وضع داكن
24-10-2026
Logo
العقيدة والإعجاز - مقومات التكليف - الدرس : 25 - الشهوة -11- شهوة المال -5- المال في الإسلام - 3 المال الحلال وتسخير المال لخدمة الأمة الإسلامية
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. 
 

الشهوات حيادية سُلَم نرقى به أو دركات نهوي بها:


أيها الإخوة الكرام؛ مع الدرس الخامس والعشرين من دروس العقيدة والإعجاز، ولازلنا في مقومات التكليف، ولازلنا في مقوم الشهوة، وقد بينت لكم بفضل الله عز وجل أن الشهوات سلَّمٌ إلى رب الأرض والسماوات، وأن الشهوات حيادية، يمكن أن توظف في الخير كما يمكن أن توظف في الشر، ولأن الإنسان مخير شهواته كلها حيادية، وحظوظه كلها حيادية، وخصائصه كلها حيادية، بمعنى أن أي شيء أودعه الله فيك، أو جبلك عليه، أو خصّك به حيادي، توظفه في الخير أو توظفه في الشر، وذكرت لكم أن عالماً كبيراً التقيت به مرة قال لي: أنا عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، منهم ما يزيد عن ثلاثة عشر طبيباً، كلهم حفظة لكتاب الله وأطباء، خطر في بالي أن هذا الحشد من الحفدة الطيبين الطاهرين، وهؤلاء الحفظة الكرام والأطباء الأعلام سبب كل هذا الحشد علاقة جنسية بين الجد وبين زوجته، وهناك بيوت دعارة، وهناك علاقات جنسية، علاقة أنجبت هذا الخير، وعلاقة أنجبت ذلك الشر، إذاً الشهوات حيادية، يمكن أن تكون سلماً ترقى به أو دركات تهوي بها. 
أيها الإخوة؛ بشكل أو بآخر لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، هي المحرك الذي يدفعك إلى المجد، إلى معرفة الله، شهوات، أودع فيك شهوة، ومن أجل أن ترضي الله ضبطتها، تحركت خلالها في الحيز الذي سمح الله لك به فأرضيت الله عز وجل، وارتقيت عنده، فكل من يقول: لولا الشهوات لما دخلنا إلى النار، أو لما استحق الإنسان النار كلام ساذج غير صحيح، لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات. 
 

المالُ قوامُ الحياة:


ونحن في بنود هذا الموضوع الكبير وصلنا إلى موضوع المال، وبيّنا أن المال قوام الحياة، وأن المال يُعدّ أكبر قُربة إلى الله، وأن المال حيادي، يكون زاداً للإنسان إلى الجنة، وطريقاً إلى النار، وأن المال يُقسم إلى قسمين، رزق وكسب، فالرزق ما انتفعت به، والكسب ما لم تنتفع به، لكن تحاسب عليه، فالأشياء المستهلكة هي الرزق، والأشياء التي حصّلتها بجهدك هي الكسب، وذكرت لكم أن الإنسان يُسأل عن علمه، ماذا عمل به؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟ وعن عمره فيمَ أفناه؟ لكنه يُسأل عن ماله سؤالين: من أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟
مرة ثانية؛ الإخوة الكرام الذين حباهم الله بالمال بإمكانهم أن يصلوا بالمال إلى أعلى درجة في الجنة، بالمال وحده، بإنفاق المال.
 

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الأرض:


الآن بدأ الدرس:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. ))

[  صحيح مسلم  ]

لماذا؟ لأن علة وجودك في الأرض العمل الصالح، الدليل الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول:

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾

[ سورة المؤمنون  ]

لا يندم الإنسان حينما يأتيه ملَك الموت إلا على ساعة مضت لم يعمل فيها عملاً صالحاً، فالعمل الصالح علة وجودنا، الآن المؤمن القوي بعلمه أو بماله أو بمنصبه متاح له مِن الأعمال الصالحة ما لا يتاح لغيره، أي بالتعبير المعاصر خياراته في العمل الصالح كبيرة جداً، كإنسان حصَّل مالاً من حلال من تجارة مشروعة، لا فيها كذب ولا غش، ولا دجل ولا إيهام، ولا تدليس ولا احتكار، ولا استغلال ولا ربح فاحش، تجارة مشروعة، وقد قيل: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وأكبر قطر في العالم الإسلامي إندونيسيا بإحصاء مألوف أنه يزيد عن أربعة عشر ألف جزيرة، وهو أكبر قطر إسلامي، مئتان وخمسون مليونًا، هذا القطر الإسلامي الكبير سبب هدايته تسعة تجار جاؤوا إليه للتجارة، لكنهم استقاموا، قد لا تفهم كيف يقال: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ مَعَ النَّبِيِّينَ، لأن التاجر الصدوق داعية إلى الله بمعاملته، بصدقه، بأمانته، بإخلاصه.
 

المالُ الحلال من مقوِّمات التكليف:


لذلك أيها الإخوة؛ قضية المال أحد أكبر مقومات التكليف، فالحديث عن المال، فمن جمع المال الحلال بإمكانه أن يُزوِّج شاباً، بإمكانه أن يُؤسس مدرسة شرعية، بإمكانه أن يفتتح ميتماً، بإمكانه أن يُؤسس جمعية خيرية، بإمكانه أن يُعين ضعيفاً، أن يُعالج مريضاً، أن يرحم كسيراً، أن يُطعم جائعاً، أن يرعى يتيماً، أن يرعى أرملة، أي الخيارات التي أمام الغني لا تُعدّ ولا تحصى، لذلك إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله، أنا أرى أنه يجب أن تكون غنياً، أما إذا كان طريق الغنى سالكاً على حساب مبادئك ودينك وقيمك فالفقر وسام شرف لك، إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله، دون أن تضحي بدينك، ولا بمبدئك، ولا بقيمك، تجارة مشروعة، رزق حلال، يجب أن تكون غنياً، لأنك بمالك تحُل آلاف المشكلات، بمالك ترعى يتيماً، بمالك تُربي إنساناً، بمالك تُعطي منحة دراسية حتى الدكتوراه لطالب مؤمن مسلم متألق، تجعله أحد علماء الأمة.
 

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق:


مرة ثانية، والله أيها الإخوة؛ أمام الإخوة الكرام الذين أكرمهم الله بالمال أمامهم أعمال صالحة لا تُعدّ ولا تحصى، وقد قال بعض العلماء: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، طرق كثيرة، تؤسس جامعات، أنا التقيت مع إنسان أسس جامعة كبيرة جداً، أمضيت فيها يوماً، يستقبل الطلاب بعد الظهر، والطالبات صباحاً، هؤلاء الطلاب يتعلمون، من أماكن فقيرة، الأقساط مجانية، لا يوجد أقساط لكن يوجد راتب، والمواصلات على حساب الجامعة من الباب إلى الباب، والجامعة مضى على إنشائها عشر سنوات، خرّجت آلاف الطلاب، يحمل شهادة عليا يتعين، يتزوج، أو تحمل شهادة عليا تـتعين مُدَرِّسة تتزوج، رأيت صاحب هذا العمل الطيب إنسانًا متميزًا، تميز بماله فقط، المال قوة كبيرة أيها الإخوة؛ أي يجب أن نفهم لماذا جعل الله بعض الأغنياء أغنياء، لأن هؤلاء بإمكانهم أن يصِلوا إلى أعلى درجات الجنة بأموالهم، بإنفاق المال، سيدنا الصديق أنفق كل ماله على رسول الله، سيدنا عثمان بن عفان:

(( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَيَنْثُرُهَا فِي حِجْرِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ، وَيَقُولُ: مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ، مَرَّتَيْنِ. ))

[ الترمذي: رجاله موثوقون ]

حينما جهّز جيش العسرة، سيدنا عبد الرحمن بن عوف كان غنياً، قال: ماذا أفعل إذا كنت أدفع مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء؟ والله لأدخلن الجنةَ خبباً، هرولة طبعاً، أنا الذي أتمناه من الإخوة الكرام؛ ألا تكون شخصاً عادياً، ملايين مملينة تأتي إلى الدنيا، تكبر، تتزوج، تنجب، تموت، ولا أحد يعلم ماذا حصل، عدد كبير يسمّونه الخط العريض، يسمّونه الطبقة الدنيا، تعيش لتأكل وتشرب، أي أقصى طموحه أن يشتري بيتًا صغيراً، لا هموم له، أما المؤمن همّه كبير، همه كبير، يحمل همَّ الأمة، همّه نشر الحق، همه إسعاد الناس، همه أن ينقل الناس من الظلمات إلى النور، من الضياع إلى الوجدان، من الشرك إلى التوحيد، من الشقاء إلى السعادة، من البخل إلى الكرم، من الجهل إلى العلم، من التبعثر إلى التوحد، فلذلك وصف الله النبي صلى الله عليه وسلم بأنه في الأفق الأعلى، أي إنسان في الدنيا إذا حمل همَّ من حوله نُقدّسه، إذا فكر إنسان بمن حوله، والله حدثني أخ الله عز وجل أكرمه بالمال، قال لي: والله ما مِن شاب من أسرتي الواسعة طبعاً أي أوسع دائرة بالأسرة إلا زوّجته، هيأت له عملاً، لذلك الله عز وجل حينما قال:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

[ سورة التوبة ]

 

المالُ الحلال قوامُ الحياة:


أيها الإخوة؛ الآن الإنسان المؤمن القوي عند رسول الله خير وأحبّ إلى الله تعالى، ما أتيح لك المال، العلم متاح لك، لمَ ترضى أن تكون غير متعلم؟ لمَ؟ لمَ لا تكون طموحاً؟ إذا المال ما أتيح لك العلم متاح، إذا أتيح لك منصب بجرة قلم تُحق حقاً، وتُبطل باطلاً، تُقر معروفاً، تُنكر منكراً، تُقرب مُخلصاً، تُبعد فاجراً، بتوقيع، إما أن تكون قوياً بمنصبك، أو أن تكون قوياً بعلمك، أو أن تكون قوياً بمالك، و: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ)) .
والله أيها الإخوة؛ أنا أستمع من حين لآخر إلى نماذج من الشباب طموحين، يتطلعون إلى خدمة الأمة، إلى فعل شيء يلفت النظر، إلى تقديم خدمة عالية، إلى حلّ مشكلة، إلى توعية، إلى تبصرة، فإن لم تكن من هذا المستوى ما قيمة الحياة؟ قال سيدنا علي رضي الله عنه: يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تُنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق ، قال له: يا بني مات خُزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة .
 

الضعيف قدرًا ومشيئةً له مكانة في الإسلام:


الآن لكن النبي الكريم رحيم قال: ((وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ)) حتى المؤمن الضعيف بارك الله به، لكن هناك نقطة دقيقة، إذا كان متاح لك أن تكون قوياً ينبغي أن تكون قوياً، أما إذا سعيت جهدك، ولم تصل إلى القوة هذا من قضاء الله وقدره، عندئذ تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، تقول حسبنا الله ونعم الوكيل إذا بذلت كل جهدك، ولم تصِل إلا إلى هذا المستوى، أنا لا أقول لك أن تعاند القدر، لا، لكن أنا أتألم أشدّ التألم مما يسمى بفقر الكسل، أي يؤجل كل شيء، يسمى إرجائي، غداً، غداً، مرة قال رجل للنبي: غداً، قال له: ويحك، أو ليس الدهر كله غداً؟ الآنَ، الآن، الآن، فهناك تأجيل، عدم إتقان، عدم تطوير، إهمال، مواعيد غير مضبوطة، عمل غير مُتقن، تواكل، يُعزا الخطأ لغيره، مثل هذا الإنسان قد يكون فقيراً، لكن هذا الفقر ليس قدراً له، من جراء إهماله وتقصيره، هذا إذاً يسمى فقر الكسل، أما هناك فقر القدر؛ إنسان معه عاهة، صاحبه معذور، فقير القدر معذور، فقير الكسل مذموم، أما فقير الإنفاق محمود، هذه حالات نادرة، أنفق كل ماله، قال له: يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي الدرداء: إنَّ أبا بكرٍ خيرُ من طلَعَت عليهِ الشَّمسُ وغرُبَت. ))

[ أخرجه أحمد: إسناده ثقات وله طرق ]

ما ساءني قط، أعطاني ماله، زوجني ابنته، احفظوا له ذلك، سدوا كل خوخة عليّ إلا خوخة أبي بكر، أي لا يوجد إنسان ارتقى إلى مستوى هذا الصّدِّيق بعد رسول الله، أي هل خطر في بالك هذا النص الذي قاله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟ هو يحبه حباً يفوق حدّ الخيال، لا أعتقد أن على وجه الأرض إنسانين يحب كل منهما الآخر كما يحب الصديق رسول الله، والرسولُ الصّديق، ومع ذلك حينما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال الصدِّيق:

(( عن عائشة رضي الله عنها: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ - لماذا لم يقل رسول الله؟ قال:-مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - باسمه فقط من دون أي لقب-فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ. ))

[ متفق عليه ]

لأن الرسالة لا تنقطع بوفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الرسالة مستمرة.

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12)﴾

[ سورة الليل  ]

لكن تكون في بعض الأحيان عن طريق الأنبياء، وقد تكون أحياناً عن طريق الصديقين والشهداء والصالحين والعلماء العاملين والدعاة المخلصين، تارة تكون عن طريق الأنبياء أو الرسل، وتارة عن طريق الصلحاء، فلذلك ما قال: من كان يعبد رسول الله فإن رسول الله قد مات، هذا الكلام يوهم أن الرسالة انتهت، لا، الرسالة مستمرة، والدليل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

[  سورة الأنفال  ]

الآن العالم الإسلامي، المليار والخمسمئة مليون معذبون، ليست كلمتهم هي العليا، ليس أمرهم بيدهم، أُعلنت عليهم حرب عالمية ثالثة في كل بقاع الأرض، ومع ذلك لأن رسول الله ليس فيهم، أي سنته ليست مطبقة في حياتهم، آية دقيقة جداً: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أي يا محمد مادامت سنتك قائمة في حياتهم هم في مأمن من عذاب الله.
 

حقيقة الشباب:


والله أيها الإخوة؛ حديث أنا لا أشبع من ترداده، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل سيدنا معاذ بن جبل قال:

(( عن معاذ بن جبل: يا معاذُ أتدري ما حقُّ اللَّهِ على عبادِهِ؟ قلتُ: اللَّهُ ورسولُهُ أعلَمُ، قال: حقُّهُ عليهم أن يعبدوهُ ولا يُشرِكوا بهِ شيئًا، أتدري ما حَقُّ العبادِ على اللَّهِ إذا فعلوا ذَلِكَ، قلتُ اللَّهُ ورسولُهُ أعلَمُ، قال: حقُّهمْ ألا يعذِّبُهمْ. ))

[ صحيح البخاري ]

كأن الله عز وجل من خلال كلام نبيه صلى الله عليه وسلم أنشأ لنا حقاً عليه، قال: ((يا معاذ ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قال: ألا يعذبهم)) أنت في مأمن، أنا أخاطب الشباب، لا تخف، ما دمت مستقيماً لا تخف، أنت مستثنى من كل الظروف، هناك ظروف صعبة، هناك ظروف بالغة الصعوبة، لا يوجد فرص عمل، لا يوجد بيوت، أسعار البيوت فوق طاقة الشباب، أنا أقول لكم ولي ثقة مطلقة بالله عز وجل: إنك إذا كنت مستقيماً فالله يتولاك، والدليل:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾

[ سورة النحل ]

فأنا أرى أنك أنت أيها الشاب، وكل الحاضرين شباب، الأصح أن هناك مؤمناً بالخامسة والتسعين شاباً، الشباب بالتعريف الحديث لا علاقة له بالسن أبداً، له علاقة بالطموح، مادام الهدف كبيراً فأنت شاب، تجد إنساناً بالخامسة والأربعين تجلس معه تضيق ذرعاً به، ليس له ولا طموح، أكل، وشرب، ولعب النرد كل الليل، هذا عمله، تابع فيلماً، ولعب طاولة، وأكل صباحاً، ونام بعد الظهر، وسهر، وتكلم ماذا سمع بالجزيرة، وهذه القصة كلها، ليس له أي هدف بالحياة، هذا سمِّه شيخاً وقوراً، هو غير وقور، مرة سمعت كلمة أعجبتني، قال: هناك شيخ شيّخه الزمان، عمره مئة وعشر سنوات، يقول لك: شيخ كبير، هذا شيخ شيّخه الزمان، وهناك شيخ شيّخه الأقران، شيخ قبيلة، أفراد القبيلة اختاروه شيخاً، فهو شيخ شيّخه الأقران، وهناك شيخ شيّخه الشيطان، السحر والشعوذة، وفك السحر، يريد ديكاً أبيض، ويريد خروفًا أسود، ويعطيك طلاسم، ويعطيك حجاباً، لا تفهم منه شيء إطلاقاً، هذا شيخ شيّخه الشيطان، والذي قبله شيّخه الأقران، والذي قبله شيّخه الزمان، وهناك شيخ شيّخه السلطان، السلطان عينه شيخاً، وهناك شيخ شيّخه الإعلام، وهناك شيخ شيّخه الرحمن، فالبطولة أن تكون مع شيخ شيّخه الرحمن.

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)﴾

[ سورة يس ]

لا تصاحب من لا يرقى بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله، لا تصاحب أهل الأهواء، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر دينَك دِينَك، إنه لحمك ودمك.
 

تسخير المال لخدمة الأمة الإسلامية:


إذاً نحن لا زلنا في موضوع المال، المال قوام الحياة، وقوة، والمال أحد أكبر بنود القوة، الآن إن صح أن هناك عبادة العصر، نحن في عصر، هناك حرب عالمية ثالثة معلنة، أحد بنود هذه الحرب أخذ الأموال، بحرب الخليج الأولى انتقل من الشرق إلى الغرب سبعمئة مليار، وكل يوم ينتقل مليارات ممليرة من الشرق إلى الغرب، حرب إفقار، الثروات نُهِبت، البلاد احتلت، الشباب قُتِلت، النفط أُخِذ بلا حساب، فحرب إفقار، في هذا العصر عصر إفقار المسلمين ما هو أعظم عمل؟ أو أقرب عبادة تعاملية إلى الله؟ أن تكسب المال الحلال، وتحل به مشكلات المسلمين، واضح؟ هذا أعظم عمل، قد لا تنتبهون إلى خطورة المال، المال قوام الحياة.
مرة كنت في مهرجان قرآن كريم، فلفت نظري أن الجائزة الأولى مبلغ يقترب من مليوني ليرة، الذي حفظ كتاب الله له جائزة تقترب من مليوني ليرة سورية، أنا اقترحت أن هذا المبلغ يأخذه الأب مباشرة، وقد يحل به بعض المشكلات، يشتري بيتًا صغيراً، يفي بعض ديونه، لكن كنت تمنيت على من هيؤوا لهذه المهرجانات والمسابقات الرائعة أن يعطوا حافظ كتاب الله منحة دراسية حتى الدكتوراه، جعلنا منه عالماً، والأمة بعلمائها، والله أنا أحبّ كل المؤمنين من دون استثناء والله.
 

مَن لا يعمل لا يخطئ:


لكن هناك مَن يحمل معك، وهناك مَن تحمله، والفرق كبير جداً، بالحج قديماً ما كان هناك طواف بالكرسي، كان هناك طواف بالحمل إذا كنتم تتذكرون، كان هناك منصة لها سور، يجلس الإنسان الكبير بالسن، ويحمله أربعة، هذا المنظر منظر مؤلم جداً، هناك الآن مسلم بهذا الشكل، لا يتحرك، ولا يتكلم، ولا يقدم شيئًا، ولا يُعلق، ولا يعين أحداً، جالس مرتاحاً، لا يعمل شيئا، ويُقيِّم الناس، يوزِّع ألقاب البطولة وعدم البطولة، وهذا جيد وهذا سيئ، وهو ما عمل شيئًا، أنا أقول كلمة دائماً: أنا هناك إنسان أموت في حبه، لأنه لا يخطئ، إنه رسول الله، وسامحوني على الكلمة الثانية، وهناك إنسان أحتقره أشدّ الاحتقار، مع أنه لا يخطئ، هو الذي لا يعمل، الذي لا يعمل لا يخطئ، ما قدم شيئًا، ما حاول أي محاولة، أي أنت اسأل نفسك قبل أن تنام: اليوم ماذا فعلت؟ هل قدمت خدمة لإنسان؟ هل نصحت؟ هل عاونت إنساناً؟ هل أطعمت هرة؟ هل خدمت والدتك؟ أعنت والدتك بشيء؟ الإنسان الذي لا يعمل لا يخطئ، فالذي لا يُخطئ وهو لا يعمل يجب أن نحتقره، أنا والله أُكبر من يعمل وقد يخطئ، سمعت من بعض الدعاة في مصر أن داعية مشهوراُ كان يمشي على الرصيف، فوجد شاباً على دراجة يبيع الشاي والشطائر، يعرفه، معه شهادة جامعية، ما وجد عملاً، عمل هذا العمل، وكسب رزقاً جيداً، وتقريباً تزوج بعد هذا، فهذا العالم قال لي: والله أوقفت مركبتي، وذهبت إليه، وصافحته، وأكبرت عمله، العمل شرف يا إخوان، كان سيدنا عمر يقول: إني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني.
 

العمل شرفٌ:


العمل شرف، اليد العليا خير من اليد السفلى، والله هناك مشهد من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنسان في عهد النبي طلب منه مساعدة، النبي غضب، ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر،
(( عن أنس بن مالك: أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله قال له: أعندك شيء؟ قال له: يا رسول الله ما عندي إلا حلس وقعب، حِلْسٌ بساط صغير، وقعب إناء، ما عندي إلا حلس نجلس عليه، وإناء نشرب منه، قَالَ له: ائْتِنِي بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا-من هنا كانت مشروعية المزايدة- قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ، وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ، وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تسأل الناس أعطوك أو منعوك.)) 

[ ضعيف أبو داود ]

وصدقوا أيها الإخوة؛ أنت حينما تطلب الرزق من الله فإن الله عز وجل يرزقك، وترجو الله أن يرزقك يرزقك، يهيئ لك عملاً، العمل بيد الله، والزواج بيد الله، والبيت بيد الله، والصحة بيد الله، أنا أريد أن تنعقد هذه الصلة مع الله، أريد أن تسأل الله أن يكون هناك حوار مع الله، الآن كل حياتنا تصير حواراً، حوار، حوار، نريد حواراً مع الله، أي مناجاة، يا رب ارزقني رزقاً حلالاً طيباً، أنا أقول أحياناً دعاء: اللهم اهدنا، واهد بنا، اجعلنا هادين مهديين، وارزقنا طيباً، واستعملنا صالحاً، وكلما رأيت أخاً كريماً له عمل شريف أقول له: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيم استعملك؟ الله استعملك بالخير.
 

الحياة سعيدة بخدمة الخلق:


أقول لكم كلمة: الحياة حلوة، حلوة بطاعة الله، حلوة بأن تحمل همّ المؤمنين، حلوة أن تقدم شيئًا للناس، أنا أستثير عزائمكم، لا ترضَ أن تكون صفراً على الشمال، لا، صفر بعد الواحد، صفران أفضب تصبح مئة أو ألفاً، لا ترضَ أن تكون شخصاً عاديًا، بهمتك وإيمانك وعملك الصالح ترقى عند الله.
البارحة أنا جئت من الميدان، قبل الميدان يوجد حي، هناك مئذنة عالية جداً، ذكرت لكم قصة صاحبها كثيراً، هذا المستخدم في مدرسة، فقير عنده ثمانية أولاد، دخله أربعة آلاف، وهو تحت الخط الأحمر بالفقر، ويسكن بغرفة واحدة مستأجرة، ورث أرض هذا المسجد، فعرضها للبيع، جاء من يشتريها، الذي اشتراها أعطاه نصف الثمن مُقدَّماً، قال له: أين بقية المبلغ؟ قال له: عند التنازل، قال له: ما التنازل؟ قال له: هذه تذهب إلى الأوقاف تتنازل عنها لتكون مسجداً، قال له: مسجد!!! أنا أبيع أرضاً تصبح جامعاً؟! فمزق السند، قال له: والله أنا أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتكون مسجداً، أنا أقدمها لله مكانك، هذا عمل يسعد به إلى أبد الآبدين، عمل يُسعدك إلى أبد الآبدين، عمل عظيم، تضحية، خدمة، ألّفت شيئاً، طلبت العلم، علّمت، خدمت إنساناً، كنت باراً بوالديك، اعمل عملاً ترقى به عند الله عز وجل. 
 

المال عنصر مهم وخطير:


إذاً موضوع المال أحد أكبر أنواع القوى في الحياة، والمنصب قوة، والعلم قوة، والمال قوة، والموضوع عن المال، فبإمكان أصحاب الأموال أن يصلوا إلى أعلى درجات الجنة، الدليل رائع جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي هريرة: لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار. ))

[ صحيح البخاري ]

هناك محسنون، والله عز وجل يزيدهم غنىً، يبارك لهم بصحتهم، بأولادهم، بمالهم، يحفظهم من كل مكروه، لذلك:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» . وَقَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلأَى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». وَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ».))

[ صحيح البخاري ]

(( عن أبي هريرة: أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم دخل على بلالٍ وعنده صُبْرَةٌ من تَمْرٍ، فقال: ما هذا يا بلالُ؟!، قال: شيءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ، فقال: أَمَا تَخْشَى أن تَرَى له غَدًا بُخَارًا في نارِ جهنمَ يومَ القيامةِ؟! أَنْفِقْ بلالُ! ولا تَخْشَ من ذِي العرشِ إِقْلالًا. ))

[  هداية الرواة: صحيح بمجموع طرقه ]

فإذا نحن بعصر الطرف الآخر اتخذ قراراً بإفقارنا عن طريق نهب الثروات، وإشغالنا بحروب جانبية، إلى آخره القصة معروفة، فما هي العبادة الأولى؟ أن تكسِب المال الحلال، وتهيئ فرص عمل، أنا حدثني أخ كان بألمانيا، فجاء إنسان من هذا البلد ليقيم معملاً هنا، قال لي: فوجئت مفاجأة كبيرة، هو توقع مثل أي بلد آخر، يوجد رخص، ومعاملات، وإجراءات مطولة، وروتين، ووثائق، وبراءات ذمة، وموافقات، ما طُلب منه شيء إلا تصريحين؛ الأول بعدم تلويث البيئة، والثاني بتأمين فرص عمل لأبناء ألمانيا، وقدموا له الأرض مجاناً بأجرة رمزية، كل دونم أجرته بالسنة مارك واحد، الآن صار يورو، انظر إلى التفكير، هذا إنسان مُنتج، يجب أن نشجعه، أعطوه أرضاً الدونم بمارك، وتصريحين؛ عدم تلويث البيئة، والثاني تأمين فرص عمل.
والله مرة أخ من إخواننا، هذا الشيء ذكرته سابقاً، قال لي: أنا سوف أغلق معملي، السبب؟ قال لي: ما عاد ربحت، قلت له: كم عاملاً عندك؟ قال: ثمانون، قلت له: من قال لك: إنك لا تربح؟ أنت تفتح ثمانين بيتًا، إذا كان في كل بيت خمسة أشخاص؛ أنت وزوجتك وثلاثة أولاد، خمسة بثمانين، الناتج أربعمئة إنسان، أربعمئة إنسان أنت بهذا المعمل تطعمهم من فضل الله عليك، فبقاء المعمل مفتوحاً هذا أكبر ربح، أحياناً أجد صناعياً عنده ثلاثة آلاف عامل، والله أكبره، معنى هذا هو يفتح ثلاثة آلاف بيت: ((الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
فأنت أمامك العلم، فإما أن تكون ابن إنسان معه مال، تفتح مشروعاً، أو تكون إنساناً لا يوجد عندك إمكانية، ادرس، خذ شهادة عليا، اختصاص نادر، أتقن عملك، أو إنساناً عندك أنت حرفة أتقنها، أبدع فيها، يرتفع دخلك، تُعين غيرك، أي المال أكبر قُربة إلى الله عز وجل، والحمد لله رب العالمين.
 

الموضوع العلمي حيوان البطريق:

 

1 – رحلة البطريق إلى القطب الجنوبي:

وننتقل إلى الموضوع العملي. 
إخواننا الكرام؛ يوجد بخلق الله عز وجل آيات دالة على عظمته، يوجد بالقطب الجنوبي، هذا المكان يُعد أبرد منطقة في العالم، الشتاء ستة أشهر، وبيئة صعبة جداً، وفيه مخلوق هناك اسمه البطريق، حيوان برمائي يمشي على رجلين، أو يزحف على بطنه.
قال: تقوم هذه البطاريق برحلة إلى هذا القطب الجنوبي، الرحلة تستمر بضعة أسابيع، وتقطع مسافة مئة كيلو متر تقطعها زحفاً أو مشياً، لذلك تصل لهذا المكان تتجمع آلافاً مؤلفة، هكذا صممت، بطاريق تجتمع، وتهاجر إلى مكان في القطب الجنوبي، حرارته خمسون تحت الصفر، سرعة رياحه الباردة مئة كيلو متر، سرعة مستمرة، رياح مع الثلج، والبرد لا يُحتمل، هذه تجتمع في القطب الجنوبي، وتبقى مع بعضها بعضاً. 

2 – نظام التناوب على أماكن الدفء والبرودة:

من الذي يبرد؟ الذين على المحيط، على المحيط يتبادلون الأمكنة، أي بالمناوبة، ليس الواحد منهم داخل المجموع دافئاً والآخر على المحيط، الذي بالمحيط يبقى ساعة أو ساعتين ثم يدخل إلى الداخل، يحل محله واحد من الداخل. 

3 – كيفية التلقيح بين الذكر والأنثى:

الشيء العجيب يتم التلاقح بين الذكر والأنثى، والأنثى تنزل إلى البحر، تضع البيضة، وتنزل إلى البحر، هذا البطريق هو واقف كل جسمه محاط بفرو سميك، لأن هناك برداً لا يحتمل، وله رجلان يقف عليهما.  

4 – حضانة الذكر للبيضة:

هذا البطريق يضع البيضة التي ولدتها أنثاه على رجليه، ويغطيها بالفرو، لأنه لو أنها تدحرجت على الأرض لمات وليده من شدة البرد، يضع البيضة على قدميه، ويغطيها بالفرو، إلى متى؟ الشاهد كله بهذه الكلمة: يبقى أربعة أشهر واقفاً على قدميه وبيضة أنثاه على قدميه يغطيها بفروة جسمه، ولا يأكل، ولا يشرب، ما هذا العطف؟ لو أنه اضطر أن يمشي لمشى زحفاً، أي تنقل بطيء جداً، لو حرك رجليه هكذا وقعت البيضة، يمشي بقفزة بطيئة، ببطء شديد، شيء لا يصدق، ما هذه الرحمة التي أودعها الله في قلب هذا البطريق الذكر؟ 

5 – عملُ أنثى البطريق:

الأنثى بالبحر تجمع الطعام، وتهيئ للعودة، حينما تعود الأنثى إلى البر تكون هذه البيضة قد فقست، خرج منها بطريق صغير تأخذه الأنثى وترعاه. 

6 – الوجبة الغذائية الأولى لصغير البطريق:

بالمناسبة البطريق الأب يوجد بحوصلته كمية حليب يبقيها في حوصلته أربعة أشهر ولا يستخدمها، وهو في أمسِّ الحاجة إليها، هي الوجبة الغذائية الأولى للبطريق حينما يولد، بعد أن يولد يفتح البطريق الابن فمه، ويأتي الأب فيضع في فم ابنه هذه الوجبة التي خبأها له من أربعة أشهر، من علمه؟ من أودع في قلبه الرحمة؟ لذلك هذا البطريق يجب أن يعلم الأمهات المقصرات درساً لا ينسى، أربعة أشهر لا يأكل ولا يشرب، لذلك ورد في بعض الآثار: أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة، أولادها بالطريق هي عند الجيران، الحيوان أحسن منها، حيوان يضع البيضة على قدميه، يغطيها بالفرو، ويقف أربعة أشهر بالتمام والكمال، لا يضع في فمه شيئاً، لا يشرب ولا يأكل، لأنه يحافظ على دفء هذه البيضة، تفقس البيضة، مهيئ لها وجبة هو في أمسِّ الحاجة إليها يعطيها للصغير بفمه. 

7 – تعاون الذكر والأنثى على رعاية الصغير:

الآن انظر إلى التعاون، تأتي الأنثى من البحر تتسلم الوليد الصغير وترعاه، وقد امتلأ بطنها طعاماً في البحر، وينزل الأب إلى البحر ليأخذ حظه من الطعام والشراب:

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)﴾

[ سورة لقمان ]

فلذلك:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾

[ سورة الأحزاب ]

إذا الإنسان ما حمل الأمانة، ولا أدى الرسالة يُعد أحقرُ حيوان أفضلَ منه، أما إذا حمل هذه الأمانة، وأدى تلك الرسالة يُعد فوق الملائكة، رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، ورُكِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، ورُكِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.
 

رعاية الأولاد من أعظم الأعمال:


أيها الإخوة؛ رعاية الأولاد من أعظم الأعمال، العناية بصحتهم، بدراستهم، بأخلاقهم، بدينهم، أنا أذكر كنت في بلد حدثني عالم جليل أن طفلاً جاء إلى المسجد في إحدى الصلوات في النهار، في الصف الأول ثمانية مصلين، أحدُهم-عافانا الله من هذا الحمق-سمع حديثاً أن الطفل في الصف الثاني، فدفع هذا الطفل، لم يكن هناك صف ثانٍ، هم كلهم ثمانية، يقول هذا الطفل بعد أن أصبح عمره خمسة وخمسين عاماً: والله خرجت من المسجد، وتركت الصلاة خمسة وخمسين عاماً، لشدة ما تألم من هذا الذي دفعه، بالمقابل حدثني أخ قال لي: أنا كنت طفلاً صغيراً، كنت أصلي في جامع الأحمدية في سوق الحميدية بعد العيد، وكان معي حذاء جديد، جزء من عقله صار الحذاء، افتقده، تألم، وبكى بكاء مراً، قال لي: رجل صالح أخذني إلى محل أحذية، واشترى لي حذاء من الدرجة الأولى، قال له: فقط لا تبكِ، يقسم بالله العظيم هذا الطفل أنه من أجل هذا العطاء والإحسان والرعاية من هذا المحسن ما فاته فرض صلاة بحياته، انظر:

(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ. ))

[ صحيح الترغيب: حسن صحيح ]

وبالمقابل:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ   عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ». (بخاري: 6478).))

[ صحيح البخاري  ]

اللهم وفقنا لما تحب وترضى، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور