وضع داكن
14-09-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 12 - الفطرة -4- طبيعة الإنسان قبل أن يؤمن
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 

خصائص الإنسان وأحواله قبل أن يعرف الله:

 

1 – هلوع:

أيها الإخوة الكرام؛ مع درس العقيدة والإعجاز، مع الدرس الثاني عشر من دروس العقيدة والإعجاز، وقد وصلنا في درس سابق إلى موضوع الفطرة، وهي إحدى مقومات التكليف، ولنتابع في هذا الموضوع.
أيها الإخوة الكرام؛ القرآن الكريم كلام الله، وحي السماء، كلام الخبير، كلام العليم، كلام الذي خلق الإنسان، كلام الذي يعلم السر وأخفى، في القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن حقيقة الإنسان، وقد تنتمي موضوعات هذه الآيات إلى ما يسمى في العصر الحديث بعلم النفس الإسلامي، فهذا الإنسان المخلوق الأول ما حقيقته؟ ما جوهره؟ ما طبيعته؟ ما خصائصه؟ ما أحواله؟ ما الذي يسعده؟ ما الذي يشقيه؟ ما خصائصه قبل الإيمان؟ ما خصائصه بعد الإيمان؟ متى يسلم؟ متى يسعد؟ متى يرقى؟ متى يسقط؟ هذه قضايا دقيقة جداً القرآن الكريم عالجها، ولكن العلماء لهم أحياناً توجه بأن كلمة الإنسان إذا جاءت معرفة بـ أل فتعني الإنسان قبل أن يؤمن، مثلاً: 

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19)﴾

[ سورة المعارج  ]

خصائص الإنسان قبل أن يؤمن.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

[ سورة المعارج  ]

فقبل أن يؤمن، وقبل أن يتصل له خصائص، وبعد أن يؤمن، وبعد أن يتصل له خصائص أخرى، على كلٍّ من خصائص الإنسان آيات كثيرة اخترت لكم بعضها. 

2 – ملتجِئٌ إلى الله في الضرّاء:

من هذه الآيات الكريمة:

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)﴾

[ سورة يونس ]

إذاً الإيمان بالله مُرَكّب في أصل فطرته، أي إنسان إذا أصابه الضّر يدعو الله وحده، بل إنني سمعت قصة عجيبة هي أن طائرة تُقِلّ خبراء من بلاد رفعت شعار لا إله، أي ركاب هذه الطائرة لا يؤمنون بالله أصلاً، ملحدون، دخلت هذه الطائرة في سحابة مكهربة فاضطربت وكادت أن تسقط، فإذا بهؤلاء الخبراء يرفعون أيديهم إلى الله متوسلين، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً﴾ كذلك الذي يركب البحر، فإذا اضطرب الموج:

﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)﴾

[ سورة يونس ]

إذاً القصة أن الإنسان حين الشدة بأصل فطرته يتجه إلى الله، لكن ما بطولة المؤمن؟ أن يعرفه في الرخاء، أن يعرفه وهو على الأرض، قبل أن يكون راكبًا طائرة، أو راكباً باخرة، أن يعرفه وهو صحيح قوي نشيط، أن يعرفه وهو شاب، لذلك المؤمن يعرف الله في الرخاء، بينما غير المؤمن يعرف الله في الشدة. 
حدثني أخ قال لي: في بلدة إسلامية عاصمة كبيرة فيها حوالي خمسة عشر مليونًا، أصابها زلزال، أقسم لي أن المصلين في المساجد ضاقت بهم المساجد في الصلوات الخمس، الحرم لا يكفي، الصحن لا يكفي، الأروقة لا تكفي، صلى الناس خارج المسجد في أثناء الزلزال، لكن بعد أن نسي الناس الزلزال عادوا إلى ما كانوا عليه، لذلك لا تفرح بإيمان يأتي عند الشدة، هذا الإيمان سريعاً ما يذهب، يأتي ويذهب، افرح بإيمان ثابت مستقر مستمر، ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَائِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ أحياناً ترتفع حرارة الصغير، يُشَمّ من بعض أقوال الأطباء أنه مرض عضال، التهاب سحايا، فالأب يصلي، ويدعو، ويدعو، ويدعو، فإذا زال المرض عزا الشفاء إلى طبيب، يقول لك: طبيب ماهر، والأدوية فعالة، وينسى أنه دعا الله عز وجل، هذه خصيصة من خصائص الإنسان قبل أن يعرف الله. 

3 – يَئُوسٌ كَفُورٌ:

شيء آخر؛ قال تعالى:

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ(9)﴾

[ سورة هود ]

أي إيمانه بالله لا يكفي لفهم حكمة هذا الحدث، حتى إنهم قالوا: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ أي صحة، دخل كافٍ، زوجة، أولاد، منصب رفيع، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ لا يفهم أن لهذا النزع حكمة، الله عز وجل يقول: 

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

[ سورة آل عمران ]

فقط، أي إيتاء الملك خير، ونزعه خير، والإعزاز خير، والإذلال خير: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إذاً حينما تُنزَع منه هذه الرحمة ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ يقنط من رحمة الله، أما المؤمن لا يقنط، لا ييأس، لا يشعر بالإحباط، يرى أن هناك حكمة بالغة، يقول: يا رب أنا راض بقضائك وقدرك، أنا راض بما أنا فيه، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ يا ربي إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي، بطولتك لا تبدو في الرخاء، تبدو في الشدة، والرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، وإذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه، إذاً لا يمكن أن يكون المؤمن يئوساً ولا كفوراً، لذلك أخطر شيء يصيب الأمة أن تهزم من الداخل، أن تيأس، أن تُحِس بالإحباط، أن يقول المسلم: انتهينا، لما ننتهي الله معنا، ولن يترنا أعمالنا.
أيها الإخوة؛ ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ يغلب على الإنسان قبل أن يؤمن أنه يؤوس، ويغلب على الإنسان قبل أن يؤمن أنه كفور، لكن المؤمن متفائل شكور، لأن الله عز وجل طمأننا، قال تعالى:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)﴾

[ سورة التوبة ]

لم يقل: علينا، خطه البياني للمؤمن صاعد صعوداً مستمراً، بل إن الموت نقطة على هذا الخط الصاعد، ويستمر هذا الخط صاعداً بعد الموت، لذلك من نِعم الله الكبرى على المؤمن أن نعم الآخرة تتصل بنعم الدنيا. 

4 – خَصِيمٌ مُبِينٌ:

قال تعالى:

﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4)﴾

[ سورة النحل ]

يكون نطفة لا تُرى بالعين يستحيا بها لو كانت على الثياب، هذه النطفة تخرج من عورة، تدخل في عورة، ثم تخرج من عورة، ويكون طفلاً جنيناً في بطن أمه، ثم وليداً يحتاج إلى عناية، إلى تنظيف، إلى إرضاع، إلى، إلى، إلى، فإذا صار شخصية مرموقة بدأ ينشر أفكار الكفر والإلحاد، ويقول: أنا، وإنسان العصر والتأله، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ يستخدم طلاقة لسانه، بيانه في تفنيد بعض ما في الدين من حقائق، زاعماً أنه حر التفكير، لا يخضع لشيء إلا لعقله، ونسي أن الله عز وجل يقول: 

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)﴾

[ سورة المدثر ]

إلى آخر الآية. 

5 – يَدع بِالشَرِّ دعَاءه بِالْخَيْر:

ومن خصائص الإنسان قبل أن يؤمن، الحديث اليوم عن الإنسان قبل أن يؤمن، قال تعالى:

﴿ وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)﴾

[ سورة الإسراء ]

يلوح له مكسب مادي، وفيه شر، وفيه حساب، ويعقبه عذاب ومساءلة، وقد ينتهي إلى النار ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ إقبال الناس على الدنيا، على مالها حلالاً أو حراماً، على نسائها نِكاحاً أو سِفاحاً، إقبال الناس على الدنيا من دون أن ينتبهوا إلى مشروعية عملهم، أو عدم مشروعيته، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ كما لو كان خيراً، ﴿عَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولا﴾ المؤمن يسعى إلى أهداف بعيدة، يسعى إلى الجنة، والجنة بعد الموت، يتحمل في الدنيا كل شظف، وكل عيش خشن في سبيل مبادئه وإيمانه ونقائه، يرفض أي دخل فيه شبهة، يرفض أية امرأة لا تقيم شعائر الله، يرفض أي منصب لا يستطيع أن يُوَظِّفه لخدمة الخلق، بعيد عن المكاسب المادية، مؤمن بما عند الله، لذلك لأنه آمن بالله، وآمن باليوم الآخر نقل أهدافه الكبرى إلى الآخرة، فيتحمل كل متاعب الحياة من أجل أن يبقى منيباً لله، مطيعاً له، ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولا﴾ لذلك المؤمن يختار هدفاً بعيداً، يختار الآخرة، بينما غير المؤمن يختار الدنيا، الشيء العجول الذي أمامه، حق، باطل، خير، شر، مشروع، غير مشروع، يرضي الله، يُسخط الله، يريد المال، يريد المنصب، يريد المتع، هكذا الإنسان قبل أن يؤمن، اختياره حسي، اختياره مادي. 

6 – مُعرِض عن الله:

أحياناً يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83)﴾

[ سورة الإسراء ]

أي كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بادِروا بالأعمالِ سبعًا، هل تنتِظرونَ إلَّا مرضًا مُفسدًا، وهَرمًا مُفندً، أو غنًى مطغيًا، أو فَقرًا مُنسيًا ، أو موتًا مُجهِزًا، أو الدَّجالَ، فشرُّ مُنتظَرٍ، أو السَّاعةُ، والسَّاعةُ أدهَى وأمَرُّ. ))

[  الترمذي: السلسلة الضعيفة: خلاصة حكم المحدث: ضعيف  ]

يوجد مفاجآت كبيرة، معك وكالة لشركة سُحِبت منك، معك مشروع تجاري لأسباب طارئة أصابه الإخفاق، أعلنت إفلاسك، ((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا؟)) كاد الفقر أن يكون كفراً، ((أَوْ غِنًى مُطْغِيًا؟)) أي غنى حملك على معصية الله، والله سمعت عن أخت كريمة مؤمنة مستقيمة محجبة، لها زوج له دخل محدود، سافر إلى بلاد حيث المال والغنى، فجمّع ثروة جيدة، أرسل لها رسالة: إن لم تأتي إليّ بأحدث صرعة من صرعات الأزياء لن أستقبلكِ، ما اسم هذا الغنى؟ الغنى المطغي، يقول عليه الصلاة والسلام: ((بادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا؟))
إخواننا الكرام؛ مستحيل وألف ألْف ألف مستحيل أن تستيقظ كل يوم كاليوم السابق إلى ما شاء الله، لابد في أحد الأيام وهذا نخضع له جميعاً من طارئ يطرأ على الصحة، وقد يكون هذا الطارئ سبب الموت، أنا أسميه: بوابة الخروج، في المطارات يوجد بوابات، وفي الدنيا بوابات، البوابة التي تخرج منها من الدنيا إلى الآخرة هي مرض الموت، ((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا؟ أَوْ الدَّجَّالَ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)) إذاً: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ نسي الله، نسي واجباته الدينية، نسي الآخرة، نسي المرض، نسي العقاب، نسي البلاء، نسي أن الله له بالمرصاد، نسي أنه في قبضة الله، نسي، ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً﴾ أما المؤمن يزداد في الرخاء إقبالاً على الله، يزداد في الرخاء محبة لله، فإذا لحكمة بالغة تحولت عنه هذه النعمة هو شاكر وراض عن الله.
يا رب هل أنت راضٍ عني؟ قال له الإمام الشافعي وكان يطوف حول الكعبة: هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ قال: يا سبحان الله! كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه؟! قال له الشافعي: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً﴾

﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84)﴾

[ سورة الإسراء ]

 7 – قتور:

من صفات الإنسان قبل أن يؤمن أنه قتور، يحرص على ما في يديه لا ينفق حتى أنه يعيش فقيراً ليموت غنياً، بل إن الشح مرض خبيث من أمراض النفس، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

[ سورة الحشر ]

لذلك:

﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100)﴾

[ سورة الإسراء ]

لا ينفق، يده ليست سحّاء، يده قابضة، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)﴾

[ سورة الإسراء ]

إذاً الإنسان لا ينفق، يُجمِّع الأموال، والله هناك قصص لبخلاء هم في غباء لا يوصف، يعيش مُقَتّراً على نفسه، والله هناك أناس حينما ترى حالهم البائس تتوقع أنهم فقراء، وقد تُحدثك نفسك أن تعطيهم مساعدة، فإذا هم يملكون الملايين المملينة، لكنه قتور، كيف يوجد عندنا في الجسم أمراض خبيثة عضالة قاتلة مميتة؟ الشح مرض يصيب النفس، مرض عضال قاتل مهلك، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً﴾ الإنسان حريص على ما في يديه، يتمسك بما في يديه. 

8 – مُكثر من الجدل:

أيضاً أيها الإخوة؛ من صفات الإنسان قبل أن يؤمن، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54)﴾

[ سورة الكهف ]

أي جاء أعرابي النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله عظني ولا تُطل؟ تلا عليه النبي عليه الصلاة والسلام سورة قصيرة، فقرة من سورة، آيات من سورة: 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾

[ سورة الزلزلة ]

قال: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، أصبح فقهياً، اكتفى بجزء من سورة، اكتفى بآيتين، إذاً قوله تعالى: 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)﴾

[ سورة النساء ]

ألا تكفي؟ قوله تعالى:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾

[ سورة فصلت ]

ألا تكفي؟ قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)﴾

[ سورة سبأ ]

ألا تكفي؟ قوله تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾

[ سورة الرحمن ]

ألا تكفي؟ قوله تعالى: 

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)﴾

[  سورة طه ]

ألا تكفي؟ قوله تعالى: 

﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)﴾

[ سورة البقرة ]

ألا تكفي؟ ستمئة صفحة، كل آية قانون وقاعدة ومبدأ ومنهج ودستور، ومع ذلك يقرؤون القرآن ولا يعملون به، عندها قيل: رُبَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ يحب المجادلة، يحب المماحكة، يحب الكلام الفارغ، يغرق في الجزئيات، ينسى مقاصد الشريعة، ينسى سرّ وجوده وغاية وجوده، يدخل في خصومات، في موضوعات صغيرة جداً، أي في مسجد في عصور قديمة اختلف رواده على صلاة التراويح أهي ثمان ركعات أم عشرون؟ فتجادلوا ثم تماسكوا ثم تراشقوا التهم، هناك عالم جليل أصدر فتوى بإغلاق المسجد، قال: لأن التراويح سنة، ووحدة المسلمين فرض، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ مرة ألقيت كلمة في مناسبة عقد قران، فذكرت أن النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر كان أصحابه يزيدون عن الألف، والرواحل ثلاثمئة، ما الحل؟ هو قائد الجيش، هو زعيم الأمة، هو سيد الخلق، هو حبيب الحق، فقال: كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، لقطة رائعة جداً، ما هذا التواضع؟ قائد الجيش، زعيم الأمة، قمة المجتمع، رسول الله يُسَوِّي نفسه مع أقل جندي، قال: وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، فلما انتهت كلمتي، وجلست في مكاني كان إلى جانبي رجل يعمل في الدعوة، قال: هناك خطأ، قلت له: أين الخطأ؟ قال: الرواحل كانوا ثلاثمئة وأربع عشرة، الرقم الآن غير معني إطلاقاً، المعني أن هناك ألف صحابي وهناك ثلث هذا العدد رواحل، فالنبي قال: كل ثلاثة على راحلة، أحيانا ترى إنساناً غارقاً في الجزئيات، لدرجة أنه نسي الكليات، ونسي مقاصد الشريعة، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ .
والله أيها الإخوة؛ طبعاً الجدال ليس ممدوحاً في القرآن الكريم، ونحن في عصرنا المطلوب الحوار، أما الجدال فيه مماحكة، حتى يقول الإمام الغزالي: ما جادلت عالماً إلا غلبته، ولا جادلني جاهل إلا غلبني، أنت لو قلت: الأعور نصف بصير، أليس كذلك؟ بعين واحدة، الأعور نصف بصير، والأعور نصف أعمى، الآن بالرياضيات إذا كان هناك حدان يساويان حداً مشتركاً فهما متساويان، نصف البصير يساوي أعور، نصف الأعمى يساوي أعور، يوجد عندنا حد واحد مشترك يساوي الحدين، إذاً الحدان فيما بينهما متساويان، إذاً: نصف الأعمى يساوي نصف البصير، اضرب باثنين الأعمى كالبصير، بالقرآن بالعكس، هل يستوي الأعمى والبصير؟ بالجدل استويا، أي يوجد شخص عنده نفَسٌ طويل للجدال، ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ تسعة أعشار وقته في مناقشات وجدل لا يُقدم ولا يُؤخر، آدم كان طوله ستين متراً، إن كان ستين وإن كان مترين ماذا يبنى على هذا الحكم؟ عندنا قاعدة مهمة جداً: أيّ قضية في الدين لا يُبنى عليها حكم فهي باطلة.
مرة سألني أخ على الإذاعة قال: كيف قَتل قابيل هابيل؟ قلت له: بمسدس ستة ميلي، مَن كان وقتها؟ أنا أشعر أحياناً هناك شخص عنده أسئلة صدقوا سخيفة جداً لا تُقدم ولا تؤخر، مرة أخ كريم ألّف كتابًا عن مرض النبي عليه الصلاة والسلام الذي توفي به، قال لي: ما رأيك؟ قلت له: هل تسمح أن أقول لك برأيي؟ قال: تفضل، قلت له: لا جدوى منه، النبي عليه الصلاة والسلام مات وانتهى، كيف مات موضوع صغير، لو ألفت كتاباً في وصايا النبي الصحية لانتفعنا منه جميعاً، هو مات، مات بالتهاب سحايا، مات، بأي مرض مات؟ مات، لذلك القاعدة: أيّ قضية في الدين لا يُبنى عليها حكم شرعي ننتفع به لا جدوى منها، بل لي رأي آخر قضايا التاريخ كلها دعك من المتخصصين، قال تعالى: 

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)﴾

[ سورة البقرة: 134]

ما الذي يعنينا أن نستورد حوادث تاريخية ثم نتقاتل من أجلها ثم تسيل الدماء؟ الخلافات القديمة، معركة الجمل، الفتنة، معركة صفين، ماذا تنفعنا هذه؟ ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ التاريخ كله بهذه الآية ينتهي الجدال فيه، لنا هدف واضح، والوسائل واضحة، ونحن قادمون على دار آخرة فيها جنة يدوم نعيمها، أو نار لا ينفذ عذابها، إذاً: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ . 

9 – يحسب أن يُترك دون حساب:

أيها الإخوة؛ محور الدرس مرة ثانية طبيعة الإنسان قبل أن يؤمن، قال تعالى: 

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

[ سورة القيامة ]

أي هل يستقيم إيمانك حينما ترى أن في الأرض أقوياء وضعفاء؟ أغنياء وفقراء؟ ظالمين ومظلومين؟ 
إنسان عاش عمراً مديداً، وإنسان مات في سن مبكرة، امرأة وسيمة جداً، وامرأة دميمة جداً، وتنتهي الحياة، ولا شيء بعد الموت!! أيعقل هذا؟ أيستقيم إيمانك بهذا؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أن يأتي طاغية يفني بحرب عالمية ثانية خمسين مليون إنسان، بقرار منه يدير حرباً عالمية، وتنتهي الحياة، ولا شيء عليه؟! إنسان ألقى قنبلة ذرية على اليابان، الذي أصدر أمراً بإلقاء القنبلة لا شيء عليه؟ تنتهي الحياة هكذا؟! ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ قبل أن يعرف الله ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ لا يوجد حساب؟ لا يوجد إله يحاسب؟ والله الذي لا إله إلا هو مرة ثانية، والله الذي لا إله إلا هو ما من قطرة دم تراق من آدم إلى يوم القيامة إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ ،

(( عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ. ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه ]

فكيف بمن يبيد أمماً؟ مليون قتيل، أربعة ملايين مشرد، مليون معاق، بقرار واهم، من أجل شيء لم يُعثر عليه ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ زوج ظالم يسحق زوجته، يبالغ في إذلالها وإهانتها، وضربها وأخذ أموالها، ثم يطلقها، وتنتهي الحياة هكذا؟! إنسان يتاجر بالمخدرات، يفسد شباب الأمة، وينتهي الأمر هكذا!؟ إنسان يدير ملهى يُفسد به الشباب والرجال والسائحين، وتنتهي الحياة هكذا!؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ كأنه يحسب هذا، يظن القضية بقوته، وبغناه، وبقراره، ولن يحاسب. 

10 – ساذج يستند إلى أشياء مضحكة:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾

[ سورة الفجر ]

يعمل سياحة حول العالم، يرتكب المعاصي والآثام كلها، يقول لك: إذا أحبّ عبده أراه ملكه، من قال لك: إن الله يحبك؟ إذا أحبّ عبده أطلعه على ملكه، يكون من فندق لفندق، ومن فاحشة لفاحشة، ومن ملهى لملهى، ومن نواد ليلية إلى نوادٍ ليلية، ويقول لك: إذا أحبّ عبده أطلعه على ملكه، ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ لولا أن الله أن يحبني لما جعلني غنياً، الله أعطى المال لقارون وهو لا يحبه، قال تعالى: 

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)﴾

[ سورة القصص ]

أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبه، فلذلك أيها الإخوة؛ الإنسان غير المؤمن ساذج، أي يستند إلى أشياء مضحكة، لأنه جعله غنياً يعد الغنى محبة من الله، لأنه جعله قوياً يعد القوة محبة من الله. 

11 – يرى أن أمره نافذ وينسى حساب الله:

من صفات الإنسان قبل أن يؤمن: 

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7)﴾

[ سورة العلق  ]

ما دام قوياً، وغنياً، وبيده الأمور، أب قوي، أمره نافذ، معه سلاح الطلاق أمام زوجته، معه سلاح الحرمان لأولاده، أمره نافذ، ينسى أن الله سيحاسبه، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى*أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ لذلك المؤمن دائمُ الافتقار إلى الله، ولو كان قوياً، المؤمن دائمُ الافتقار إلى الله، ولو كان غنياً، ولو كان متمكناً، يا رب تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك، يا ذا القوة المتين، ببدر الصحابة افتقروا إلى الله فانتصروا، لكن بحُنين، وهم علية القوم، وهم صفوة الله من خلقه، وفيهم رسوله: 

﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾

[ سورة التوبة  ]

﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى*أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ . 

12 – خاسر:

الإنسان قبل أن يعرف الله خاسر، أيّ إنسان، قال تعالى: 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

[ سورة العصر ]

خاسر، لماذا هو خاسر؟ قال: لأن مضي الزمن يستهلكه، أنت بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، تصوروا إنساناً عمره عند الله سبع وستون سنة وثمانية أشهر وثلاثة أسابيع وأربعة أيام وخمس ساعات وثماني عشرة دقيقة وأربع ثوان، هذا عمره، كلما مرت ثانية يقترب من عمره، مضي الزمن يستهلكه، ﴿وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ مُضي الزمن يستهلكنا جميعاً، أي كل من في المسجد بعد مئة عام في الأعم الأغلب لن تجد واحداً فوق الأرض، كلنا تحت الأرض، قال تعالى: 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)﴾

[ سورة الإنسان ]

والله مرة راجعت شريطاً فيه إجابات آلية على الهاتف، سمعت هذه الإجابات أكثر من عشرة أشخاص في هذا الشريط ماتوا، أحياناً دليل الهاتف، كل مرة تشطب اسماً مات، إلى رحمة الله هكذا، فلذلك: ﴿وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ طبعاً:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

[ سورة العصر ]

موضوع ثان بعد الإيمان هناك وصف آخر، أما الحديث اليوم عن حقيقة الإنسان قبل أن يؤمن، خاسر، عنده تسعون مليار دولار بيل غيتس، خاسر، أنت وكيل شركة عملاقة، أرباحك اليومية مليونا ليرة، خاسر، كلام الله، خاسر، أنت عندك وكالة حصرية، خاسر، شارٍ أراض ألف دنم، عندك ألف دنم، الدنم بخمسة آلاف، صار ثمن الدنم خمسة ملايين، خاسر، رقم فلكي، الآن هناك أراضٍ من خمسة آلاف إلى خمسة ملايين ارتفعت، يقول لك: بيته بالجنة، فوق الرياح، كلام فارغ، ﴿وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ لأن هناك الموت، هناك انقطاع. 

13 – ضعيف:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4)﴾

[ سورة البلد ]

في ضعف، أيّ خثرة دم تشله، أنت وعظَمتك ومكانتك، وهيمنتك وحجمك المالي، وشهاداتك الكثيرة ومناصبك العديدة، كل عظمة الإنسان مرتبطة بسيولة الدم، فإذا تجمدت خثرة صغيرة لا ترى بالعين في أحد أوعية الدماغ أصيب بالشلل، انتهى، الإنسان قوته وحجمه المالي، ومكانته وهيمنته، ومناصبه ومكتسباته، وشهاداته وسيرته الذاتية، وكم بلد زار، وعضو بعشرين أو ثلاثين جمعية، وحضر ثلاثين أو أربعين مؤتمراً، كله منوط بنمو الخلايا، فإذا نمت نمواً عشوائياً تأتي النعوة على الجدران: عظّم الله أجركم، انتهى، لذلك: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ أحياناً يبقى طريح الفراش ثلاثين سنة، أحياناً يموت في ثانية، وبلا سبب ظاهر، سكتة قلبية، سكتة دماغية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ فالإنسان أقل سبب يُنهي له حياته.
أعرف قريبًا طالب طب، من أسرة راقية جداً، وبيت علم، صار معه فقر دم، وغذاؤهم جيد جداً، فقر دم، لم يتركوا طبيباً، بعد ذلك النتيجة أن هذا الطحال هذا مقبرة كريات الدم الحمراء، فالكريات الميتة يموت بالثانية مليونان ونصف مليون كرية، هذه الكريات تذهب إلى الطحال تُحَلل إلى عواملها الأولية، تُحلل إلى هيموغلوبين يؤخذ إلى الصفراء، وتُحلل إلى حديد يُعاد تصنيعه في معامل نقل الدم، هذا القريب مات بمرض أن الطحال له نشاط زائد، بدل أن يأخذ الكريات الميتة، ويحللها يأخذ الميتة والحية، نشاط زائد أنهى حياة إنسان، الإنسان تحت رحمة هرمون تفرزه الغدة النخامية، الغدة النخامية وزنها نصف غرام، ملكة الغدد، كل هرمون لو قلّ إفرازه لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ الإنسان سريع العطب.
أي أعرف رجلاً مركز التنبيه النوبي للرئتين تعطّل، يجب أن يبقى طوال الليل كي يتنفس تنفساً إرادياً، وإلا يموت، أنت تنام نوماً عميقاً، التنفس يجري آلياً، لكن هذه نعمة كبيرة جداً، فلا ينام أبداً، إذا نام يموت فوراً، يجب أن يبقى ساهراً، شهيق وزفير، اكتشفوا دواء يأخذ كل ساعة حبة، غال جداً، فعنده أربعة منبهات، إذا أراد أن ينام الساعة الحادية عشرة يبرمج المنبهات على الساعة الثانية عشرة، يأخذ حبة، والساعة واحدة حبة، الساعة الثانية حبة، الساعة الثالثة حبة، الساعة الرابعة حبة، للصباح، له ابن جاء من أمريكا من فرحه الشديد المنبهات أصدرت صوتاً لم يسمعها، وجدوه ميتاً صباحاً، مركز التنبيه النوبي بالمخيخ تعطل، لابدّ من أن تبقى ساهراً كي تتنفس: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ فالإنسان ضعيف، والإنسان يطغى أن رآه استغنى، والإنسان في خسر، والإنسان عجول، والإنسان يتوهم أنه يُترك سدى، وهذا كله من ضلال الإنسان قبل الإيمان.
أيها الإخوة الكرام؛ 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

[ سورة المعارج ]

حدثني أخ كان مضيفاً بطائرة دخلت في سحابة مكهربة فتحطمت واجهة الطائرة، وتعطّل جهاز الرادار، وكادت أن تسقط، قال لي: أوضاع الركاب شيء مخيف، بعضهم يبكي، بعضهم يندب حظه، بعضهم يصرخ بويله، بعضهم يمزق ثيابه، بعضهم يقول: يا ولدي، قال لي: غير معقول، فالطيار اضطرب جداً، قال له: هدئ الركاب، قال له: ما استجابوا، قال له: انتقِ شخصًا من الركاب، وجد شخصاً جالساً بشكل هادئ، ساكت، فاختاره فوجده مغمى عليه، الإنسان شيء مخيف: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً*إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً*إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ .

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)﴾

[ سورة النساء ]

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ بهذا اللقاء الطيب تحدثت عن آيات كريمة تصف الإنسان قبل أن يعرف الله، هذه صفاته، أما إذا عرف الله صار إنساناً آخر.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور