغلاق ثقب بوتال.
أنا مرة أخ حدثني قال لي: إذا أكرم الله عز وجل إنساناً بغلام سليم قال لي: هذا الغلام معه هدية مليون ليرة، ما فهمت عليه، كيف؟ أين المليون؟ قال لي: ابن ابنتي وُلِد الشريان عكس الوريد، يوجد ببلد عربي مجاور طبيب واحد مختص بإجراء هذه العملية، قال لي: طلب أربعمئة ألف، والمستشفى ثلاثمئة ألف، والسيارة من دمشق إلى بيروت بخمسين ألفاً، قال لي: دفعت سبعمئة وخمسين ألف ليرة خلال ساعتين للولادة، أو يموت الطفل، هناك أشياء دقيقة جداً، هذا الثقب لو ما أغلق لما كان هناك درس، لو كان كل الصغار بثقب مفتوح لا يبقى أحد على قيد الحياة، أنا آتي بأفكار يسمونها حدّية، كيف هذه الخاصة بالماء تلغي الحياة وثقب بوتال إذا لم يسد تُلغى الحياة، لا يعيش إنسان.
 

آلية المص عند المولود:


هناك شيء أخير، الطفل ولد الآن، أثناء تنظيفه تمر أصبع الممرضة أمام شفتيه يمصها، المص آلية معقدة جداً، يضع الطفل الذي وُلِد لتوه شفتيه على حلمة ثدي أمه، ويُحكم الإغلاق، يسحب هواء يأتيه حليب، بالمناسبة أول يومين يأتيه حليب أسود، يأتيه حليب هو ليس بحليب، مادة مُذيبة للشحوم، جهازه الهضمي يا الله ممتلئ بالشحوم، هذه الشحوم تقي أن تلتصق الأمعاء ببعضها، الأمعاء أنبوب، إذا لم يكن هناك شحوم تنمو مع بعضها تصبح شريطاً، الموت محقق، مادام شريط الموت محقق، حتى يكون أنبوباً هناك مادة شحمية، هذه المادة تمنع التصاق الأمعاء، أول أربع وعشرين ساعة مادة مذيبة للشحوم، الطفل الذي وُلِد لتوه لونُ برازه أسود ليومين، أسود هذه الشحوم، ثم يأتي الحليب.
الآن سؤالي: هل هناك قوة في الأرض أكبر جامعة بالعالم بإمكانها أن تعلم طفلاً المص؟ يا بابا الله يرضى عليك من أجل ألا تموت، يعطي ابنه نصائح، لا يوجد قوة في الأرض تُعَلِّم الطفل مص ثدي أمه، الآلية معقدة جداً، هذه يسميها العلماء علماء النفس منعكساً، كيف؟ أنك أحياناً تمشي في الطريق، مع أحدهم دخينة مشتعلة، تمس الدخينة بيدك فتسحبها، تسحبها قبل أن تفكر، مرة كنت أمشي بسيارتي بشارع ضيق فيه مزاريب، والمطر غزير، ركب إلى جانبي أخ، لما نزل المزراب على البلور رجع إلى الوراء، هناك بلور، لكن هذا منعكس، المنعكس الشرطي أسرع من التفكير، فإذا واحد لامست يده دخينة مشتعلة يسحبها قبل أن يفكر، هذا اسمه  منعكس، فالإنسان يولد معه منعكس واحد، وحيد، منعكس المص، ولولا هذا المنعكس لما كان هذا الدرس، ولا جامع النابلسي، ولا دمشق، ولا سوريا، ولا أي مكان في العالم. 
 

نعم الله الكبرى على الإنسان:


ثلاث خواص؛ خاصة الماء، ثقب بوتال، منعكس المص، هذه من نعم الله الكبرى، وأحياناً يأتي طفل، كل خمسمئة ألف طفل ليس معه هذا المنعكس يموت، لا يعيش، يموت من الجوع، علّمه تفضل، علمه كيف يمص ثدي أمه!! آلية معقدة جداً تولد مع الطفل، منعكس المص، وثقب بوتال، وخصيصة الماء، هذه آيات الله عز وجل:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)﴾

[ سورة طه ]

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

[ سورة التين ]

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾

[ سورة النمل ]

التفكر في خلق السماوات والأرض يُعدّ أقصر طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور